An-NasafiAl‑Ahzab · 33:22–44

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:22–44

33:22Page 420

وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢

And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.

﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾، وعَدَهُمُ اللهُ أنْ يُزَلْزَلُوا حَتّى يَسْتَغِيثُوهُ، ويَسْتَنْصِرُوهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]، إلى قَوْلِهِ: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، واضْطَرَبُوا، ورُعِبُوا الرُعْبَ الشَدِيدَ،

﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ﴾، وعَلِمُوا أنَّ الغَلَبَةَ والنُصْرَةَ قَدْ وجَبَتْ لَهُمْ، «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ، أوْ عَشْرٍ"، فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ، » و"هَذا"، إشارَةٌ إلى الخَطْبِ أوِ البَلاءِ،

﴿وَما زادَهُمْ﴾، ما رَأوْا مِنَ اجْتِماعِ الأحْزابِ عَلَيْهِمْ، ومَجِيئِهِمْ،

﴿إلا إيمانًا﴾، بِاللهِ، وبِمَواعِيدِهِ،

﴿وَتَسْلِيمًا﴾، لِقَضائِهِ، وقَدَرِهِ.

33:23Page 421

مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣

Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فِيما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ، فَحَذَفَ الجارَّ، كَما في المَثَلِ: "صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ"، أيْ: صَدَقَنِي في سِنِّ بَكْرِهِ، بِطَرْحِ الجارِّ، وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، نَذَرَ رِجالٌ مِنَ الصَحابَةِ أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَبَتُوا، وقاتَلُوا حَتّى يُسْتَشْهَدُوا، وهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ، وسَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، وحَمْزَةُ، ومُصْعَبٌ، وغَيْرُهُمْ،

﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ أيْ: ماتَ شَهِيدًا، كَحَمْزَةَ، ومُصِعَبٍ، وقَضاءُ النَحْبِ صارَ عِبارَةً عَنِ المَوْتِ، لِأنَّ كُلَّ حَيٍّ مِنَ المُحْدَثاتِ لا بُدَّ لَهُ أنْ يَمُوتَ، فَكَأنَّهُ نَذْرٌ لازِمٌ في رَقَبَتِهِ، فَإذا ماتَ فَقَدْ قَضى نَحْبَهُ، أيْ: نَذْرَهُ،

﴿وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾، اَلْمَوْتَ، (p-٢٦)كَعُثْمانَ، وطَلْحَةَ،

﴿وَما بَدَّلُوا﴾، اَلْعَهْدَ،

﴿تَبْدِيلا﴾، ولا غَيَّرُوهُ، لا المُسْتَشْهَدُ، ولا مَن يَنْتَظِرُ الشَهادَةَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلُوا مِن أهْلِ النِفاقِ، ومَرْضى القُلُوبِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحزاب: ١٥]

33:24Page 421

لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤

That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، بِوَفائِهِمْ بِالعَهْدِ،

﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾، إذا لَمْ يَتُوبُوا،

﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، إنْ تابُوا،

﴿إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا﴾، بِقَبُولِ التَوْبَةِ،

﴿رَحِيمًا﴾، بِعَفْوِ الحَوْبَةِ، جَعَلَ المُنافِقِينَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُوءِ، وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصادِقُونَ عاقِبَةَ الصِدْقِ بِوَفائِهِمْ، لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَتِهِ مِنَ الثَوابِ، والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِها، والسَعْيِ في تَحْصِيلِها.

33:25Page 421

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥

And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.

﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، اَلْأحْزابَ،

﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، حالٌ، أيْ: مَغِيظِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾، ظَفَرًا، أيْ: لَمْ يَظْفَرُوا بِالمُسْلِمِينَ، وسَمّاهُ "خَيْرًا"، بِزَعْمِهِمْ، وهو حالٌ، أيْ: غَيْرَ ظافِرِينَ،

﴿وَكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾، بِالرِيحِ، والمَلائِكَةِ،

﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، قادِرًا، غالِبًا.

33:26Page 421

وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦

And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].

﴿وَأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾، عاوَنُوا الأحْزابَ،

﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، مِن بَنِي قُرَيْظَةَ،

﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾، مِن حُصُونِهِمْ، و"اَلصِّيصِيَةُ": ما تُحُصِّنُ بِهِ، رُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أتى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبِيحَةَ اللَيْلَةِ الَّتِي انْهَزَمَ فِيها الأحْزابُ، ورَجَعَ المُسْلِمُونَ إلى المَدِينَةِ، ووَضَعُوا سِلاحَهُمْ، عَلى فَرَسِهِ الحَيْزُومُ، والغُبارُ عَلى وجْهِ الفَرَسِ، وعَلى السَرْجِ، فَقالَ: "ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟"، قالَ: "مِن مُتابَعَةِ قُرَيْشٍ"، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ الغُبارَ عَنْ وجْهِ الفَرَسِ، (p-٢٧)وَعَنْ سَرْجِهِ، فَقالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تَضَعِ السِلاحَ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ بِالمَسِيرِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وأنا عامِدٌ إلَيْهِمْ، فَإنَّ اللهَ داقُّهم دَقَّ البَيْضِ عَلى الصَفا، وإنَّهم لَكم طُعْمَةٌ"، فَأذَّنَ في الناسِ أنْ مَن كانَ سامِعًا مُطِيعًا فَلا يُصَلِّ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَحاصَرُوهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "تَنْزِلُونَ عَلى حُكْمِي"، فَأبَوْا، فَقالَ: "عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ"، فَرَضُوا بِهِ، فَقالَ سَعْدٌ: حَكَمْتُ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهُمْ، وتُسْبى ذَرارِيهِمْ، ونِساؤُهُمْ، فَكَبَّرَ النَبِيُّ ﷺ، وقالَ: "لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ"، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهُمْ، وخَنْدَقَ في سُوقِ المَدِينَةِ خَنْدَقًا، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهُمْ، » وهم مِن ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ، وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ، وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ،

﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ﴾، اَلْخَوْفَ، وبِضَمِّ العَيْنِ "شامِيٌّ وعَلِيٌّ"، ونُصِبَ ﴿فَرِيقًا﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿تَقْتُلُونَ﴾، وهُمُ الرِجالُ،

﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، وهُمُ النِساءُ، والذَرارِيُّ.

33:27Page 421

وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧

And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ أيْ: اَلْمَواشِي، والنُقُودَ، والأمْتِعَةَ، رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ عَقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ، دُونَ الأنْصارِ، وقالَ لَهُمْ: "إنَّكم في مَنازِلِكُمْ"،

﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾، بِقَصْدِ القِتالِ، وهي مَكَّةُ، أوْ فارِسُ، والرُومُ، أوْ خَيْبَرُ، وكُلُّ أرْضٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ،

﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، قادِرًا.

33:28Page 421

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٢٨

O Prophet, say to your wives, "If you should desire the worldly life and its adornment, then come, I will provide for you and give you a gracious release.

﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها﴾ أيْ: اَلسَّعادَةَ في الدُنْيا، وكَثْرَةَ الأمْوالِ،

﴿فَتَعالَيْنَ﴾، أصْلُ "تَعالَ"، أنْ يَقُولَهُ مَن في المَكانِ (p-٢٨)المُرْتَفِعِ لِمَن في المَكانِ المُسْتَوْطِئِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتَوى في اسْتِعْمالِهِ الأمْكِنَةُ، ومَعْنى "تَعالَيْنَ": أقْبِلْنَ بِإرادَتِكُنَّ، واخْتِيارِكُنَّ، لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ولَمْ يُرِدْ نُهُوضَهُنَّ إلَيْهِ بِأنْفُسِهِنَّ، كَقَوْلِهِ: "قامَ يُهَدِّدُنِي"،

﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾، أُعْطِكُنَّ مُتْعَةَ الطَلاقِ، وتُسْتَحَبُّ المُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، إلّا المُفَوَّضَةَ قَبْلَ الوَطْءِ،

﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾، وأُطَلِّقْكُنَّ،

﴿سَراحًا جَمِيلا﴾، لا ضِرارَ فِيهِ، أرَدْنَ شَيْئًا مِنَ الدُنْيا، مِن ثِيابٍ، وزِيادَةِ نَفَقَةٍ، وتَغايَرْنَ، فَغَمَّ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ، فَبَدَأ بِعائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ، فَخَيَّرَها، وقَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فاخْتارَتِ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ، فَرُئِي الفَرَحُ في وجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ اخْتارَ جَمِيعُهُنَّ اخْتِيارَها، ورُوِيَ أنَّهُ «قالَ لِعائِشَةَ: "إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، ولا عَلَيْكِ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ"، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فَقالَتْ: "أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟! فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ"، » وحُكْمُ التَخْيِيرِ في الطَلاقِ أنَّهُ إذا قالَ لَها: "اِخْتارِي"، فَقالَتْ: "اِخْتَرْتُ نَفْسِي"، أنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةٌ بائِنَةٌ، وإذا اخْتارَتْ زَوْجَها لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "إذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ".

33:29Page 421

وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٢٩

But if you should desire Allāh and His Messenger and the home of the Hereafter - then indeed, Allāh has prepared for the doers of good among you a great reward."

﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ ورَسُولَهُ والدارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾، "مِن"، لِلْبَيانِ، لا لِلتَّبْعِيضِ،

﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾

33:30Page 421

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ٣٠

O wives of the Prophet, whoever of you should commit a clear immorality - for her the punishment would be doubled two fold, and ever is that, for Allāh, easy.

﴿يا نِساءَ النَبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾، سَيِّئَةٍ بَلِيغَةٍ في القُبْحِ،

﴿مُبَيِّنَةٍ﴾، ظاهِرٌ فُحْشُها، مِن "بَيَّنَ"، بِمَعْنى: "تَبَيَّنَ"، وبِفَتْحِ الياءِ، "مَكِّيٌّ وأبُو بَكْرٍ"، قِيلَ: هي عِصْيانُهُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، ونُشُوزُهُنَّ، وقِيلَ: اَلزِّنا، واللهُ عاصِمٌ رَسُولَهُ مِن ذَلِكَ،

﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ﴾، "يُضَعِّفْ لَها العَذابَ"، "مَكِّيٌّ وشامِيٌّ"، (p-٢٩)"يُضَعَّفْ"، "أبُو عَمْرٍو ويَزِيدُ ويَعْقُوبُ"،

﴿ضِعْفَيْنِ﴾، ضِعْفَيْ عَذابِ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِساءِ، لِأنَّ ما قَبُحَ مِن سائِرِ النِساءِ كانَ أقْبَحَ مِنهُنَّ، فَزِيادَةُ قُبْحِ المَعْصِيَةِ تَتْبَعُ زِيادَةَ الفَضْلِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النِساءِ مِثْلُ فَضْلِ نِساءِ النَبِيِّ ﷺ، ولِذا كانَ الذَمُّ لِلْعاصِي العالِمِ أشَدَّ مِنَ العاصِي الجاهِلِ، لِأنَّ المَعْصِيَةَ مِنَ العالِمِ أقْبَحُ، ولِذا فَضُلَ حَدُّ الأحْرارِ عَلى العَبِيدِ، ولا يُرْجَمُ الكافِرُ،

﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَضْعِيفُ العَذابِ عَلَيْهِنَّ،

﴿عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾، هَيِّنًا.

33:31Page 422

۞ وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقٗا كَرِيمٗا ٣١

And whoever of you devoutly obeys Allāh and His Messenger and does righteousness - We will give her her reward twice; and We have prepared for her a noble provision.

﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾، "اَلْقُنُوتُ": اَلطّاعَةُ،

﴿وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها﴾، وبِالياءِ فِيهِما "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،

﴿أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾، مِثْلَيْ ثَوابِ غَيْرِها،

﴿وَأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾، جَلِيلَ القَدْرِ، وهو الجَنَّةُ.

33:32Page 422

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢

O wives of the Prophet, you are not like anyone among women. If you fear Allāh, then do not be soft in speech [to men],1 lest he in whose heart is disease should covet, but speak with appropriate speech.

﴿يا نِساءَ النَبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِساءِ﴾ أيْ: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِساءِ، إذا تُقُصِّيَتْ أُمَّةُ النِساءِ جَماعَةً جَماعَةٍ، لَمْ تُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ، و"أحَدٌ"، في الأصْلِ: "وَحَدٌ"، وهو الواحِدُ، ثُمَّ وُضِعَ في النَفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ، وما وراءَهُ،

﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾، إنْ أرَدْتُنَّ التَقْوى، أوْ إنْ كُنْتُنَّ مُتَّقِياتٍ،

﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ أيْ: إذا كَلَّمْتُنَّ الرِجالَ مِن وراءِ الحِجابِ فَلا تَجِئْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ: لَيِّنًا خَنِثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ،

﴿فَيَطْمَعَ﴾، بِالنَصْبِ، عَلى جَوابِ النَهْيِ،

﴿الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، رِيبَةٌ، وفُجُورٌ،

﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾، حَسَنًا، مَعَ كَوْنِهِ خَشِنًا.

33:33Page 422

وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا ٣٣

And abide in your houses and do not display yourselves as [was] the display of the former times of ignorance. And establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Allāh intends only to remove from you the impurity [of sin], O people of the [Prophet's] household, and to purify you with [extensive] purification.

﴿وَقَرْنَ﴾، "مَدَنِيٌّ وعاصِمٌ، غَيْرَ هُبَيْرَةَ"، وأصْلُهُ: "اِقْرَرْنَ"، فَحُذِفَتِ الراءُ تَخْفِيفًا، وأُلْقِيَتْ فَتْحَتُها عَلى ما قَبْلَها، أوْ مِن "قارَّ"، يَقارُّ"، إذا اجْتَمَعَ، والباقُونَ: "قِرْنَ"، مِن "وَقَرَ، وقارًا"، أوْ مِن "قَرَّ، يَقَرُّ"، حُذِفَتِ الأُولى مِن "را"، أيْ: "اِقْرَرْنَ، قَرارًا"، مِنَ التَكْرارِ، نُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ،

﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، بِضَمِّ الباءِ، "بَصْرِيٌّ ومَدَنِيٌّ وحَفْصٌ"،

﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ أيْ: اَلْقَدِيمَةِ، (p-٣٠)وَ"اَلتَّبَرُّجُ": اَلتَّبَخْتُرُ في المَشْيِ، أوْ إظْهارُ الزِينَةِ، والتَقْدِيرُ: "وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ النِساءِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى"، وهي الزَمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ، أوْ ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ - عَلَيْهِما السَلامُ -، أوْ مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَلامُ -، أوِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةُ الكُفْرِ، قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةُ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ،

﴿وَأقِمْنَ الصَلاةَ وآتِينَ الزَكاةَ وأطِعْنَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾، خَصَّ الصَلاةَ والزَكاةَ بِالأمْرِ، ثُمَّ عَمَّ بِجَمِيعِ الطاعاتِ، تَفْضِيلًا لَهُما، لِأنَّ مَن واظَبَ عَلَيْهِما جَرَّتاهُ إلى ما وراءَهُما،

﴿إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾، نُصِبَ عَلى النِداءِ، أوْ عَلى المَدْحِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ نِساءَهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وقالَ: "عَنْكُمْ"، لِأنَّهُ أُرِيدَ الرِجالُ والنِساءُ مِن آلِهِ، بِدَلالَةِ ﴿وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾، مِن نَجاسَةِ الآثامِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما نَهاهُنَّ وأمَرَهُنَّ ووَعَظَهُنَّ لِئَلّا يُقارِفَ أهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَآثِمَ، ولِيَتَصَوَّنُوا عَنْها بِالتَقْوى، واسْتَعارَ لِلذُّنُوبِ الرِجْسَ، ولِلتَّقْوى الطُهْرَ، لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمُقَبَّحاتِ يَتَلَوَّثُ بِها، كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ، وأمّا المُحْسِناتُ فالعِرْضُ مِنها نَقِيٌّ كالثَوْبِ الطاهِرِ، وفِيهِ تَنْفِيرٌ لِأُولِي الألْبابِ عَنِ المَناهِي، وتَرْغِيبٌ لَهم في الأوامِرِ.

33:34Page 422

وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ٣٤

And remember what is recited in your houses of the verses of Allāh and wisdom.1 Indeed, Allāh is ever Subtle2 and Aware.

﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ﴾، اَلْقُرْآنِ،

﴿والحِكْمَةِ﴾ أيْ: السُنَّةِ، أوْ بَيانِ مَعانِي القُرْآنِ،

﴿إنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا﴾، عالِمًا بِغَوامِضِ الأشْياءِ،

﴿خَبِيرًا﴾، عالِمًا بِحَقائِقِها، أيْ: هو عالِمٌ بِأفْعالِكُنَّ، وأقْوالِكُنَّ، فاحْذَرْنَ مُخالَفَةَ أمْرِهِ، ونَهْيِهِ، ومَعْصِيَةَ رَسُولِهِ.

33:35Page 422

إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥

Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.

وَلَمّا نَزَلَ في نِساءِ النَبِيِّ ﷺ ما نَزَلَ، قالَ نِساءُ المُؤْمِنِينَ: فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾، "اَلْمُسْلِمُ": اَلدّاخِل في السِلْمِ بَعْدَ الحَرْبِ، المُنْقادُ الَّذِي لا يُعانِدُ، أوِ المُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللهِ، المُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ، مَن (p-٣١)أسْلَمَ وجْهَهُ إلى اللهِ،

﴿والمُؤْمِنِينَ﴾، اَلْمُصَدِّقِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ، وبِما يَجِبُ أنْ يُصَدَّقَ بِهِ،

﴿والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ﴾، اَلْقائِمِينَ بِالطاعَةِ،

﴿والقانِتاتِ والصادِقِينَ﴾، في النِياتِ والأقْوالِ، والأعْمالِ،

﴿والصادِقاتِ والصابِرِينَ والصابِراتِ﴾، عَلى الطاعاتِ، وعَنِ السَيِّئاتِ،

﴿والخاشِعِينَ﴾، اَلْمُتَواضِعِينَ لِلَّهِ بِالقُلُوبِ، والجَوارِحِ، أوِ الخائِفِينَ،

﴿والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾، فَرْضًا ونَفْلًا،

﴿والصائِمِينَ والصائِماتِ﴾، فَرْضًا ونَفْلًا، وقِيلَ: مَن تَصَدَّقَ في كُلِّ أُسْبُوعٍ بِدِرْهَمٍ فَهو مِنَ المُتَصَدِّقِينَ، ومَن صامَ البِيضَ مِن كُلِّ شَهْرٍ فَهو مِنَ الصائِمِينَ،

﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾، عَمّا لا يَحِلُّ،

﴿والحافِظاتِ والذاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا﴾، بِالتَسْبِيحِ والتَحْمِيدِ والتَهْلِيلِ والتَكْبِيرِ وقِراءَةِ القُرْآنِ، والِاشْتِغالُ بِالعِلْمِ مِنَ الذِكْرِ، والمَعْنى: "والحافِظاتِ فُرُوجَهُنَّ"، "والذاكِراتِ اللهَ"، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والفَرْقُ بَيْنَ عَطْفِ الإناثِ عَلى الذُكُورِ وعَطْفِ الزَوْجَيْنِ عَلى الزَوْجَيْنِ، أنَّ الأوَّلَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]، في أنَّهُما جِنْسانِ مُخْتَلِفانِ، واشْتَرَكا في حُكْمٍ واحِدٍ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَوَسُّطِ العاطِفِ بَيْنَهُما، وأمّا الثانِي فَمِن عَطْفِ الصِفَةِ عَلى الصِفَةِ بِحَرْفِ الجَمْعِ، ومَعْناهُ أنَّ الجامِعِينَ والجامِعاتِ لِهَذِهِ الطاعاتِ،

﴿أعَدَّ اللهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾، عَلى طاعاتِهِمْ.

33:36Page 423

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦

It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.

خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، بِنْتَ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ، عَلى مَوْلاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَأبَتْ، وأبى أخُوها عَبْدُ اللهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: وما صَحَّ لِرَجُلٍ مُؤْمِنٍ، ولا امْرَأةٍ مُؤْمِنَةٍ،

﴿إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: رَسُولُ اللهِ،

﴿أمْرًا﴾، مِنَ الأُمُورِ،

﴿أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾، أنْ يَخْتارُوا مِن أمْرِهِمْ (p-٣٢)ما شاؤُوا، بَلْ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَجْعَلُوا رَأْيَهم تَبَعًا لِرَأْيِهِ، واخْتِيارَهم تِلْوًا لِاخْتِيارِهِ، فَقالا: رَضِينا يا رَسُولَ اللهِ، فَأنْكَحَها إيّاهُ، وساقَ عَنْهُ إلَيْها مَهْرَها، وإنَّما جَمَعَ الضَمِيرَ في "لَهُمْ"، وإنْ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يُوَحِّدَ، لِأنَّ المَذْكُورَيْنِ وقَعا تَحْتَ النَفْيِ، فَعَمّا كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فَرَجَعَ الضَمِيرُ إلى المَعْنى، لا إلى اللَفْظِ، و"يَكُونَ"، بِالياءِ، "كُوفِيٌّ"، و"اَلْخِيرَةُ": ما يُتَخَيَّرُ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ،

﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾، فَإنْ كانَ العِصْيانُ عِصْيانَ رَدٍّ وامْتِناعٍ عَنِ القَبُولِ، فَهو ضَلالُ كُفْرٍ، وإنْ كانَ عِصْيانَ فِعْلٍ مَعَ قَبُولِ الأمْرِ، واعْتِقادِ الوُجُوبِ، فَهو ضَلالُ خَطَإٍ وفِسْقٍ.

33:37Page 423

وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧

And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.

﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾، بِالإسْلامِ، الَّذِي هو أجَلُّ النِعَمِ،

﴿وَأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، بِالإعْتاقِ، والتَبَنِّي، فَهو مُتَقَلِّبٌ في نِعْمَةِ اللهِ، ونِعْمَةِ رَسُولِهِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ،

﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أبْصَرَها بَعْدَما أنْكَحَها إيّاهُ، فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ، فَقالَ: « "سُبْحانَ اللهِ مُقَلِّبِ القُلُوبِ"، » وذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ كانَتْ تَجْفُو عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ، لا تُرِيدُها، وسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِالتَسْبِيحَةِ، فَذَكَرَتْها لِزَيْدٍ، فَفَطِنَ، وألْقى اللهُ في نَفْسِهِ كَراهَةَ صُحْبَتِها، والرَغْبَةَ عَنْها لِرَسُولِ اللهِ، «فَقالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: "ما لَكَ؟ أرابَكَ مِنها شَيْءٌ؟""، قالَ: لا واللهِ، ما رَأيْتُ مِنها إلّا خَيْرًا، ولَكِنَّها تَتَعَظَّمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها، وتُؤْذِينِي، فَقالَ لَهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللهَ﴾، فَلا تُطَلِّقْها"، » وهو نَهْيُ تَنْزِيهٍ، إذِ الأوْلى ألّا يُطَلِّقَ، أوْ "واتَّقِ اللهَ"، فَلا تَذُمَّها بِالنِسْبَةِ إلى الكِبْرِ وأذى الزَوْجِ،

﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أيْ: تُخْفِي في نَفْسِكَ نِكاحَها إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ، وهو الَّذِي أبْداهُ اللهُ، وقِيلَ: اَلَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ (p-٣٣)تَعَلُّقُ قَلْبِهِ بِها، ومَوَدَّةُ مُفارَقَةِ زَيْدٍ إيّاها، والواوُ في "وَتُخْفِي في نَفْسِكَ"،

﴿وَتَخْشى الناسَ﴾ أيْ: قالَةَ الناسِ: إنَّهُ نَكَحَ امْرَأةَ ابْنِهِ،

﴿واللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾، واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ ألّا يُمْسِكُها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ الناسِ، وتَخْشى الناسَ حَقِيقًا في ذَلِكَ بِأنْ تَخْشى اللهَ، «وَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "لَوْ كَتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ"،

﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ »، "اَلْوَطَرُ": اَلْحاجَةُ، فَإذا بَلَغَ البالِغُ حاجَتَهُ مِن شَيْءٍ لَهُ فِيهِ هِمَّةٌ قِيلَ: "قَضى مِنهُ وطَرَهُ"، والمَعْنى: فَلَمّا لَمْ يَبْقَ لِزَيْدٍ فِيها حاجَةٌ، وتَقاصَرَتْ عَنْها هِمَّتُهُ، وطَلَّقَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها،

﴿زَوَّجْناكَها﴾، رُوِيَ أنَّها لَمّا اعْتَدَّتْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْدٍ: "ما أجِدُ أحَدًا أوْثَقُ في نَفْسِي مِنكَ، اخْطُبْ عَلَيَّ زَيْنَبَ"، قالَ زَيْدٌ: فانْطَلَقْتُ، وقُلْتُ: يا زَيْنَبُ، أبْشِرِي، إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَفَرِحَتْ، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللهِ ﷺ، ودَخَلَ بِها، وما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً وأطْعَمَ الناسَ الخُبْزَ واللَحْمَ، حَتّى امْتَدَّ النَهارُ،

﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾، قِيلَ: قَضاءُ الوَطَرِ: إدْراكُ الحاجَةِ، وبُلُوغُ المُرادِ مِنهُ،

﴿وَكانَ أمْرُ اللهِ﴾، اَلَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ،

﴿مَفْعُولا﴾، مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ.

33:38Page 423

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨

There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.

﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾، أُحِلَّ لَهُ، وأُمِرَ لَهُ، وهو نِكاحُ زَيْنَبَ، امْرَأةِ زَيْدٍ، أوْ قُدِّرَ لَهُ مِن عَدَدِ النِساءِ،

﴿سُنَّةَ اللهِ﴾، اِسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِمْ: "تُرابًا"، و"جَنْدَلًا"، مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: "سَنَّ اللهُ ذَلِكَ سُنَّةً في الأنْبِياءِ الماضِينَ، وهو ألّا يُحَرِّجَ عَلَيْهِمْ في الإقْدامِ عَلى ما أباحَ لَهُمْ، ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ في بابِ النِكاحِ، وغَيْرِهِ"، وقَدْ كانَتْ (p-٣٤)تَحْتَهُمُ المَهائِرُ والسَرارِي، وكانَتْ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سِرِّيَّةٍ، ولِسُلَيْمانَ ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ، وسَبْعُمِائَةِ سِرِّيَّةٍ،

﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾، في الأنْبِياءِ الَّذِينَ مَضَوْا مِن قَبْلُ،

﴿وَكانَ أمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، قَضاءً مَقْضِيًّا، وحُكْمًا مَبْتُوتًا، ولا وقْفَ عَلَيْهِ إنْ جَعَلْتَ.

33:39Page 423

ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩

[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾، بَدَلًا مِن "اَلَّذِينَ"، اَلْأوَّلِ، وقِفْ إنْ جَعَلْتَهُ في مَحَلِّ الرَفْعِ، أوِ النَصْبِ، عَلى المَدْحِ، أيْ: "هُمُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ"، أوْ: "أعْنِي الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ"،

﴿وَيَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ﴾، وصْفُ الأنْبِياءِ بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ إلّا اللهَ تَعْرِيضٌ بَعْدَ التَصْرِيحِ في قَوْلِهِ: "وَتَخْشى الناسَ واللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ"،

﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾، كافِيًا لِلْمَخاوِفِ، ومُحاسِبًا عَلى الصَغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ تَخْشى مِنهُ.

33:40Page 423

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠

Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ أبا رَجُلٍ مِنكم حَقِيقَةً، حَتّى يَثْبُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ، مِن حُرْمَةِ الصَهْرِ، والنِكاحِ، والمُرادُ مِن "رِجالِكُمْ"، اَلْبالِغِينَ، والحَسَنُ والحُسَيْنُ لَمْ يَكُونا بالِغَيْنِ حِينَئِذٍ، والطاهِرُ والطَيِّبُ والقاسِمُ وإبْراهِيمُ تُوُفُّوا صِبْيانًا،

﴿وَلَكِنْ﴾، كانَ،

﴿رَسُولَ اللهِ﴾، وكُلُّ رَسُولٍ أبُو أُمَّتِهِ، فِيما يَرْجِعُ إلى وُجُوبِ التَوْقِيرِ والتَعْظِيمِ لَهُ عَلَيْهِمْ، ووُجُوبِ الشَفَقَةِ والنَصِيحَةِ لَهم عَلَيْهِ في سائِرِ الأحْكامِ الثابِتَةِ بَيْنَ الآباءِ والأبْناءِ، وزَيْدٌ واحِدٌ مِن رِجالِكُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأوْلادِهِ حَقِيقَةً، فَكانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِكُمْ، والتَبَنِّي مِن بابِ الِاخْتِصاصِ والتَقْرِيبِ، لا غَيْرُ،

﴿وَخاتَمَ النَبِيِّينَ﴾، بِفَتْحِ التاءِ، "عاصِمٌ"، بِمَعْنى "اَلطّابَعُ"، أيْ: آخِرُهُمْ، يَعْنِي لا يُنَبَّأُ أحَدٌ بَعْدَهُ، وعِيسى مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، وحِينَ يَنْزِلُ يَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ، وغَيْرُهُ بِكَسْرِ التاءِ، بِمَعْنى "اَلطّابِعُ"، وفاعِلُ الخَتْمِ، وتُقَوِّيهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَكِنْ نَبِيًّا خَتَمَ النَبِيِّينَ"،

﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

33:41Page 423

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١

O you who have believed, remember Allāh with much remembrance

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، أثْنُوا عَلَيْهِ بِضُرُوبِ الثَناءِ، وأكْثِرُوا ذَلِكَ.

33:42Page 423

وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢

And exalt Him morning and afternoon.

﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾، أوَّلَ النَهارِ،

﴿وَأصِيلا﴾، آخِرَ النَهارِ، وخُصّا بِالذِكْرِ لِأنَّ مَلائِكَةَ اللَيْلِ ومَلائِكَةَ النَهارِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِما، وعَنْ قَتادَةَ: "قُولُوا "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ"، والفِعْلانِ - أيْ: "اُذْكُرُوا اللهَ"، و"سَبِّحُوهُ" -، مُوَجَّهانِ إلى البُكْرَةِ والأصِيلِ، كَقَوْلِكَ: "صُمْ وصَلِّ يَوْمَ الجُمُعَةِ"، والتَسْبِيحُ مِن جُمْلَةِ الذِكْرِ، وإنَّما اخْتُصَّ مِن بَيْنِ أنْواعِهِ اخْتِصاصَ "جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ"، مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ، إبانَةً لِفَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأذْكارِ، لِأنَّ مَعْناهُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِفاتِ، وجازَ أنْ يُرادَ بِالذِكْرِ، وإكْثارِهِ، تَكْثِيرُ الطاعاتِ، والعِباداتِ، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الذِكْرِ، ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَسْبِيحِ بُكْرَةً، وهي صَلاةُ الفَجْرِ، و"أصِيلًا"، وهي صَلاةُ الظُهْرِ، والعَصْرِ، والمَغْرِبِ، والعِشاءِ، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءَيْنِ.

33:43Page 423

هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣

It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾، لَمّا كانَ مِن شَأْنِ المُصَلِّي أنْ يَنْعَطِفَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، اسْتُعِيرَ لِمَن يَتَعَطَّفُ عَلى غَيْرِهِ حُنُوًّا عَلَيْهِ، وتَرَؤُّفًا، كَعائِدِ المَرِيضِ في انْعِطافِهِ عَلَيْهِ، والمَرْأةِ في حُنُوِّها عَلى ولَدِها، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في الرَحْمَةِ، والتَرَؤُّفِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "صَلّى اللهُ عَلَيْكَ"، أيْ: تَرَحَّمَ عَلَيْكَ وتَرَأَّفَ، والمُرادُ بِصَلاةِ المَلائِكَةِ قَوْلُهُمْ: "اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلى المُؤْمِنِينَ"، جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَعْوَةِ كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَحْمَةَ والرَأْفَةَ، والمَعْنى: "هُوَ الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكُمْ، ويَتَرَأَّفُ حِينَ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِكْرِ والتَوَفُّرِ عَلى الصَلاةِ والطاعَةِ،

﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾، مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ، إلى نُورِ الطاعَةِ،

﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، هو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَلاةِ الرَحْمَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ: ﴿إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قالَ أبُو بَكْرٍ: "ما خَصَّكَ اللهُ يا رَسُولَ اللهِ بِشَرَفٍ إلّا وقَدْ أشْرَكَنا فِيهِ"، فَنَزَلَتْ: »

33:44Page 424

تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤

Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.

﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾، مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ: تَحِيَّةُ اللهِ لَهُمْ،

﴿يَوْمَ (p-٣٦)يَلْقَوْنَهُ﴾، يَرَوْنَهُ،

﴿سَلامٌ﴾، يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: (اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ)،

﴿وَأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾، يَعْنِي الجَنَّةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском