An-NasafiAl‑Ahzab · 33:45–65

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:45–65

33:45Page 424

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥

O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾، عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَقْبُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللهِ لَهُمْ، وعَلَيْهِمْ، كَما يُقْبَلُ قَوْلُ الشاهِدِ العَدْلِ في الحُكْمِ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ، كَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا"، أيْ: مُقَدٌرًِا بِهِ الصَيْدَ غَدًا،

﴿وَمُبَشِّرًا﴾، لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ،

﴿وَنَذِيرًا﴾، لِلْكافِرِينَ بِالنارِ.

33:46Page 424

وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦

And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.

﴿وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ﴾، بِأمْرِهِ، وبِتَيْسِيرِهِ، والكُلُّ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ،

﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾، جَلا بِهِ اللهُ ظُلُماتِ الشِرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضالُّونَ، كَما يُجْلى ظَلامُ اللَيْلِ بِالسِراجِ المُنِيرِ، ويُهْتَدى بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ القُرْآنُ، فَيَكُونُ التَقْدِيرُ: "وَذا سِراجٍ مُنِيرٍ"، أوْ: "وَتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا"، ووُصِفَ بِالإنارَةِ لِأنَّ مِنَ السُرُجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ، ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ، أوْ: "شاهِدًا بِوَحْدانِيَّتِنا، ومُبَشِّرًا بِرَحْمَتِنا، ونَذِيرًا بِنِقْمَتِنا، وداعِيًا إلى عِبادَتِنا، وسِراجًا وحُجَّةً ظاهِرَةً لِحَضْرَتِنا".

33:47Page 424

وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧

And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.

﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾، ثَوابًا عَظِيمًا.

33:48Page 424

وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٤٨

And do not obey the disbelievers and the hypocrites and disregard their annoyance, and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾، اَلْمُرادُ بِهِ التَهْيِيجُ، أوِ الدَوامُ والثَباتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ،

﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾، هو بِمَعْنى الإيذاءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ: "اِجْعَلْ إيذاءَهم إيّاكَ في جانِبٍ، ولا تُبالِ بِهِمْ، ولا تَخَفْ مِن إيذائِهِمْ"، أوْ إلى المَفْعُولِ، أيْ: "دَعْ إيذاءَكَ إيّاهم مُكافَأةً لَهُمْ"،

﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾، فَإنَّهُ يَكْفِيكَهُمْ،

﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، وكَفى بِهِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ (تَعالى) وصَفَهُ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ، وقابَلَ كُلًّا مِنها بِخِطابٍ (p-٣٧)مُناسِبٍ لَهُ، قابَلَ الشاهِدَ بِقَوْلِهِ: "وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ"، لِأنَّهُ يَكُونُ شاهِدًا عَلى أُمَّتِهِ، وهم يَكُونُونَ شُهَداءَ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وهو الفَضْلُ الكَبِيرُ، والمُبَشِّرَ بِالإعْراضِ عَنِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، لِأنَّهُ إذا أعْرَضَ عَنْهم أقْبَلَ جَمِيعَ إقْبالِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو مُناسِبٌ لِلْبِشارَةِ، والنَذِيرَ بِـ "دَعْ أذاهُمْ"، لِأنَّهُ إذا تَرَكَ أذاهم في الحاضِرِ - والأذى لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ عاجِلٍ أوْ آجِلٍ - كانُوا مُنْذَرِينَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والداعِيَ إلى اللهِ بِتَيْسِيرِهِ، بِقَوْلِهِ: "وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ"، فَإنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللهِ يَسَّرَ عَلَيْهِ كُلَّ عَسِيرٍ، والسِراجَ المُنِيرَ، بِالِاكْتِفاءِ بِهِ وكِيلًا، لِأنَّ مَن أنارَهُ اللهُ بُرْهانًا عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ كانَ جَدِيرًا بِأنْ يُكْتَفى بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ.

33:49Page 424

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٤٩

O you who have believed, when you marry believing women and then divorce them before you have touched them [i.e., consummated the marriage], then there is not for you any waiting period to count concerning them. So provide for them and give them a gracious release.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ أيْ: تَزَوَّجْتُمْ، والنِكاحُ هو الوَطْءُ في الأصْلِ، وتَسْمِيَةُ العَقْدِ نِكاحًا لِمُلابَسَتِهِ لَهُ، مِن حَيْثُ إنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ، كَتَسْمِيَةِ الخَمْرِ إثْمًا لِأنَّها سَبَبُهُ، وكَقَوْلِ الراجِزِ:

أسْنِمَةُ الآبالِ في سَحابِهِ

سَمّى الماءَ بِأسْنِمَةِ الآبالِ، لِأنَّهُ سَبَبُ سِمَنِ الآبالِ، وارْتِفاعِ أسْنِمَتِهِ، ولَمْ يَرِدْ لَفْظُ النِكاحِ في كِتابِ اللهِ (تَعالى)، إلّا في مَعْنى العَقْدِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الوَطْءِ، مِن بابِ التَصْرِيحِ بِهِ، ومِن آدابِ القُرْآنِ الكِنايَةُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُلامَسَةِ والمُماسَّةِ والقُرْبانِ، والتَغَشِّي والإتْيانِ، وفي تَخْصِيصِ المُؤْمِناتِ - مَعَ أنَّ الكِتابِيّاتِ تُساوِي المُؤْمِناتِ في هَذا الحُكْمِ - إشارَةٌ إلى أنَّ الأوْلى بِالمُؤْمِنِ أنْ يَنْكِحَ مُؤْمِنَةً.

﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، والخَلْوَةُ الصَحِيحَةُ كالمَسِّ،

﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾، فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِدَّةَ تَجِبُ عَلى النِساءِ لِلرِّجالِ، ومَعْنى "تَعْتَدُّونَها": تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها، "تَفْتَعِلُونَ"، مِن "اَلْعَدُّ"،

﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾، والمُتْعَةُ تَجِبُ لِلَّتِي طَلَّقَها قَبْلَ الدُخُولِ بِها، ولَمْ يُسَمَّ لَها مَهْرٌ، دُونَ غَيْرِها،

﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ أيْ: لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا، وأخْرِجُوهُنَّ مِن مَنازِلِكُمْ، إذْ لا عِدَّةَ لَكم عَلَيْهِنَّ.

33:50Page 424

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِي هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةٗ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسۡتَنكِحَهَا خَالِصَةٗ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٞۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٠

O Prophet, indeed We have made lawful to you your wives to whom you have given their due compensation1 and those your right hand possesses from what Allāh has returned to you [of captives] and the daughters of your paternal uncles and the daughters of your paternal aunts and the daughters of your maternal uncles and the daughters of your maternal aunts who emigrated with you and a believing woman if she gives herself to the Prophet [and] if the Prophet wishes to marry her; [this is] only for you, excluding the [other] believers. We certainly know what We have made obligatory upon them concerning their wives and those their right hands possess, [but this is for you] in order that there will be upon you no discomfort [i.e., difficulty]. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

(p-٣٨)﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، مُهُورَهُنَّ، إذِ المَهْرُ أجْرٌ عَلى البِضْعِ، ولِهَذا قالَ الكَرْخِيُّ: إنَّ النِكاحَ بِلَفْظِ الإجارَةِ جائِزٌ، وقُلْنا: اَلتَّأْبِيدُ مِن شَرْطِ النِكاحِ، والتَأْقِيتُ مِن شَرْطِ الإجارَةِ، وبَيْنَهُما مُنافاةٌ، وإيتاؤُها: إعْطاؤُها عاجِلًا، أوْ فَرْضُها، وتَسْمِيَتُها في العَقْدِ،

﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾، وهي صَفِيَّةُ، وجُوَيْرِيَةُ، فَأعْتَقَهُما، وتَزَوَّجَهُما،

﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾، و"مَعَ"، لَيْسَ لِلْقِرانِ، بَلْ لِوُجُودِها فَحَسْبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ [النمل: ٤٤]، وعَنْ أُمٍّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ: "خَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فاعْتَذَرْتُ، فَعَذَرَنِي، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمْ أحِلَّ لَهُ، لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ،

﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾، وأحْلَلْنا لَكَ ما وقَعَ لَها أنْ تَهَبَ لَكَ نَفْسَها، ولا تَطْلُبَ مَهْرًا، مِنَ النِساءِ المُؤْمِناتِ، إنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، ولِذا نَكَّرَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو بَيانُ حُكْمٍ في المُسْتَقْبَلِ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أحَدٌ مِنهُنَّ بِالهِبَةِ، وقِيلَ: اَلْواهِبَةُ نَفْسَها: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، أوْ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، أوْ أمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ جابِرٍ، أوْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "أنْ"، بِالفَتْحِ، عَلى التَعْلِيلِ، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِغَيْرِ "إنْ"،

﴿إنْ أرادَ النَبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾، اِسْتِنْكاحُها: طَلَبُ نِكاحِها، والرَغْبَةُ فِيهِ، وقِيلَ: "نَكَحَ"، و"اِسْتَنْكَحَ"، بِمَعْنًى، والشَرْطُ الثانِي تَقْيِيدٌ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، شَرْطٌ في الإحْلالِ هِبَتُها نَفْسَها، وفي الهِبَةِ إرادَةُ اسْتِنْكاحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: أحْلَلْناها لَكَ إنْ وهَبَتْ لَكَ نَفْسَها، وأنْتَ تُرِيدُ أنْ تَسْتَنْكِحَها، لِأنَّ إرادَتَهُ هي قَبُولُ الهِبَةِ، وما بِهِ تَتِمُّ، وفِيهِ دَلِيلُ جَوازِ النِكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ، لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأُمَّتَّهُ سَواءٌ في الأحْكامِ، إلّا فِيما خَصَّهُ، الدَلِيلُ: ﴿خالِصَةً﴾، بِلا مَهْرٍ، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في (p-٣٩)"وَهَبَتْ"، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: خَلُصَ لَكَ إحْلالُ ما أحْلَلْنا لَكَ خالِصَةً، بِمَعْنى "خُلُوصًا"، والفاعِلَةُ في المَصادِرِ غَيْرُ "عَزِيزٌ"، كَـ "اَلْعافِيَةُ"، و"اَلْكاذِبَةُ"،

﴿لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، بَلْ يَجِبُ المَهْرُ لِغَيْرِكَ، وإنْ لَمْ يُسَمِّهِ، أوْ نَفاهُ، عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: "إنْ أرادَ النَبِيُّ"، ثُمَّ رَجَعَ إلى الخِطابِ، لِيُؤْذِنَ أنَّ الِاخْتِصاصَ تَكْرِمَةٌ لَهُ، لِأجْلِ النُبُوَّةِ، وتَكْرِيرُهُ - أيْ: تَكْرِيرُ "اَلنَّبِيُّ" - تَفْخِيمٌ لَهُ،

﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ أيْ: ما أوْجَبْنا مِنَ المُهُورِ عَلى أُمَّتِكَ في زَوْجاتِهِمْ، أوْ ما أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ مِنَ الحُقُوقِ،

﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾، بِالشِراءِ، وغَيْرِهِ مِن وُجُوهِ المِلْكِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾، ضِيقٌ، مُتَّصِلٌ بِـ "خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ"، وقَوْلُهُ: "قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ"، جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ" ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، بِالتَوْسِعَةِ عَلى عِبادِهِ.

33:51Page 425

۞ تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١

You, [O Muḥammad], may put aside whom you will of them1 or take to yourself whom you will. And any that you desire of those [wives] from whom you had [temporarily] separated - there is no blame upon you [in returning her]. That is more suitable that they should be content and not grieve and that they should be satisfied with what you have given them - all of them. And Allāh knows what is in your hearts. And ever is Allāh Knowing and Forbearing.

﴿تُرْجِي﴾، بِلا هَمْزٍ، "مَدَنِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ"، وبِهَمْزٍ، غَيْرُهُمْ: "تُؤَخِّرُ"،

﴿مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾، تَضُمُّ، بِمَعْنى: "تَتْرُكُ مُضاجَعَةَ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ، وتُضاجِعُ مَن تَشاءُ، أوْ تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ، وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ، أوْ لا تَقْسِمَ لِأيَّتِهِنَّ شِئْتَ، وتَقْسِمُ لِمَن شِئْتَ، أوْ تَتْرُكُ تَزَوُّجَ مَن شِئْتَ مِن نِساءِ أُمَّتِكَ، وتَتَزَوَّجُ مَن شِئْتَ"، وهَذِهِ قِسْمَةٌ جامِعَةٌ لِما هو الغَرَضُ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يُطَلِّقَ وإمّا أنْ يُمْسِكَ، فَإذا أمْسَكَ ضاجَعَ، أوْ تَرَكَ وقَسَمَ، أوْ لَمْ يَقْسِمْ، وإذا طَلَّقَ وعَزَلَ فَإمّا أنْ يُخَلِّيَ المَعْزُولَةَ لا يَبْتَغِيها، أوْ يَبْتَغِيها، ورُوِيَ أنَّهُ أرْجى مِنهُنَّ جُوَيْرِيَةَ وسَوْدَةَ وصْفِيَّةَ ومَيْمُونَةَ وأُمَّ حَبِيبَةَ، وكانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ ما شاءَ، كَما شاءَ، وكانَتْ مِمَّنْ آوى إلَيْهِ عائِشَةُ وحَفْصَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وزَيْنَبُ، أرْجى خَمْسًا وآوى أرْبَعًا، ورُوِيَ أنَّهُ (p-٤٠)كانَ يُسَوِّي، مَعَ ما أُطْلِقَ لَهُ، وخُيِّرَ فِيهِ، إلّا سَوْدَةَ، فَإنَّها وهَبَتْ لَيْلَتَها لِعائِشَةَ، وقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي حَتّى أُحْشَرَ في زُمْرَةِ نِسائِكَ،

﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ أيْ: ومَن دَعَوْتَ إلى فِراشِكَ، وطَلَبْتَ صُحْبَتَها، مِمَّنْ عَزَلَتْ عَنْ نَفْسِكَ بِالِإرْجاءِ، فَضُيِّقَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ، أيْ: لَيْسَ إذا عَزَلْتَها لَمْ يَجُزْ لَكَ رَدُّها إلى نَفْسِكَ، و"مَن"، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "فَلا جُناحَ"،

﴿ذَلِكَ﴾، اَلتَّفْوِيضُ إلى مَشِيئَتِكَ،

﴿أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أيْ: أقْرَبُ إلى قُرَّةِ عُيُونِهِنَّ، وقِلَّةِ حُزْنِهِنَّ، ورِضاهُنَّ جَمِيعًا، لِأنَّهُنَّ إذا عَلِمْنَ أنَّ هَذا التَفْوِيضَ مِن عِنْدِ اللهِ اطْمَأنَّتْ نُفُوسُهُنَّ، وذَهَبَ التَغايُرُ، وحَصَلَ الرِضا، وقَرَّتِ العُيُونُ، "كُلُّهُنَّ"، بِالرَفْعِ"، تَأْكِيدٌ لِنُونِ "يَرْضَيْنَ"، وقُرِئَ: "وَيَرْضَيْنَ كُلُّهُنَّ بِما آتَيْتَهُنَّ"، عَلى التَقْدِيمِ، وقُرِئَ شاذًّا: "كُلَّهُنَّ"، بِالنَصْبِ، تَأْكِيدًا لِـ "هُنَّ"، في "آتَيْتَهُنَّ"،

﴿واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾، فِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَرْضَ مِنهُنَّ بِما دَبَّرَ اللهُ مِن ذَلِكَ، وفَوَّضَ إلى مَشِيئَةِ رَسُولِهِ،

﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾، بِذاتِ الصُدُورِ،

﴿حَلِيمًا﴾، لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى، ويُحْذَرَ.

33:52Page 425

لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢

Not lawful to you, [O Muḥammad], are [any additional] women after [this], nor [is it] for you to exchange them for [other] wives, even if their beauty were to please you, except what your right hand possesses. And ever is Allāh, over all things, an Observer.1

﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ﴾، بِالتاءِ "أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ"، وغَيْرُهُما بِالتَذْكِيرِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَمْعِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وإذا جازَ بِغَيْرِ فَصْلٍ في ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠]، فَمَعَ الفَصْلِ أجْوَزُ،

﴿مِن بَعْدُ﴾، مِن بَعْدِ التِسْعِ، لِأنَّ التِسْعَ نِصابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنَ الأزْواجِ، كَما أنَّ الأرْبَعَ نِصابُ أُمَّتِهِ،

﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾، بِالطَلاقِ، والمَعْنى: ولا أنْ تَسْتَبْدِلَ بِهَؤُلاءِ التِسْعِ أزْواجًا أُخَرَ، بِكُلِّهِنَّ، أوْ بَعْضِهِنَّ، كَرامَةً لَهُنَّ، وجَزاءً عَلى ما اخْتَرْنَ، ورَضِينَ، فَقُصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِسْعُ الَّتِي ماتَ عَنْهُنَّ: عائِشَةُ، حَفْصَةُ، أمُّ حَبِيبَةَ، سَوْدَةُ، أمُّ سَلَمَةَ، صَفِيَّةُ، مَيْمُونَةُ، زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، جُوَيْرِيَةُ، و"مِن"، في "مِن أزْواجٍ"، لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، وفائِدَتُهُ اسْتِغْراقُ جِنْسِ الأزْواجِ بِالتَحْرِيمِ،

﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، في مَوْضِعِ (p-٤١)الحالِ مِنَ الفاعِلِ، وهو الضَمِيرُ في "تَبَدَّلَ"، أيْ: "تَتَبَدَّلَ"، لا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو "مِن أزْواجٍ"، لِتَوَغُّلِهِ في التَنْكِيرِ، وتَقْدِيرُهُ: "مَفْرُوضًا إعْجابُكَ بِهِنَّ"، وقِيلَ هي أسْماءُ بِنْتُ عَمِيسٍ، امْرَأةُ جَعْفَرَ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَإنَّها مِمَّنْ أعْجَبَهُ حُسْنُهُنَّ، وعَنْ عائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ: "ما ماتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى أُحِلَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِساءِ ما شاءَ"، يَعْنِي أنَّ الآيَةَ نُسِخَتْ، ونَسْخُها إمّا بِالسُنَّةِ، أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وتَرْتِيبُ النُزُولِ لَيْسَ عَلى تَرْتِيبِ المُصْحَفِ،

﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، اِسْتَثْنى مِمَّنْ حَرَّمَ عَلَيْهِ الإماءَ، ومَحَلُّ "ما"، رَفْعٌ، بَدَلٌ مِن "اَلنِّساءُ"،

﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾، حافِظًا، وهو تَحْذِيرٌ عَنْ مُجاوَزَةِ حُدُودِهِ.

33:53Page 425

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣

O you who have believed, do not enter the houses of the Prophet except when you are permitted for a meal, without awaiting its readiness. But when you are invited, then enter; and when you have eaten, disperse without seeking to remain for conversation. Indeed, that [behavior] was troubling the Prophet, and he is shy of [dismissing] you. But Allāh is not shy of the truth. And when you ask [his wives] for something, ask them from behind a partition. That is purer for your hearts and their hearts. And it is not [conceivable or lawful] for you to harm the Messenger of Allāh or to marry his wives after him, ever. Indeed, that would be in the sight of Allāh an enormity.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾، "أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ"، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لا تَدْخُلُوا إلّا مَأْذُونًا لَكُمْ، أوْ في مَعْنى الظَرْفِ، تَقْدِيرُهُ: إلّا وقْتَ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، و"غَيْرَ ناظِرِينَ"، حالٌ مِن "لا تَدْخُلُوا"، وقَعَ الِاسْتِثْناءُ عَلى الوَقْتِ، والحالِ، مَعًا، كَأنَّهُ قِيلَ: "لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلّا وقْتَ الإذْنِ، ولا تَدْخُلُوها إلّا غَيْرَ ناظِرِينَ"، أيْ: غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَدْخُلُونَ، ويَقْعُدُونَ مُنْتَظِرِينَ لِإدْراكِهِ، ومَعْناهُ: "لا تَدْخُلُوا يا أيُّها المُتَحَيِّنُونَ الطَعامَ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ"، و"إنى الطَعامِ": إدْراكُهُ، يُقالُ: "أنى الطَعامُ إنًى"، كَقَوْلِكَ: "قَلاهُ، قِلًي"، وقِيلَ: "إناهُ": وقْتُهُ، أيْ: غَيْرَ ناظِرِينَ وقْتَ الطَعامِ، وساعَةَ أكْلِهِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ أوْلَمَ عَلى زَيْنَبَ بِتَمْرٍ، وسَوِيقٍ، وشاةٍ، وأمَرَ أنَسًا أنْ يَدْعُوَ بِالناسِ، فَتَرادَفُوا أفْواجًا، يَأْكُلُ فَوْجٌ ويَخْرُجُ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَوْجٌ، إلى أنْ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، دَعَوْتُ حَتّى ما أجِدُ أحَدًا أدْعُوهُ، فَقالَ: "اِرْفَعُوا طَعامَكُمْ"، وتَفَرَّقَ الناسُ، وبَقِيَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَأطالُوا، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَخْرُجُوا، فَطافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحُجُراتِ، وسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ، ودَعَوْنَ لَهُ، ورَجَعَ، فَإذا الثَلاثَةُ جُلُوسٌ يَتَحَدَّثُونَ، (p-٤٢)وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَدِيدَ الحَياءِ، فَتَوَلّى، فَلَمّا رَأوْهُ مُتَوَلِّيًا خَرَجُوا، فَرَجَعَ، ونَزَلَتْ،

﴿وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾، فَتَفَرَّقُوا،

﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، هو مَجْرُورٌ، مَعْطُوفٌ عَلى "ناظِرِينَ"، أوْ مَنصُوبٌ، أيْ: "وَلا تَدْخُلُوها مُسْتَأْنِسِينَ"، نُهُوا عَنْ أنْ يُطِيلُوا الجُلُوسَ، يَسْتَأْنِسُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، لِأجْلِ حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ بِهِ،

﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾، مِن إخْراجِكُمْ،

﴿واللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾، يَعْنِي أنَّ إخْراجَكم حَقٌّ، ما يَنْبَغِي أنْ يُسْتَحْيا مِنهُ، ولَمّا كانَ الحَياءُ مِمّا يَمْنَعُ الحَيِيَّ مِن بَعْضِ الأفْعالِ، قِيل: "لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ"، أيْ: لا يَمْتَنِعُ مِنهُ، ولا يَتْرُكُهُ تَرْكَ الحَيِيِّ مِنكُمْ، هَذا أدَبٌ أدَّبَ اللهُ بِهِ الثُقَلاءَ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "حَسْبُكَ في الثُقَلاءِ أنَّ اللهَ (تَعالى) لَمْ يَحْتَمِلْهُمْ، وقالَ: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾، اَلضَّمِيرُ لِنِساءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِدَلالَةِ بُيُوتِ النَبِيِّ، لِأنَّ فِيها نِساءَهُ،

﴿مَتاعًا﴾، عارِيَةً، أوْ حاجَةً،

﴿فاسْألُوهُنَّ﴾، اَلْمَتاعَ،

﴿مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾، مِن خَواطِرِ الشَيْطانِ، وعَوارِضِ الفِتَنِ، وكانَتِ النِساءُ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يَبْرُزْنَ لِلرِّجالِ، وكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يُحِبُّ ضَرْبَ الحِجابِ عَلَيْهِنَّ، ويَوَدُّ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ، وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ، فَنَزَلَتْ، وذُكِرَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: أنُنْهى أنْ نُكَلِّمَ بَناتِ عَمِّنا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ؟! لَئِنْ ماتَ مُحَمَّدٌ لَأتَزَوَّجَنَّ فُلانَةَ، فَنَزَلَ: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ أيْ: وما صَحَّ لَكم إيذاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا نِكاحُ أزْواجِهِ مِن (p-٤٣)بَعْدِ مَوْتِهِ،

﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ أيْ: ذَنْبًا عَظِيمًا.

33:54Page 425

إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤

Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.

﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾، مِن إيذاءِ النَبِيِّ ﷺ أوْ مِن نِكاحِهِنَّ،

﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾، في أنْفُسِكم مِن ذَلِكُمْ،

﴿فَإنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فَيُعاقِبَكم بِهِ.

33:55Page 426

لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥

There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.

وَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، قالَ الآباءُ والأبْناءُ والأقارِبُ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَنَحْنُ أيْضًا نُكَلِّمُهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ؟! فَنَزَلَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ﴾ أيْ: نِساءِ المُؤْمِناتِ،

﴿وَلا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْهِنَّ في ألّا يَحْتَجِبْنَ مِن هَؤُلاءِ، ولَمْ يَذْكُرِ العَمَّ، والخالَ، لِأنَّهُما يُجْرَيانِ مُجْرى الوالِدَيْنِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ العَمِّ أبًا، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وإسْماعِيلُ عَمُّ يَعْقُوبَ.

وَعَبِيدُهُنَّ، عِنْدَ الجُمْهُورِ كَأجانِبَ، ثُمَّ نَقَلَ الكَلامَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وفي هَذا النَقْلِ فَضْلُ تَشْدِيدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿واتَّقِينَ اللهَ﴾، فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ مِنَ الِاحْتِجابِ، وأنْزِلُ فِيهِ الوَحْيِ مِنَ الِاسْتِتارِ، واحْتَطْنَ فِيهِ،

﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾، عالِمًا، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: "اَلشَّهِيدُ": اَلَّذِي يَعْلَمُ خَطَراتِ القُلُوبِ، كَما يَعْلَمُ حَرَكاتِ الجَوارِحِ.

33:56Page 426

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦

Indeed, Allāh confers blessing upon the Prophet, and His angels [ask Him to do so]. O you who have believed, ask [Allāh to confer] blessing upon him and ask [Allāh to grant him] peace.

﴿إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أيْ: (p-٤٤)قُولُوا: "اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ"، أوْ "صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ"،

﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ: قُولُوا: "اَللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى مُحَمَّدٍ"، أوِ انْقادُوا لِأمْرِهِ وحُكْمِهِ انْقِيادًا، وسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: « "إنْ اللهَ وكَّلَ بِي مَلَكَيْنِ، فَلا أُذْكَرُ عِنْدَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ فَيُصَلِّي عَلَيَّ إلّا قالَ ذانِكَ المَلَكانِ: غَفَرَ اللهُ لَكَ، وقالَ اللهُ ومَلائِكَتُهُ - جَوابًا لَذَيْنِكَ المَلَكَيْنِ -: (آمِينَ)، ولا أُذْكَرُ عِنْدَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ إلّا قالَ ذانِكَ المَلَكانِ: لا غَفَرَ اللهُ لَكَ، وقالَ اللهُ ومَلائِكَتُهُ - جَوابًا لِذَيْنِكَ المَلَكَيْنِ » -: (آمِينَ)"، ثُمَّ هي واجِبَةٌ "مَرَّةً"، عِنْدَ الطَحاوِيِّ، وكُلَّما ذُكِرَ اسْمُهُ عِنْدَ الكَرْخِيِّ، وهو الِاحْتِياطُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وإنْ صَلّى عَلى غَيْرِهِ - عَلى سَبِيلِ التَبَعِ كَقَوْلِهِ: صَلّى اللهُ عَلى النَبِيِّ وآلِهِ -، فَلا كَلامَ فِيهِ، وأمّا إذا أفْرَدَ غَيْرَهُ مِن أهْلِ البَيْتِ بِالصَلاةِ، فَمَكْرُوهٌ، وهو مِن شَعائِرِ الرَوافِضِ.

33:57Page 426

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٥٧

Indeed, those who abuse Allāh and His Messenger - Allāh has cursed them in this world and the Hereafter and prepared for them a humiliating punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ لِلتَّشْرِيفِ، أوْ عَبَّرَ بِإيذاءِ اللهِ ورَسُولِهِ عَنْ فِعْلِ ما لا يُرْضِي اللهَ ورَسُولَهُ، كالكُفْرِ، وإنْكارِ النُبُوَّةِ، مَجازًا، وإنَّما جُعِلَ مَجازًا فِيهِما - وحَقِيقَةُ الإيذاءِ يُتَصَوَّرُ في رَسُولِ اللهِ - لِئَلّا يَجْتَمِعَ المَجازُ والحَقِيقَةُ في لَفْظٍ واحِدٍ،

﴿لَعَنَهُمُ اللهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ﴾، طَرَدَهُمُ اللهُ مِن رَحْمَتِهِ في الدارَيْنِ،

﴿وَأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾، في الآخِرَةِ.

33:58Page 426

وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨

And those who harm believing men and believing women for [something] other than what they have earned [i.e., deserved] have certainly borne upon themselves a slander and manifest sin.

﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾، أطْلَقَ إيذاءَ اللهِ ورَسُولِهِ، وقَيَّدَ إيذاءَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، لِأنَّ ذاكَ يَكُونُ غَيْرَ حَقٍّ أبَدًا، وأمّا هَذا فَمِنهُ حَقٌّ - كالحَدِّ، والتَعْزِيرِ -، ومِنهُ باطِلٌ، قِيلَ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُؤْذُونَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، ويُسْمِعُونَهُ، وقِيلَ: في زُناةٍ كانُوا يَتَّبِعُونَ النِساءَ وهُنَّ كارِهاتٍ، وعَنِ الفُضَيْلِ: لا يَحِلُّ لَكَ أنْ تُؤْذِيَ كَلْبًا، أوْ خِنْزِيرًا (p-٤٥)بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَيْفَ إيذاءُ المُؤْمِنِينَ، والمُؤْمِناتِ؟! ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا﴾، تَحَمَّلُوا،

﴿بُهْتانًا﴾، كَذِبًا عَظِيمًا،

﴿وَإثْمًا مُبِينًا﴾، ظاهِرًا.

33:59Page 426

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩

O Prophet, tell your wives and your daughters and the women of the believers to bring down over themselves [part] of their outer garments.1 That is more suitable that they will be known2 and not be abused. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.3

﴿يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾، "اَلْجِلْبابُ": ما يَسْتُرُ الكُلَّ، مِثْلَ المِلْحَفَةِ، عَنِ المُبَرِّدِ، ومَعْنى "يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ": يُرْخِينَها عَلَيْهِنَّ، ويُغَطِّينَ بِها وُجُوهَهُنَّ، وأعْطافَهُنَّ، يُقالُ: إذا زَلَّ الثَوْبُ عَنْ وجْهِ المَرْأةِ أدْنِ ثَوْبَكَ عَلى وجْهِكَ، و"مِن"، لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: تُرْخِي بَعْضَ جِلْبابِها، وفَضْلَهُ، عَلى وجْهِها، تَتَقَنَّعُ، حَتّى تَتَمَيَّزَ مِنَ الأمَةِ، أوِ المُرادُ أنْ يَتَجَلْبَبْنَ بِبَعْضِ ما لَهُنَّ مِنَ الجَلابِيبِ، وألّا تَكُونَ المَرْأةُ مُتَبَذِّلَةً في دِرْعٍ وخِمارٍ كالأمَةِ، ولَها جِلْبابانِ فَصاعِدًا في بَيْتِها، وذَلِكَ أنَّ النِساءَ كُنَّ في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى هَجِّيراهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ مُتَبَذِّلاتٍ، تَبْرُزُ المَرْأةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ، لا فَصْلَ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ، وكانَ الفِتْيانُ يَتَعَرَّضُونَ إذا خَرَجْنَ بِاللَيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ في النَخْلِ، والغِيطانِ، لِلْإماءِ، ورُبَّما تَعَرَّضُوا لِلْحُرَّةِ، لِحُسْبانِ الأمَةِ، فَأُمِرْنَ أنْ يُخالِفْنَ بِزِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الإماءِ، بِلُبْسِ المَلاحِفِ، وسَتْرِ الرءوس، والوُجُوهِ، فَلا يَطْمَعُ فِيهِنَّ طامِعٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أيْ: أوْلى وأجْدَرُ بِأنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُتَعَرَّضَ لَهُنَّ،

﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾، لِما سَلَفَ مِنهُنَّ مِنَ التَفْرِيطِ،

﴿رَحِيمًا﴾، بِتَعْلِيمِهِنَّ آدابَ المَكارِمِ.

33:60Page 426

۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠

If the hypocrites and those in whose hearts is disease1 and those who spread rumors in al-Madīnah do not cease, We will surely incite you against them; then they will not remain your neighbors therein except for a little,

﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، "فُجُورٌ"، وهُمُ الزُناةُ، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾، هم أُناسٌ كانُوا يُرْجِفُونَ بِأخْبارِ السُوءِ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ: هُزِمُوا، وقُتِلُوا، وجَرى عَلَيْهِمْ كَيْتُ وكَيْتُ، فَيَكْسِرُونَ بِذَلِكَ قُلُوبَ (p-٤٦)المُؤْمِنِينَ، يُقالُ أرْجَفَ بِكَذا، إذا أخْبَرَ بِهِ عَلى غَيْرِ حَقِيقَةٍ، لِكَوْنِهِ خَبَرًا مُتَزَلْزِلًا غَيْرَ ثابِتٍ مِن "اَلرَّجْفَةُ"، وهي الزَلْزَلَةُ،

﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، لِنَأْمُرَنَّكَ بِقِتالِهِمْ، أوْ لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ،

﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾، في المَدِينَةِ، وهو عَطْفٌ عَلى "لَنُغْرِيَنَّكَ"، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجابَ بِهِ القَسَمُ، لِصِحَّةِ قَوْلِكَ: "لَئِنْ لَمْ يَنْتَهُوا لا يُجاوِرُونَكَ"، ولَما كانَ الجَلاءُ عَنِ الوَطَنِ أعْظَمَ مِن جَمِيعِ ما أُصِيبُوا بِهِ، عَطَفَ بِـ "ثُمَّ"، لِبُعْدِ حالِهِ عَنْ حالِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ،

﴿إلا قَلِيلا﴾، زَمانًا قَلِيلًا، والمَعْنى: "لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ عَنْ عَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ، والفَسَقَةُ عَنْ فُجُورِهِمْ، والمُرْجِفُونَ عَمّا يُؤَلِّفُونَ مِن أخْبارِ السُوءِ، لَنَأْمُرَنَّكَ بِأنْ تَفْعَلَ الأفْعالَ الَّتِي تَسُوؤُهُمْ، ثُمَّ بِأنْ تَضْطَرَّهم إلى طَلَبِ الجَلاءِ عَنِ المَدِينَةِ، وإلى ألّا يُساكِنُوكَ فِيها إلّا زَمانًا قَلِيلًا، رَيْثَما يَرْتَحِلُونَ"، فَسُمِّيَ ذَلِكَ إغْراءً - وهو التَحْرِيشُ - عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

33:61Page 426

مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١

Accursed wherever they are found, [being] seized and massacred completely.

﴿مَلْعُونِينَ﴾، نُصِبَ عَلى الشَتْمِ، أوِ الحالِ، أيْ: "لا يُجاوِرُونَكَ إلّا مَلْعُونِينَ"، فالِاسْتِثْناءُ دَخَلَ عَلى الظَرْفِ، والحالِ، مَعًا، كَما مَرَّ، ولا يَنْتَصِبُ عَنْ "أُخِذُوا"، لِأنَّ ما بَعْدَ كَلِمَةِ الشَرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها،

﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾، وُجِدُوا،

﴿أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾، والتَشْدِيدُ يَدُلُّ عَلى التَكْثِيرِ.

33:62Page 426

سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢

[This is] the established way of Allāh with those who passed on before; and you will not find in the way of Allāh any change.

﴿سُنَّةَ اللهِ﴾، في مَوْضِعِ مَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ، أيْ: "سَنَّ اللهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ أنْ يُقْتَلُوا أيْنَما وُجِدُوا،

﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾، مَضَوْا،

﴿مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا﴾ أيْ: لا يُبَدِّلُ اللهُ سُنَّتَهُ، بَلْ يُجْرِيها مُجْرًى واحِدًا في الأُمَمِ.

33:63Page 427

يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣

People ask you concerning the Hour. Say, "Knowledge of it is only with Allāh. And what may make you perceive? Perhaps the Hour is near."

﴿يَسْألُكَ الناسُ عَنِ الساعَةِ﴾، كانَ المُشْرِكُونَ يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ، اسْتِعْجالًا، عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، واليَهُودُ يَسْألُونَهُ امْتِحانًا، لِأنَّ اللهَ (تَعالى) عَمّى وقْتَها في التَوْراةِ، وفي كُلِّ كِتابٍ، فَأمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِأنَّهُ عِلْمٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ لِرَسُولِهِ أنَّها قَرِيبَةُ الوُقُوعِ، تَهْدِيدًا لِلْمُسْتَعْجِلِينَ، وإسْكانًا لِلْمُمْتَحِنِينَ، بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، (p-٤٧)شَيْئًا قَرِيبًا، أوْ لِأنَّ الساعَةَ في مَعْنى "اَلزَّمانُ".

33:64Page 427

إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤

Indeed, Allāh has cursed the disbelievers and prepared for them a Blaze.

﴿إنَّ اللهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾، نارًا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ.

33:65Page 427

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥

Abiding therein forever, they will not find a protector or a helper.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾، هَذا يَرُدُّ مَذْهَبَ الجَهْمِيَّةِ، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الجَنَّةَ والنارَ تَفْنَيانِ، ولا وقْفَ عَلى "سَعِيرًا"، لِأنَّ قَوْلَهُ: "خالِدِينَ فِيها"، حالٌ عَنِ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"،

﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾، ناصِرًا يَمْنَعُهم.

اُذْكُرْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском