An-NasafiSaba · 34:23–51

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:23–51

34:23Page 431

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣

And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.

﴿وَلا تَنْفَعُ الشَفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ أيْ: أذِنَ لَهُ اللهُ، يَعْنِي إلّا مَن وقَعَ الإذْنُ (p-٦٢)لِلشَّفِيعِ لِأجْلِهِ، وهي اللامُ الثانِيَةُ في قَوْلِكَ: "أُذِنَ لِزَيْدٍ لِعَمْرٍو"، أيْ: لِأجْلِهِ، وهَذا تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: "هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ"، "أُذِنَ لَهُ"، "كُوفِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ"، إلّا الأعْشى،

﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ الشافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهُمْ، بِكَلِمَةٍ يَتَكَلَّمُ بِها رَبُّ العِزَّةِ في إطْلاقِ الإذْنِ، و"فَزَّعَ"، "شامِيٌّ"، أيْ: اَللَّهُ (تَعالى)، و"اَلتَّفْزِيعُ": إزالَةُ الفَزَعِ، و"حَتّى"، غايَةٌ لِما فُهِمَ مِن أنَّ ثَمَّ انْتِظارًا لِلْإذْنِ، وتَوَقُّفًا، وفَزَعًا مِنَ الراجِينَ لِلشَّفاعَةِ، والشُفَعاءِ، هَلْ يُؤْذَنُ لَهم أوْ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَتَرَبَّصُونَ ويَتَوَقَّعُونَ مَلِيًّا، فَزِعِينَ،

﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا﴾، سَألَ بَعْضُهم بَعْضًا: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾، قالُوا: "قالَ الحَقَّ "، أيْ: قَوْلَ الحَقِّ، وهو الإذْنُ بِالشَفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى،

﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾، ذُو العُلُوِّ والكِبْرِياءِ، لَيْسَ لِمَلَكٍ ولا نَبِيٍّ أنْ يَتَكَلَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ إلّا بِإذْنِهِ، وأنْ يَشْفَعُ إلّا لِمَنِ ارْتَضى.

34:24Page 431

۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤

Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَماواتِ والأرْضِ قُلِ اللهُ﴾، أمَرَهُ بِأنْ يُقَرِّرَهم بِقَوْلِهِ: "مَن يَرْزُقُكُمْ"، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يَتَوَلّى الإجابَةَ والإقْرارَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: "يَرْزُقُكُمُ اللهُ"، وذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم مُقِرُّونَ بِهِ بِقُلُوبِهِمْ، إلّا أنَّهم رُبَّما أبَوْا أنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، لِأنَّهم إنْ تَفَوَّهُوا بِأنَّ اللهَ رازِقُهُمْ، لَزِمَهم أنْ يُقالَ لَهُمْ: "فَما لَكم لا تَعْبُدُونَ مَن يَرْزُقُكُمْ، وتُؤْثِرُونَ عَلَيْهِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الرِزْقِ؟!"، وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم بَعْدَ الإلْزامِ، والإلْجامِ الَّذِي إنْ لَمْ يَزِدْ عَلى إقْرارِهِمْ بِألْسِنَتِهِمْ، لَمْ يَتَقاصَرْ عَنْهُ: ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، ومَعْناهُ: وإنَّ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، ومِنَ المُشْرِكِينَ، لَعَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ، مِنَ الهُدى، والضَلالِ، وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، الَّذِي كُلُّ مَن سَمِعَهُ مِن مُوالٍ، أوْ مُنافٍ، قالَ لِمَن خُوطِبَ بِهِ: "قَدْ أنْصَفَكَ صاحِبُكَ"، وفي دَرْجِهِ، بَعْدَ تَقَدُّمِ ما قُدِّمَ مِنَ التَقْرِيرِ، دَلالَةٌ غَيْرُ خَفِيَّةٍ عَلى مَن هو مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى الهُدى، ومَن هو في الضَلالِ المُبِينِ، ولَكِنَّ التَعْرِيضَ أوْصَلُ بِالمُجادِلِ إلى الغَرَضِ، ونَحْوُهُ قَوْلُكَ لِلْكاذِبِ: إنَّ أحَدَنا لَكاذِبٌ، وخُولِفَ بَيْنَ (p-٦٣)حَرْفَيِ الجَرِّ الداخِلَيْنِ عَلى الهُدى، والضَلالِ، لِأنَّ صاحِبَ الهُدى كَأنَّهُ مُسْتَعْلٍ عَلى فَرَسٍ جَوادٍ، يَرْكُضُهُ حَيْثُ شاءَ، والضالُّ كَأنَّهُ يَنْغَمِسُ في ظَلامٍ، لا يَدْرِي أيْنَ يَتَوَجَّهُ.

34:25Page 431

قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥

Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."

﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾، هَذا أدْخَلُ في الإنْصافِ مِنَ الأوَّلِ، حَيْثُ أسْنَدَ الإجْرامَ إلى المُخاطِبِينَ، وهو مَزْجُورٌ عَنْهُ مَحْظُورٌ، والعَمَلَ إلى المُخاطَبِينَ، وهو مَأْمُورٌ بِهِ مَشْكُورٌ.

34:26Page 431

قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦

Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1

﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾، يَوْمَ القِيامَةِ،

﴿ثُمَّ يَفْتَحُ﴾، يَحْكُمُ،

﴿بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾، بِلا جَوْرٍ، ولا مَيْلٍ،

﴿وَهُوَ الفَتّاحُ﴾، اَلْحاكِمُ،

﴿العَلِيمُ﴾ بِالحُكْمِ.

34:27Page 431

قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ﴾ أيْ: ألْحَقْتُمُوهُمْ،

﴿بِهِ﴾ بِاللهِ،

﴿شُرَكاءَ﴾، في العِبادَةِ مَعَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: " ﴿أرُونِيَ﴾ "، وكانَ يَراهُمْ، أنْ يُرِيَهُمُ الخَطَأ العَظِيمَ في إلْحاقِ الشُرَكاءِ بِاللهِ، وأنْ يُطْلِعَهم عَلى حالَةِ الإشْراكِ بِهِ،

﴿كَلا﴾، رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ، أيْ: اِرْتَدِعُوا عَنْ هَذا القَوْلِ وتَنَبَّهُوا عَنْ ضَلالِكم.

﴿بَلْ هو اللهُ العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ فَلا يُشارِكُهُ أحَدٌ، و"هُوَ"، ضَمِيرُ الشَأْنِ،

﴿الحَكِيمُ﴾، في تَدْبِيرِهِ.

34:28Page 431

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨

And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.

﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾، إلّا إرْسالَةً عامَّةً لَهُمْ، مُحِيطَةً بِهِمْ، لِأنَّها إذا شَمِلَتْهم فَقَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهُمْ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْنى الكافَّةِ في اللُغَةِ: اَلْإحاطَةُ، والمَعْنى: "أرْسَلْناكَ جامِعًا لِلنّاسِ في الإنْذارِ، والإبْلاغِ، فَجَعَلَهُ حالًا مِنَ الكافِ والتاءِ عَلى هَذا، لِلْمُبالَغَةِ، كَتاءِ "اَلرّاوِيَةُ"، و"اَلْعَلّامَةُ"،

﴿بَشِيرًا﴾، بِالفَضْلِ لِمَن أقَرَّ،

﴿وَنَذِيرًا﴾، بِالعَدْلِ لِمَن أصَرَّ،

﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى مُخالَفَتِكَ.

34:29Page 431

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: اَلْقِيامَةُ، المُشارُ إلَيْها في قَوْلِهِ: "قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا"،

﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

34:30Page 431

قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠

Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."

(p-٦٤)﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ﴾، اَلْمِيعادُ ظَرْفُ الوَعْدِ، مِن مَكانٍ، أوْ زَمانٍ، وهو هُنا الزَمانُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "مِيعادٌ يَوْمٌ"، فَأبْدَلَ مِنهُ اليَوْمَ، وأمّا الإضافَةُ فَإضافَةُ تَبْيِينٍ، كَما تَقُولُ "بَعِيرُ سانِيَةٍ"،

﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ أيْ: لا يُمْكِنُكُمُ التَأخُّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِمْهالِ، ولا التَقَدُّمُ إلَيْهِ بِالِاسْتِعْجالِ، وُوَجْهُ انْطِباقِ هَذا الجَوابِ عَلى سُؤالِهِمْ أنَّهم سَألُوا عَنْ ذَلِكَ، وهم مُنْكِرُونَ لَهُ، تَعَنُّتًا، لا اسْتِرْشادًا، فَجاءَ الجَوابُ عَلى طَرِيقِ التَهْدِيدِ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ عَلى الإنْكارِ، والتَعَنُّتِ، وأنَّهم مُرْصَدُونَ لِيَوْمٍ يُفاجِئُهُمْ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَأخُّرًا عَنْهُ، ولا تَقَدُّمًا عَلَيْهِ.

34:31Page 431

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١

And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أبُو جَهْلٍ وذَوُوُهُ،

﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: ما نَزَلَ قَبْلَ القُرْآنِ مِن كُتُبِ اللهِ، أوِ القِيامَةِ والجَنَّةِ والنارِ، حَتّى إنَّهم جَحَدُوا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِنَ اللهِ، وأنْ يَكُونَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الإعادَةِ حَقِيقَةً،

﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾، مَحْبُوسُونَ،

﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ﴾، يَرُدُّ،

﴿بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾، في الجِدالِ، أخْبَرَ عَنْ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ، ومَآلِهِمْ في الآخِرَةِ، فَقالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ لِلْمُخاطَبِ: "وَلَوْ تَرى في الآخِرَةِ مَوْقِفَهم وهم يَتَجاذَبُونَ أطْرافَ المُحاوَرَةِ ويَتَراجَعُونَها بَيْنَهُمْ، لَرَأيْتَ العَجَبَ"، فَحَذَفَ الجَوابَ،

﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أيْ: اَلْأتْباعُ،

﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: لِلرءوس، والمُقَدَّمِينَ،

﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾، لَوْلا دُعاؤُكم إيّانا إلى الكُفْرِ، لَكُنّا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.

34:32Page 432

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢

Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."

(p-٦٥)﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى﴾، أُولِيَ الِاسْمُ - أيْ: "نَحْنُ" - حَرْفَ الإنْكارِ، لِأنَّ المُرادَ إنْكارُ أنْ يَكُونُوا هُمُ الصادِّينَ لَهم عَنِ الإيمانِ، وإثْباتُ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ صَدُّوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ، وأنَّهم أُوتُوا مِن قِبَلِ اخْتِيارِهِمْ،

﴿بَعْدَ إذْ جاءَكُمْ﴾، إنَّما وقَعَتْ "إذْ"، مُضافًا إلَيْها، وإنْ كانَتْ "إذْ"، و"إذا"، مِنَ الظُرُوفِ اللازِمَةِ لِلظَّرْفِيَّةِ، لِأنَّهُ قَدِ اتَّسَعَ في الزَمانِ ما لَمْ يَتَّسِعْ في غَيْرِهِ، فَأُضِيفَ إلَيْها الزَمانُ،

﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾، كافِرِينَ لِاخْتِيارِكُمْ، وإيثارِكُمُ الضَلالَ عَلى الهُدى، لا بِقَوْلِنا وتَسْوِيلِنا.

34:33Page 432

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣

Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?

﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، لَمْ يَأْتِ بِالعاطِفِ في "قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا"، وأتى بِهِ في "وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا"، لِأنَّ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا مَرَّ أوَّلًا كَلامُهُمْ، فَجِيءَ بِالجَوابِ مَحْذُوفَ العاطِفِ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ جِيءَ بِكَلامٍ آخَرَ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، فَعَطَفَ عَلى كَلامِهِمُ الأوَّلِ،

﴿بَلْ مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ﴾، بَلْ مَكْرُكم بِنا بِاللَيْلِ والنَهارِ، فاتَّسَعَ في الظَرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ، وإضافَةِ المَكْرِ إلَيْهِ، أوْ جَعْلِ لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ ماكِرَيْنِ، عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، أيْ: "اَللَّيْلُ والنَهارُ مَكَرا بِطُولِ السَلامَةِ فِيهِما، حَتّى ظَنَنّا أنَّكم عَلى الحَقِّ"،

﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾، أشْباهًا، والمَعْنى أنَّ المُسْتَكْبِرِينَ لَمّا أنْكَرُوا بِقَوْلِهِمْ: "أنَحْنُ صَدَدْناكُمْ"، أنْ يَكُونُوا هُمُ السَبَبَ في كُفْرِ المُسْتَضْعَفِينَ، وأثْبَتُوا بِقَوْلِهِمْ: "بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ"، أنَّ ذَلِكَ بِكَسْبِهِمْ، واخْتِيارِهِمْ، كَرَّ عَلَيْهِمُ المُسْتَضْعَفُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ فَأبْطَلُوا إضْرابَهم بِإضْرابِهِمْ، كَأنَّهم قالُوا: "ما كانَ الإجْرامُ مِن جِهَتِنا، بَلْ مِن جِهَةِ مَكْرِكم لَنا دائِبًا لَيْلًا ونَهارًا، أوْ حَمْلِكم إيّانا عَلى الشِرْكِ واتِّخاذِ الأنْدادِ"،

﴿وَأسَرُّوا النَدامَةَ﴾، أضْمَرُوا أوْ أظْهَرُوا، وهو مِنَ الأضْدادِ، وهُمُ الظالِمُونَ، في قَوْلِهِ: ﴿إذِ الظالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ [سبإ: ٣١] يَنْدَمُ المُسْتَكْبِرُونَ عَلى ضَلالِهِمْ، وإضْلالِهِمْ، والمُسْتَضْعَفُونَ عَلى ضَلالِهِمْ، واتِّباعِهِمُ المُضِلِّينَ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، اَلْجَحِيمَ، (p-٦٦)﴿وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: في أعْناقِهِمْ، فَجاءَ بِالصَرِيحِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ الأغْلالَ،

﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، في الدُنْيا.

34:34Page 432

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤

And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾، نَبِيٍّ،

﴿إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾، مُتَنَعِّمُوها، ورُؤَساؤُها،

﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾، هَذِهِ تَسَلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَكْذِيبِ، والكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ قَطُّ إلى أهْلِ قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالُوا لَهُ مِثْلَ ما قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أهْلُ مَكَّةَ، وافْتَخَرُوا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، كَما قالَ:

34:35Page 432

وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥

And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."

﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، أرادُوا أنَّهم أكْرَمُ عَلى اللهِ مِن أنْ يُعَذِّبَهُمْ، نَظَرًا إلى أحْوالِهِمْ في الدُنْيا، وظَنُّوا أنَّهم لَوْ لَمْ يُكْرَمُوا عَلى اللهِ لَما رَزَقَهُمُ اللهُ، ولَوْلا أنَّ المُؤْمِنِينَ هانُوا عَلَيْهِ لَما حَرَمَهُمْ، فَأبْطَلَ اللهُ ظَنَّهم بِأنَّ الرِزْقَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ، يُقَسِّمُهُ كَيْفَ يَشاءُ، فَرُبَّما وسَّعَ عَلى العاصِي، وضَيَّقَ عَلى المُطِيعِ، ورُبَّما عَكَسَ، ورُبَّما وسَّعَ عَلَيْهِما، أوْ ضَيَّقَ عَلَيْهِما، فَلا يَنْقاسُ عَلَيْهِما أمْرُ الثَوابِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ:

34:36Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾، قَدْرُ الرِزْقِ: تَضْيِيقُهُ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، ذَلِكَ.

34:37Page 432

وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].

﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ أيْ: وما جَماعَةُ أمْوالِكُمْ، ولا جَماعَةُ أوْلادِكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ، وذَلِكَ أنَّ الجَمْعَ المُكَسَّرَ عُقَلاؤُهُ وغَيْرُ عُقَلائِهِ سَواءٌ في حُكْمِ التَأْنِيثِ، و"اَلزُّلْفى"، و"اَلزُّلْفَةُ"، كَـ "اَلْقُرْبى"، و"اَلْقُرْبَةُ"، ومَحَلُّها النَصْبُ، عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تُقَرِّبُكم قُرْبَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾، اَلِاسْتِثْناءُ مِن "كُمْ"، في "تُقَرِّبُكُمْ"، يَعْنِي أنَّ الأمْوالَ (p-٦٧)لا تُقَرِّبُ أحَدًا إلّا المُؤْمِنَ الصالِحَ، الَّذِي يُنْفِقُها في سَبِيلِ اللهِ، والأوْلادُ لا تُقَرِّبُ أحَدًا إلّا مَن عَلَّمَهُمُ الخَيْرَ، وفَقَّهَهم في الدِينِ، ورَشَّحَهم لِلصَّلاحِ، والطاعَةِ، وعَنِ ابْنِ عِيسى: "إلّا"، بِمَعْنى "لَكِنْ"، و"مَن"، شَرْطٌ، جَوابُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِعْفِ﴾، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أصْلُهُ: "فَأُولَئِكَ لَهم أنْ يَجازَوُا الضِعْفَ، ثُمَّ جَزاءٌ الضِعْفَ، ثُمَّ جَزاءُ الضِعْفِ، ومَعْنى "جَزاءُ الضِعْفِ"، أنْ تُضاعَفَ لَهم حَسَناتُهُمُ الواحِدَةُ عَشْرًا، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "جَزاءً الضِعْفُ"، عَلى "فَأُولَئِكَ لَهُمُ الضِعْفُ جَزاءً"،

﴿بِما عَمِلُوا﴾، بِأعْمالِهِمْ،

﴿وَهم في الغُرُفاتِ﴾ أيْ: غُرَفِ مَنازِلِ الجَنَّةِ "فِي الغُرْفَةِ"، "حَمْزَةُ"،

﴿آمِنُونَ﴾، مِن كُلِّ هائِلٍ وشاغِلٍ.

34:38Page 432

وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨

And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].

﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾، في إبْطالِها،

﴿مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾

34:39Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾، يُوَسِّعُ،

﴿لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ﴾ "ما"، شَرْطِيَّةٌ، في مَوْضِعِ النَصْبِ،

﴿مِن شَيْءٍ﴾، بَيانُهُ،

﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، يُعَوِّضُهُ، لا مُعَوِّضَ سِواهُ، إمّا عاجِلًا بِالمالِ، أوْ آجِلًا بِالثَوابِ، جَوابُ الشَرْطِ،

﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾، اَلْمُطْعِمِينَ، لِأنَّ كُلَّ ما رُزِقَ غَيْرُهُ مِن سُلْطانٍ، أوْ سَيِّدٍ، أوْ غَيْرِهِما، فَهو مِن رِزْقِ اللهِ، أجْراهُ عَلى أيْدِي هَؤُلاءِ، وهو خالِقُ الرِزْقِ، وخالِقُ الأسْبابِ الَّتِي بِها يَنْتَفِعُ المَرْزُوقُ بِالرِزْقِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أوْجَدَنِي، وجَعَلَنِي مِمَّنْ يَشْتَهِي، فَكَمْ مِن مُشْتَهٍ لا يَجِدُ، وواجِدٍ لا يَشْتَهِي".

34:40Page 433

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"

(p-٦٨)"وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ"، وبِالياءِ فِيهِما، "حَفْصٌ ويَعْقُوبُ"، هَذا خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ، وتَقْرِيعٌ لِلْكُفّارِ، وارِدٌ عَلى المَثَلِ السائِرِ: "إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ"،

وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦]، اَلْآيَةَ.

34:41Page 433

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١

They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."

﴿قالُوا﴾ أيْ: اَلْمَلائِكَةُ،

﴿سُبْحانَكَ﴾، تَنْزِيهًا لَكَ أنْ يُعْبَدَ مَعَكَ غَيْرُكَ،

﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾، اَلْمُوالاةُ خِلافُ المُعاداةِ، وهي "مُفاعَلَةٌ"، مِن "اَلْوَلْيُ"، وهو القُرْبُ، و"اَلْوَلِيُّ"، يَقَعُ عَلى المُوالِي، والمُوالى، جَمِيعًا، والمَعْنى: "أنْتَ الَّذِي نُوالِيهِ"،

﴿مِن دُونِهِمْ﴾، إذْ لا مُوالاةَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، فَبَيَّنُوا بِإثْباتِ مُوالاةِ اللهِ، ومُعاداةِ الكُفّارِ، بَراءَتَهم مِنَ الرِضا بِعِبادَتِهِمْ لَهُمْ، لِأنَّ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ كانَتْ حالُهُ مُنافِيَةً لِذَلِكَ،

﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيْ: الشَياطِينَ، حَيْثُ أطاعُوهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ، أوْ كانُوا يَدْخُلُونَ في أجْوافِ الأصْنامِ إذا عُبِدَتْ، فَيُعْبَدُونَ بِعِبادَتِهِمْ، أوْ صَوَّرَتْ لَهُمُ الشَياطِينُ صُورَةَ قَوْمٍ مِنَ الجِنِّ، وقالُوا: هَذِهِ صُوَرُ المَلائِكَةِ، فاعْبُدُوها،

﴿أكْثَرُهُمْ﴾، أكْثَرُ الإنْسِ، أوِ الكُفّارِ،

﴿بِهِمْ﴾، بِالجِنِّ،

﴿مُؤْمِنُونَ﴾

34:42Page 433

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."

﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾، لِأنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِلَّهِ وحْدَهُ، لا يَمْلِكُ فِيهِ أحَدٌ مَنفَعَةً، ولا مَضَرَّةً لِأحَدٍ، لِأنَّ الدارَ دارُ ثَوابٍ وعِقابٍ، والمُثِيبُ والمُعاقِبُ هو اللهُ، فَكانَتْ حالُها خِلافَ حالِ الدُنْيا الَّتِي هي دارُ تَكْلِيفٍ، والناسُ فِيها مُخَلًّى بَيْنَهُمْ، يَتَضارُّونَ ويَتَنافَعُونَ، والمُرادُ أنَّهُ (p-٦٩)لا ضارَّ ولا نافِعَ يَوْمَئِذٍ إلّا هُوَ، ثُمَّ ذَكَرَ عاقِبَةَ الظالِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، بِوَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، مَعْطُوفٌ عَلى "لا يَمْلِكُ"،

﴿ذُوقُوا عَذابَ النارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾، في الدُنْيا.

34:43Page 433

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيْ: إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ،

﴿بَيِّناتٍ﴾، واضِحاتٍ،

﴿قالُوا﴾ أيْ: اَلْمُشْرِكُونَ،

﴿ما هَذا﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ،

﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا﴾ أيْ: اَلْقُرْآنُ،

﴿إلا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وقالُوا - والعُدُولُ عَنْهُ دَلِيلُ إنْكارٍ عَظِيمٍ، وغَضَبٍ شَدِيدٍ - ﴿لِلْحَقِّ﴾، لِلْقُرْآنِ، أوْ لِأمْرِ النُبُوَّةِ كُلِّهِ،

﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾، وعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ،

﴿إنْ هَذا﴾ أيْ: اَلْحَقُّ،

﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، بَتُّوهُ عَلى أنَّهُ سِحْرٌ، ثُمَّ بَتُّوهُ عَلى أنَّهُ بَيِّنٌ ظاهِرٌ، كُلُّ عاقِلٍ تَأمَّلَهُ سَمّاهُ سِحْرًا.

34:44Page 433

وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤

And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.

﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ أيْ: ما أعْطَيْنا مُشْرِكِي مَكَّةَ كُتُبًا يَدْرُسُونَها، فِيها بُرْهانٌ عَلى صِحَّةِ الشِرْكِ،

﴿وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾، ولا أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَذِيرًا يُنْذِرُهم بِالعِقابِ إنْ لَمْ يُشْرِكُوا، ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِقَوْلِهِ:

34:45Page 433

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥

And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.

﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَذَّبَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والقُرُونِ الخالِيَةِ الرُسُلَ، كَما كَذَّبُوا،

﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أيْ: وما بَلَغَ أهْلُ مَكَّةَ عُشْرَ ما أُوتِيَ الأوَّلُونَ مِن طُولِ الأعْمارِ، وقُوَّةِ الأجْرامِ، وكَثْرَةِ الأمْوالِ، والأوْلادِ،

﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، لِلْمُكَذِّبِينَ الأوَّلِينَ، فَلْيَحْذَرُوا مِن مِثْلِهِ، وبِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، "يَعْقُوبُ"، أيْ: فَحِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم جاءَهم إنْكارِي بِالتَدْمِيرِ والِاسْتِئْصالِ، ولَمْ يُغْنِ عَنْهُمُ اسْتِظْهارُهم بِما هم مُسْتَظْهِرُونَ، فَما بالُ هَؤُلاءِ؟! وإنَّما قالَ: "فَكَذَّبُوا"، وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَّبَ (p-٧٠)الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ "وَفَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ التَكْذِيبَ، وأقْدَمُوا عَلَيْهِ"، جَعَلَ تَكْذِيبَ الرُسُلِ مُسَبَّبًا عَنْهُ، وهو كَقَوْلِ القائِلِ: "أقْدَمَ فُلانٌ عَلى الكُفْرِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ.

34:46Page 433

۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦

Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.

﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾، بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ، وقَدْ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُومُوا﴾، عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لَها، وقِيلَ: هو بَدَلٌ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ هو في مَحَلِّ الجَرِّ، وقِيلَ: هو في مَحَلِّ الرَفْعِ، عَلى تَقْدِيرِ: "وَهِيَ أنْ تَقُومُوا"، والنَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: "أعْنِي"، وأرادَ بِقِيامِهِمُ القِيامَ عَنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وتَفَرُّقِهِمْ عَنْ مُجْتَمَعِهِمْ عِنْدَهُ، أوْ قِيامَ القَصْدِ إلى الشَيْءِ، دُونَ النُهُوضِ، والِانْتِصابِ، والمَعْنى: إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ، إنْ فَعَلْتُمُوها أصَبْتُمُ الحَقَّ، وتَخَلَّصْتُمْ، وهي أنْ تَقُومُوا ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: لِوَجْهِ اللهِ خالِصًا، لا لِحَمِيَّةٍ، ولا عَصَبِيَّةٍ، بَلْ لِطَلَبِ الحَقِّ،

﴿مَثْنى﴾، اِثْنَيْنِ اثْنَيْنِ،

﴿وَفُرادى﴾، فَرْدًا فَرْدًا،

﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وما جاءَ بِهِ، أمّا الِاثْنانِ فَيَتَفَكَّرانِ، ويَعْرِضُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَحْصُولَ فِكْرِهِ عَلى صاحِبِهِ، ويَنْظُرانِ فِيهِ نَظَرَ الصِدْقِ، والإنْصافِ، حَتّى يُؤَدِّيَهُما النَظَرُ الصَحِيحُ إلى الحَقِّ، وكَذَلِكَ الفَرْدُ يَتَفَكَّرُ في نَفْسِهِ بِعَدْلٍ، ونَصَفَةٍ، ويَعْرِضُ فِكْرَهُ عَلى عَقْلِهِ، ومَعْنى تَفَرُّقِهِمْ مَثْنى وفُرادى أنَّ الِاجْتِماعَ مِمّا يُشَوِّشُ الخَواطِرَ، ويُعْمِي البَصائِرَ، ويَمْنَعُ مِنَ الرُؤْيَةِ، ويَقِلُّ الإنْصافُ فِيهِ، ويَكْثُرُ الِاعْتِسافُ، ويَثُورُ عِجاجُ التَعَصُّبِ، ولا يُسْمَعُ إلّا نُصْرَةُ المَذْهَبِ، و"تَتَفَكَّرُوا"، مَعْطُوفٌ عَلى "تَقُومُوا"،

﴿ما بِصاحِبِكُمْ﴾، يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ،

﴿مِن جِنَّةٍ﴾، جُنُونٍ، والمَعْنى: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، فَتَعْلَمُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ،

﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾، قُدّامَ عَذابٍ شَدِيدٍ، وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ ﷺ: « "بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ الساعَةِ". » (p-٧١)ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَطْلُبُ أجْرًا عَلى الإنْذارِ، بِقَوْلِهِ:

34:47Page 433

قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧

Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."

﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾، عَلى إنْذارِي، وتَبْلِيغِي الرِسالَةَ،

﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾، جَزاءُ الشَرْطِ، تَقْدِيرُهُ: "أيُّ شَيْءٍ سَألْتُكم مِن أجْرٍ"، كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ومَعْناهُ نَفْيُ مَسْألَةِ الأجْرِ رَأْسًا، نَحْوَ: "ما لِي في هَذا فَهو لَكَ"، أيْ: لَيْسَ لِي فِيهِ شَيْءٌ،

﴿إنْ أجْرِيَ﴾، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وأبُو بَكْرٍ وحَفْصٌ"، وبِسُكُونِ الياءِ غَيْرُهُمْ،

﴿إلا عَلى اللهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فَيَعْلَمُ أنِّي لا أطْلُبُ الأجْرَ عَلى نَصِيحَتِكُمْ، ودُعائِكم إلَيْهِ، إلّا مِنهُ.

34:48Page 433

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨

Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾، بِالوَحْيِ، و"اَلْقَذْفُ": تَوْجِيهُ السَهْمِ، ونَحْوِهِ، بِدَفْعٍ، واعْتِمادٍ، ويُسْتَعارُ لِمَعْنى الإلْقاءِ، ومِنهُ: ﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التابُوتِ﴾ [طه: ٣٩]، ومَعْنى "يَقْذِفُ بِالحَقِّ": يُلْقِيهِ، ويُنَزِّلُهُ إلى أنْبِيائِهِ، أوْ يَرْمِي بِهِ الباطِلَ، فَيَدْمَغُهُ، ويُزْهِقُهُ،

﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾، مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَقْذِفُ"، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ.

34:49Page 434

قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩

Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1

﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾، اَلْإسْلامُ، والقُرْآنُ،

﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ أيْ: زالَ الباطِلُ، وهَلَكَ لِأنَّ الإبْداءَ والإعادَةَ مِن صِفاتِ الحَيِّ، فَعَدَمُهُما عِبارَةٌ عَنِ الهَلاكِ، والمَعْنى: "جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ"، كَقَوْلِهِ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، «وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: دَخَلَ النَبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وحَوْلَ الكَعْبَةِ أصْنامٌ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعَوْدٍ نَبْعَةٍ، ويَقُولُ: "جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا، جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ"، » وقِيلَ: اَلْباطِلُ: اَلْأصْنامُ، وقِيلَ: إبْلِيسُ، لِأنَّهُ صاحِبُ الباطِلِ، أوْ لِأنَّهُ هالِكٌ، كَما قِيلَ لَهُ: "اَلشَّيْطانُ"، مِن "شاطَ"، إذا هَلَكَ، أيْ: لا يَخْلُقُ الشَيْطانُ ولا الصَنَمُ أحَدًا، ولا يَبْعَثُهُ، فالمُنْشِئُ والباعِثُ هو اللهُ.

34:50Page 434

قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠

Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."

(p-٧٢)وَلَمّا قالُوا: قَدْ ضَلَلْتَ بِتَرْكِ دِينِ آبائِكَ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ﴾، عَنِ الحَقِّ،

﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾، إنْ ضَلَلْتُ فَمِنِّي، وعَلَيَّ،

﴿وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ أيْ: فَبِتَسْدِيدِهِ بِالوَحْيِ إلَيَّ، وكانَ قِياسُ التَقابُلِ أنْ يُقالَ: "وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَإنَّما أهْتَدِي لَها"، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الزمر: ٤١]، ولَكِنْ هُما مُتَقابِلانِ مَعْنًى، لِأنَّ النَفْسَ كُلُّ ما عَلَيْها، وضارٌّ لَها، فَهو بِها، وبِسَبَبِها، لِأنَّها الأمارَةُ بِالسُوءِ، وما لَها، مِمّا يَنْفَعُها، فَبِهِدايَةِ رَبِّها، وتَوْفِيقِهِ، وهَذا حُكْمٌ عامٌّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ، وإنَّما أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُسْنِدَهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّ الرَسُولَ إذا دَخَلَ تَحْتَهُ - مَعَ جَلالَةِ مَحَلِّهِ، وسَدادِ طَرِيقَتِهِ - كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِهِ،

﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾، لِما أقُولُهُ لَكُمْ،

﴿قَرِيبٌ﴾، مِنِّي، ومِنكُمْ، يُجازِينِي، ويُجازِيكم.

34:51Page 434

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١

And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.

﴿وَلَوْ تَرى﴾، جَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: "لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، وحالًا هائِلَةً"،

﴿إذْ فَزِعُوا﴾، عِنْدَ البَعْثِ، أوْ عِنْدَ المَوْتِ، أوْ يَوْمَ "بَدْرٍ"،

﴿فَلا فَوْتَ﴾، فَلا مَهْرَبَ، أوْ فَلا يَفُوتُونَ اللهَ، ولا يَسْبِقُونَهُ،

﴿وَأُخِذُوا﴾، عَطْفٌ عَلى "فَزِعُوا"، أيْ: "فَزِعُوا وأُخِذُوا، فَلا فَوْتَ لَهُمْ"، أوْ عَلى "فَوْتَ"، عَلى مَعْنى: "إذْ فَزِعُوا فَلَمْ يَفُوتُوا، وأُخِذُوا"،

﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾، مِنَ المَوْقِفِ إلى النارِ، إذا بُعِثُوا، أوْ مِن ظَهْرِ الأرْضِ إلى بَطْنِها، إذا ماتُوا، أوْ مِن صَحْراءِ "بَدْرٍ"، إلى القَلِيبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском