An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
سبإ
Saba
Sheba · Meccan · 54 ayahs
34:1Page 428
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١
[All] praise is [due] to Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and to Him belongs [all] praise in the Hereafter. And He is the Wise, the Aware.
(p-٥١)سُورَةُ "سَبَإٍ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الحَمْدُ﴾، إنْ أُجْرِيَ عَلى المَعْهُودِ فَهو بِما حَمِدَ بِهِ نَفْسَهُ مَحْمُودٌ، وإنْ أُجْرِيَ عَلى الِاسْتِغْراقِ، فَلَهُ لِجُلِّ المَحامِدِ الِاسْتِحْقاقِ،
﴿لِلَّهِ﴾، بِلامِ التَمْلِيكِ، لِأنَّهُ خالِقُ ناطِقِ الحَمْدِ أصْلًا، فَكانَ بِمِلْكِهِ مالِكَ الحَمْدِ، لِلتَّحْمِيدِ أهْلًا،
﴿الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾، خَلْقًا ومِلْكًا وقَهْرًا، فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ يُحْمَدَ سِرًّا وجَهْرًا،
﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾، كَما هو لَهُ في الدُنْيا، إذِ النِعَمُ في الدارَيْنِ مِنَ المَوْلى، غَيْرَ أنَّ الحَمْدَ هُنا واجِبٌ، لِأنَّ الدُنْيا دارُ تَكْلِيفٍ، وثَمَّ لا، لِعَدَمِ التَكْلِيفِ، وإنَّما يَحْمَدُ أهْلُ الجَنَّةِ سُرُورًا بِالنَعِيمِ، وتَلَذُّذًا بِما نالُوا مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ، بِقَوْلِهِمْ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدُهُ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبُ عَنّا الحَزَنَ"،
﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾، بِتَدْبِيرِ ما في السَماءِ والأرْضِ،
﴿الخَبِيرُ﴾، بِضَمِيرِ مَن يَحْمَدُهُ لِيَوْمِ الجَزاءِ، والعَرْضِ.
34:2Page 428
يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ ٢
He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein. And He is the Merciful, the Forgiving.
﴿يَعْلَمُ﴾، مُسْتَأْنَفٌ،
﴿ما يَلِجُ﴾، ما يَدْخُلُ،
﴿فِي الأرْضِ﴾، مِنَ الأمْواتِ، والدَفائِنِ،
﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾، مِنَ النَباتِ وجَواهِرِ المَعادِنِ،
﴿وَما يَنْـزِلُ مِنَ السَماءِ﴾، مِنَ الأمْطارِ وأنْواعِ البَرَكاتِ،
﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾، يَصْعَدُ إلَيْها مِنَ (p-٥٢)المَلائِكَةِ، والدَعَواتِ،
﴿وَهُوَ الرَحِيمُ﴾، بِإنْزالِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ،
﴿الغَفُورُ﴾، لِما يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ.
34:3Page 428
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٣
But those who disbelieve say, "The Hour will not come to us." Say, "Yes, by my Lord, it will surely come to you. [Allāh is] the Knower of the unseen." Not absent from Him is an atom's weight1 within the heavens or within the earth or [what is] smaller than that or greater, except that it is in a clear register -
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مُنْكِرُو البَعْثِ،
﴿لا تَأْتِينا الساعَةُ﴾، نَفْيٌ لِلْبَعْثِ، وإنْكارٌ لِمَجِيءِ الساعَةِ،
﴿قُلْ بَلى﴾، أوْجَبَ ما بَعْدَ النَفْيِ "بَلى"، عَلى مَعْنى أنْ لَيْسَ الأمْرُ إلّا إتْيانُها،
﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، ثُمَّ أُعِيدَ إيجابُهُ مُؤَكِّدًا بِما هو الغايَةُ في التَوْكِيدِ والتَشْدِيدِ، وهو التَوْكِيدُ بِاليَمِينِ بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ثُمَّ أمَدَّ التَوْكِيدَ القَسَمِيَّ بِما أتْبَعَ المُقْسَمَ بِهِ مِنَ الوَصْفِ، بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾، لِأنَّ عَظَمَةَ حالِ المُقْسَمِ بِهِ تُؤْذِنُ بِقُوَّةِ حالِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وبِشِدَّةِ ثَباتِهِ واسْتِقامَتِهِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِشْهادِ عَلى الأمْرِ، وكُلَّما كانَ المُسْتَشْهَدُ بِهِ أرْفَعَ مَنزِلَةً كانَتِ الشَهادَةُ أقْوى وآكَدَ، والمُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ أثْبَتَ وأرْسَخَ، ولَمّا كانَ قِيامُ الساعَةِ مِن مَشاهِيرِ الغُيُوبِ، وأدْخَلَها في الخُفْيَةِ، كانَ الوَصْفُ بِما يَرْجِعُ إلى عِلْمِ الغَيْبِ أوْلى، وأحَقَّ.
"عالِمُ الغَيْبِ"، مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ"، أيْ: "هُوَ عالِمُ الغَيْبِ"، "عَلّامِ الغَيْبِ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، عَلى المُبالَغَةِ.
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾، وبِكَسْرِ الزايِ "عَلِيٌّ"، يُقالُ: "عَزَبَ، يَعْزِبُ"، إذا غابَ، وبَعُدَ،
﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾، مِقْدارُ أصْغَرِ نَمْلَةٍ،
﴿فِي السَماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾، مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ،
﴿وَلا أكْبَرُ﴾، مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ،
﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾، إلّا في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، "وَلا أصْغَرُ"، "وَلا أكْبَرُ"، بِالرَفْعِ، عَطْفٌ عَلى "مِثْقالُ ذَرَّةٍ"، ويَكُونُ "إلّا"، بِمَعْنى "لَكِنْ"، أوْ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "فِي كِتابٍ".
34:4Page 428
لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤
That He may reward those who believe and do righteous deeds. Those will have forgiveness and noble provision.
واللامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾، لِما قَصَّرُوا فِيهِ مِن مَدارِجِ الإيمانِ،
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، لِما صَبَرُوا عَلَيْهِ مِن مَناهِجِ الإحْسانِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ "لَتَأْتِيَنَّكُمْ"، تَعْلِيلًا لَهُ.
34:5Page 428
وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥
But those who strive against Our verses [seeking] to cause failure1 - for them will be a painful punishment of foul nature.
(p-٥٣)﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾، جاهَدُوا في رَدِّ القُرْآنِ،
﴿مُعاجِزِينَ﴾، مُسابِقِينَ، ظانِّينَ أنَّهم يَفُوتُونَنا، "مُعَجِّزِينَ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، أيْ: مُثَبِّطِينَ الناسَ عَنِ اتِّباعِها، وتَأمُّلِها، أوْ ناسِبِينَ اللهَ إلى العَجْزِ،
﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾، بِرَفْعِ المِيمِ، "مَكِّيٌّ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ"، صِفَةً لِـ "عَذابٌ"، أيْ: "عَذابٌ ألِيمٌ مِن سَيِّئِ العَذابِ"، قالَ قَتادَةُ: "اَلرِّجْزُ": سُوءُ العَذابِ، وغَيْرُهم بِالجَرِّ، صِفَةً لِـ "رِجْزٍ".
34:6Page 428
وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦
And those who have been given knowledge see that what is revealed to you from your Lord is the truth, and it guides to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy.
﴿وَيَرى﴾، في مَوْضِعِ الرَفْعِ، بِالِاسْتِئْنافِ، أيْ: "وَيَعْلَمُ"،
﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾، يَعْنِي أصْحابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ومَن يَطَأُ أعْقابَهم مِن أُمَّتِهِ، أوْ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ،
﴿الَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾، يَعْنِي القُرْآنَ،
﴿هُوَ الحَقَّ﴾ أيْ: اَلصِّدْقُ، و"هُوَ"، فَصْلُ، و"اَلْحَقُّ"، مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ في مَوْضِعِ النَصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى "لِيَجْزِيَ"، أيْ: "وَلِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ الساعَةِ أنَّهُ الحَقُّ، عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الإيقانِ"،
﴿وَيَهْدِي﴾، اَللَّهُ، أوِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ،
﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾، وهو دِينُ اللهِ.
34:7Page 428
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ ٧
But those who disbelieve say, "Shall we direct you to a man who will inform you [that] when you have disintegrated in complete disintegration, you will [then] be [recreated] in a new creation?
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قالَ قُرَيْشٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ،
﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، وإنَّما نَكَّرُوهُ - مَعَ أنَّهُ كانَ مَشْهُورًا، عَلَمًا في قُرَيْشٍ، وكانَ إنْباؤُهُ بِالبَعْثِ شائِعًا عِنْدَهم - تَجاهُلًا بِهِ، وبِأمْرِهِ، وبابُ التَجاهُلِ في البَلاغَةِ والِي سِحْرِها،
﴿يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: يُحَدِّثُكم بِأُعْجُوبَةٍ مِنَ الأعاجِيبِ، أنَّكم تُبْعَثُونَ، وتَنْشَؤُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، بَعْدَ أنْ تَكُونُوا رُفاتًا، وتُرابًا، ويُمَزِّقَ أجْسادَكُمُ البِلى "كُلَّ مُمَزَّقٍ"، أيْ: يُفَرِّقُكم كُلَّ تَفْرِيقٍ، فَـ "اَلْمُمَزَّقُ"، مَصْدَرٌ، بِمَعْنى التَمْزِيقِ، والعامِلُ في "إذا"، ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ (p-٥٤)جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُبْعَثُونَ، و"اَلْجَدِيدُ"، "فَعِيلٌ"، بِمَعْنى "فاعِلٌ"، عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، تَقُولُ: "جَدَّ، فَهو جَدِيدٌ"، كَـ "قَلَّ، فَهو قَلِيلٌ"، ولا يَجُوزُ "أنَّكُمْ"، بِالفَتْحِ، لِلّامِ في خَبَرِهِ.
34:8Page 429
أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨
Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.
﴿أفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، أهُوَ مُفْتَرٍ عَلى اللهِ كَذِبًا فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ؟! والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ، وهَمْزَةُ الوَصْلِ حُذِفَتِ اسْتِغْناءً عَنْها،
﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، جُنُونٌ، يُوهِمُهُ ذَلِكَ، ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ،
﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَلالِ البَعِيدِ﴾، ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: لَيْسَ مُحَمَّدٌ مِنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ في شَيْءٍ، وهو مُبَرَّأٌ مِنهُما، بَلْ هَؤُلاءِ القائِلُونَ الكافِرُونَ بِالبَعْثِ، واقِعُونَ في عَذابِ النارِ، وفِيما يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ مِنَ الضَلالِ عَنِ الحَقِّ، وهم غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، وذَلِكَ أجَنُّ الجُنُونِ، جُعِلَ وُقُوعُهم في العَذابِ رَسِيلًا لِوُقُوعِهِمْ في الضَلالِ، كَأنَّهُما كائِنانِ في وقْتٍ واحِدٍ، لِأنَّ الضَلالَ لَمّا كانَ العَذابُ مِن لَوازِمِهِ جُعِلا كَأنَّهُما مُقْتَرِنانِ، ووَصَفَ الضَلالَ بِـ "اَلْبَعِيدِ"، مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ البَعِيدَ صِفَةُ الضالِّ إذا بَعُدَ عَنِ الجادَّةِ.
34:9Page 429
أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩
Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ﴾، وبِالإدْغامِ عَلى التَقارُبِ بَيْنَ الفاءِ والباءِ، وضَعَّفَهُ البَعْضُ لِزِيادَةِ صَوْتِ الفاءِ عَلى الباءِ،
﴿الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ﴾، اَلثَّلاثَةُ بِالياءِ، "كُوفِيٌّ غَيْرَ عاصِمٍ"، لِقَوْلِهِ: "أفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا"،
﴿عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾، "كِسْفًا"، "حَفْصٌ"،
﴿مِنَ السَماءِ﴾ أيْ: "أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَماءِ والأرْضِ، وأنَّهُما حَيْثُما كانُوا، وأيْنَما سارُوا أمامَهُمْ، وخَلْفَهُمْ، مُحِيطَتانِ بِهِمْ، لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، وأنْ يَخْرُجُوا عَمّا هم فِيهِ مِن مَلَكُوتِ اللهِ، ولَمْ يَخافُوا أنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمْ، أوْ يُسْقِطَ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، لِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ، وكُفْرِهِمْ بِالرَسُولِ، وبِما جاءَ بِهِ، كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وأصْحابِ الأيْكَةِ؟!"،
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾، اَلنَّظَرِ إلى السَماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، (p-٥٥)وَما تَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللهِ (تَعالى)،
﴿لآيَةً﴾، لَدَلالَةً،
﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ، إذِ المُنِيبُ لا يَخْلُو مِنَ النَظَرِ في آياتِ اللهِ، عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، مِنَ البَعْثِ، ومِن عِقابِ مَن يَكْفُرُ بِهِ.
34:10Page 429
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠
And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ﴾، بَدَلٌ مِن "فَضْلا"، أوْ مِن "آتَيْنا"، بِتَقْدِيرِ: "قَوْلَنا يا جِبالُ"، أوْ "قُلْنا يا جِبالُ"،
﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾، مِن "اَلتَّأْوِيبُ"، "رَجِّعِي مَعَهُ التَسْبِيحَ"، ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ أنَّ اللهَ يَخْلُقُ فِيها تَسْبِيحًا، فَيُسْمَعُ مِنها، كَما يُسْمَعُ مِنَ المُسَبِّحِ، مُعْجِزَةً لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿والطَيْرَ﴾، عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجِبالِ، "والطَيْرُ"، عَطْفٌ عَلى لَفْظِ الجِبالِ، وفي هَذا النَظْمِ مِنَ الفَخامَةِ ما لا يَخْفى، حَيْثُ جُعِلَتِ الجِبالُ بِمَنزِلَةِ العُقَلاءِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم بِالطاعَةِ أطاعُوا، وإذا دَعاهم أجابُوا، إشْعارًا بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَةِ اللهِ (تَعالى)، ولَوْ قالَ: ﴿آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ تَأْوِيبَ الجِبالِ مَعَهُ، والطَيْرِ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الفَخامَةُ"،
﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾، وجَعَلْناهُ لَهُ لَيِّنًا كالطِينِ المَعْجُونِ، يُصَرِّفُهُ بِيَدِهِ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ نارٍ، ولا ضَرْبٍ بِمِطْرَقَةٍ، وقِيلَ: لانَ الحَدِيدُ في يَدِهِ لِما أُوتِيَ مِن شِدَّةِ القُوَّةِ.
34:11Page 429
أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١
[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."
﴿أنِ اعْمَلْ﴾، "أنْ"، بِمَعْنى "أيْ"، أمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ ﴿سابِغاتٍ﴾، دُرُوعًا واسِعَةً، تامَّةً، مِنَ السُبُوغِ، وهو أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَها، وكانَ يَبِيعُ الدِرْعَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، فَيُنْفِقُ مِنها عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ، ويَتَصَدَّقُ عَلى الفُقَراءِ، وقِيلَ كانَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا فَيَسْألُ الناسَ عَنْ نَفْسِهِ، ويَقُولُ لَهُمْ: "ما تَقُولُونَ في داوُدَ؟"، فَيُثْنُونَ عَلَيْهِ، فَقَيَّضَ اللهُ لَهُ مَلَكًا في صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَسَألَهُ - عَلى عادَتِهِ -، فَقالَ: "نِعْمَ الرَجُلُ لَوْلا خَصْلَةٌ فِيهِ، وهو أنَّهُ يُطْعِمُ عِيالَهُ مِن بَيْتِ المالِ"، فَسَألَ عِنْدَ ذَلِكَ رَبَّهُ أنْ يُسَبِّبَ لَهُ ما يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ بَيْتِ المالِ، فَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُرُوعِ، "وَقَدِّرْ في السَرْدِ": لا تَجْعَلِ المَسامِيرَ دِقاقًا فَيُفْلَقَ، ولا غِلاظًا فَيُفْصَمَ الحِلَقُ، و"اَلسَّرْدُ": نَسْجُ الدُرُوعِ، (p-٥٦)﴿واعْمَلُوا﴾، اَلضَّمِيرُ لِداوُدَ وأهْلِهِ،
﴿صالِحًا﴾، خالِصًا يَصْلُحُ لِلْقَبُولِ،
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فَأُجازِيكم عَلَيْهِ.
34:12Page 429
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢
And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِيحَ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِيحَ، وهي الصَبا، ورَفَعَ "اَلرِّيحُ"، أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ والفَضْلُ، أيْ: ولِسُلَيْمانَ الرِيحُ مُسَخَّرَةٌ،
﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾، جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وجَرْيُها بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، وكانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيُقِيلُ بِإصْطَخْرَ فارِسَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ، ويَرُوحُ مِن إصْطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلرّاكِبِ المُسْرِعِ، وقِيلَ: كانَ يَتَغَدّى بِالرَيِّ، ويَتَعَشّى بِسَمَرْقَنْدَ،
﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيْ: مَعْدِنَ النُحاسِ، فالقِطْرُ: اَلنُّحاسُ، وهو الصُفْرُ، ولَكِنَّهُ أسالَهُ، وكانَ يَسِيلُ في الشَهْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، كَما يَسِيلُ الماءُ، وكانَ قَبْلَ سُلَيْمانَ لا يَذُوبُ، وسَمّاهُ "عَيْنَ القِطْرِ"، بِاسْمِ ما آلَ إلَيْهِ،
﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ﴾، "مَن"، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: وسَخَّرْنا مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾، بِأمْرِ رَبِّهِ،
﴿وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ﴾، ومَن يَعْدِلْ مِنهُمْ،
﴿عَنْ أمْرِنا﴾، اَلَّذِي أمَرْنا بِهِ، مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ،
﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَعِيرِ﴾، عَذابِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ، فَمَن زاغَ عَنْ أمْرِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ - ضَرَبَهُ ضَرْبَةً أحْرَقَتْهُ.
34:13Page 429
يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣
They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ﴾ أيْ: مَساجِدَ، أوْ مَساكِنَ،
﴿وَتَماثِيلَ﴾ أيْ: صُوَرِ السِباعِ والطُيُورِ، ورُوِيَ أنَّهم عَمِلُوا لَهُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ، ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ لَهُ ذِراعَيْهِما، وإذا قَعَدَ أظَلُّهُ النَسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما، وكانَ التَصْوِيرُ مُباحًا حِينَئِذٍ،
﴿وَجِفانٍ﴾، جَمْعُ "جَفْنَةٌ"،
﴿كالجَوابِ﴾، جَمْعُ "جابِيَةٌ"، وهي الحِياضُ الكِبارُ، قِيلَ: كانَ يَقْعُدُ عَلى الجَفْنَةِ ألْفُ رَجُلٍ، "كالجَوابِي"، في الوَصْلِ والوَقْفِ، "مَكِّيٌّ ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ"، وافَقَ أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ، الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ، اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ،
﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾، ثابِتاتٍ (p-٥٧)عَلى الأثافِيِّ، لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها، وقِيلَ: إنَّها باقِيَةٌ بِاليَمَنِ، وقُلْنا لَهُمْ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أيْ: اِرْحَمُوا أهْلَ البِلادِ، واسْألُوا رَبَّكُمُ العافِيَةَ، عَنِ الفُضَيْلِ، و"شُكْرًا"، مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ حالٌ، أيْ: شاكِرِينَ، أوْ "اُشْكُرُوا شُكْرًا"، لِأنَّ "اِعْمَلُوا"، فِيهِ مَعْنى "اُشْكُرُوا"، مِن حَيْثُ إنَّ العَمَلَ لِلْمُنْعِمِ شُكْرٌ لَهُ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، يَعْنِي: "إنّا سَخَّرْنا لَكُمُ الجِنَّ يَعْمَلُونَ لَكم ما شِئْتُمْ، فاعْمَلُوا أنْتُمْ شُكْرًا"، وسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنِ الشُكْرِ، فَقالَ: "بَذْلُ المَجْهُودِ بَيْنَ يَدَيِ المَعْبُودِ"،
﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ﴾ بِسُكُونِ الياءِ، "حَمْزَةُ"، وغَيْرُهُ بِفَتْحِها،
﴿الشَكُورُ﴾، اَلْمُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُكْرِ، الباذِلُ وُسْعَهُ فِيهِ، قَدْ شَغَلَ بِهِ قَلْبَهُ، ولِسانَهُ، وجَوارِحَهُ، اعْتِقادًا أوِ اعْتِرافًا، وكَدْحًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "مَن يَشْكُرُ عَلى أحْوالِهِ كُلِّها"، وقِيلَ: مَن يَشْكُرُ عَلى الشُكْرِ، وقِيلَ: مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُكْرِ، وحُكِيَ عَنْ داوُدَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهُ جَزًّا ساعاتِ اللَيْلِ والنَهارِ عَلى أهْلِهِ، فَلَمْ تَكُنْ تَأْتِي ساعَةٌ مِنَ الساعاتِ إلّا وإنْسانٌ مِن آلِ داوُدَ قائِمٌ يُصَلِّي.
34:14Page 429
فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤
And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ: عَلى سُلَيْمانَ،
﴿ما دَلَّهُمْ﴾ أيْ: اَلْجِنَّ، وآلَ داوُدَ،
﴿عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ أيْ: اَلْأرَضَةُ، وهي دُوَيْبَةٌ، يُقالُ لَها: "سُرْفَةٌ"، و"اَلْأرَضُ"، فِعْلُها، فَأُضِيفَتْ إلَيْهِ، يُقالُ: "أُرِضَتِ الخَشَبَةُ أرَضًا"، إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ،
﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾، و"اَلْمِنسَأةُ": اَلْعَصا، لِأنَّهُ يُنْسَأُ بِها، أيْ: يُطْرَدُ، و"مِنساتَهُ"، بِغَيْرِ هَمْزٍ، "مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"،
﴿فَلَمّا خَرَّ﴾، سَقَطَ سُلَيْمانُ،
﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾، عَلِمَتِ الجِنُّ كُلُّهم عِلْمًا بَيِّنًا بَعْدَ التِباسِ الأمْرِ عَلى عامَّتِهِمْ، وضَعَفَتِهِمْ،
﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا﴾، بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ،
﴿فِي العَذابِ المُهِينِ﴾، ورُوِيَ أنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أسَّسَ بِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ في مَوْضِعِ فُسْطاطِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، فَماتَ قَبْلَ أنْ (p-٥٨)يُتِمَّهُ، فَوَصّى بِهِ إلى سُلَيْمانَ، فَأمَرَ الشَياطِينَ بِإتْمامِهِ، فَلَمّا بَقِيَ مِن عُمُرِهِ سَنَةٌ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ مَوْتَهُ حَتّى يَفْرَغُوا مِنهُ، ولِتَبْطُلَ دَعْواهم عِلْمَ الغَيْبِ، وكانَ عُمْرُ سُلَيْمانَ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً، مَلَكَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشَرَ سَنَةً، فَبَقِيَ في مُلْكِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وابْتَدَأ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأرْبَعٍ مَضَيْنَ مِن مُلْكِهِ، ورُوِيَ أنَّ أفْرِيدُونَ جاءَ لِيَصْعَدَ كُرْسِيَّهُ، فَلَمّا دَنا ضَرَبَ الأسَدانِ ساقَهُ، فَكَسَراها، فَلَمْ يَجْسُرْ أحَدٌ بَعْدَهُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ.
34:15Page 430
لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥
There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾، بِالصَرْفِ، بِتَأْوِيلِ الحَيِّ، وبِعَدَمِهِ "أبُو عَمْرٍو"، وبِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ،
﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، "حَمْزَةُ وحَفْصٌ"، "مَسْكِنِهِمْ"، "عَلِيٌّ وخَلَفٌ"، وهو مَوْضِعُ سُكْناهُمْ، وهو بَلَدُهُمْ، وأرْضُهُمُ الَّتِي كانُوا مُقِيمِينَ فِيها بِاليَمَنِ، أوْ مَسْكَنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، غَيْرُهُمْ: "مَساكِنِهِمْ"،
﴿آيَةٌ﴾، اِسْمُ "كانَ"،
﴿جَنَّتانِ﴾، بَدَلٌ مِن "آيَةٌ"، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: "اَلْآيَةُ جَنَّتانِ"، ومَعْنى كَوْنِهِما آيَةً أنَّ أهْلَها لَمّا أعْرَضُوا عَنْ شُكْرِ اللهِ سَلَبَهُمُ اللهُ النِعْمَةَ، لِيَعْتَبِرُوا أوْ يَتَّعِظُوا، فَلا يَعُودُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وغَمْطِ النِعَمِ، أوْ جَعَلَهُما آيَةً أيْ: عَلامَةٍ، دالَّةً عَلى قُدْرَةِ اللهِ، وإحْسانِهِ، ووُجُوبِ شُكْرِهِ،
﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾، أرادَ جَماعَتَيْنِ مِنَ البَساتِينِ، جَماعَةً عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ، وأُخْرى عَنْ شِمالِها، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الجَماعَتَيْنِ في تَقارُبِها وتَضامِّها كَأنَّها جَنَّةٌ واحِدَةٌ، كَما تَكُونُ بَساتِينُ البِلادِ العامِرَةِ، أوْ أرادَ بُسْتانَيْ كُلِّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ، وشِمالِهِ،
﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾، حِكايَةٌ لِما قالَ أنْبِياءُ اللهِ المَبْعُوثُونَ إلَيْهِمْ، أوْ لِما قالَ لَهم لِسانُ المَقالِ، أوْ هم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، ولَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ: هَذِهِ البَلْدَةُ الَّتِي فِيها رِزْقُكم بَلْدَةً طَيِّبَةٌ، ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكُمْ، وطَلَبَ شُكْرَكم رَبٌّ غَفُورٌ لِمَن شَكَرَهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كانَتِ سَبَأٌ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَتْ أخْصَبَ البِلادِ، تَخْرُجُ المَرْأةُ وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ فَتَعْمَلُ بِيَدِها، وتَسِيرُ بَيْنَ تِلْكَ الشَجَرِ، فَيَمْتَلِئُ المِكْتَلُ مِمّا يَتَساقَطُ فِيهِ مِنَ الثَمَرِ، وطِيبِها، لَيْسَ فِيها (p-٥٩)بَعُوضٌ، ولا ذُبابٌ، ولا بُرْغُوثٌ، ولا عَقْرَبٌ، ولا حَيَّةٌ، ومَن يَمُرُّ بِها مِنَ الغُرَباءِ يَمُوتُ قُمَّلُهُ لِطِيبِ هَوائِها.
34:16Page 430
فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦
But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.
﴿فَأعْرَضُوا﴾، عَنْ دَعْوَةِ أنْبِيائِهِمْ، فَكَذَّبُوهُمْ، وقالُوا: ما نَعْرِفُ لِلَّهِ عَلَيْنا نِعْمَةً،
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ أيْ: المَطَرَ الشَدِيدَ، أوْ "اَلْعَرِمِ": اِسْمُ الوادِي، أوْ هو الجُرَذُ الَّذِي نَقَبَ عَلَيْهِمُ السِكْرَ لَمّا طَغَوْا، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجُرَذَ فَنَقَبَهُ مِن أسْفَلِهِ، فَغَرَّقَهُمْ،
﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ المَذْكُورَتَيْنِ،
﴿جَنَّتَيْنِ﴾، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ لِلْمُشاكَلَةِ، وازْدِواجِ الكَلامِ، كَقَوْلِهِ: "وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها"،
﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ "اَلْأُكُلُ": اَلثَّمَرُ، يُثَقَّلُ، ويُخَفَّفُ، وهو قِراءَةُ نافِعٍ ومَكِّيٍّ، و"اَلْخَمَطُ": شَجَرُ الأراكِ، وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ ذِي شَوْكٍ،
﴿وَأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾، "اَلْأثْلُ": شَجَرٌ يُشْبِهُ الطُرَفاءَ، أعْظَمُ مِنهُ، وأجْوَدُ عُودًا، ووَجَّهَ مَن نَوَّنَ الأُكُلَ وهو غَيْرُ أبِي عَمْرٍو، أنَّ أصْلَهُ: "ذَواتَيْ أُكُلٍ أكْلٍ خَمْطٍ"، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ وُصِفَ الأُكُلُ بِالخَمْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "ذَواتَيْ أُكُلٍ بَشِعٍ"، ووَجْهُ أبِي عَمْرٍو أنَّ "أُكُلَ الخَمْطِ"، في مَعْنى البَرِيرِ، وهو ثَمَرُ الأراكِ، إذا كانَ غَضًّا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: "ذَواتَيْ بَرِيرٍ، و"اَلْأثْلُ"، و"اَلسِّدْرُ"، مَعْطُوفانِ عَلى "أُكُلٍ"، لا عَلى "خَمْطٍ"، لِأنَّ الأثْلَ لا أُكُلَ لَهُ، وعَنِ الحَسَنِ: قَلَّلَ السِدْرَ لِأنَّهُ أكْرَمُ ما بَدَّلُوا، لِأنَّهُ يَكُونُ في الجِنانِ.
34:17Page 430
ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧
[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?
﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ أيْ: جَزَيْناهم ذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ، فَهو مَفْعُولٌ ثانٍ مُقَدَّمٌ،
﴿وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾، "كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ"، "وَهَلْ يُجازى إلّا الكَفُورُ"، غَيْرُهُمْ، يَعْنِي: وهَلْ نُجازِي مِثْلَ هَذا الجَزاءِ إلّا مَن كَفَرَ النِعْمَةَ، ولَمْ يَشْكُرْها، أوْ كَفَرَ بِاللهِ، أوْ هَلْ يُعاقَبُ، لِأنَّ الجَزاءَ - وإنْ كانَ عامًّا - يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى المُعاقَبَةِ، وفي مَعْنى الإثابَةِ، لَكِنَّ المُرادَ الخاصُّ، وهو العِقابُ، وعَنِ الضِحاكِ: كانُوا في الفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَلامُ.
34:18Page 430
وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨
And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾، بَيْنَ سَبَإٍ،
﴿وَبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾، بِالتَوْسِعَةِ عَلى أهْلِها في النِعَمِ، والمِياهِ، وهي قُرى الشامِ،
﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾، مُتَواصِلَةً، يُرى بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لِتَقارُبِها، فَهي ظاهِرَةٌ لِأعْيُنِ الناظِرِينَ، أوْ ظاهِرَةٌ لِلسّابِلَةِ، لَمْ تَبْعُدْ عَنْ مَسالِكِهِمْ حَتّى تَخْفى عَلَيْهِمْ، وهي أرْبَعَةُ آلافٍ وسَبْعُمِائَةِ قَرْيَةٍ مُتَّصِلَةٍ مِن سَبَإٍ إلى الشامِ،
﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَذِهِ القُرى عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، يُقِيلُ المُسافِرُ في قَرْيَةٍ، ويَرُوحُ في أُخْرى، إلى أنْ يَبْلُغَ الشامَ،
﴿سِيرُوا فِيها﴾، وقُلْنا لَهُمْ: سِيرُوا، ولا قَوْلَ ثَمَّةَ، ولَكِنَّهم لَمّا مُكِّنُوا مِنَ السَيْرِ، وسُوِّيَتْ لَهم أسْبابُهُ، فَكَأنَّهم أُمِرُوا بِذَلِكَ،
﴿لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ أيْ: سِيرُوا فِيها إنْ شِئْتُمْ بِاللَيْلِ، وإنْ شِئْتُمْ بِالنَهارِ، فَإنَّ الأمْنَ فِيها لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، أيْ: سِيرُوا فِيها آمِنِينَ، لا تَخافُونَ عَدُوًّا ولا جُوعًا ولا عَطَشًا، وإنْ تَطاوَلَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم وامْتَدَّتْ أيّامًا ولَيالِيَ.
34:19Page 430
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ١٩
But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations1 and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾، قالُوا يالَيْتَها كانَتْ بَعِيدَةً فَنَسِيرَ عَلى نَجائِبِنا، ونَرْبَحَ في التِجاراتِ، ونُفاخِرَ في الدَوابِّ والأسْبابِ، بَطِرُوا النِعْمَةَ، ومَلُّوا العافِيَةَ، فَطَلَبُوا الكَدَّ، والتَعَبَ، "بَعِّدْ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"،
﴿وَظَلَمُوا﴾، بِما قالُوا،
﴿أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾، يَتَحَدَّثُ الناسُ بِهِمْ، ويَتَعَجَّبُونَ مِن أحْوالِهِمْ،
﴿وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، وفَرَّقْناهم تَفْرِيقًا اتَّخَذَهُ الناسُ مَثَلًا مَضْرُوبًا، يَقُولُونَ: "ذَهَبُوا أيْدِي سَبَإٍ"، و"تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَإٍ"، فَلَحِقَ غَسّانُ بِالشامِ، وأنْمارُ بِيَثْرِبَ، وجُذامُ بِتِهامَةَ، والأزْدُ بِعُمانَ،
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾، عَنِ المَعاصِي،
﴿شَكُورٍ﴾، لِلنِّعَمِ، أوْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، لِأنَّ الإيمانَ نِصْفانِ، نِصْفُهُ شُكْرٌ، ونِصْفُهُ صَبْرٌ.
34:20Page 430
وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠
And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾، بِالتَشْدِيدِ، "كُوفِيٌّ"، أيْ: حَقَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ، أوْ وجَدَهُ صادِقًا، وبِالتَخْفِيفِ، غَيْرُهُمْ، أيْ: صَدَقَ في ظَنِّهِ،
﴿فاتَّبَعُوهُ﴾، (p-٦١)اَلضَّمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"، و"اِتَّبَعُوهُ"، لِأهْلِ سَبَإٍ، أوْ لِبَنِي آدَمَ، وقَلَّلَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، لِقِلَّتِهِمْ بِالإضافَةِ إلى الكُفّارِ، ولا نَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ.
34:21Page 430
وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١
And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ﴾، لِإبْلِيسَ عَلى الَّذِينَ صارَ ظَنُّهُ فِيهِمْ صِدْقًا،
﴿مِن سُلْطانٍ﴾، مِن تَسْلِيطٍ واسْتِيلاءٍ بِالوَسْوَسَةِ،
﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾، مَوْجُودًا ما عَلِمْناهُ مَعْدُومًا، والتَغَيُّرُ عَلى المَعْلُومِ لا عَلى العِلْمِ،
﴿مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، مُحافِظٌ عَلَيْهِ، و"فَعِيلٌ"، و"مُفاعِلٌ"، مُتَآخِيانِ.
34:22Page 430
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢
Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.
﴿قُلِ﴾، لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ،
﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ﴾ أيْ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللهِ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ الضَمِيرُ الراجِعُ إلى المَوْصُولِ، وحُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: " أهَذا الَّذِي بَعْثَ اللهُ رَسُولًا "، اسْتِخْفافًا، لِطُولِ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ، والمَفْعُولُ الثانِي "آلِهَةً"، وحُذِفَ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ، صِفَتُهُ "مِن دُونِ اللهِ"، والمَوْصُوفُ يَجُوزُ حَذْفُهُ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ، إذا كانَ مَفْهُومًا، فَإذًا مَفْعُولا "زَعَمَ"، مَحْذُوفانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والمَعْنى: "اُدْعُوا الَّذِينَ عَبَدْتُمُوهم مِن دُونِ اللهِ مِنَ الأصْنامِ، والمَلائِكَةِ، وسَمَّيْتُمُوهُمْ، والتَجِئُوا إلَيْهِمْ فِيما يَعْرُوكُمْ، كَما تَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ، وانْتَظِرُوا اسْتِجابَتَهم لِدُعائِكُمْ، كَما تَنْتَظِرُونَ اسْتِجابَتَهُ"، ثُمَّ أجابَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾، مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ، أوْ نَفْعٍ، أوْ ضُرٍّ،
﴿فِي السَماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾، وما لَهم في هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ مِن شَرِكَةٍ في الخَلْقِ، ولا في المُلْكِ،
﴿وَما لَهُ﴾، (تَعالى)،
﴿مِنهُمْ﴾، مِن آلِهَتِهِمْ،
﴿مِن ظَهِيرٍ﴾، مِن عَوِينٍ يُعِينُهُ عَلى تَدْبِيرٍ خَلْقِهِ، يُرِيدُ أنَّهم عَلى هَذِهِ الصِفَةِ مِنَ العَجْزِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُدْعَوْا كَما يُدْعى، ويُرْجَوْا كَما يُرْجى؟!
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences