An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Saba 34:52–54
34:52Page 434
وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢
And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2
﴿وَقالُوا﴾، حِينَ عايَنُوا العَذابَ،
﴿آمَنّا بِهِ﴾، بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِمُرُورِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: "ما بِصاحِبِكم مِن جَنَّةٍ"، أوْ بِاللهِ،
﴿وَأنّى لَهُمُ التَناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، اَلتَّناوُشُ: اَلتَّناوُلُ، أيْ: كَيْفَ يَتَناوَلُونَ التَوْبَةَ وقَدْ بَعُدَتْ عَنْهُمْ، يُرِيدُ أنَّ التَوْبَةَ كانَتْ تُقْبَلُ مِنهم في الدُنْيا، وقَدْ ذَهَبَتِ الدُنْيا، وبَعُدَتْ مِنَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِطَلَبِهِمْ ما لا يَكُونُ، وهو أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ، كَما نَفَعَ المُؤْمِنِينَ إيمانُهم في الدُنْيا، مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ الشَيْءَ مِن غَلْوَةٍ، كَما يَتَناوَلُ الآخَرَ مِن قَيْسِ ذِراعٍ، "اَلتَّناؤُشُ"، بِالهَمْزَةِ، "أبُو عَمْرٍو وكُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ"، هُمِزَتِ الواوُ لِأنَّ كُلَّ واوٍ مَضْمُومَةٍ ضَمَّتُها (p-٧٣)لازِمَةٌ إنْ شِئْتَ أبْدَلْتَها هَمْزَةً، وإنْ شِئْتَ لَمْ تُبْدِلْ، نَحْوَ قَوْلِكَ: "أدْوُرٌ"، و"تَقاوُمٌ"، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: "أدْؤُرٌ"، و"تَقاؤُمٌ"، وعَنْ ثَعْلَبٍ: "اَلتَّناؤُشُ"، بِالهَمْزَةِ: اَلتَّناوُلُ مِن بُعْدٍ، وبِغَيْرِ هَمْزَةٍ: اَلتَّناوُلُ مِن قُرْبٍ،
34:53Page 434
وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣
And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾، مِن قَبْلِ العَذابِ، أوْ في الدُنْيا،
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى "قَدْ كَفَرُوا"، عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، يَعْنِي: وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالغَيْبِ، أوْ بِالشَيْءِ الغائِبِ، يَقُولُونَ: "لا بَعْثَ ولا حِسابَ، ولا جَنَّةَ، ولا نارَ"،
﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، عَنِ الصِدْقِ، أوْ عَنِ الحَقِّ، والصَوابِ، أوْ هو قَوْلُهم في رَسُولِ اللهِ ﷺ: شاعِرٌ، ساحِرٌ، كَذّابٌ، وهَذا تَكَلُّمٌ بِالغَيْبِ، والأمْرِ الخَفِيِّ، لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا مِنهُ سِحْرًا، ولا شِعْرًا، ولا كَذِبًا، وقَدْ أتَوْا بِهَذا الغَيْبِ مِن جِهَةٍ بَعِيدَةٍ مِن حالِهِ، لِأنَّ أبْعَدَ شَيْءٍ مِمّا جاءَ بِهِ السِحْرُ، والشِعْرُ، وأبْعَدَ شَيْءٍ مِن عادَتِهِ الَّتِي عُرِفَتْ بَيْنَهُمْ، وجُرِّبَتِ الكَذِبُ، "وَيُقْذَفُونَ"، "مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو"، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: تَأْتِيهِمْ بِهِ شَياطِينُهُمْ، ويُلَقِّنُونَهم إيّاهُ، وإنْ شِئْتَ فَعَلِّقْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ [سبإ: ٥٢] عَلى أنَّهُ مِثْلُهم في طَلَبِهِمْ تَحَصُّلَ ما عَطَّلُوا مِنَ الإيمانِ في الدُنْيا، بِقَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا﴾ [سبإ: ٥٢] في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مَطْلَبٌ مُسْتَبْعَدٌ بِمَن يَقْذِفُ شَيْئًا مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، لا مَجالَ لِلظَّنِّ في لُحُوقِهِ حَيْثُ يُرِيدُ أنْ يَقَعَ فِيهِ، لِكَوْنِهِ غائِبًا عَنْهُ، بَعِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في ﴿آمَنّا بِهِ﴾ [سبإ: ٥٢] لِلْعَذابِ الشَدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] وكانُوا يَقُولُونَ: "وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَصِفُونَ مِن قِيامِ الساعَةِ والعِقابِ والثَوابِ، ونَحْنُ أكْرَمُ عَلى اللهِ مِن أنْ يُعَذِّبَنا"، قائِسِينَ أمْرَ الآخِرَةِ عَلى أمْرِ الدُنْيا، فَهَذا كانَ قَذْفُهم بِالغَيْبِ، وهو غَيْبٌ، ومَقْذُوفٌ بِهِ مِن جِهَةٍ بَعِيدَةٍ، لِأنَّ دارَ الجَزاءِ لا تَنْقاسُ عَلى دارِ التَكْلِيفِ.
34:54Page 434
وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤
And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].
﴿وَحِيلَ﴾، وحُجِزَ،
﴿بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، مِن نَفْعِ الإيمانِ يَوْمَئِذٍ، والنَجاةِ مِنَ النارِ، والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، أوْ مِنَ الرَدِّ إلى الدُنْيا، كَما حَكى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [فاطر: ٣٧]، والأفْعالُ الَّتِي هي "فَزِعُوا"، و"أُخِذُوا"، (p-٧٤)وَ"حِيلَ"، كُلُّها لِلْمُضِيِّ، والمُرادُ بِها الِاسْتِقْبالُ، لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ،
﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾، بِأشْباهِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ،
﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ﴾، مِن أمْرِ الرُسُلِ، والبَعْثِ،
﴿مُرِيبٍ﴾، مُوقِعٍ في الرِيبَةِ، مِن "أرابَهُ"، إذا أوْقَعَهُ في الرِيبَةِ، هَذا رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ عَلى الشَكِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences