An-NasafiFatir · 35:24–45

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:24–45

35:24Page 437

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ ٢٤

Indeed, We have sent you with the truth as a bringer of good tidings and a warner. And there was no nation but that there had passed within it a warner.

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾، حالٌ مِن أحَدِ الضَمِيرَيْنِ، يَعْنِي: "مُحِقًّا"، أوْ "مُحِقِّينَ"، أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: إرْسالًا مَصْحُوبًا بِالحَقِّ،

﴿بَشِيرًا﴾، بِالوَعْدِ،

﴿وَنَذِيرًا﴾، بِالوَعِيدِ،

﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ﴾، "وَما مِن أُمَّةٍ قَبْلَ أُمَّتِكَ"، و"اَلْأُمَّةُ": اَلْجَماعَةُ الكَثِيرَةُ،

﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ الناسِ﴾ [القصص: ٢٣]، ويُقالُ لِأهْلِ كُلِّ عَصْرٍ: "أُمَّةٌ"، والمُرادُ هُنا أهْلُ العَصْرِ، وقَدْ كانَتْ آثارُ النِذارَةِ باقِيَةً، فِيما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَلامُ -، فَلَمْ تَخْلُ تِلْكَ الأُمَمُ مِن نَذِيرٍ، وحِينَ انْدَرَسَتْ آثارُ نِذارَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ،

﴿إلا خَلا﴾، مَضى،

﴿فِيها نَذِيرٌ﴾، يُخَوِّفُهُمْ، وخاصَّةً الطُغْيانَ، وسُوءَ عاقِبَةِ الكُفْرانِ، واكْتَفى بِالنَذِيرِ عَنِ البَشِيرِ في آخِرِ الآيَةِ، بَعْدَما ذَكَرَهُما، لِأنَّ النِذارَةَ مَشْفُوعَةٌ بِالبِشارَةِ، فَدَلَّ ذِكْرُ النِذارَةِ عَلى ذِكْرِ البِشارَةِ.

35:25Page 437

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ٢٥

And if they deny you - then already have those before them denied. Their messengers came to them with clear proofs and written ordinances and with the enlightening Scripture.

﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، رُسُلَهُمْ،

﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾، حالٌ، و"قَدْ"، مُضْمَرَةٌ،

﴿بِالبَيِّناتِ﴾، بِالمُعْجِزاتِ،

﴿وَبِالزُبُرِ﴾، وبِالصُحُفِ،

﴿وَبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ أيْ: التَوْراةِ، والإنْجِيلِ، والزَبُورِ، لَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ في جِنْسِهِمْ، أسْنَدَ المَجِيءَ بِها إلَيْهِمْ، إسْنادًا مُطْلَقًا، وإنْ كانَ بَعْضُها في جَمِيعِهِمْ، وهي البَيِّناتُ، وبَعْضُها في بَعْضِهِمْ، وهي الزُبُرُ، والكِتابُ، وفِيهِ مَسْلاةٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ.

35:26Page 437

ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦

Then I seized the ones who disbelieved, and how [terrible] was My reproach.

﴿ثُمَّ أخَذْتُ﴾، عاقَبْتُ،

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، بِأنْواعِ العُقُوبَةِ،

﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، إنْكارِي عَلَيْهِمْ، وتَعْذِيبِي لَهم.

35:27Page 437

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ ٢٧

Do you not see that Allāh sends down rain from the sky, and We produce thereby fruits of varying colors? And in the mountains are tracts, white and red of varying shades and [some] extremely black.

(p-٨٦)﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ﴾، بِالماءِ،

﴿ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾، أجْناسُها، مِنَ الرُمّانِ، والتُفّاحِ، والتِينِ، والعِنَبِ، وغَيْرِها، مِمّا لا يُحْصَرُ، أوْ هَيْئاتُها، مِنَ الحُمْرَةِ، والصُفْرَةِ، والخُضْرَةِ، ونَحْوِها،

﴿وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ﴾، طُرُقٌ مُخْتَلِفَةُ اللَوْنِ، جَمْعُ "جُدَّةٌ"، كَـ "مُدَّةٌ"، و"مُدَدٌ"،

﴿بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾، جَمْعُ "غِرْبِيبٌ"، وهو تَأْكِيدٌ لِلْأسْوَدِ، يُقالُ: "أسْوَدُ غِرْبِيبٌ"، وهو الَّذِي أبْعَدَ في السَوادِ، وأغْرَبَ فِيهِ، ومِنهُ "اَلْغُرابُ"، وكانَ مِن حَقِّ التَأْكِيدِ أنْ يَتْبَعَ المُؤَكَّدَ، كَقَوْلِكَ: "أصْفَرُ فاقِعٌ"، إلّا أنَّهُ أضْمَرَ المُؤَكَّدَ قَبْلَهُ، والَّذِي بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لِلْمُضْمَرِ، وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ لِزِيادَةِ التَوْكِيدِ، حَيْثُ يَدُلُّ عَلى المَعْنى الواحِدِ مِن طَرِيقَيِ الإظْهارِ، والإضْمارِ، جَمِيعًا، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ﴾ أيْ: "وَمِنَ الجِبالِ ذُو جُدَدٍ بِيضٍ وحُمْرٍ وسُودٍ"، حَتّى يَؤُولَ إلى قَوْلِهِ: "وَمِنَ الجِبالِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ"، كَما قالَ: ﴿ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾

35:28Page 437

وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨

And among people and moving creatures and grazing livestock are various colors similarly. Only those fear Allāh, from among His servants, who have knowledge. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Forgiving.

﴿وَمِنَ الناسِ والدَوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾، يَعْنِي: ومِنهم بَعْضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ،

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كاخْتِلافِ الثَمَراتِ، والجِبالِ، ولَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾ [فاطر: ٢٧] وعَدَّدَ آياتِ اللهِ، وأعْلامِ قُدْرَتِهِ، وآثارِ صَنْعَتِهِ، وما خَلَقَ مِنَ الفِطَرِ المُخْتَلِفَةِ الأجْناسِ، وما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ، وعَلى صِفاتِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ أيْ: اَلْعُلَماءُ بِهِ الَّذِينَ عَلِمُوهُ بِصِفاتِهِ، فَعَظَّمُوهُ، ومَنِ ازْدادَ عِلْمًا بِهِ ازْدادَ مِنهُ خَوْفًا، ومَن كانَ عِلْمُهُ بِهِ أقَلَّ، كانَ آمَنَ، وفي الحَدِيثِ: « "أعْلَمُكم بِاللهِ أشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً"، » وتَقْدِيمُ اسْمِ اللهِ (تَعالى)، وتَأْخِيرُ العُلَماءِ، يُؤْذِنُ أنَّ مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ، دُونَ غَيْرِهِمْ، ولَوْ عَكَسَ لَكانَ المَعْنى أنَّهم لا يَخْشَوْنَ إلّا اللهَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا (p-٨٧)اللهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، وبَيْنَهُما تَغايُرٌ، فَفي الأوَّلِ بَيانُ أنَّ الخاشِينَ هُمُ العُلَماءُ، وفي الثانِي بَيانُ أنَّ المَخْشِيَّ مِنهُ هو اللهُ (تَعالى)، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ سِيرِينَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهم -: "إنَّما يَخْشى اللهُ مِن عِبادِهِ العُلَماءَ"، والخَشْيَةُ في هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِعارَةٌ، والمَعْنى: إنَّما يُعَظِّمُ اللهُ مِن عِبادِهِ العُلَماءَ،

﴿إنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾، تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخَشْيَةِ، لِدَلالَتِهِ عَلى عُقُوبَةِ العُصاةِ، وقَهْرِهِمْ، وإثابَةِ أهْلِ الطاعَةِ، والعَفْوِ عَنْهُمْ، والمُعاقِبُ المُثِيبُ حَقُّهُ أنْ يُخْشى.

35:29Page 437

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ ٢٩

Indeed, those who recite the Book of Allāh and establish prayer and spend [in His cause] out of what We have provided them, secretly and publicly, [can] expect a transaction [i.e., profit] that will never perish -

﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾، يُداوِمُونَ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ،

﴿وَأقامُوا الصَلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ أيْ: مُسِرِّينَ النَفْلَ، ومُعْلِنِينَ الفَرْضَ، يَعْنِي لا يَقْتَنِعُونَ بِتِلاوَتِهِ، عَنْ حَلاوَةِ العَمَلِ بِهِ،

﴿يَرْجُونَ﴾، خَبَرُ "إنَّ"،

﴿تِجارَةً﴾، هي طَلَبُ الثَوابِ بِالطاعَةِ،

﴿لَنْ تَبُورَ﴾، لَنْ تَكْسُدَ، يَعْنِي تِجارَةً يَنْتَفِي عَنْها الكَسادُ، ولا تَنْفُقُ عِنْدَ اللهِ.

35:30Page 437

لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ ٣٠

That He may give them in full their rewards and increase for them of His bounty. Indeed, He is Forgiving and Appreciative.1

﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾، مُتَعَلِّقٌ بِـ "لَنْ تَبُورَ"، أيْ: لِيُوَفِّيَهم بِإنْفاقِها عِنْدَهُ أُجُورَهُمْ، ثَوابَ أعْمالِهِمْ،

﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾، بِتَفْسِيحِ القُبُورِ، أوْ بِتَشْفِيعِهِمْ فِيمَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ، أوْ بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ، أوْ بِتَحْقِيقِ وعْدِ لِقائِهِ، أوْ "يَرْجُونَ"، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: "راجِينَ"، واللامُ في "لِيُوَفِّيَهُمْ"، تَتَعَلَّقُ بِـ "يَتْلُونَ"، وما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلُوا جَمِيعَ ذَلِكَ، مِنَ التِلاوَةِ، وإقامَةِ الصَلاةِ، والإنْفاقِ لِهَذا الغَرَضِ، وخَبَرُ "إنَّ"،

﴿إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أيْ: غَفُورٌ لَهُمْ، شَكُورٌ لِأعْمالِهِمْ، أيْ: يُعْطِي الجَزِيلَ عَلى العَمَلِ القَلِيلِ.

35:31Page 438

وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٣١

And that which We have revealed to you, [O Muḥammad], of the Book is the truth, confirming what was before it. Indeed Allāh, of His servants, is Aware and Seeing.

﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنِ، و"مِن"، لِلتَّبْيِينِ،

﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾، حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ الحَقَّ لا يَنْفَكَّ عَنْ هَذا التَصْدِيقِ،

﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، (p-٨٨)لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ،

﴿إنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، فَعَلِمَكَ وأبْصَرَ أحْوالَكَ، ورَآكَ أهْلًا لِأنْ يُوحِيَ إلَيْكَ مِثْلَ هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ، الَّذِي هو عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ.

35:32Page 438

ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٣٢

Then We caused to inherit the Book those We have chosen of Our servants;1 and among them is he who wrongs himself [i.e., sins], and among them is he who is moderate, and among them is he who is foremost in good deeds by permission of Allāh. That [inheritance] is what is the great bounty.

﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ أيْ: أوْحَيْنا إلَيْكَ القُرْآنَ، ثُمَّ أوْرَثْناهُ مِن بَعْدِكَ، أيْ: حَكَمْنا بِتَوْرِيثِهِ،

﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾، وهم أُمَّتُهُ مِنَ الصَحابَةِ، والتابِعِينَ، وتابِعِيهِمْ، ومَن بَعْدَهُمْ، إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ اللهَ اصْطَفاهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وجَعَلَهم أُمَّةً وسَطًا، لِيَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ، واخْتَصَّهم بِكَرامَةِ الِانْتِماءِ إلى أفْضَلِ رُسُلِهِ، ثُمَّ رَتَّبَهم عَلى مَراتِبَ، فَقالَ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، وهو المُرْجَأُ لِأمْرِ اللهِ،

﴿وَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾، هو الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا،

﴿وَمِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾، وهَذا التَأْوِيلُ يُوافِقُ التَنْزِيلَ - فَإنَّهُ (تَعالى) قالَ: ﴿والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٠]، اَلْآيَةَ، وقالَ بَعْدَهُ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، اَلْآيَةَ، وقالَ بَعْدَهُ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]، اَلْآيَةَ -، والحَدِيثَ - فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ عَلى المِنبَرِ - بَعْدَ قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ - قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ"، » وعَنْهُ ﷺ: « "اَلسّابِقُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والمُقْتَصِدُ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، وأمّا الظالِمُ نَفْسَهُ فَيُحْبَسُ حَتّى يَظُنَّ أنَّهُ لا يَنْجُو، ثُمَّ تَنالُهُ الرَحْمَةُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ"، » رَواهُ أبُو الدَرْداءِ -، والأثَرَ - فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: اَلسّابِقُ المُخْلِصُ، والمُقْتَصِدُ المُرائِي، والظالِمُ الكافِرُ بِالنِعْمَةِ، غَيْرُ الجاحِدِ لَهُ، لِأنَّهُ حَكَمَ لِلثَّلاثَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ -، (p-٨٩)وَقَوْلَ السَلَفِ، فَقَدْ قالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: اَلظّالِمُ صاحِبُ الكَبائِرِ، والمُقْتَصِدُ صاحِبُ الصَغائِرِ، والسابِقُ المُجْتَنِبُ لَهُما، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: اَلظّالِمُ مَن رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ، والسابِقُ مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ، والمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ، وسُئِلَ أبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: كُلُّهم مُؤْمِنُونَ، وأمّا صِفَةُ الكُفّارِ فَبَعْدَ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]، وأمّا الطَبَقاتُ الثَلاثُ فَهُمُ الَّذِينَ اصْطَفى مِن عِبادِهِ، فَإنَّهُ قالَ: "فَمِنهم...، ومِنهُمُ...، ومِنهُمُ... "، والكُلُّ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وهم أهْلُ الإيمانِ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وإنَّما قَدَّمَ الظالِمَ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِمْ، وأنَّ المُقْتَصِدِينَ قَلِيلٌ، بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ، والسابِقُونَ أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّما قَدَّمَ الظالِمَ لِئَلّا يَيَأْسَ مِن فَضْلِهِ، وقِيلَ: إنَّما قَدَّمَهُ لِيُعَرِّفَهُ أنَّ ذَنْبَهُ لا يُبْعِدُهُ مِن رَبِّهِ، وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ الأحْوالِ مَعْصِيَةٌ، ثُمَّ تَوْبَةٌ، ثُمَّ اسْتِقامَةٌ، وقالَ سَهْلٌ: اَلسّابِقُ العالِمُ، والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ، والظالِمُ الجاهِلُ، وقالَ أيْضًا: اَلسّابِقُ الَّذِي اشْتَغَلَ بِمَعادِهِ، والمُقْتَصِدُ الَّذِي اشْتَغَلَ بِمَعاشِهِ ومَعادِهِ، والظالِمُ الَّذِي اشْتَغَلَ بِمَعاشِهِ عَنْ مَعادِهِ، وقِيلَ: اَلظّالِمُ الَّذِي يَعْبُدُهُ عَلى الغَفْلَةِ، والعادَةِ، والمُقْتَصِدُ الَّذِي يَعْبُدُهُ عَلى الرَغْبَةِ، والرَهْبَةِ، والسابِقُ الَّذِي يَعْبُدُهُ عَلى الهَيْبَةِ، والِاسْتِحْقاقِ، وقِيلَ: اَلظّالِمُ مَن أخَذَ الدُنْيا، حَلالًا كانَتْ أوْ حَرامًا، والمُقْتَصِدُ مَن يَجْتَهِدُ ألّا يَأْخُذُها إلّا مِن حَلالٍ، والسابِقُ مَن أعْرَضَ عَنْها جُمْلَةً، وقِيلَ: اَلظّالِمُ طالِبُ الدُنْيا، والمُقْتَصِدُ طالِبُ العُقْبى، والسابِقُ طالِبُ المَوْلى،

﴿بِإذْنِ اللهِ﴾، بِأمْرِهِ، أوْ بِعِلْمِهِ، أوْ بِتَوْفِيقِهِ،

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إيراثُ الكِتابِ،

﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾

35:33Page 438

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٣٣

[For them are] gardens of perpetual residence which they will enter. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearls, and their garments therein will be silk.

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، خَبَرٌ ثانٍ لِـ "ذَلِكَ"، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ أيْ: اَلْفِرَقُ الثَلاثَةُ، "يُدْخَلُونَها"، "أبُو عَمْرٍو"،

﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ﴾، جَمْعُ "أسْوِرَةٌ"، جَمْعُ "سِوارٌ"،

﴿مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ أيْ: مِن ذَهَبٍ مُرَصَّعٍ بِاللُؤْلُؤِ، "وَلُؤْلُؤًا"، بِالنَصْبِ والهَمْزَةِ، "نافِعٌ وحَفْصٌ"، عَطَفاهُ عَلى مَحَلِّ "مِن أساوِرَ"، أيْ: "يُحَلَّوْنَ أساوِرَ ولُؤْلُؤًا"،

﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾، لِما فِيهِ مِنَ اللَذَّةِ والزِينَةِ.

35:34Page 438

وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ ٣٤

And they will say, "Praise to Allāh, who has removed from us [all] sorrow. Indeed, our Lord is Forgiving and Appreciative -

(p-٩٠)﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾، خَوْفَ النارِ، أوْ خَوْفَ المَوْتِ، أوْ هُمُومَ الدُنْيا،

﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾، يَغْفِرُ الجِناياتِ، وإنْ كَثُرَتْ،

﴿شَكُورٌ﴾، يَقْبَلُ الطاعاتِ، وإنْ قَلَّتْ.

35:35Page 438

ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ ٣٥

He who has settled us in the home of duration [i.e., Paradise] out of His bounty. There touches us not in it any fatigue, and there touches us not in it weariness [of mind]."

﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ أيْ: اَلْإقامَةِ، لا نَبْرَحُ، ولا نُقارِقُها، يُقالُ: "أقَمْتُ إقامَةً، ومُقامًا، ومُقامَةً"،

﴿مِن فَضْلِهِ﴾، مِن عَطائِهِ، وأفْضالِهِ، لا بِاسْتِحْقاقِنا،

﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾، تَعَبٌ ومَشَقَّةٌ،

﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾، إعْياءٌ مِنَ التَعَبِ، وفَتَرَةٌ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ: "لَغُوبٌ"، بِفَتْحِ اللامِ، وهو شَيْءٌ يُلْغَبُ مِنهُ، أيْ: لا نَتَكَلَّفُ عَمَلًا يَلْغَبُنا.

35:36Page 438

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ ٣٦

And for those who disbelieve will be the fire of Hell. [Death] is not decreed for them1 so they may die, nor will its torment be lightened for them. Thus do We recompense every ungrateful one.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، جَوابُ النَفْيِ، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ "أنْ"، أيْ: "لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ فَيَسْتَرِيحُوا"،

﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾، مِن عَذابِ نارِ جَهَنَّمَ،

﴿كَذَلِكَ﴾، مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ،

﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾، "يُجْزى كُلُّ كَفُورٍ"، "أبُو عَمْرٍو".

35:37Page 438

وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧

And they will cry out therein, "Our Lord, remove us;1 we will do righteousness - other than what we were doing!" But did We not grant you life enough for whoever would remember therein to remember, and the warner had come to you? So taste [the punishment], for there is not for the wrongdoers any helper.

﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾، يَسْتَغِيثُونَ، فَهو "يَفْتَعِلُونَ"، مِن "اَلصُّراخُ"، وهو الصِياحُ بِجُهْدٍ ومَشَقَّةٍ، واسْتُعْمِلَ في الِاسْتِغاثَةِ لِجَهْرِ صَوْتِ المُسْتَغِيثِ،

﴿رَبَّنا﴾، يَقُولُونَ: رَبَّنا،

﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ أيْ: أخْرِجْنا مِنَ النارِ، رُدَّنا إلى الدُنْيا، نُؤْمِن بَدَلَ الكُفْرِ، ونُطِعْ بَعْدَ المَعْصِيَةِ، فَيُجاوَبُونَ بَعْدَ قَدْرِ عُمُرِ الدُنْيا: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما"، نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أيْ: تَعْمِيرًا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ، وهو مُتَناوِلٌ لِكُلِّ عُمُرٍ تَمَكَّنَ مِنهُ المُكَلَّفُ مِن إصْلاحِ شَأْنِهِ، وإنْ قَصُرَ، إلّا أنَّ التَوْبِيخَ في المُتَطاوِلِ أعْظَمُ، ثُمَّ قِيلَ: هو ثَمانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً،

﴿وَجاءَكُمُ النَذِيرُ﴾، (p-٩١)اَلرَّسُولُ ﷺ، أوِ المَشِيبُ، وهو عَطْفٌ عَلى مَعْنى "أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ"، لِأنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ اسْتِخْبارٍ، ومَعْناهُ إخْبارٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَمَّرْناكُمْ، وجاءَكُمُ النَذِيرُ، فَذُوقُوا العَذابَ،

﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾، ناصِرٍ يُعِينُهم.

35:38Page 438

إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيۡبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٣٨

Indeed, Allāh is Knower of the unseen [aspects] of the heavens and earth. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

﴿إنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَماواتِ والأرْضِ﴾، ما غابَ فِيهِما عَنْكُمْ،

﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾، كالتَعْلِيلِ، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ ما في الصُدُورِ، وهو أخْفى ما يَكُونُ، فَقَدْ عَلِمَ كُلَّ غَيْبٍ في العالَمِ، و"ذاتُ الصُدُورِ": مُضْمَراتُها، وهي تَأْنِيثُ "ذُو"، في نَحْوِ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "ذُو بَطْنِ خارِجَةَ جارِيَةٌ"، أيْ: ما في بَطْنِها مِنَ الحَبَلِ، لِأنَّ الحَبَلَ يَصْحَبُ البَطْنَ، وكَذا المُضْمَراتُ تَصْحَبُ الصُدُورَ، و"ذُو"، مَوْضُوعٌ لِمَعْنى الصُحْبَةِ.

35:39Page 439

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا ٣٩

It is He who has made you successors upon the earth. And whoever disbelieves - upon him will be [the consequence of] his disbelief. And the disbelief of the disbelievers does not increase them in the sight of their Lord except in hatred; and the disbelief of the disbelievers does not increase them except in loss.

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾، يُقالُ لِلْمُسْتَخْلَفِ: "خَلِيفَةٌ"، ويُجْمَعُ عَلى "خَلائِفُ"، والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَكم خُلَفاءُ في أرْضِهِ، قَدْ مَلَّكَكم مَقالِيدَ التَصَرُّفِ فِيها، وسَلَّطَكم عَلى ما فِيها، وأباحَ مَنافِعَها لِتَشْكُرُوهُ بِالتَوْحِيدِ، والطاعَةِ،

﴿فَمَن كَفَرَ﴾، مِنكُمْ، وغَمَطَ مِثْلَ هَذِهِ النِعْمَةِ السَنِيَّةِ،

﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾، فَوَبالُ كُفْرِهِ راجِعٌ عَلَيْهِ، وهو مَقْتُ اللهِ، وخَسارُ الآخِرَةِ، كَما قالَ: ﴿وَلا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا﴾، وهو أشَدُّ البُغْضِ،

﴿وَلا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾، هَلاكًا وخُسْرانًا.

35:40Page 439

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا فَهُمۡ عَلَىٰ بَيِّنَتٖ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا ٤٠

Say, "Have you considered1 your 'partners' whom you invoke besides Allāh? Show me what they have created from the earth, or have they partnership [with Him] in the heavens? Or have We given them a book so they are [standing] on evidence therefrom? [No], rather, the wrongdoers do not promise each other except delusion."2

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ﴾، آلِهَتَكُمُ الَّتِي أشْرَكْتُمُوهم في العِبادَةِ،

﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾، "أرُونِي"، بَدَلٌ مِن "أرَأيْتُمْ"، لِأنَّ مَعْنى "أرَأيْتُمْ"، "أخْبِرُونِي"، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَنْ هَؤُلاءِ الشُرَكاءِ، وعَمّا اسْتَحَقُّوا بِهِ الشَرِكَةَ، (p-٩٢)أرُونِي أيَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ اسْتَبَدُّوا بِخَلْقِهِ دُونَ اللهِ،

﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ﴾، أمْ لَهم مَعَ اللهِ شَرِكَةٌ في خَلْقِ السَماواتِ؟! ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ أيْ: مَعَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ يَنْطِقُ بِأنَّهم شُرَكاؤُهُ فَهم عَلى حُجَّةٍ وبُرْهانٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ؟! "بَيِّناتٍ"، "عَلِيٌّ وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ"،

﴿بَلْ إنْ يَعِدُ﴾، ما يَعِدُ ﴿الظالِمُونَ بَعْضُهُمْ﴾، بَدَلٌ مِن "اَلظّالِمُونَ"، وهُمُ الرُؤَساءُ،

﴿بَعْضًا﴾ أيْ: اَلْأتْباعَ،

﴿إلا غُرُورًا﴾، هو قَوْلُهُمْ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ.

35:41Page 439

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤١

Indeed, Allāh holds the heavens and the earth, lest they cease. And if they should cease, no one could hold them [in place] after Him. Indeed, He is Forbearing1 and Forgiving.

﴿إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾، يَمْنَعُهُما مِن أنْ تَزُولا، لِأنَّ الإمْساكَ مَنعٌ،

﴿وَلَئِنْ زالَتا﴾، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ،

﴿إنْ أمْسَكَهُما﴾، ما أمْسَكَهُما ﴿مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾، مِن بَعْدِ إمْساكِهِ، و"مِن"، اَلْأُولى، مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، والثانِيَةُ لِلِابْتِداءِ،

﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، غَيْرَ مُعاجِلٍ بِالعُقُوبَةِ، حَيْثُ يُمْسِكُهُما، وكانَتا جَدِيرَتَيْنِ بِأنْ تُهَدّا هَدًّا لِعِظَمِ كَلِمَةِ الشِرْكِ، كَما قالَ: ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾ [مريم: ٩٠]، اَلْآيَةَ.

35:42Page 439

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ لَّيَكُونُنَّ أَهۡدَىٰ مِنۡ إِحۡدَى ٱلۡأُمَمِۖ فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا ٤٢

And they swore by Allāh their strongest oaths that if a warner came to them, they would be more guided than [any] one of the [previous] nations. But when a warner came to them, it did not increase them except in aversion

﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾، نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: إقْسامًا بَلِيغًا، أوْ عَلى الحالِ، أيْ: جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ،

﴿لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾، بَلَغَ قُرَيْشًا قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، فَقالُوا: لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَصارى، أتَتْهُمُ الرُسُلُ فَكَذَّبُوهُمْ، فَواللهِ لَئِنْ أتانا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ، أيْ: مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي يُقالُ فِيها: "هِيَ إحْدى الأُمَمِ"، تَفْضِيلًا لَها عَلى غَيْرِها في الهُدى والِاسْتِقامَةِ، كَما يُقالُ لِلدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ: "هِيَ إحْدى الدَواهِي"،

﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ،

﴿ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ أيْ: ما زادَهم مَجِيءُ الرَسُولِ ﷺ إلّا تَباعُدًا عَنِ الحَقِّ، وهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ.

35:43Page 439

ٱسۡتِكۡبَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَكۡرَ ٱلسَّيِّيِٕۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا ٤٣

[Due to] arrogance in the land and plotting of evil; but the evil plot does not encompass except its own people. Then do they await except the way [i.e., fate] of the former peoples? But you will never find in the way [i.e., established method] of Allāh any change, and you will never find in the way of Allāh1 any alteration.2

(p-٩٣)﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ﴾، مَفْعُولٌ لَهُ، وكَذا ﴿وَمَكْرَ السَيِّئِ﴾، والمَعْنى: وما زادَهم إلّا نُفُورًا لِلِاسْتِكْبارِ ومَكْرِ السَيِّئِ، أوْ حالٌ، يَعْنِي: مُسْتَكْبِرِينَ، وماكِرِينَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وأصْلُ قَوْلِهِ: "وَمَكْرَ السَيِّئِ"، وأنْ مَكَرُوا السَيِّئَ، أيْ: اَلْمَكْرَ السَيِّئَ، ثُمَّ "وَمَكْرًا السَيِّئَ"، ثُمَّ "وَمَكْرَ السَيِّئِ"، والدَلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَحِيقُ﴾، يُحِيطُ، ويَنْزِلُ ﴿المَكْرُ السَيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾، ولَقَدْ حاقَ بِهِمْ يَوْمَ "بَدْرٍ"، وفي المَثَلِ: "مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُكِبًّا"،

﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾، وهو إنْزالُ العَذابِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوا بِرُسُلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، والمَعْنى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ بَعْدَ تَكْذِيبِكَ إلّا أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ مِثْلَ الَّذِي نَزَلَ بِمَن قَبْلِهِمْ مِن مُكَذِّبِي الرُسُلِ، جَعَلَ اسْتِقْبالَهم لِذَلِكَ انْتِظارًا لَهُ مِنهُمْ،

﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلا﴾، بَيَّنَ أنَّ سُنَّتَهُ الَّتِي هي الِانْتِقامُ مِن مُكَذِّبِي الرُسُلِ سُنَّةٌ لا يُبَدِّلُها في ذاتِها، ولا يُحَوِّلُها عَنْ أوْقاتِها، وأنَّ ذَلِكَ مَفْعُولٌ لا مَحالَةَ.

35:44Page 439

أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَكَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُۥ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا ٤٤

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those before them? And they were greater than them in power. But Allāh is not to be caused failure [i.e., prevented] by anything in the heavens or on the earth. Indeed, He is ever Knowing and Competent.

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، اِسْتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا يَشْهَدُونَهُ في مَسايِرِهِمْ إلى الشامِ، واليَمَنِ، والعِراقِ، مِن آثارِ الماضِينَ، وعَلاماتِ هَلاكِهِمْ، ودَمارِهِمْ،

﴿وَكانُوا أشَدَّ مِنهُمْ﴾، مِن أهْلِ مَكَّةَ، قُوَّةَ اقْتِدارٍ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الفِرارِ،

﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ﴾، لِيَسْبِقَهُ ويَفُوتَهُ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيِّ شَيْءٍ،

﴿فِي السَماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا﴾، بِهِمْ،

﴿قَدِيرًا﴾، قادِرًا عَلَيْهِمْ.

35:45Page 440

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا ٤٥

And if Allāh were to impose blame on the people for what they have earned, He would not leave upon it [i.e., the earth] any creature. But He defers them for a specified term. And when their time comes, then indeed Allāh has ever been, of His servants, Seeing.

﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ بِما كَسَبُوا﴾، بِما اقْتَرَفُوا مِنَ المَعاصِي،

﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾، عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، لِأنَّهُ جَرى ذِكْرُ الأرْضِ في قَوْلِهِ: (p-٩٤)"لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السماوات ولا في الأرْضِ"،

﴿مِن دابَّةٍ﴾، مِن نَسَمَةٍ تَدِبُّ عَلَيْها،

﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، إلى يَوْمِ القِيامَةِ،

﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ أيْ: لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ أمْرِهِمْ، وحِكْمَةُ حُكْمِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском