An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الصافات
As-Saffat
Those who set the Ranks · Meccan · 182 ayahs
37:1–3Page 446
وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفّٗا ١
By those [angels] lined up in rows
فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا ٢
And those who drive [the clouds]
فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكۡرًا ٣
And those who recite the message,1
(p-١١٦)سُورَةُ "اَلصّافّاتِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والصافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتالِياتِ ذِكْرًا﴾، أقْسَمَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ، أوْ بِنُفُوسِهِمُ، الصافّاتِ أقْدامَها في الصَلاةِ، فالزاجِراتِ السَحابَ سَوْقًا، أوْ عَنِ المَعاصِي، بِالإلْهامِ، فالتالِياتِ لِكَلامِ اللهِ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وغَيْرِها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، أوْ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ، الصِافّاتِ أقْدامَها في التَهَجُّدِ، وسائِرِ الصَلَواتِ، فالزاجِراتِ بِالمَواعِظِ والنَصائِحِ، فالتالِياتِ آياتِ اللهِ، والدارِساتِ شَرائِعَهُ، أوْ بِنُفُوسِ الغُزاةِ في سَبِيلِ اللهِ، الَّتِي تَصُفُّ الصُفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِكْرَ مَعَ ذَلِكَ، و"صَفًّا"، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذَلِكَ "زَجْرًا"، والفاءُ تَدُلُّ عَلى تَرْتِيبِ الصِافّاتِ في التَفاضُلِ، فَتُفِيدُ الفَضْلَ لِلصَّفِّ، ثُمَّ لِلزَّجْرِ، ثُمَّ لِلتِّلاوَةِ، أوْ عَلى العَكْسِ، وجَوابُ القَسَمِ:
﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾، قِيلَ: هو جَوابُ قَوْلِهِمْ: "أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا".
37:5Page 446
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥
Lord of the heavens and the earth and that between them and Lord of the sunrises.1
(p-١١٧)﴿رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ﴾، خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: "هُوَ رَبُّ"،
﴿وَما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ أيْ: مَطالِعِ الشَمْسِ، وهي ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ، تُشْرِقُ كُلَّ يَوْمٍ في مَشْرِقٍ مِنها، وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ، وأمّا ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فَإنَّهُ أرادَ مَشْرِقَيِ الصَيْفِ والشِتاءِ، ومَغْرِبَيْهِما، وأمّا "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ"، فَإنَّهُ أرادَ بِهِ الجِهَةَ، فالمَشْرِقُ جِهَةٌ والمَغْرِبُ جِهَةٌ.
37:6Page 446
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦
Indeed, We have adorned the nearest heaven with an adornment of stars
﴿إنّا زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا﴾، اَلْقُرْبى مِنكُمْ، تَأْنِيثُ الأدْنى،
﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ "حَمْزَةُ وحَفْصٌ"، عَلى البَدَلِ مِنَ الزِينَةِ، والمَعْنى: "إنّا زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِالكَواكِبِ"، "بِزِينَةٍ الكَواكِبَ"، "أبُو بَكْرٍ"، عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ "بِزِينَةٍ"، أوْ عَلى إضْمارِ "أعْنِي"، أوْ عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ مُنَوَّنًا في المَفْعُولِ، "بِزِينَةِ الكَواكِبِ"، غَيْرُهُمْ، بِإضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، أيْ: بِأنْ زانَتْها الكَواكِبُ، وأصْلُهُ: "بِزِينَةٍ الكَواكِبُ"، أوْ عَلى إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ، أيْ: بِأنْ زانَ اللهُ الكَواكِبَ، وحَسَّنَها، لِأنَّها إنَّما زَيَّنَتِ السَماءَ لِحُسْنِها في أنْفُسِها، وأصْلُهُ: "بِزِينَةٍ الكَواكِبَ"، لِقِراءَةِ أبِي بَكْرٍ.
37:7Page 446
وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧
And as protection against every rebellious devil
﴿وَحِفْظًا﴾، مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: "إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا مِنَ الشَياطِينِ"، كَما قالَ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]، أوِ الفِعْلُ المُعَلِّلُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: "وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ زَيَّناها بِالكَواكِبِ"، أوْ مَعْناهُ: "حَفِظْناها حِفْظًا"،
﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾، خارِجٍ مِنَ الطاعَةِ، والضَمِيرُ في.
37:8Page 446
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨
[So] they may not listen to the exalted assembly [of angels] and are pelted from every side,1
﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾، لِكُلِّ شَيْطانٍ، لِأنَّهُ في مَعْنى "اَلشَّياطِينُ"، "يَسَّمَّعُونَ"، "كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ"، وأصْلُهُ "يَتَسَمَّعُونَ"، و"اَلتَّسَمُّعُ": تَطَلَّبَ السَماعِ، يُقالُ: "تَسَمَّعَ، فَسَمِعَ"، أوْ "فَلَمْ يَسْمَعْ"، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَلامًا مُنْقَطِعًا، مُبْتَدَأً اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا إلى كَلامِ المَلائِكَةِ، أوْ يَتَسَمَّعُوا، وقِيلَ: أصْلُهُ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، فَحُذِفَتِ اللامُ، كَما حُذِفَتْ في "جِئْتُكَ أنْ تُكْرِمَنِي"، فَبَقِيَ "ألّا يَسَّمَّعُوا"، فَحُذِفَتْ "أنْ"، وأُهْدِرَ عَمَلُها، كَما في قَوْلِهِ: (p-١١٨)
؎ ألا أيُّهَذا الزاجِرِيُّ احْضُرِ الوَغى...............................
وَفِيهِ تَعَسُّفٌ، يَجِبُ صَوْنُ القُرْآنِ عَنْ مِثْلِهِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلى انْفِرادِهِ، ولَكِنَّ اجْتِماعَهُما مُنْكَرٌ، والفَرْقُ بَيْنَ "سَمِعْتُ فُلانًا يَتَحَدَّثُ"، و"سَمِعْتُ إلَيْهِ يَتَحَدَّثُ"، و"سَمِعْتُ حَدِيثَهُ"، و"إلى حَدِيثِهِ"، أنَّ المُعَدّى بِنَفْسِهِ يُفِيدُ الإدْراكَ، والمُعَدّى بِـ "إلى"، يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ،
﴿إلى المَلإ الأعْلى﴾ أيْ: المَلائِكَةِ، لِأنَّهم يَسْكُنُونَ السَماواتِ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ، لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ،
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾، يُرْمَوْنَ بِالشُهُبِ،
﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾، مِن جَمِيعِ جَوانِبِ السَماءِ، مِن أيِّ جِهَةٍ صَعِدُوا لِلِاسْتِراقِ.
﴿دُحُورًا﴾، مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: يُقْذَفُونَ لِلدُّحُورِ، وهو الطَرْدُ، أوْ مَدْحُورِينَ، عَلى الحالِ، أوْ لِأنَّ القَذْفَ والطَرْدَ مُتَقارِبانِ في المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُدْحَرُونَ، أوْ قَذْفًا،
﴿وَلَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾، دائِمٌ، مِن "اَلْوُصُوبُ"، أيْ أنَّهم في الدُنْيا مَرْجُومُونَ بِالشُهُبِ، وقَدْ أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
37:10Page 446
إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠
Except one who snatches [some words] by theft, but they are pursued by a burning flame, piercing [in brightness].
وَمَن في ﴿إلا مَن﴾، في مَحَلِّ الرَفْعِ، بَدَلٌ مِنَ الواوِ في "لا يَسَّمَّعُونَ"، أيْ: لا يَسْمَعُ الشَياطِينُ، إلّا الشَيْطانُ الَّذِي ﴿خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ أيْ: سَلَبَ السَلْبَةَ، يَعْنِي أخَذَ شَيْئًا مِن كَلامِهِمْ بِسُرْعَةٍ،
﴿فَأتْبَعَهُ﴾، لَحِقَهُ،
﴿شِهابٌ﴾ أيْ: نَجْمُ رَجْمٍ،
﴿ثاقِبٌ﴾، مُضِيءٌ.
37:11Page 446
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١
Then inquire of them, [O Muḥammad], "Are they a stronger [or more difficult] creation or those [others] We have created?" Indeed, We created them [i.e., men] from sticky clay.
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فاسْتَخْبِرْ كُفّارَ مَكَّةَ،
﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ: أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: "شَدِيدُ الخَلْقِ"، و"فِي خَلْقِهِ شِدَّةٌ"، أوْ "أصْعَبُ خَلْقًا، وأشَقُّهُ"، عَلى مَعْنى الرَدِّ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، وأنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ،
﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾، يُرِيدُ ما ذُكِرَ مِن خَلائِقِهِ، مِنَ المَلائِكَةِ، والسَماواتِ، والأرْضِ، وما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِـ "مَن"، تَغْلِيبًا (p-١١٩)لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أمْ مَن عَدَدْنا"، بِالتَشْدِيدِ، والتَخْفِيفِ،
﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾، لاصِقٍ، أوْ لازِمٍ، وقُرِئَ بِهِ، وهَذا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَعْفِ، لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَلابَةِ والقُوَّةِ، أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِينَ اللازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ، فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ؟! حَيْثُ قالُوا: "أإذا كُنّا تُرابًا"، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ.
﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ،
﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، هم مِنكَ، ومِن تَعَجُّبِكَ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ، "بَلْ عَجِبْتُ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، أيْ: اِسْتَعْظَمْتُ، و"اَلْعَجَبُ": رَوْعَةٌ تَعْتَرِي الإنْسانَ عِنْدَ اسْتِعْظامِ الشَيْءِ، فَجُرِّدَ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ في حَقِّهِ (تَعالى)، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الرَوْعَةُ، أوْ مَعْناهُ: "قُلْ يا مُحَمَّدُ: بَلْ عَجِبْتُ".
﴿وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾، ودَأْبُهم أنَّهم إذا وُعِظُوا بِشَيْءٍ لا يَتَّعِظُونَ بِهِ.
﴿وَإذا رَأوْا آيَةً﴾، مُعْجِزَةً، كانْشِقاقِ القَمَرِ، ونَحْوِهِ،
﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾، يَسْتَدْعِي بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يَسْخَرَ مِنها، أوْ يُبالِغُونَ في السُخْرِيَةِ.
37:15Page 446
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥
And say, "This is not but obvious magic.
﴿وَقالُوا إنْ هَذا﴾، ما هَذا،
﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، ظاهِرٌ.
37:16Page 446
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦
When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
﴿أإذا﴾، اِسْتِفْهامُ إنْكارٍ،
﴿مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: أنُبْعَثُ إذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا؟!
﴿أوَآباؤُنا﴾، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ "إنَّ"، واسْمِها، أوْ عَلى الضَمِيرِ فِي" مَبْعُوثُونَ "، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا؟! عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ، "أوْ آباؤُنا"، بِسُكُونِ الواوِ، "مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ"، أيْ: أيُبْعَثُ واحِدٌ مِنّا؟! عَلى المُبالَغَةِ في الإنْكارِ،
﴿الأوَّلُونَ﴾، اَلْأقْدَمُونَ.
37:18Page 446
قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨
Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."
﴿قُلْ نَعَمْ﴾، تُبْعَثُونَ، "نِعَمْ"، "عَلِيٌّ"، وهُما لُغَتانِ،
﴿وَأنْتُمْ داخِرُونَ﴾، صاغِرُونَ.
37:19Page 446
فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩
It will be only one shout, and at once they will be observing.
(p-١٢٠)﴿فَإنَّما﴾، جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "إذا كانَ كَذَلِكَ، فَما ﴿هِيَ﴾، إلّا ﴿زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ "، وهي لا تَرْجِعُ إلى شَيْءٍ، إنَّما هي مُبْهَمَةٌ، مُوَضِّحُها خَبَرُها، ويَجُوزُ: "فَإنَّما البَعْثَةُ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ"، وهي النَفْخَةُ الثانِيَةُ، و"اَلزَّجْرَةُ": اَلصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: "زَجَرَ الراعِي الإبِلَ، أوِ الغَنَمَ"، إذا صاحَ عَلَيْهِمْ،
﴿فَإذا هُمْ﴾، أحْياءٌ بُصَراءُ،
﴿يَنْظُرُونَ﴾، إلى سُوءِ أعْمالِهِمْ، أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يَحِلُّ بِهِمْ.
37:20Page 446
وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠
They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."
﴿وَقالُوا يا ويْلَنا﴾، اَلْوَيْلُ: كَلِمَةٌ يَقُولُها القائِلُ وقْتَ الهَلَكَةِ،
﴿هَذا يَوْمُ الدِينِ﴾ أيْ: اليَوْمُ الَّذِي نُدانُ فِيهِ، أيْ: نُجازى بِأعْمالِنا.
37:21Page 446
هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١
[They will be told], "This is the Day of Judgement which you used to deny."
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾، يَوْمُ القَضاءِ، والفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى، والضَلالِ،
﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِينِ﴾ [الصافات: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿احْشُرُوا﴾ [الصافات: ٢٢]، مِن كَلامِ الكَفَرَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ لَهُمْ، وأنْ يَكُونَ ﴿يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِينِ﴾ [الصافات: ٢٠] مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و"هَذا يَوْمُ الفَصْلِ"، مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، جَوابًا لَهم.
37:22Page 446
۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢
[The angels will be ordered], "Gather those who committed wrong, their kinds,1 and what they used to worship
﴿احْشُرُوا﴾، خِطابُ اللهِ لِلْمَلائِكَةِ،
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، كَفَرُوا،
﴿وَأزْواجَهُمْ﴾ أيْ: وأشْباهَهُمْ، وقُرَناءَهم مِنَ الشَياطِينِ، أوْ نِساءَهُمُ الكافِراتِ، والواوُ بِمَعْنى "مَعَ"، وقِيلَ: لِلْعَطْفِ، وقُرِئَ بِالرَفْعِ، عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "ظَلَمُوا"،
﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾
37:23Page 446
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣
Other than Allāh, and guide them to the path of Hellfire
﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أيْ: اَلْأصْنامَ،
﴿فاهْدُوهُمْ﴾، دُلُّوهُمْ، عَنِ الأصْمَعِيِّ، "هَدَيْتُهُ في الدِينِ هُدًى"، و"فِي الطَرِيقِ هِدايَةً"،
﴿إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾، طَرِيقِ النارِ.
37:24Page 446
وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤
And stop them; indeed, they are to be questioned."
﴿وَقِفُوهُمْ﴾، اِحْبِسُوهُمْ،
﴿إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾، عَنْ أقْوالِهِمْ، وأفْعالِهِمْ.
37:25Page 447
مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥
[They will be asked], "What is [wrong] with you? Why do you not help each other?"
﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَناصُرِ، بَعْدَما كانُوا مُتَناصِرِينَ في الدُنْيا، وقِيلَ: هو جَوابٌ لِأبِي جَهْلٍ، حَيْثُ قالَ يَوْمَ "بَدْرٍ": ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] وهو في مَوْضِعِ النَصْبِ عَلى الحالِ، أيْ: "ما لَكم غَيْرَ مُتَناصِرِينَ".
(p-١٢١)﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾، مُنْقادُونَ، أوْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، فَكُلُّهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ.
37:27Page 447
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧
And they will approach one another asking [i.e., blaming] each other.
﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: اَلتّابِعُ عَلى المَتْبُوعِ،
﴿يَتَساءَلُونَ﴾، يَتَخاصَمُونَ.
37:28Page 447
قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ ٢٨
They will say, "Indeed, you used to come at us from the right."1
﴿قالُوا﴾ أيْ: الأتْباعُ لِلْمَتْبُوعِينَ،
﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾، عَنِ القُوَّةِ، والقَهْرِ، إذِ اليَمِينُ مَوْصُوفَةٌ بِالقُوَّةِ، وبِها يَقَعُ البَطْشُ، أيْ: إنَّكم تَحْمِلُونَنا عَلى الضَلالِ وتَقْسِرُونَنا عَلَيْهِ.
37:29Page 447
قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩
They [i.e., the oppressors] will say, "Rather, you [yourselves] were not believers,
﴿قالُوا﴾ أيْ: اَلرُّؤَساءُ،
﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بَلْ أبَيْتُمْ أنْتُمُ الإيمانَ، وأعْرَضْتُمْ عَنْهُ، مَعَ تَمَكُّنِكم مِنهُ، مُخْتارِينَ لَهُ عَلى الكُفْرِ، غَيْرَ مُلْجَئِينَ.
37:30Page 447
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠
And we had over you no authority, but you were a transgressing people.
﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾، تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكُمْ، واخْتِيارَكُمْ،
﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُغْيانَ.
37:31Page 447
فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١
So the word [i.e., decree] of our Lord has come into effect upon us; indeed, we will taste [punishment].
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾، فَلَزِمَنا جَمِيعًا،
﴿قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدُ اللهِ، بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ، لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا، ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: "إنَّكم لَذائِقُونَ"، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ، لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ:
؎ فَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي..........................
وَلَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: "قَلَّ مالُكَ".
37:32Page 447
فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢
And we led you to deviation; indeed, we were deviators."
﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾، فَدَعَوْناكم إلى الغَيِّ،
﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾، فَأرَدْنا إغْواءَكُمْ، لِتَكُونُوا أمْثالَنا.
37:33Page 447
فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣
So indeed they, that Day, will be sharing in the punishment.
﴿فَإنَّهُمْ﴾، فَإنَّ الأتْباعَ والمَتْبُوعِينَ جَمِيعًا،
﴿يَوْمَئِذٍ﴾، يَوْمَ القِيامَةِ،
﴿فِي العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، كَما كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ.
37:34Page 447
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٤
Indeed, that is how We deal with the criminals.
(p-١٢٢)﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ: بِالمُشْرِكِينَ، إنّا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ.
37:35Page 447
إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ ٣٥
Indeed they, when it was said to them, "There is no deity but Allāh," were arrogant
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، إنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا بِكَلِمَةِ التَوْحِيدِ اسْتَكْبَرُوا وأبَوْا إلّا الشِرْكَ.
37:36Page 447
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ ٣٦
And were saying, "Are we to leave our gods for a mad poet?"
﴿وَيَقُولُونَ أإنّا﴾، بِهَمْزَتَيْنِ، "شامِيٌّ وكُوفِيٌّ"،
﴿لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - ﷺ.
37:37Page 447
بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٧
Rather, he [i.e., the Prophet (ﷺ)] has come with the truth and confirmed the [previous] messengers.
﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ﴾، رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ،
﴿وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧]
37:38Page 447
إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨
Indeed, you [disbelievers] will be tasters of the painful punishment,
No commentary for this ayah
37:39Page 447
وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩
And you will not be recompensed except for what you used to do -
﴿وَما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، بِلا زِيادَةٍ.
﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾، بِفَتْحِ اللامِ، "كُوفِيٌّ ومَدَنِيٌّ"، وكَذا ما بَعْدَهُ، أيْ: "لَكِنَّ عِبادَ اللهِ"، عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
37:41–42Page 447
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ ٤١
Those will have a provision determined -
فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ ٤٢
Fruits;1 and they will be honored
﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ﴾، فَسَّرَ الرِزْقَ المَعْلُومَ بِالفَواكِهِ، وهي كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، ولا يُتَقَوَّتُ، لِحِفْظِ الصِحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ، لِأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنْ حِفْظِ الصِحَّةِ بِالأقْواتِ، لِأنَّ أجْسادَهم مُحْكَمَةٌ، مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَما يَأْكُلُونَهُ لِلتَّلَذُّذِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ "رِزْقٌ مَعْلُومٌ مَنعُوتٌ بِخَصائِصِ خُلِقَ عَلَيْها، مِن طِيبِ طَعْمٍ، ورائِحَةٍ، ولَذَّةٍ، وحُسْنِ مَنظَرٍ"، وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، والنَفْسُ إلَيْهِ أسْكَنُ،
﴿وَهم مُكْرَمُونَ﴾، مُنَعَّمُونَ.
﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ حالًا، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وكَذا:
(p-١٢٣)﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾، اَلتَّقابُلُ أتَمُّ لِلسُّرُورِ، وآنَسُ.
37:45Page 447
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥
There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾، بِغَيْرِ هَمْزٍ، "أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ"، في الوَقْفِ، وغَيْرُهُما بِالهَمْزَةِ، يُقالُ لِلزُّجاجَةِ فِيها الخَمْرُ: "كَأْسٌ"، وتُسَمّى الخَمْرُ نَفْسُها "كَأْسًا"، وعَنِ الأخْفَشِ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهي الخَمْرُ، وكَذا في تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -،
﴿مِن مَعِينٍ﴾، مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن نَهْرٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، الظاهِرُ لِلْعُيُونِ، وُصِفَ بِما وُصِفَ بِهِ الماءُ، لِأنَّهُ يَجْرِي في الجَنَّةِ في أنْهارٍ، كَما يَجْرِي الماءُ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥]
﴿بَيْضاءَ﴾، صِفَةٌ لِلْكَأْسِ،
﴿لَذَّةٍ﴾، وُصِفَتْ بِاللَذَّةِ، كَأنَّها نَفْسُ اللَذَّةِ، وعَيْنُها، أوْ "ذاتُ لَذَّةٍ"،
﴿لِلشّارِبِينَ﴾
37:47Page 447
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧
No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.
﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أيْ: لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، كَخُمُورِ الدُنْيا، وهو مِن "غالَهُ، يَغُولُهُ، غَوْلًا"، إذا أهْلَكَهُ، وأفْسَدَهُ،
﴿وَلا هم عَنْها يُنْـزَفُونَ﴾، يَسْكَرُونَ، مِن "نَزَفَ الشارِبُ"، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، ويُقالُ لِلسَّكْرانِ: "نَزِيفٌ"، و"مَنزُوفٌ"، "يُنْزِفُونَ"، "عَلِيٌّ وحَمْزَةُ"، أيْ: لا يَسْكَرُونَ، أوْ لا يَنْزِفُ شَرابُهُمْ، مِن "أنْزَفَ الشارِبُ"، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أوْ شَرابُهُ.
37:48Page 447
وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨
And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,
﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَرْفِ﴾، قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْدُدْنَ طَرْفًا إلى غَيْرِهِمْ،
﴿عِينٌ﴾، جَمْعُ "عَيْناءُ"، أيْ: نَجْلاءُ واسِعَةٌ العَيْنِ.
﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، مَصُونٌ، شَبَّهَهُنَّ بِبَيْضِ النَعامِ المَكْنُونِ في الصَفاءِ، وبِها تُشَبِّهُ العَرَبُ النِساءَ، وتُسَمِّيهِنَّ: "بَيْضاتُ الخُدُورِ"، وعُطِفَ.
37:50Page 447
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠
And they will approach one another, inquiring of each other.
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾، يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ،
﴿عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾، عَلى (p-١٢٤)"يُطافُ عَلَيْهِمْ"، والمَعْنى: "يَشْرَبُونَ، ويَتَحادَثُونَ عَلى الشَرابِ، كَعادَةِ الشُرْبِ"، قالَ:
؎ وما بَقِيَتْ مِنَ اللَذّاتِ إلّا... أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ
فَيُقْبِلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ عَمّا جَرى لَهُمْ، وعَلَيْهِمْ، في الدُنْيا، إلّا أنَّهُ جِيءَ بِهِ ماضِيًا، عَلى ما عُرِفَ في أخْبارِهِ.
37:51Page 447
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١
A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
No commentary for this ayah
37:52Page 448
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢
Who would say, 'Are you indeed of those who believe
﴿يَقُولُ أإنَّكَ﴾، بِهَمْزَتَيْنِ "شامِيٌّ وكُوفِيٌّ"،
﴿لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾، بِيَوْمِ الدِينِ.
37:53Page 448
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾، لَمَجْزِيُّونَ، مِن "اَلدَّيْنُ"، وهو الجَزاءُ.
﴿قالَ﴾، ذَلِكَ القائِلُ،
﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾، إلى النارِ، لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ، قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كُوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النارِ، أوْ قالَ اللهُ (تَعالى) لِأهْلِ الجَنَّةِ: "هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى النارِ فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النارِ؟".
37:55Page 448
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
﴿فاطَّلَعَ﴾، اَلْمُسْلِمُ،
﴿فَرَآهُ﴾ أيْ: قَرِينَهُ،
﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾، في وسَطِها.
﴿قالَ تاللهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، "إنْ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وهي تَدْخُلُ عَلى "كادَ"، كَما تَدْخُلُ عَلى "كانَ"، واللامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ، و"اَلْإرْداءُ": اَلْإهْلاكُ، وبِالياءِ، في الحالَيْنِ، "يَعْقُوبُ".
37:57Page 448
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾، وهي العِصْمَةُ، والتَوْفِيقُ في الِاسْتِمْساكِ بِعُرْوَةِ الإسْلامِ،
﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾، مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا العَذابَ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ، وأمْثالُكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences