An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:58–106
37:58–59Page 448
أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨
Then, are we not to die
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، اَلْفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: "أنْحَنُ مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (p-١٢٥)وَلا مُعَذَّبِينَ؟!"، والمَعْنى أنَّ هَذِهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، وهو ألّا يَذُوقُوا إلّا المَوْتَةَ الأُولى، بِخِلافِ الكُفّارِ، فَإنَّهم فِيما يَتَمَنَّوْنَ فِيهِ المَوْتَ كُلَّ ساعَةٍ، وقِيلَ لِحَكِيمٍ: ما شَرٌّ مِنَ المَوْتِ؟! قالَ: "اَلَّذِي يُتَمَنّى فِيهِ المَوْتُ"، وهَذا قَوْلٌ يَقُولُهُ المُؤْمِنُ، تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللهِ، بِمَسْمَعٍ مِن قَرِينِهِ، لِيَكُونَ تَوْبِيخًا لَهُ وزِيادَةَ تَعْذِيبٍ، و"مَوْتَتَنا"، نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، تَقْدِيرُهُ: "وَلا نَمُوتُ إلّا مَرَّةً"، أوْ مُنْقَطِعٌ، وتَقْدِيرُهُ: "لَكِنِ المَوْتَةَ الأُولى قَدْ كانَتْ في الدُنْيا"، ثُمَّ قالَ لِقَرِينِهِ - تَقْرِيعًا لَهُ -:
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: اَلْأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ،
﴿لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، ثُمَّ قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
37:61Page 448
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾، وقِيلَ: هو أيْضًا مِن كَلامِهِ.
37:62Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُـزُلا﴾، تَمْيِيزٌ،
﴿أمْ شَجَرَةُ الزَقُّومِ﴾ أيْ: نَعِيمُ الجَنَّةِ، وما فِيها مِنَ اللَذّاتِ، والطَعامِ، والشَرابِ، خَيْرٌ نُزُلًا، أمْ شَجَرَةُ الزَقُّومِ خَيْرٌ نُزُلًا؟! و"اَلنُّزُلُ": ما يُقامُ لِلنّازِلِ بِالمَكانِ مِنَ الرِزْقِ، و"اَلزَّقُّومُ": شَجَرٌ مُرٌّ يَكُونُ بِتِهامَةَ.
37:63Page 448
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾، مِحْنَةً، وعَذابًا لَهم في الآخِرَةِ، أوِ ابْتِلاءً لَهم في الدُنْيا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ في النارِ شَجَرَةٌ، والنارُ تَحْرِقُ الشَجَرَ؟! فَكُذِّبُوا.
37:64Page 448
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها.
37:65Page 448
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَياطِينِ﴾، "اَلطَّلْعُ"، لِلنَّخْلَةِ، فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَقُّومِ، مِن حَمْلِها، وشُبِّهَ بِرءوس الشَياطِينِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَناهِيهِ في الكَراهَةِ وقُبْحِ المَنظَرِ، لِأنَّ الشَيْطانَ مَكْرُوهٌ، مُسْتَقْبَحٌ في طِباعِ الناسِ، لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ، وقِيلَ: "اَلشَّيْطانُ": حَبَّةٌ عَرْفاءُ، قَبِيحَةُ المَنظَرِ، هائِلَةٌ جِدًّا.
37:66Page 448
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها﴾، مِنَ الشَجَرَةِ، أيْ: مِن طَلْعِها،
﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾، (p-١٢٦)فَمالِئُو بُطُونِهُمْ، لِما يَغْلِبُهم مِنَ الجُوعِ الشَدِيدِ.
37:67Page 448
ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧
Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.
﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها﴾، عَلى أكْلِهِمْ،
﴿لَشَوْبًا﴾، لَخَلْطًا ولَمِزاجًا،
﴿مِن حَمِيمٍ﴾، ماءٍ حارٍّ، يَشْوِي وُجُوهَهُمْ، ويُقَطِّعُ أمْعاءَهُمْ، كَما قالَ - في صِفَةِ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ -: ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧]، والمَعْنى: ثُمَّ إنَّهم يَمْلَؤُونَ البُطُونَ مِن شَجَرَةِ الزَقُّومِ، وهو حارٌّ، يَحْرِقُ بُطُونَهُمْ، ويُعَطِّشُهُمْ، فَلا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مَلِيٍّ، تَعْذِيبًا لَهم بِذَلِكَ العَطَشِ، ثُمَّ يُسْقَوْنَ ما هو أحَرُّ، وهو الشَرابُ المَشُوبُ بِالحَمِيمِ.
37:68Page 448
ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨
Then indeed, their return will be to the Hellfire.
﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ﴾ أيْ: إنَّهم يَذْهَبُ بِهِمْ عَنْ مَقارِّهِمْ ومَنازِلِهِمْ في الجَحِيمِ، وهي الدَرَكاتُ الَّتِي أُسْكِنُوها، إلى شَجَرَةِ الزَقُّومِ، فَيَأْكُلُونَ، إلى أنْ يَمْتَلِئُوا، ويُسْقَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْجَعُونَ إلى دَرَكاتِهِمْ، ومَعْنى التَراخِي في ذَلِكَ ظاهِرٌ.
37:69–70Page 448
إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩
Indeed they found their fathers astray.
فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠
So they hastened [to follow] in their footsteps.
﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾، عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَدائِدِ بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِينِ، واتِّباعِهِمْ إيّاهم في الضَلالِ، وتَرْكِ اتِّباعِ الدَلِيلِ، و"اَلْإهْراعُ": اَلْإسْراعُ الشَدِيدُ، كَأنَّهم يُحَثُّونَ حَثًّا.
37:71Page 448
وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١
And there had already strayed before them most of the former peoples,
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾، قَبْلَ قَوْمِكَ قُرَيْشٍ،
﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾، يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ، بِالتَقْلِيدِ، وتَرْكِ النَظَرِ والتَأمُّلِ.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾، أنْبِياءَ، حَذَّرُوهُمُ العَواقِبَ.
37:73Page 448
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
Then look how was the end of those who were warned -
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: اَلَّذِينَ أُنْذِرُوا، وحُذِّرُوا أيْ: أُهْلِكُوا جَمِيعًا.
﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ، وأخْلَصُوا لِلَّهِ دِينَهُمْ، أوْ أخْلَصَهُمُ اللهُ لِدِينِهِ، عَلى القِراءَتَيْنِ.
37:75Page 448
وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥
And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.
وَلَمّا ذَكَرَ إرْسالَ المُنْذِرِينَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسُوءَ عاقِبَةِ المُنْذَرِينَ، أتْبَعَ (p-١٢٧)ذَلِكَ ذِكْرَ نُوحٍ، ودُعاءَهُ إيّاهُ، حِينَ أيِسَ مِن قَوْمِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾، دَعانا لِنُنْجِيَهُ مِنَ الغَرَقِ، وقِيلَ: أُرِيدُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾، اَللّامُ الداخِلَةُ عَلى "نِعْمَ"، جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَواللهِ لَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ"، والجَمْعُ دَلِيلُ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، والمَعْنى: إنّا أجَبْناهُ أحْسَنَ الإجابَةِ، ونَصَرْناهُ عَلى أعْدائِهِ، وانْتَقَمْنا مِنهُمْ، بِأبْلَغِ ما يَكُونُ.
37:76Page 448
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
And We saved him and his family from the great affliction.
﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ﴾، ومَن آمَنَ بِهِ، وأوْلادَهُ،
﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾، وهو الغَرَقُ.
37:77Page 449
وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧
And We made his descendants those remaining [on the earth]
﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾، وقَدْ فَنى غَيْرُهُمْ، قالَ قَتادَةُ: اَلنّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وكانَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - ثَلاثَةُ أوْلادٍ: سامَ، وهو أبُو العَرَبِ، وفارِسَ، والرُومِ، وحامَ، وهو أبُو السُودانِ، مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ويافِثَ، وهو أبُو التُرْكِ، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
37:78Page 449
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨
And left for him [favorable mention] among later generations:
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾، مِنَ الأُمَمِ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وهِيَ:
﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾، يَعْنِي: يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا، ويَدْعُونَ لَهُ، وهو الكَلامُ المَحْكِيُّ، كَقَوْلِكَ: "قَرَأْتُ (سُورَةٌ أنْزَلْناها)"،
﴿فِي العالَمِينَ﴾ أيْ: ثَبَّتَ هَذِهِ التَحِيَّةَ فِيهِمْ جَمِيعًا، ولا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: "ثَبَّتَ اللهُ التَسْلِيمَ عَلى نُوحٍ، وأدامَهُ في المَلائِكَةِ، والثَقَلَيْنِ، يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ عَنْ آخِرِهِمْ".
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾، عَلَّلَ مُجازاتِهِ بِتِلْكَ التَكْرِمَةِ السَنِيَّةِ، بِأنَّهُ كانَ مُحْسِنًا.
﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ مُحْسِنًا، بِأنَّهُ كانَ عَبْدًا مُؤْمِنًا، لِيُرِيَكَ جَلالَةَ مَحَلِّ الإيمانِ، وأنَّهُ القُصارى مِن صِفاتِ المَدْحِ، والتَعْظِيمِ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: الكافِرِينَ.
(p-١٢٨)﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ أيْ:، مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى أُصُولِ الدِينِ، أوْ شايَعَهُ عَلى التَصَلُّبِ في دِينِ اللهِ، ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ، وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وما كانَ بَيْنَهُما إلّا نَبِيّانِ، هُودٌ، وصالِحٌ.
﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، "إذْ"، تَعَلَّقَ بِما في الشِيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ، يَعْنِي: "وَإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِرْكِ، أوْ مِن آفاتِ القُلُوبِ، لَإبْراهِيمَ"، أوْ بِمَحْذُوفٍ، وهُوَ: "اُذْكُرْ"، ومَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ: أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، وعَلِمَ اللهُ ذَلِكَ مِنهُ، فَضَرَبَ المَجِيءَ مَثَلًا لِذَلِكَ.
37:85Page 449
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥
[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?
﴿إذْ﴾، بَدَلٌ مِنَ الأُولى،
﴿قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾
37:86Page 449
أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦
Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?
﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا"، مَفْعُولٌ لَهُ، تَقْدِيرُهُ: "أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللهِ إفْكًا؟!"، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ بِهِ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ أنْ يُكافِحَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "إفْكًا"، مَفْعُولًا بِهِ، أيْ: "أتُرِيدُونَ إفْكًا؟!"، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: "آلِهَةً دُونَ اللهِ"، عَلى أنَّها إفْكٌ في نَفْسِها، أوْ حالًا، أيْ: "أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللهِ آفِكِينَ؟!".
37:87Page 449
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
Then what is your thought about the Lord of the worlds?"
﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكُمْ،
﴿بِرَبِّ العالَمِينَ﴾، وأنْتُمْ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، و"ما"، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: "ظَنُّكُمْ"، أوْ: "فَما ظَنُّكم بِهِ، ماذا يَفْعَلُ بِكُمْ؟! وكَيْفَ يُعاقِبُكُمْ، وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ، وعَلِمْتُمْ أنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الحَقِيقَةِ، فَكانَ حَقِيقًا بِالعِبادَةِ؟!".
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ:، نَظَرَ في النُجُومِ رامِيًا بِبَصَرِهِ إلى السَماءِ، مُتَفَكِّرًا في نَفْسِهِ كَيْفَ يَحْتالُ، أوْ أراهم أنَّهُ يَنْظُرُ في النُجُومِ، لِاعْتِقادِهِمْ عِلْمَ النُجُومِ، فَأوْهَمَهم أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ عَلى أنَّهُ يُسْقَمُ.
﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مُشارِفٌ لِلسُّقْمِ، وهو الطاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ (p-١٢٩)الأسْقامِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَخافُونَ العَدْوى، لِيَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَهَرَبُوا مِنهُ إلى عِيدِهِمْ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ، لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، فَفَعَلَ بِالأصْنامِ ما فَعَلَ، وقالُوا: عِلْمُ النُجُومِ كانَ حَقًّا، ثُمَّ نُسِخَ الِاشْتِغالُ بِمَعْرِفَتِهِ، والكَذِبُ حَرامٌ إلّا إذا عَرَّضَ، والَّذِي قالَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِعْراضٌ مِنَ الكَلامِ، أيْ: سَأسْقَمُ، أوْ مَن في عُنُقِهِ المَوْتُ سَقِيمٌ، ومِنهُ المَثَلُ: "كَفى بِالسَلامَةِ داءً"، وماتَ رَجُلٌ فَجْأةً، فَقالُوا: "ماتَ وهو صَحِيحٌ"، فَقالَ أعْرابِيٌّ: "أصَحِيحٌ مَنِ المَوْتُ في عُنُقِهِ؟!"، أوْ أرادَ: "إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ لِكُفْرِكُمْ"، كَما يُقالُ: "أنا مَرِيضُ القَلْبِ مِن كَذا".
﴿فَتَوَلَّوْا﴾، فَأعْرَضُوا،
﴿عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: مُوَلِّينَ الأدْبارَ.
37:91Page 449
فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١
Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1
﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾، فَمال إلَيْهِمْ سِرًّا،
﴿فَقالَ﴾، اِسْتِهْزاءً،
﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾، وكانَ عِنْدَها طَعامٌ.
﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾، والجَمْعُ بِالواوِ والنُونِ، لِما أنَّهُ خاطَبَها خِطابَ مَن يَعْقِلُ.
37:93Page 449
فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣
And he turned upon them a blow with [his] right hand.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا، كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا، لِأنَّ "راغَ عَلَيْهِمْ"، بِمَعْنى: "ضَرَبَهُمْ"، أوْ: "فَراغَ عَلَيْهِمْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا"، أيْ: ضارِبًا،
﴿بِاليَمِينِ﴾ أيْ: ضَرْبًا شَدِيدًا، بِالقُوَّةِ، لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ، وأشَدُّهُما، أوْ بِالقُوَّةِ، والمَتانَةِ، أوْ بِسَبَبِ الحَلِفِ الَّذِي سَبَقَ مِنهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]
37:94Page 449
فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤
Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.
﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾، إلى إبْراهِيمَ،
﴿يَزِفُّونَ﴾، يُسْرِعُونَ، مِن "اَلزَّفِيفُ"، وهو الإسْراعُ، "يُزِفُّونَ"، "حَمْزَةُ"، مِن "أزَفَّ"، إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، "إزْفافًا"، فَكَأنَّهُ قَدْ رَآهُ بَعْضُهم يَكْسِرُها، وبَعْضُهم لَمْ يَرَهُ، فَأقْبَلَ مَن رَآهُ مُسْرِعًا نَحْوَهُ، ثُمَّ جاءَ مَن لَمْ يَرَهُ يَكْسِرُها، فَقالَ لِمَن رَآهُ: ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩]، فَأجابُوهُ عَلى سَبِيلِ التَعْرِيضِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، ثُمَّ قالُوا بِأجْمَعِهِمْ: نَحْنُ نَعْبُدُها وأنْتَ تَكْسِرُها! فَأجابَهم بِقَوْلِهِ:
37:95Page 449
قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥
He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,
(p-١٣٠)﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، بِأيْدِيكم.
37:96Page 449
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦
While Allāh created you and that which you do?"
﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾، وخَلَقَ ما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، أوْ "ما"، مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: وخَلَقَ أعْمالَكُمْ، وهو دَلِيلُنا في خَلْقِ الأفْعالِ، أيْ: اَللَّهُ خالِقُكُمْ، وخالِقُ أعْمالِكُمْ، فَلِمَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟!
37:97Page 449
قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧
They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."
﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ﴾ أيْ:، لِأجْلِهِ،
﴿بُنْيانًا﴾، مِنَ الحَجَرِ، طُولُهُ ثَلاثُونَ ذِراعًا، وعَرْضُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا،
﴿فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾، في النارِ، الشَدِيدَةِ، وقِيلَ: كُلُّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَهي "جَحِيمٌ".
37:98Page 449
فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.
﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾، بِإلْقائِهِ في النارِ،
﴿فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾، المَقْهُورِينَ عِنْدَ الإلْقاءِ، فَخَرَجَ مِنَ النارِ.
37:99Page 449
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩
And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.
﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾، إلى مَوْضِعٍ أمَرَنِي بِالذَهابِ إلَيْهِ،
﴿سَيَهْدِينِ﴾، سَيُرْشِدُنِي إلى ما فِيهِ صَلاحِي في دِينِي، ويَعْصِمُنِي، ويُوَفِّقُنِي، "سَيَهْدِينِي"، فِيهِما، "يَعْقُوبُ".
37:100Page 449
رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠
My Lord, grant me [a child] from among the righteous."
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ﴾، بَعْضَ الصالِحِينَ، يُرِيدُ الوَلَدَ، لِأنَّ لَفْظَ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ.
﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾، اِنْطَوَتِ البِشارَةُ عَلى ثَلاثٍ، عَلى أنَّ الوَلَدَ غُلامٌ، ذَكَرٌ، وأنَّهُ يَبْلُغُ أوانَ الحِلْمِ، لِأنَّ الصَبِيَّ لا يُوصَفُ بِالحِلْمِ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا، وأيُّ حِلْمٍ أعْظَمُ مِن حِلْمِهِ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَبْحَ، فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ثُمَّ اسْتَسْلَمَ لِذَلِكَ.
37:102Page 449
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢
And when he reached with him [the age of] exertion,1 he said, "O my son, indeed I have seen in a dream that I [must] sacrifice you, so see what you think." He said, "O my father, do as you are commanded. You will find me, if Allāh wills, of the steadfast."
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَعْيَ﴾، بَلَغَ أنْ يَسْعى مَعَ أبِيهِ في أشْغالِهِ، وحَوائِجِهِ، و"مَعَهُ"، لا يَتَعَلَّقُ بِـ "بَلَغَ"، لِاقْتِضائِهِ بُلُوغَهُما مَعًا حَدَّ السَعْيِ، ولا بِـ "اَلسَّعْيَ"، لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ بَيانًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: "فَلَمّا بَلَغَ السَعْيَ"، أيْ: اَلْحَدَّ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلى السَعْيِ، قِيلَ: مَعَ مَن؟ قالَ: "مَعَ أبِيهِ"، (p-١٣١)وَكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثَ عَشَرَةَ سَنَةً،
﴿قالَ يا بُنَيَّ﴾، "حَفْصٌ"، والباقُونَ بِكَسْرِ الياءِ،
﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾، وبِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، قِيلَ لَهُ في المَنامِ: "اِذْبَحِ ابْنَكَ"، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، كالوَحْيِ في اليَقَظَةِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "رَأيْتُ"، لِأنَّهُ رَأى مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَقَدْ قِيلَ: رَأى لَيْلَةَ التَرْوِيَةِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: "إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا"، فَلَمّا أصْبَحَ رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَباحِ، إلى الرَواحِ، أمِنَ اللهِ هَذا الحُلْمُ أمْ مِنَ الشَيْطانِ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ "يَوْمَ التَرْوِيَةِ"، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللهِ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ "يَوْمَ عَرَفَةَ"، ثُمَّ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ في اللَيْلَةِ الثالِثَةِ، فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ اليَوْمُ "يَوْمَ النَحْرِ"،
﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾، مِن "اَلرَّأْيُ"، عَلى وجْهِ المُشاوَرَةِ، لا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، ولَمْ يُشاوِرْهُ لِيَرْجِعَ إلى رَأْيِهِ، ومَشُورَتِهِ، ولَكِنْ لِيَعْلَمَ أيَجْزَعُ أمْ يَصْبِرُ، "تُرِي"، "عَلِيٌّ وحَمْزَةُ"، أيْ: "ماذا تُبْصِرُ مِن رَأْيِكَ وتُبْدِيهِ؟"،
﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ: ما تُؤْمَرُ بِهِ، وقُرِئَ بِهِ،
﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ﴾، عَلى الذَبْحِ، رُوِيَ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: "يا أبَتِ، خُذْ بِناصِيَتِي، واجْلِسْ بَيْنَ كَتِفَيَّ، حَتّى لا أُؤْذِيَكَ إذا أصابَتْنِي الشَفْرَةُ، ولا تَذْبَحْنِي وأنْتَ تَنْظُرُ في وجْهِي، عَسى أنْ تَرْحَمَنِي، واجْعَلْ وجْهِي إلى الأرْضِ"، ويُرْوى: "اِذْبَحْنِي وأنا ساجِدٌ، واقْرَأْ عَلى أُمِّي السَلامَ، وإنْ رَأيْتَ أنْ تَرُدَّ قَمِيصِي عَلى أُمِّي فافْعَلْ، فَإنَّهُ عَسى أنْ يَكُونَ أسْهَلَ لَها".
37:103Page 450
فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣
And when they had both submitted1 and he put him down upon his forehead,
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾، اِنْقادا لِأمْرِ اللهِ، وخَضَعا، وعَنْ قَتادَةَ: "أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ، وهَذا نَفْسَهُ"،
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، ووَضَعَ السِكِّينَ عَلى حَلْقِهِ، فَلَمْ يَعْمَلْ، ثُمَّ وضَعَ السِكِّينَ عَلى قَفاهُ، فانْقَلَبَ السِكِّينُ، ونُودِيَ: "يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا"، رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ المَكانَ عِنْدَ الصَخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وجَوابُ "لَمّا"، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: "فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ،
37:104–105Page 450
وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤
We called to him, "O Abraham,
قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥
You have fulfilled the vision." Indeed, We thus reward the doers of good.
﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾، - أيْ: حَقَّقْتَ ما أمَرْناكَ بِهِ في المَنامِ، مِن تَسْلِيمِ الوَلَدِ لِلذَّبْحِ - كانَ ما كانَ"، مِمّا يَنْطِقُ بِهِ الحالُ، ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، مِنَ (p-١٣٢)اسْتِبْشارِهِما، وحَمْدِهِما لِلَّهِ، وشُكْرِهِما عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِما، مِن دَفْعِ البَلاءِ العَظِيمِ، بَعْدَ حُلُولِهِ، أوِ الجَوابُ: "قَبِلْنا مِنهُ"، و"نادَيْناهُ"، مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾، تَعْلِيلٌ لِتَخْوِيلِ ما خَوَّلَهُما مِنَ الفَرَجِ بَعْدَ الشِدَّةِ.
﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾، الِاخْتِبارُ البَيِّنُ، الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ مِن غَيْرِهِمْ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences