An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:27–62
38:27Page 455
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧
And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.
(p-١٥٣)﴿وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾، مِنَ الخَلْقِ ﴿باطِلا﴾، خَلْقًا باطِلًا، لا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، أوْ مُبْطِلِينَ عابِثِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]، وتَقْدِيرُهُ: "ذَوِي باطِلٍ"، أوْ عَبَثًا، فَوَضَعَ باطِلًا مَوْضِعَهُ، أيْ: ما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما لِلْعَبَثِ واللَعِبِ، ولَكِنْ لِلْحَقِّ المُبِينِ، وهو أنّا خَلَقْنا نُفُوسًا، أوْدَعْناها العَقْلَ، ومَنَحْناها التَمْكِينَ، وأزَحْنا عِلَلَها، ثُمَّ عَرَّضْناها لِلْمَنافِعِ العَظِيمَةِ بِالتَكْلِيفِ، وأعْدَدْنا لَها عاقِبَةً وجَزاءً عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ،
﴿ذَلِكَ﴾، إشارَةٌ إلى خَلْقِها باطِلًا،
﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، اَلظَّنُّ بِمَعْنى "اَلْمَظْنُونُ"، أيْ: "خَلْقُها لِلْعَبَثِ، لا لِلْحِكْمَةِ، هو مَظْنُونُ الَّذِينَ كَفَرُوا"، وإنَّما جُعِلُوا ظانِّينَ أنَّهُ خَلَقَها لِلْعَبَثِ، لا لِلْحِكْمَةِ، مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ خالِقُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لِأنَّهُ لَمّا كانَ إنْكارُهم لِلْبَعْثِ والحِسابِ والثَوابِ والعِقابِ مُؤَدِّيًا إلى أنَّ خَلْقَها عَبَثٌ وباطِلٌ جُعِلُوا كَأنَّهم يَظُنُّونَ ذَلِكَ، ويَقُولُونَهُ، لِأنَّ الجَزاءَ هو الَّذِي سَبَقَتْ إلَيْهِ الحِكْمَةُ في خَلْقِ العالَمِ، فَمَن جَحَدَهُ فَقَدْ جَحَدَ الحِكْمَةَ في خَلْقِ العالَمِ،
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النارِ﴾
38:28Page 455
أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨
Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?
﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾، "أمْ"، مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ فِيها الإنْكارُ، والمُرادُ أنَّهُ لَوْ بَطَلَ الجَزاءُ كَما يَقُولُ الكُفّارُ لاسْتَوَتْ أحْوالُ مَن أصْلَحَ، وأفْسَدَ، واتَّقى، وفَجَرَ، ومَن سَوّى بَيْنَهم كانَ سَفِيهًا، ولَمْ يَكُنْ حَكِيمًا.
38:29Page 455
كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩
[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.
﴿كِتابٌ﴾ أيْ: هَذا كِتابٌ،
﴿أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ﴾، يَعْنِي القُرْآنَ،
﴿مُبارَكٌ﴾، صِفَةٌ أُخْرى،
﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾، وأصْلُهُ "لِيَتَدَبَّرُوا"، قُرِئَ بِهِ، ومَعْناهُ: لِيَتَفَكَّرُوا فِيها، فَيَقِفُوا عَلى ما فِيهِ، ويَعْمَلُوا بِهِ، وعَنِ الحَسَنِ: "قَدْ قَرَأ هَذا القُرْآنَ عَبِيدٌ، وصِبْيانٌ، لا عِلْمَ لَهم بِتَأْوِيلِهِ، حَفِظُوا حُرُوفَهُ، وضَيَّعُوا حُدُودَهُ"، "لِتَدَبَّرُوا"، (p-١٥٤)عَلى الخِطابِ، بِحَذْفِ إحْدى التاءَيْنِ، "يَزِيدُ"،
﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾، ولِيَتَّعِظَ بِالقُرْآنِ أُولُو العُقُولِ.
38:30Page 455
وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠
And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].
﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ، وقِيلَ: داوُدُ، ولَيْسَ بِالوَجْهِ، فالمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ،
﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾، وعَلَّلَ كَوْنَهُ مَمْدُوحًا بِكَوْنِهِ أوّابًا، أيْ: كَثِيرَ الرُجُوعِ إلى اللهِ (تَعالى).
38:31Page 455
إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١
[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.
﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾، عَلى سُلَيْمانَ،
﴿بِالعَشِيِّ﴾، بَعْدَ الظُهْرِ،
﴿الصافِناتُ﴾، اَلْخُيُولُ القائِمَةُ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ، وقَدْ أقامَتِ الأُخْرى عَلى طَرَفِ حافِرٍ،
﴿الجِيادُ﴾، اَلسِّراعُ، جَمْعُ "جَوادٌ"، لِأنَّهُ يَجُودُ بِالرَكْضِ، وصَفَها بِالصُفُونِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ في الهُجْنِ، إنَّما هو في العِرابِ، وقِيلَ: وصَفَها بِالصُفُونِ والجَوْدَةِ، لِيَجْمَعَ لَها بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَحْمُودَيْنِ، واقِفَةً، وجارِيَةً، يَعْنِي إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطَمْئِنَّةً في مَواقِفِها، وإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا، خِفافًا في جَرْيِها، وقِيلَ: اَلْجِيادُ: اَلطِّوالُ الأعْناقِ، مِن "اَلْجِيدُ"، ورُوِيَ «أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ - غَزا أهْلَ دِمَشْقَ ونَصِيبِينَ، فَأصابَ ألْفَ فَرَسٍ وقِيلَ: ورِثَها مِن أبِيهِ، وأصابَها أبُوهُ مِنَ العَمالِقَةِ، وقِيلَ: خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، لَها أجْنِحَةٌ، فَقَعَدَ يَوْمًا بَعْدَ ما صَلّى الظُهْرَ عَلى كُرْسِيِّهِ، واسْتَعْرَضَها، فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، حَتّى غَرَبَتِ الشَمْسُ، وغَفَلَ عَنِ العَصْرِ، وكانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ، فاغْتَمَّ لِما فاتَهُ، فاسْتَرَدَّها، وعَقَرَها، تَقَرُّبًا لِلَّهِ، فَبَقِيَ مِائَةٌ، » فَما في أيْدِي الناسِ مِنَ الجِيادِ فَمِن نَسْلِها، وقِيلَ: لَمّا عَقَرَها أبْدَلَهُ اللهُ خَيْرًا مِنها، وهي الرِيحُ، تَجْرِي بِأمْرِهِ.
38:32Page 455
فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢
And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ أيْ: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، كَذا عَنِ الزَجّاجِ، فَـ "أحْبَبْتُ"، بِمَعْنى "آثَرْتُ"، كَقَوْلِهِ: (تَعالى): ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، و"عَنْ"، بِمَعْنى "عَلى"، وسَمّى الخَيْلَ "خَيْرًا"، كَأنَّها نَفْسُ الخَيْرِ، لِتَعَلُّقِ الخَيْرِ بِها، كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلْخَيْلَ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ"، » وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "أحْبَبْتُ"، بِمَعْنى "جَلَّسْتُ"، (p-١٥٥)مِن "إحْبابُ البَعِيرِ"، وهو "بُرُوكُهُ"، "حُبَّ الخَيْرِ"، أيْ: اَلْمالَ، مَفْعُولٌ لَهُ، مُضافٌ إلى المَفْعُولِ،
﴿حَتّى تَوارَتْ﴾، اَلشَّمْسُ،
﴿بِالحِجابِ﴾، والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ الضَمِيرَ لِلشَّمْسِ مُرُورُ ذِكْرِ العَشِيِّ، ولابُدَّ لِلضَّمِيرِ مِن جَرْيِ ذِكْرٍ، أوْ دَلِيلِ ذِكْرٍ، أوِ الضَمِيرُ لِـ "اَلصّافِناتُ"، أيْ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ اللَيْلِ، يَعْنِي الظَلامَ.
38:33Page 455
رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣
[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.
﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ أيْ: قالَ لِلْمَلائِكَةِ: رُدُّوا الشَمْسَ عَلَيَّ لِأُصَلِّيَ العَصْرَ، فَرُدَّتِ الشَمْسُ لَهُ، وصَلّى العَصْرَ، أوْ رُدُّوا الصافِناتِ،
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُوقِ والأعْناقِ﴾، فَجَعَلَ يَمْسَحُ مَسَحًا، أيْ: يَمْسَحُ السَيْفَ بِسُوقِها - وهي جَمْعُ "ساقٌ"، كَـ "دارٌ"، و"دُورٌ" -، وأعْناقِها، يَعْنِي يَقْطَعُها، لِأنَّها مَنَعَتْهُ عَنِ الصَلاةِ، تَقُولُ: "مَسَحَ عِلاوَتَهُ"، إذا ضَرَبَ عُنُقَهُ، و"مَسَحَ المُسَفِّرُ الكِتابَ"، إذا قَطَعَ أطْرافَهُ بِسَيْفِهِ، وقِيلَ: إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ كَفّارَةً لَها، أوْ شُكْرًا لِرَدِّ الشَمْسِ، وكانَتِ الخَيْلُ مَأْكُولَةً في شَرِيعَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إتْلافًا، وقِيلَ: مَسَحَها بِيَدِهِ اسْتِحْسانًا لَها، وإعْجابًا بِها.
38:34Page 455
وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤
And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2
﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾، اِبْتَلَيْناهُ،
﴿وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾، سَرِيرِ مُلْكِهِ،
﴿جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾، رَجَعَ إلى اللهِ، قِيلَ: فُتِنَ سُلَيْمانُ بَعْدَما مَلَكَ عِشْرِينَ سَنَةً، ومَلَكَ بَعْدَ الفِتْنَةِ عِشْرِينَ سَنَةً، وكانَ مِن فِتْنَتِهِ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ، فَقالَتِ الشَياطِينُ: إنْ عاشَ لَمْ نَنْفَكَّ مِنَ السُخْرَةِ، فَسَبِيلُنا أنْ نَقْتُلَهُ، أوْ نُخَبِّلَهُ، فَعَلِمَ ذَلِكَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَلامُ -، فَكانَ يَغْذُوهُ في السَحابَةِ، خَوْفًا مِن مَضَرَّةِ الشَياطِينِ، فَأُلْقِيَ ولَدُهُ مَيْتًا عَلى كُرْسِيِّهِ، فَتَنَبَّهَ عَلى زَلَّتِهِ في أنْ لَمْ يَتَوَكَّلْ فِيهِ عَلى رَبِّهِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "قالَ سُلَيْمانُ: لَأطُوفَنَّ اللَيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ تَأْتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، فَجِيءَ بِهِ عَلى كُرْسِيِّهِ، (p-١٥٦)فَوُضِعَ في حِجْرِهِ، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللهُ، لَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ"، » وأمّا ما يُرْوى مِن حَدِيثِ الخاتَمِ والشَيْطانِ، وعِبادَةِ الوَثَنِ في بَيْتِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، فَمِن أباطِيلِ اليَهُودِ.
38:35Page 455
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥
He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا﴾، قَدَّمَ الِاسْتِغْفارَ عَلى اسْتِيهابِ المُلْكِ، جَرْيًا عَلى عادَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -، والصالِحِينَ، في تَقْدِيمِ الِاسْتِغْفارِ عَلى السُؤالِ،
﴿لا يَنْبَغِي﴾، لا يَتَسَهَّلُ، ولا يَكُونُ،
﴿لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ: دُونِي، وبِفَتْحِ الياءِ "مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، وإنَّما سَألَ بِهَذِهِ الصِفَةِ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ، لا حَسَدًا، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُسَخَّرْ لَهُ الرِيحُ، والشَياطِينُ، فَلَمّا دَعا بِذَلِكَ سُخِّرَتْ لَهُ الرِيحُ والشَياطِينُ، ولَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً حَتّى يَخْرِقَ العاداتِ،
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾
38:36Page 455
فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦
So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,
﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِيحَ﴾، "اَلرِّياحُ"، أبُو جَعْفَرٍ،
﴿تَجْرِي﴾، حالٌ مِن "اَلرِّيحَ"،
﴿بِأمْرِهِ﴾، سُلَيْمانَ،
﴿رُخاءً﴾، لَيِّنَةً، طَيِّبَةً، لا تُزَعْزِعُ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ "تَجْرِي"،
﴿حَيْثُ﴾، ظَرْفُ "تَجْرِي"،
﴿أصابَ﴾، قَصَدَ، وأرادَ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أصابَ الصَوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ".
38:37Page 455
وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧
And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver
﴿والشَياطِينَ﴾، عَطْفٌ عَلى "اَلرِّيحَ"، أيْ: سَخَّرْنا لَهُ الشَياطِينَ،
﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾، بَدَلٌ مِن "اَلشَّياطِينَ"، كانُوا يَبْنُونَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الأبْنِيَةِ،
﴿وَغَوّاصٍ﴾ أيْ: ويَغُوصُونَ لَهُ في البَحْرِ، لِإخْراجِ اللُؤْلُؤِ، وهو أوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ اللُؤْلُؤَ مِنَ البَحْرِ، والمَعْنى: "وَسَخَّرَنا لَهُ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ مِنَ الشَياطِينِ".
﴿وَآخَرِينَ﴾، عَطْفٌ عَلى "كُلَّ بَنّاءٍ"، داخِلٌ في حُكْمِ البَدَلِ،
﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾، وكانَ يَقْرِنُ مَرَدَةَ الشَياطِينِ بَعْضَهم مَعَ بَعْضٍ في القُيُودِ، والسَلاسِلِ، لِلتَّأْدِيبِ، والكَفِّ عَنِ الفَسادِ، و"اَلصَّفْدُ": اَلْقَيْدُ، وسُمِّيَ بِهِ العَطاءُ، لِأنَّهُ ارْتِباطٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "مَن بَرَّكَ فَقَدْ أسَرَكَ، ومَن جَفاكَ فَقَدْ أطْلَقَكَ".
38:39Page 455
هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩
[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."
(p-١٥٧)﴿هَذا﴾، اَلَّذِي أعْطَيْناكَ مِنَ المُلْكِ والمالِ والبَسْطَةِ ﴿عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾، فَأعْطِ مِنهُ ما شِئْتَ مِنَ المِنَّةِ، وهي العَطاءُ، أوْ أمْسِكْ عَنِ العَطاءِ، وكانَ إذا أعْطى أُجِرَ، وإنْ مَنَعَ لَمْ يَأْثَمْ، بِخِلافِ غَيْرِهِ،
﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، مُتَعَلِّقٌ بِـ "عَطاؤُنا"، وقِيلَ: هو حالٌ، أيْ: "هَذا عَطاؤُنا جَمًّا كَثِيرًا، لا يَكادُ يُقْدَرُ عَلى حَصْرِهِ"، أوْ: هَذا التَسْخِيرُ عَطاؤُنا، فامْنُنْ عَلى ما شِئْتَ مِنَ الشَياطِينِ بِالإطْلاقِ،
﴿أوْ أمْسِكْ﴾، مَن شِئْتَ مِنهم في الوَثاقِ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيِّ حِسابٍ عَلَيْكَ في ذَلِكَ.
38:40Page 455
وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠
And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.
﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾، "لَزُلْفى"، اِسْمُ "إنَّ"، والخَبَرُ "لَهُ"، والعامِلُ في "عِنْدَ"، اَلْخَبَرُ.
38:41Page 455
وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١
And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾، هو بَدَلٌ مِن "عَبْدَنا"، أوْ عَطْفُ بَيانٍ ﴿إذْ﴾، بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ،
﴿نادى رَبَّهُ﴾،، دَعاهُ،
﴿أنِّي مَسَّنِيَ﴾، بِأنِّي مَسَّنِيَ، حِكايَةٌ لِكِلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لِقالَ: "بِأنَّهُ مَسَّهُ"، لِأنَّهُ غائِبٌ،
﴿الشَيْطانُ بِنُصْبٍ﴾، قِراءَةُ العامَّةِ: "بِنُصْبٍ"، "يَزِيدُ": بِتَثْقِيلِ "نُصْبٍ": "بِنَصَبٍ"، كَـ "رُشْدٌ"، و"رَشَدٌ"، "يَعْقُوبُ": "بِنَصْبٍ"، عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، "هُبَيْرَةُ"، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَعَبُ، والمَشَقَّةُ،
﴿وَعَذابٍ﴾، يُرِيدُ مَرَضَهُ، وما كانَ يُقاسِي فِيهِ مِن أنْواعِ الوَصَبِ، وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، ويُغْرِيهِ عَلى الكَراهَةِ، والجَزَعِ، فالتَجَأ إلى اللهِ في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ، بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَوْفِيقِ في دَفْعِهِ، ورَدِّهِ بِالصَبْرِ الجَمِيلِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهُمْ، فَسَألَ عَنْهُ، فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَيْطانُ أنَّ اللهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصالِحِينَ، وذُكِرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّهُ ذَبَحَ شاةً فَأكَلَها وجارُهُ جائِعٌ، أوْ رَأى مُنْكَرًا فَسَكَتَ عَنْهُ، أوِ ابْتَلاهُ اللهُ لِرَفْعِ الدَرَجاتِ، بِلا زَلَّةٍ سَبَقَتْ مِنهُ.
38:42Page 455
ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢
[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، حِكايَةُ ما أُجِيبَ بِهِ أيُّوبُ - عَلَيْهِ السَلامُ -، أيْ: أرْسَلْنا (p-١٥٨)إلَيْهِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، فَقالَ لَهُ: "اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ"، أيْ: اِضْرِبْ بِرِجْلِكَ الأرْضَ، وهي أرْضُ الجابِيَةِ، فَضَرَبَها فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَقِيلَ: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ أيْ: هَذا ما تَغْتَسِلُ بِهِ، وتَشْرَبُ مِنهُ، فَيَبْرَأُ باطِنُكَ وظاهِرُكَ، وقِيلَ: نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، فاغْتَسَلَ مِن إحْداهُما، وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى، فَذَهَبَ الداءُ مِن ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، بِإذْنِ اللهِ (تَعالى).
38:43Page 456
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣
And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾، قِيلَ: أحْياهُمُ اللهُ (تَعالى) بِأعْيانِهِمْ، وزادِهُ مِثْلَهُمْ،
﴿رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾، مَفْعُولٌ لَهُما، أيْ: اَلْهِبَةُ كانَتْ لِلرَّحْمَةِ لَهُ، ولِتَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا بِما أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِ لِصَبْرِهِ رَغَّبَهم في الصَبْرِ عَلى البَلاءِ.
38:44Page 456
وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤
[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].
﴿وَخُذْ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى "اُرْكُضْ"،
﴿بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾، حُزْمَةً صَغِيرَةً مِن حَشِيشٍ، أوْ رَيْحانٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "قَبْضَةً مِنَ الشَجَرِ"،
﴿فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾، وكانَ حَلَفَ في مَرَضِهِ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةً إذا بَرَأ، فَحَلَّلَ اللهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ، وهَذِهِ الرُخْصَةُ باقِيَةٌ، ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ المِائَةِ، والسَبَبُ في يَمِينِهِ أنَّها أبْطَأتْ عَلَيْهِ ذاهِبَةً في حاجَةٍ، فَحَرِجَ صَدْرُهُ، وقِيلَ: باعَتْ ذُؤابَتَيْها بِرَغِيفَيْنِ، وكانَتا مُتَعَلَّقَ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إذا قامَ،
﴿إنّا وجَدْناهُ﴾، عَلِمْناهُ،
﴿صابِرًا﴾، عَلى البَلاءِ، نَعَمْ قَدْ شَكا إلى اللهِ ما بِهِ، واسْتَرْحَمَهُ، لَكِنَّ الشَكْوى إلى اللهِ لا تُسَمّى جَزَعًا، فَقَدْ قالَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَطْلُبُ الشِفاءَ خِيفَةً عَلى قَوْمِهِ مِنَ الفِتْنَةِ - حَيْثُ كانَ الشَيْطانُ يُوَسْوِسُ إلَيْهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَما ابْتُلِيَ بِمِثْلِ ما ابْتُلِيَ بِهِ -، وإرادَةَ القُوَّةِ عَلى الطاعَةِ، فَقَدْ بَلَغَ أمْرُهُ إلى أنْ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِسانُ،
﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ أيُّوبُ،
﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾
38:45Page 456
وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥
And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.
(p-١٥٩)﴿واذْكُرْ عِبادَنا﴾، "عَبْدَنا"، "مَكِّيٌّ"،
﴿إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾، فَمَن جَمَعَ فَـ "إبْراهِيمَ"، ومَن بَعْدَهُ عَطْفُ بَيانٍ عَلى "عِبادَنا"، ومَن وحَّدَ فَـ "إبْراهِيمَ"، وحْدَهُ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى "عَبْدَنا"، ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُباشَرُ بِالأيْدِي، غُلِّبَتْ، فَقِيلَ في كُلِّ عَمَلٍ: "هَذا مِمّا عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ"، وإنْ كانَ عَمَلًا لا تَتَأتّى فِيهِ المُباشَرَةُ بِالأيْدِي، أوْ كانَ العُمّالُ جُذَماءَ لا أيْدِيَ لَهُمْ، وعَلى هَذا ورَدَ قَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ أيْ: أُولِي الأعْمالِ الظاهِرَةِ، والفِكَرِ الباطِنَةِ، كَأنَّ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الآخِرَةِ، ولا يُجاهِدُونَ في اللهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ أفْكارَ ذَوِي الدِياناتِ، في حُكْمِ الزَمْنى، الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إعْمالِ جَوارِحِهِمْ، والمَسْلُوبِي العُقُولِ، الَّذِينَ لا اسْتِبْصارَ لَهُمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مِن عُمّالِ اللهِ، ولا مِنَ المُسْتَبْصِرِينَ في دِينِ اللهِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ، والتَأمُّلَ، مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنهُما.
38:46Page 456
إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦
Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].
﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾، جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ،
﴿بِخالِصَةٍ﴾، بِخَصْلَةٍ خالِصَةٍ، لا شَوْبَ فِيها،
﴿ذِكْرى الدارِ﴾، "ذِكْرى"، في مَحَلِّ النَصْبِ أوِ الرَفْعِ، بِإضْمارِ "أعْنِي"، أوْ "هِيَ"، أوِ الجَرِّ، عَلى البَدَلِ مِن "خالِصَةٍ"، والمَعْنى: "إنّا أخْلَصْناهم بِذِكْرى الدارِ"، و"اَلدّارُ"، هُنا: اَلدّارُ الآخِرَةُ، يَعْنِي: جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ بِأنْ جَعَلْناهم يُذَكِّرُونَ الناسَ الدارَ الآخِرَةَ، ويُزَهِّدُونَهم في الدُنْيا، كَما هو دَيْدَنُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -، أوْ مَعْناهُ أنَّهم يُكْثِرُونَ ذِكْرَ الآخِرَةِ، والرُجُوعَ إلى اللهِ، ويَنْسَوْنَ ذِكْرَ الدُنْيا، "بِخالِصَةِ ذِكْرى"، عَلى الإضافَةِ، "مَدَنِيٌّ ونافِعٌ"، وهي مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى ما يُبَيِّنُهُ، لِأنَّ الخالِصَةَ تَكُونُ ذِكْرى، وغَيْرَ ذِكْرى، و"ذِكْرى"، مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، أيْ: بِإخْلاصِهِمْ ذِكْرى الدارِ، وقِيلَ: "خالِصَةٍ"، بِمَعْنى "خَلُوصٍ"، فَهي مُضافَةٌ إلى الفاعِلِ، أيْ: بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدارِ، عَلى أنَّهم لا يَشُوبُونَ ذِكْرى الدارِ بِهَمٍّ آخَرَ، إنَّما هَمُّهم ذِكْرى الدارِ لا غَيْرُ، وقِيلَ: "ذِكْرى الدارِ": اَلثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُنْيا، وهَذا شَيْءٌ قَدْ أخْلَصَهم بِهِ، فَلَيْسَ يُذْكَرُ غَيْرُهم في الدُنْيا بِمِثْلِ ما يُذْكَرُونَ بِهِ، يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]
38:47Page 456
وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧
And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.
(p-١٦٠)﴿وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، اَلْمُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ،
﴿الأخْيارِ﴾، جَمْعُ "خَيِّرٌ"، أوْ "خَيْرٌ"، عَلى التَخْفِيفِ، كَـ "أمْواتٌ"، في جَمْعِ "مَيْتٌ"، أوْ "مَيِّتٌ".
38:48Page 456
وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨
And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.
﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾، كَأنَّ حَرْفَ التَعْرِيفِ دَخَلَ عَلى "يَسَعُ"،
﴿وَذا الكِفْلِ وكُلٌّ﴾، اَلتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وكُلُّهُمْ،
﴿مِنَ الأخْيارِ﴾
38:49Page 456
هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩
This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -
﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أيْ: هَذا شَرَفٌ، وذِكْرٌ جَمِيلٌ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، وإنَّ لَهم مَعَ ذَلِكَ لَحُسْنَ مَرْجِعٍ، يَعْنِي يُذْكَرُونَ في الدُنْيا بِالجَمِيلِ، ويُرْجَعُونَ في الآخِرَةِ إلى مَغْفِرَةِ رَبٍّ جَلِيلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ حُسْنِ ذَلِكَ المَرْجِعِ، فَقالَ:
38:50Page 456
جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠
Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، بَدَلٌ مِن "حُسْنَ مَآبٍ"،
﴿مُفَتَّحَةً﴾، حالٌ مِن "جَنّاتِ"، لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، لِإضافَتِها إلى "عَدْنٍ"، وهو عَلَمٌ، والعامِلُ فِيها ما في "لِلْمُتَّقِينَ"، مِن مَعْنى الفِعْلِ،
﴿لَهُمُ الأبْوابُ﴾، اِرْتِفاعُ الأبْوابِ بِأنَّها نائِبُ فاعِلٍ لِـ "مُفَتَّحَةً"، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: "مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ مِنها"، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩]، أيْ: "لَهُمْ"، أوْ "أبْوابُها"، إلّا أنَّ الأوَّلَ أجْوَدُ، أوْ هي بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "مُفَتَّحَةً"، وهو ضَمِيرُ الجَنّاتِ، تَقْدِيرُهُ: "مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ"، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
38:51Page 456
مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١
Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾، حالٌ مِنَ المَجْرُورِ في "لَهُمْ"، والعامِلُ "مُفَتَّحَةً"،
﴿فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ أيْ: وشَرابٍ كَثِيرٍ، فَحُذِفَ اكْتِفاءً بِالأوَّلِ.
38:52Page 456
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَرْفِ﴾ أيْ: قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ،
﴿أتْرابٌ﴾، لِدّاتٌ، أسْنانُهُنَّ كَأسْنانِهِمْ، لِأنَّ التَحابَّ بَيْنَ الأقْرانِ أثْبَتُ، كَأنَّ اللِدّاتِ سُمِّينَ "أتْرابًا"، لِأنَّ التُرابَ مَسَّهُنَّ في وقْتٍ واحِدٍ.
38:53Page 456
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣
This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.
﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾، وبِالياءِ "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"،
﴿لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أيْ: لِيَوْمِ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما عَمِلَتْ.
38:54Page 456
إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤
Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.
(p-١٦١)﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾، مِنَ انْقِطاعٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الرِزْقِ، والعامِلُ الإشارَةُ.
38:55Page 456
هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥
This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -
﴿هَذا﴾،، خَبَرٌ، والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، أيْ: "اَلْأمْرُ هَذا"، أوْ "هَذا كَما ذُكِرَ"،
﴿وَإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، مَرْجِعٍ.
38:56Page 456
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦
Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.
﴿جَهَنَّمَ﴾، بَدَلٌ مِنهُ،
﴿يَصْلَوْنَها﴾، يَدْخُلُونَها،
﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾، شُبِّهَ ما تَحْتَهم مِنَ النارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النائِمُ.
38:57Page 456
هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧
This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.
﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ أيْ: هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ، فَلْيَذُوقُوهُ، فَـ "هَذا"، مُبْتَدَأٌ، و"حَمِيمٌ"، خَبَرُهُ، و"غَساقٌ"، عُطِفَ عَلى الخَبَرِ، "فَلْيَذُوقُوهُ"، اِعْتِراضٌ، أوْ "اَلْعَذابُ هَذا، فَلْيَذُوقُوهُ"، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: "هُوَ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ"، بِالتَشْدِيدِ، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، و"اَلْغَسّاقُ"، بِالتَشْدِيدِ، والتَخْفِيفِ: ما يَغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، يُقالُ: "غَسَقَتِ العَيْنُ"، إذا سالَ دَمْعُها، وقِيلَ: "اَلْحَمِيمُ"، يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ.
38:58Page 456
وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨
And other [punishments] of its type [in various] kinds.
﴿وَآخَرُ﴾ أيْ: وعَذابٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ،
﴿مِن شَكْلِهِ﴾، مِن مِثْلِ العَذابِ المَذْكُورِ، و"أُخَرُ"، "بَصْرِيٌّ"، أيْ: ومَذُوقاتٌ أُخَرُ، مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ في الشِدَّةِ والفَظاعَةِ،
﴿أزْواجٌ﴾، صِفَةٌ لِـ "آخَرُ"، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا.
38:59Page 456
هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩
[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."
﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ، قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النارَ، أيْ: دَخَلَ النارَ في صُحْبَتِكُمْ، و"اَلِاقْتِحامُ": اَلدُّخُولُ في الشَيْءِ بِشِدَّةٍ، و"اَلْقُحْمَةُ": اَلشِّدَّةُ، وهَذِهِ حِكايَةُ كَلامِ الطاغِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، أيْ: يَقُولُونَ هَذا، والمُرادُ بِالفَوْجِ أتْباعُهُمُ الَّذِينَ اقْتَحَمُوا مَعَهُمُ الضَلالَةَ، فَيَقْتَحِمُونَ مَعَهُمُ العَذابَ،
﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، تَقُولُ لِمَن تَدْعُو لَهُ: "مَرْحَبًا"، أيْ: أتَيْتَ رَحْبًا مِنَ البِلادِ، لا ضَيِّقًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رَحْبًا، ثُمَّ تُدْخِلُ عَلَيْهِ "لا"، في (p-١٦٢)دُعاءِ السُوءِ، و"بِهِمْ"، بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ،
﴿إنَّهم صالُو النارِ﴾ أيْ: داخِلُوها، وهو تَعْلِيلٌ عَلى اسْتِجْلابِهِمُ الدُعاءَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: "هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ"، كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، و"لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النارِ"، كَلامُ الرُؤَساءِ، وقِيلَ: هَذا كُلُّهُ كَلامُ الخَزَنَةِ.
38:60Page 456
قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠
They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."
﴿قالُوا﴾ أيْ: اَلْأتْباعُ،
﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أيْ: اَلدُّعاءُ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، والضَمِيرُ لِلْعَذابِ، أوْ لِصَلْيِهِمْ، أيْ: إنَّكم دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ، فَكَفَرْنا بِاتِّباعِكُمْ،
﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: اَلنّارُ.
38:61Page 456
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١
They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."
﴿قالُوا﴾ أيْ: اَلْأتْباعُ،
﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النارِ﴾ أيْ: مُضاعَفًا،
﴿فِي النارِ﴾، ومَعْناهُ: ذا ضِعْفٍ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وهو أنْ يَزِيدَ عَلى عَذابِهِ مِثْلَهُ.
38:62Page 457
وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢
And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1
﴿وَقالُوا﴾، اَلضَّمِيرُ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ،
﴿ما لَنا لا نَرى رِجالا﴾، يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ،
﴿كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾، في الدُنْيا ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾، مِنَ الأرْذالِ، الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولا جَدْوى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences