An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الزمر
Az-Zumar
The Troops · Meccan · 75 ayahs
39:1Page 458
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
(p-١٦٨)سُورَةُ "اَلزُّمَرِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنِ، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ،
﴿مِنَ اللهِ﴾ أيْ: نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والجارُّ صِلَةُ التَنْزِيلِ، أوْ غَيْرُ صِلَةٍ، بَلْ هو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: "هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ هَذا مِنَ اللهِ"،
﴿العَزِيزِ﴾، في سُلْطانِهِ،
﴿الحَكِيمِ﴾، في تَدْبِيرِهِ.
39:2Page 458
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢
Indeed, We have sent down to you the Book, [O Muḥammad], in truth. So worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾، هَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ، لِأنَّ الأوَّلَ كالعُنْوانِ لِلْكِتابِ، والثانِيَ لِبَيانِ ما في الكِتابِ،
﴿فاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا﴾، حالٌ،
﴿لَهُ الدِينَ﴾ أيْ: مُمَحِّضًا لَهُ الدِينَ مِنَ الشِرْكِ، والرِياءِ، بِالتَوْحِيدِ، وتَصْفِيَةِ السِرِّ، فَـ "اَلدِّينَ"، مَنصُوبٌ بِـ "مُخْلِصًا".
39:3Page 458
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣
Unquestionably, for Allāh is the pure religion.1 And those who take protectors besides Him [say], "We only worship them that they may bring us nearer to Allāh in position." Indeed, Allāh will judge between them concerning that over which they differ. Indeed, Allāh does not guide he who is a liar and [confirmed] disbeliever.
﴿ألا لِلَّهِ الدِينُ الخالِصُ﴾ أيْ:، هو الَّذِي وجَبَ اخْتِصاصُهُ بِأنْ تُخْلَصَ لَهُ الطاعَةُ مِن كُلِّ شائِبَةِ كَدَرٍ، لِاطِّلاعِهِ عَلى الغُيُوبِ، والأسْرارِ، وعَنْ قَتادَةَ: "اَلدِّينُ الخالِصُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الحَسَنِ: "اَلْإسْلامُ"،
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: آلِهَةً، وهو مُبْتَدَأٌ، مَحْذُوفُ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: "والَّذِينَ (p-١٦٩)عَبَدُوا الأصْنامَ يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى﴾، مَصْدَرٌ، أيْ: تَقْرِيبًا،
﴿إنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ،
﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، قِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ إذا قالُوا لَهُمْ: مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ؟ قالُوا: اَللَّهُ، فَإذا قالُوا لَهُمْ: فَما لَكم تَعْبُدُونَ الأصْنامَ؟! قالُوا: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى، والمَعْنى أنَّ اللهَ يَحْكُمُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ،
﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أيْ:، لا يَهْدِي مَن هو في عِلْمِهِ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ، يَعْنِي: لا يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى، ولا يُعِينُهُ وقْتَ اخْتِيارِهِ الكُفْرَ، ولَكِنَّهُ يَخْذُلُهُ، وكَذِبُهم قَوْلُهم في بَعْضٍ مَنِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أوْلِياءَ: بَناتُ اللهِ، ولِذا عَقَّبَهُ مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:
39:4Page 458
لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤
If Allāh had intended to take a son, He could have chosen from what He creates whatever He willed. Exalted is He; He is Allāh, the One, the Prevailing.1
﴿لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: لَوْ جازَ اتِّخاذُ الوَلَدِ عَلى ما تَظُنُّونَ، لاخْتارَ مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، لا ما تَخْتارُونَ أنْتُمْ وتَشاءون،
﴿سُبْحانَهُ﴾، نَزَّهَ ذاتَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ أحَدُ ما نَسَبُوا إلَيْهِ مِنَ الأوْلِياءِ، والأوْلادِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾، يَعْنِي أنَّهُ واحِدٌ مُتَبَرِّئٌ عَنِ انْضِمامِ الأعْدادِ، مُتَعالٍ عَنِ التَجَزُّؤِ والوِلادِ، قَهّارٌ غَلّابٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، ومِنَ الأشْياءِ آلِهَتُهُمْ، فَأنّى يَكُونُ لَهُ أوْلِياءُ وشُرَكاءُ؟! ثُمَّ دَلَّ بِخَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ وتَكْوِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَلَوَيْنِ عَلى الآخَرِ، وتَسْخِيرِ النَيِّرَيْنِ وجَرْيِهِما لِأجَلٍ مُسَمًّى، وبَثِّ الناسِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وخَلْقِ الأنْعامِ، عَلى أنَّهُ واحِدٌ، لا يُشارَكُ، قَهّارٌ لا يُغالَبُ، بِقَوْلِهِ:
39:5Page 458
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٥
He created the heavens and earth in truth. He wraps the night over the day and wraps the day over the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. Unquestionably, He is the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1
﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَيْلَ عَلى النَهارِ ويُكَوِّرُ النَهارَ عَلى اللَيْلِ﴾، والتَكْوِيرُ: اَللَّفُّ، واللَيُّ، يُقالُ: "كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ، وكَوَّرَها"، (p-١٧٠)والمَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُغَيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ عَنْ مَطامِحِ الأبْصارِ، وأنَّ هَذا يَكُرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ،
﴿وَسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾
أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ،
﴿ألا هو العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ القادِرُ عَلى عِقابِ مَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِتَسْخِيرِ الشَمْسِ والقَمَرِ، فَلَمْ يُؤْمِن بِمُسَخِّرِهِما،
﴿الغَفّارُ﴾، لِمَن فَكَّرَ واعْتَبَرَ، فَآمَنَ بِمُدَبِّرِهِما.
39:6Page 459
خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٦
He created you from one soul. Then He made from it its mate, and He produced for you from the grazing livestock eight mates.1 He creates you in the wombs of your mothers, creation after creation, within three darknesses.2 That is Allāh, your Lord; to Him belongs dominion. There is no deity except Him, so how are you averted?
﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ:، آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ: حَوّاءَ، مِن قُصَيْراهُ، قِيلَ: أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ كالذَرِّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوّاءَ،
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْـزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ أيْ: جَعَلَ، عَنِ الحَسَنِ، أوْ خَلَقَها في الجَنَّةِ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، ثُمَّ أنْزَلَها، أوْ لِأنَّها لا تَعِيشُ إلّا بِالنَباتِ، والنَباتُ لا يَقُومُ إلّا بِالماءِ، وقَدْ أنْزَلَ الماءَ، فَكَأنَّهُ أنْزَلَها،
﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾، ذَكَرًا وأُنْثى، مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَأْنِ، والمَعْزِ، كَما بَيَّنَ في سُورَةِ "اَلْأنْعامِ"، والزَوْجُ اسْمٌ لِواحِدٍ مَعَهُ آخَرُ، فَإذا انْفَرَدَ فَهو فَرْدٌ، ووَتْرٌ،
﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾، نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ إلى تَمامِ الخَلْقِ،
﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾، ظُلْمَةِ البَطْنِ، والرَحِمِ، والمَشِيمَةِ، أوْ ظُلْمَةَ الصُلْبِ، والبَطْنِ، والرَحِمِ،
﴿ذَلِكُمُ﴾، اَلَّذِي هَذِهِ مَفْعُولاتُهُ هو ﴿اللهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾، فَكَيْفَ يُعْدَلُ بِكم عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ، بِقَوْلِهِ:
39:7Page 459
إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
If you disbelieve - indeed, Allāh is Free from need of you. And He does not approve for His servants disbelief. And if you are grateful, He approves [i.e., likes] it for you; and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you about what you used to do. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾، عَنْ إيمانِكُمْ، وأنْتُمْ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ (p-١٧١)لِتَضَرُّرِكم بِالكُفْرِ، وانْتِفاعِكم بِالإيمانِ،
﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾، لِأنَّ الكُفْرَ لَيْسَ بِرِضا اللهِ (تَعالى)، وإنْ كانَ بِإرادَتِهِ،
﴿وَإنْ تَشْكُرُوا﴾، فَتُؤْمِنُوا،
﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أيْ:، يَرْضَ الشُكْرَ لَكُمْ، لِأنَّهُ سَبَبُ فَوْزِكُمْ، فَيُثِيبَكم عَلَيْهِ الجَنَّةَ، "يَرْضَهُو"، بِضَمِّ الهاءِ، والإشْباعِ، "مَكِّيٌّ وعَلِيٌّ"، "يَرْضَهُ"، بِضَمِّ الهاءِ، بِدُونِ الإشْباعِ، "نافِعٌ وهِشامٌ وعاصِمٌ غَيْرَ يَحْيى وحَمّادٍ"، وغَيْرُهُمْ: "يَرْضَهْ"،
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ آخَرَ،
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾، إلى جَزاءِ رَبِّكم رُجُوعُكُمْ،
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فَيُخْبِرُكم بِأعْمالِكُمْ، ويُجازِيكم عَلَيْها،
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾، بِخَفِيّاتِ القُلُوبِ.
39:8Page 459
۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨
And when adversity touches man, he calls upon his Lord, turning to Him [alone]; then when He bestows on him a favor from Himself, he forgets Him whom he called upon before,1 and he attributes to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy your disbelief for a little; indeed, you are of the companions of the Fire."
﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾، هو أبُو جَهْلٍ، أوْ كُلُّ كافِرٍ،
﴿ضُرٌّ﴾، بَلاءٌ وشِدَّةٌ، والمَسُّ في الأعْراضِ مَجازٌ،
﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾، راجِعًا إلى اللهِ بِالدُعاءِ، لا يَدْعُو غَيْرَهُ،
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾، أعْطاهُ،
﴿نِعْمَةً مِنهُ﴾، مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -،
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ، و"ما"، بِمَعْنى "مَن"، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣]، أوْ نَسِيَ الضُرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللهَ إلى كَشْفِهِ،
﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾، أمْثالًا،
﴿لِيُضِلَّ﴾، "لِيَضِلَّ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ"،
﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: اَلْإسْلامِ،
﴿قُلْ﴾، يا مُحَمَّدُ،
﴿تَمَتَّعْ﴾، أمْرُ تَهْدِيدٍ،
﴿بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ أيْ: في الدُنْيا،
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النارِ﴾، مِن أهْلِها.
39:9Page 459
أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩
Is one who is devoutly obedient during periods of the night, prostrating and standing [in prayer], fearing the Hereafter and hoping for the mercy of his Lord, [like one who does not]? Say, "Are those who know equal to those who do not know?" Only they will remember [who are] people of understanding.
" أم مَّنْ "، قَرَأ بِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ ونافِعٌ وحَمْزَةُ، عَلى إدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى "مَن"، وبِالتَشْدِيدِ غَيْرُهُمْ، عَلى إدْخالِ "أمْ"، عَلَيْهِ، و"مَن"، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: "أمْ مَن هو قانِتٌ كَغَيْرِهِ؟!"، أيْ: "أمْ مَن هو مُطِيعٌ كَمَن هو عاصٍ"، والقانِتُ: اَلْمُطِيعُ لِلَّهِ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهو جَرْيُ ذِكْرِ الكافِرِ قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ (p-١٧٢)لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿آناءَ اللَيْلِ﴾، ساعاتِهِ،
﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، حالانِ مِنَ الضَمِيرِ في "قانِتٌ"،
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ،
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: اَلْجَنَّةَ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ الخَوْفِ، والرَجاءِ، يَرْجُو رَحْمَتَهُ، لا عَمَلَهُ، ويَحْذَرُ عِقابَهُ لِتَقْصِيرِهِ في عَمَلِهِ، ثُمَّ الرَجاءُ إذا جاوَزَ حَدَّهُ يَكُونُ أمْنًا، والخَوْفُ إذا جاوَزَ حَدَّهُ يَكُونُ إياسًا، وقَدْ قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقالَ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، فَيَجِبُ ألّا يُجاوِزَ أحَدُهُما حَدَّهُ،
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ، ويَعْمَلُونَ بِهِ، كَأنَّهُ جَعَلَ مَن لا يَعْمَلُ غَيْرَ عالِمٍ، وفِيهِ ازْدِراءٌ عَظِيمٌ بِالَّذِينِ يَقْتَنُونَ العُلُومَ ثُمَّ لا يَقْنُتُونَ، ويَفْتَنُّونَ فِيها، ثُمَّ يُفْتَنُونَ بِالدُنْيا، فَهم عِنْدَ اللهِ جَهَلَةٌ، حَيْثُ جَعَلَ القانِتِينَ هُمُ العُلَماءَ، أوْ أُرِيدَ بِهِ التَشْبِيهُ، أيْ: كَما لا يَسْتَوِي العالِمُ، والجاهِلُ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي،
﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾، جَمْعُ "لُبٌّ"، أيْ: إنَّما يَتَّعِظُ بِوَعْظِ اللهِ أُولُو العُقُولِ.
39:10Page 459
قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠
Say,1 "O My servants who have believed, fear your Lord. For those who do good in this world is good, and the earth of Allāh is spacious. Indeed, the patient will be given their reward without account [i.e., limit]."
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، بِلا ياءٍ، عِنْدَ الأكْثَرِ،
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ،
﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: أطاعُوا اللهَ في الدُنْيا، و"فِي"، يَتَعَلَّقُ بِـ "أحْسَنُوا"، لا بِـ "حَسَنَةٌ"، مَعْناهُ: اَلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا فَلَهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، أيْ: حَسَنَةٌ لا تُوصَفُ، وقَدْ عَلَّقَهُ السُدِّيُّ بِـ "حَسَنَةٌ"، فَفَسَّرَ الحَسَنَةَ بِالصِحَّةِ، والعافِيَةِ، ومَعْنى ﴿وَأرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ في الإحْسانِ البَتَّةَ، حَتّى إنِ اعْتَلُّوا بِأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ في أوْطانِهِمْ مِنَ التَوَفُّرِ عَلى الإحْسانِ، قِيلَ لَهُمْ: فَإنَّ أرْضَ اللهِ واسِعَةٌ، وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى بِلادٍ أُخَرَ، واقْتَدُوا بِالأنْبِياءِ والصالِحِينَ في مُهاجَرَتِهِمْ إلى غَيْرِ بِلادِهِمْ، لِيَزْدادُوا إحْسانًا إلى إحْسانِهِمْ، وطاعَةً إلى طاعَتِهِمْ،
﴿إنَّما يُوَفّى الصابِرُونَ﴾، عَلى مُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، وعَلى غَيْرِها مِن تَجَرُّعِ (p-١٧٣)الغُصَصِ، واحْتِمالِ البَلايا في طاعَةِ اللهِ، وازْدِيادِ الخَيْرِ،
﴿أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "لا يَهْتَدِي إلَيْهِ حِسابُ الحُسّابِ، ولا يُعْرَفُ"، وهو حالٌ مِنَ الأجْرِ، أيْ: مُوَفَّرًا.
39:11Page 460
قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ﴾، بِأنْ أعْبُدَ اللهَ،
﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِينَ﴾ أيْ: أُمِرْتُ بِإخْلاصِ الدِينِ.
39:12Page 460
وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢
And I have been commanded to be the first [among you] of the Muslims."
﴿وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾، وأُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ، أيْ: مُقَدِّمَهم وسابِقَهم في الدُنْيا والآخِرَةِ، والمَعْنى أنَّ الإخْلاصَ لَهُ السَبْقَةُ في الدُنْيا، فَمَن أخْلَصَ كانَ سابِقًا، فالأوَّلُ أمْرٌ بِالعِبادَةِ مَعَ الإخْلاصِ، والثانِي بِالسَبْقِ، فَلِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما نَزَلا مَنزِلَةَ المُخْتَلِفَيْنِ، فَصَحَّ عَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ.
39:13Page 460
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، لِمَن دَعاكَ بِالرُجُوعِ إلى دِينِ آبائِكَ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لَهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ألا تَنْظُرُ إلى أبِيكَ وجَدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ، يَعْبُدُونَ اللاتَ والعُزّى؟! فَنَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ.
39:14Page 460
قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤
Say, "Allāh [alone] do I worship, sincere to Him in my religion,
﴿قُلِ اللهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾، وهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ بِأنَّهُ يَخُصُّ اللهَ وحْدَهُ بِعِبادَتِهِ، مُخْلِصًا لَهُ دِينَهُ، دُونَ غَيْرِهِ، والأُولى إخْبارٌ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِالعِبادَةِ، والإخْلاصِ، فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في نَفْسِ الفِعْلِ، وإثْباتِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ:
39:15Page 460
فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥
So worship what you will besides Him." Say, "Indeed, the losers are the ones who will lose themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, that is the manifest loss."
﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾، وهَذا أمْرُ تَهْدِيدٍ، وقِيلَ لَهُ: إنْ خالَفْتَ دِينَ آبائِكَ فَقَدْ خَسِرْتَ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ، الجامِعِينَ لِوُجُوهِهِ، وأسْبابِهِ،
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾، بِإهْلاكِها في النارِ،
﴿وَأهْلِيهِمْ﴾ أيْ: وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ،
﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾، لِأنَّهم أضَلُّوهُمْ، فَصارُوا إلى النارِ، ولَقَدْ وصَفَ خُسْرانَهم بِغايَةِ الفَظاعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾، حَيْثُ صَدَّرَ (p-١٧٤)الجُمْلَةَ بِحَرْفِ التَنْبِيهِ، ووَسَّطَ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ، وعَرَّفَ الخُسْرانَ، ونَعَتَهُ بِـ "اَلْمُبِينُ"، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا بِالجَنَّةِ نارًا، وبِالدَرَجاتِ دَرَكاتٍ.
39:16Page 460
لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦
They will have canopies [i.e., layers] of fire above them and below them, canopies. By that Allāh threatens [i.e., warns] His servants. O My servants, then fear Me.
﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾، أطْباقٌ،
﴿مِنَ النارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، أطْباقٌ مِنَ النارِ، وهي ظُلَلٌ لِآخَرِينَ، أيْ: اَلنّارُ مُحِيطَةٌ بِهِمْ،
﴿ذَلِكَ﴾، الَّذِي وُصِفَ مِنَ العَذابِ، أوْ ذَلِكَ الظُلَلُ،
﴿يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾، لِيُؤْمِنُوا بِهِ، ويَجْتَنِبُوا مَناهِيهِ،
﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾، ولا تَتَعَرَّضُوا لِما يُوجِبُ سُخْطِي، خَوَّفَهم بِالنارِ، ثُمَّ حَذَّرَهم نَفْسَهُ.
39:17Page 460
وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧
But those who have avoided ṭāghūt,1 lest they worship it, and turned back to Allāh - for them are good tidings. So give good tidings to My servants
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطاغُوتَ﴾، اَلشَّياطِينَ، "فَعْلُوتٌ"، مِن "اَلطُّغْيانُ"، كَـ "اَلْمَلَكُوتُ"، و"اَلرَّحَمُوتُ"، إلّا أنَّ فِيها قَلْبًا بِتَقْدِيمِ اللامِ عَلى العَيْنِ، أُطْلِقَتْ عَلى الشَيْطانِ، أوِ الشَياطِينِ، لِكَوْنِ "اَلطّاغُوتُ"، مَصْدَرًا، وفِيها مُبالَغاتٌ، وهي التَسْمِيَةُ بِالمَصْدَرِ، كَأنَّ عَيْنَ الشَيْطانِ طُغْيانٌ، وأنَّ البِناءَ بِناءُ مُبالَغَةٍ، فَإنَّ "اَلرَّحَمُوتُ"، اَلرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، و"اَلْمَلَكُوتُ"، المُلْكُ المَبْسُوطُ، والقَلْبُ وهو لِلِاخْتِصاصِ، إذْ لا تُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الشَيْطانِ، والمُرادُ بِها هَهُنا الجَمْعُ، وقُرِئَ: "اَلطَّواغِيتَ"،
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾، بَدَلُ الِاشْتِمالِ مِن "اَلطّاغُوتَ"، أيْ: عِبادَتَها،
﴿وَأنابُوا﴾، رَجَعُوا،
﴿إلى اللهِ لَهُمُ البُشْرى﴾، هي البِشارَةُ بِالثَوابِ، تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ مُبَشِّرِينَ، وحِينَ يُحْشَرُونَ،
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾
39:18Page 460
ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨
Who listen to speech and follow the best of it. Those are the ones Allāh has guided, and those are people of understanding.
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾، هَمُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا، وأنابُوا، وإنَّما أرادَ بِهِمْ أنْ يَكُونُوا مَعَ الِاجْتِنابِ والإنابَةِ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ، فَوُضِعَ الظاهِرُ مَوْضِعَ الضَمِيرِ، أرادَ أنْ يَكُونُوا نُقّادًا في الدِينِ، يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَسَنِ، والأحْسَنِ، والفاضِلِ، والأفْضَلِ، فَإذا اعْتَرَضَهم أمْرانِ - واجِبٌ، ونَدْبٌ - اخْتارُوا الواجِبَ، وكَذا المُباحُ والنَدْبُ، حِراصًا عَلى ما هو أقْرَبُ عِنْدَ اللهِ، وأكْثَرُ ثَوابًا، أوْ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ، فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، أوْ يَسْتَمِعُونَ أوامِرَ اللهِ، فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَها، نَحْوَ القِصاصِ، والعَفْوِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ يَسْتَمِعُونَ الحَدِيثَ مَعَ (p-١٧٥)القَوْمِ فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوِئُ، فَيُحَدَّثُ بِأحْسَنِ ما سُمِعَ، ويُكَفُّ عَمّا سِواهُ،
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: اَلْمُنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ.
39:19Page 460
أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩
Then, is one who has deserved the decree of punishment [to be guided]? Then, can you save one who is in the Fire?
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النارِ﴾، أصْلُ الكَلامِ: "أمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ - أيْ: وجَبَ - أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟!"، جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، والفاءُ فاءُ الجَزاءِ، ثُمَّ دَخَلَتِ الفاءُ الَّتِي في أوَّلِها لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: "أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ، فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟!"، والهَمْزَةُ الثانِيَةُ هي الأُولى، كُرِّرَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ، ووَضَعَ "مَن في النارِ"، مَوْضِعَ الضَمِيرِ، أيْ: "تُنْقِذُهُ"، فالآيَةُ عَلى هَذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، أوْ مَعْناهُ: "أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ يَنْجُو مِنهُ؟! أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟!"، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُنْقِذَ مَن أضَلَّهُ اللهُ، وسَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ مِن أهْلِ النارِ.
39:20Page 460
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠
But those who have feared their Lord - for them are chambers,1 above them chambers built high, beneath which rivers flow. [This is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in [His] promise.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ أيْ: لَهم مَنازِلُ في الجَنَّةِ رَفِيعَةٌ، وفَوْقَها مَنازِلُ أرْفَعَ مِنها، يَعْنِي: لِلْكُفّارِ ظُلَلٌ مِنَ النارِ، ولِلْمُتَّقِينَ غُرَفٌ،
﴿مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ مَنازِلِها،
﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ المِيعادَ﴾، "وَعْدَ اللهِ"، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "لَهم غُرَفٌ"، في مَعْنى "وَعَدَهُمُ اللهُ ذَلِكَ.
39:21Page 460
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١
Do you not see that Allāh sends down rain from the sky and makes it flow as springs [and rivers] in the earth; then He produces thereby crops of varying colors; then they dry and you see them turned yellow; then He makes them [scattered] debris. Indeed in that is a reminder for those of understanding.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾، يَعْنِي المَطَرَ، وقِيلَ: كُلُّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِنَ السَماءِ، يَنْزِلُ مِنها إلى الصَخْرَةِ، ثُمَّ يُقَسِّمُهُ اللهُ،
﴿فَسَلَكَهُ﴾، فَأدْخَلَهُ،
﴿يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾، عُيُونًا، ومَسالِكَ، ومَجارِيَ، كالعُرُوقِ في الأجْسادِ، و"يَنابِيعَ"، نَصْبٌ عَلى الحالِ، أوْ عَلى الظَرْفِ، و"فِي الأرْضِ"، صِفَةٌ لِـ "يَنابِيعَ"،
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾، بِالماءِ،
﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾، هَيْئاتُهُ، مِن خُضْرَةٍ، وحُمْرَةٍ، وصُفْرَةٍ، وبَياضٍ، أوْ أصْنافُهُ، مِن بُرٍّ، وشَعِيرٍ، وسِمْسِمٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾، يَجِفُّ،
﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾، بَعْدَ نَضارَتِهِ، وحُسْنِهِ،
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾، فُتاتًا، مُتَكَسِّرًا، (p-١٧٦)فالحُطامُ ما تَفَتَّتَ وتَكَسَّرَ مِنَ النَبْتِ، وغَيْرِهِ،
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾، في إنْزالِ الماءِ، وإخْراجِ الزَرْعِ،
﴿لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾، لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ عَنْ تَقْدِيرٍ، وتَدْبِيرٍ، لا عَنْ إهْمالٍ وتَعْطِيلٍ.
39:22Page 461
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢
So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.
﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ﴾ أيْ: وسَّعَ صَدْرَهُ ﴿لِلإسْلامِ﴾، فاهْتَدى، «وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشَرْحِ، فَقالَ: "إذا دَخَلَ النُورُ القَلْبَ انْشَرَحَ، وانْفَسَحَ"، فَقِيلَ: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن عَلامَةٍ؟ قالَ: "نَعَمُ، الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ"، »﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾، بَيانٍ، وبَصِيرَةٍ، والمَعْنى: "أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ فاهْتَدى، كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَقَسا قَلْبُهُ؟!"، فَحُذِفَ، لِأنَّ قَوْلَهُ:﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، يَدُلُّ عَلَيْهِ،
﴿مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ أيْ: مِن تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ، أوْ مِن أجْلِ ذِكْرِ اللهِ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللهُ عِنْدَهُمْ، أوْ آياتُهُ، ازْدادَتْ قُلُوبُهم قَساوَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، غَوايَةٍ ظاهِرَةٍ.
39:23Page 461
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣
Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.
﴿اللهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، في إيقاعِ اسْمِ اللهِ مُبْتَدَأً، أوْ بِناءِ "نَزَّلَ"، عَلَيْهِ، تَفْخِيمٌ لِـ أحْسَنَ الحَدِيثِ"،
﴿كِتابًا﴾، بَدَلٌ مِن "أحْسَنَ الحَدِيثِ"، أوْ حالٌ مِنهُ،
﴿مُتَشابِهًا﴾، يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الصِدْقِ، والبَيانِ، والوَعْظِ، والحِكْمَةِ، والإعْجازِ، وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿مَثانِيَ﴾، نَعْتُ "كِتابًا"، جَمْعُ "مَثْنى"، بِمَعْنى "مُرَدِّدٌ ومُكَرِّرٌ"، لِما ثَنّى مِن قِصَصِهِ وأنْبائِهِ وأحْكامِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ ومَواعِظِهِ، فَهو بَيانٌ لِكَوْنِهِ مُتَشابِهًا، لِأنَّ القِصَصَ المُكَرَّرَةَ، وغَيْرَها، لا تَكُونُ إلّا مُتَشابِهَةً، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُثَنّى في التِلاوَةِ، فَلا يُمَلُّ، وإنَّما جازَ وصْفُ الواحِدِ بِالجَمْعِ، لِأنَّ الكِتابَ جُمْلَةٌ، ذاتُ تَفاصِيلَ، وتَفاصِيلُ الشَيْءِ هي جُمْلَتُهُ، ألا تَراكَ (p-١٧٧)تَقُولُ: "اَلْقُرْآنُ أسْباعٌ وأخْماسٌ وسُوَرٌ وآياتٌ"؟ فَكَذَلِكَ تَقُولُ: "أقاصِيصُ وأحْكامٌ ومَواعِظُ مُكَرَّراتٌ"، أوْ مَنصُوبٌ عَلى التَمْيِيزِ مِن "مُتَشابِهًا"، كَما تَقُولُ: "رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ"، والمَعْنى: "مُتَشابِهَةً مَثانِيهِ"،
﴿تَقْشَعِرُّ﴾، تَضْطَرِبُ وتَتَحَرَّكُ،
﴿مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، يُقالُ: "اِقْشَعَرَّ الجِلْدُ"، إذا تَقَبَّضَ تَقَبُّضًا شَدِيدًا، والمَعْنى أنَّهم إذا سَمِعُوا بِالقُرْآنِ، وبِآياتِ وعِيدِهِ، أصابَتْهم خَشْيَةٌ تَقْشَعِرُّ مِنها جُلُودُهُمْ، وفي الحَدِيثِ: « "إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ المُؤْمِنِ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها"، »﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أيْ: إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرَحْمَةِ لانَتْ جُلُودُهُمْ، وقُلُوبُهُمْ، وزالَ عَنْها ما كانَ بِها مِنَ الخَشْيَةِ والقُشَعْرِيرَةِ، وعُدِّيَ بِـ "إلى"، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ بِـ "إلى"، كَأنَّهُ قِيلَ: "اِطْمَأنَّتْ إلى ذِكْرِ اللهِ لَيِّنَةً غَيْرَ مُنْقَبِضَةٍ"، واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ اللهِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الرَحْمَةِ، لِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، فَلِأصالَةِ رَحْمَتِهِ إذا ذُكِرَ اللهُ لَمْ يَخْطُرْ بِالبالِ إلّا كَوْنُهُ رءوفا رَحِيمًا، وذُكِرَتِ الجُلُودُ وحْدَها أوَّلًا، ثُمَّ قُرِنَتْ بِها القُلُوبُ ثانِيًا، لِأنَّ مَحَلَّ الخَشْيَةِ القَلْبَ، فَكانَ ذِكْرُها يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ القُلُوبِ،
﴿ذَلِكَ﴾، إشارَةٌ إلى الكِتابِ، وهو ﴿هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾، مِن عِبادِهِ، وهو مَن عَلِمَ مِنهُمُ اخْتِيارَ الِاهْتِداءِ،
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ﴾، يَخْلُقِ الضَلالَةَ فِيهِ،
﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، إلى الحَقِّ.
39:24Page 461
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤
Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."
﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، كَمَن أمِنَ مِنَ العَذابِ، فَحُذِفَ الخَبَرُ، كَما حُذِفَ في نَظائِرِهِ، و"سُوءُ العَذابِ": شِدَّتُهُ، ومَعْناهُ أنَّ الإنْسانَ إذا لَقِيَ مَخُوفًا مِنَ المَخاوِفِ اسْتَقْبَلَهُ بِيَدِهِ، وطَلَبَ أنْ يَقِيَ بِها وجْهَهُ، لِأنَّهُ أعَزُّ أعْضائِهِ عَلَيْهِ، والَّذِي يُلْقى في النارِ يُلْقى مَغْلُولَةً يَداهُ إلى عُنُقِهِ، فَلا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النارَ إلّا بِوَجْهِهِ الَّذِي كانَ يَتَّقِي المَخاوِفَ بِغَيْرِهِ وِقايَةً لَهُ، ومُحاماةً عَلَيْهِ، (p-١٧٨)﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ النارِ،
﴿ذُوقُوا﴾، وبالَ ﴿ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: كَسْبِكم.
39:25Page 461
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥
Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، مِن قَبْلِ قُرَيْشٍ،
﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْتَسِبُونَ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها، بَيْنَما هم آمِنُونَ، إذْ فُوجِئُوا مِن مَأْمَنِهِمْ.
39:26Page 461
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦
So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
﴿فَأذاقَهُمُ اللهُ الخِزْيَ﴾، اَلذُّلَّ والصَغارَ، كالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والجَلاءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن عَذابِ اللهِ،
﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾، مِن عَذابِ الدُنْيا،
﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، لَآمَنُوا.
39:27Page 461
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧
And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، لِيَتَّعِظُوا.
39:28Page 461
قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨
[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، وإنْسانًا عاقِلًا"، فَتَذْكُرُ "رَجُلًا"، أوْ "إنْسانًا"، تَوْكِيدًا، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ،
﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، مُسْتَقِيمًا، بَرِيئًا مِنَ التَناقُضِ، والِاخْتِلافِ، ولَمْ يَقُلْ: "مُسْتَقِيمًا"، لِلْإشْعارِ بِألّا يَكُونَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالعِوَجِ: اَلشَّكُّ،
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، اَلْكُفْرَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences