An-NasafiAz‑Zumar · 39:29–56

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:29–56

39:29Page 461

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩

Allāh presents an example: a man [i.e., slave] owned by quarreling partners and another belonging exclusively to one man - are they equal in comparison? Praise be to Allāh! But most of them do not know.

﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا﴾، بَدَلٌ،

﴿فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾، مُتَنازِعُونَ، ومُخْتَلِفُونَ،

﴿وَرَجُلا سَلَمًا﴾، مَصْدَرُ "سِلْمٌ"، والمَعْنى: "ذا سَلامَةٍ"،

﴿لِرَجُلٍ﴾ أيْ: "ذا خُلُوصٍ لَهُ مِنَ الشَرِكَةِ، "سالِمًا"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، أيْ: "خالِصًا لَهُ"،

﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾، صِفَةٌ، وهو تَمْيِيزٌ، والمَعْنى: "هَلْ تَسْتَوِي صِفَتاهُما، وحالاهُما؟! وإنَّما اقْتَصَرَ في التَمْيِيزِ عَلى الواحِدِ، لِبَيانِ الجِنْسِ، وقُرِئَ: "مَثَلَيْنِ"،

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، اَلَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ،

﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾، فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، مَثَّلَ الكافِرَ، (p-١٧٩)وَمَعْبُودِيهِ، بِعَبْدٍ اشْتَرَكَ فِيهِ شُرَكاءُ، بَيْنَهم تَنازُعٌ واخْتِلافٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَدَّعِي أنَّهُ عَبْدُهُ، فَهم يَتَجاذَبُونَهُ، ويَتَعاوَرُونَهُ في مِهَنٍ شَتّى، وهو مُتَحَيِّرٌ، لا يَدْرِي أيَّهم يُرْضِي بِخِدْمَتِهِ، وعَلى أيِّهِمْ يَعْتَمِدُ في حاجاتِهِ، ومِمَّنْ يَطْلُبُ رِزْقَهُ، ومِمَّنْ يَلْتَمِسُ رِفْقَهُ فَهَمُّهُ شَعاعٌ، وقَلْبُهُ أوْزاعٌ، والمُؤْمِنَ بِعَبْدٍ لَهُ سَيِّدٌ واحِدٌ، فَهَمُّهُ واحِدٌ، وقَلْبُهُ مُجْتَمِعٌ.

39:30Page 461

إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠

Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.

﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أيْ: سَتَمُوتُ،

﴿وَإنَّهم مَيِّتُونَ﴾، وبِالتَخْفِيفِ: مَن حَلَّ بِهِ المَوْتُ، قالَ الخَلِيلُ: أنْشَدَ أبُو عَمْرٍو:

؎ وتَسْألُنِي تَفْسِيرَ مَيْتٍ ومَيِّتٍ... فَدُونَكَ قَدْ فَسَّرْتُ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ ؎ فَمَن كانَ ذا رُوحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ∗∗∗... وما المَيْتُ إلّا مَن إلى القَبْرِ يُحْمَلُ

كانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَوْتَهُ، فَأُخْبِرَ أنَّ المَوْتَ يَعُمُّهُمْ، فَلا مَعْنى لِلتَّرَبُّصِ، وشَماتَةِ الفانِي بِالفانِي، وعَنْ قَتادَةَ: "نَعى إلى نَبِيِّهِ نَفْسَهُ، ونَعى إلَيْكم أنْفُسَكُمْ"، أيْ: إنَّكَ وإيّاهم في عِدادِ المَوْتى، لِأنَّ ما هو كائِنٌ فَكَأنْ قَدْ كانَ.

39:31Page 461

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١

Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.

﴿ثُمَّ إنَّكُمْ﴾ أيْ: إنَّكَ وإيّاهُمْ، فَغَلَّبَ ضَمِيرَ المُخاطَبِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبِ،

﴿يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾، فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ بَلَّغْتَ، فَكَذَّبُوا، واجْتَهَدْتَ في الدَعْوَةِ، فَلَجُّوا في العِنادِ، ويَعْتَذِرُونَ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، تَقُولُ الأتْباعُ: أطَعْنا ساداتِنا، وكُبَراءَنا، وتَقُولُ الساداتُ: أغْوَتْنا الشَياطِينُ، وآباؤُنا الأقْدَمُونَ، قالَ الصَحابَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهم أجْمَعِينَ -: "ما خُصُومَتُنا ونَحْنُ إخْوانٌ؟!"، فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قالُوا: "هَذِهِ خُصُومَتُنا"، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في أهْلِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ في الدِماءِ، والمَظالِمِ الَّتِي بَيْنَهُمْ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ:

39:32Page 462

۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

So who is more unjust than one who lies about Allāh and denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a residence for the disbelievers?

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ وصَدَّقَ (p-١٨٠)بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] ؟ وما هو إلّا بَيانٌ، وتَفْسِيرٌ لِلَّذِينَ تَكُونُ بَيْنَهُمُ الخُصُومَةُ،

﴿كَذَبَ عَلى اللهِ﴾، اِفْتَرى عَلَيْهِ، بِإضافَةِ الوَلَدِ، والشَرِيكِ إلَيْهِ،

﴿وَكَذَّبَ بِالصِدْقِ﴾، بِالأمْرِ الَّذِي هو الصِدْقُ بِعَيْنِهِ، وهو ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ،

﴿إذْ جاءَهُ﴾، فاجَأهُ بِالتَكْذِيبِ لِما سَمِعَ بِهِ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ لِإعْمالِ رَوِيَّةٍ، أوِ اهْتِمامٍ بِتَمْيِيزٍ بَيْنَ حَقٍّ وباطِلٍ، كَما يَفْعَلُ أهْلُ النَصَفَةِ فِيما يَسْمَعُونَ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللهِ، وكَذَّبُوا بِالصِدْقِ، واللامُ في "لِلْكافِرِينَ"، إشارَةٌ إلَيْهِمْ.

39:33Page 462

وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣

And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.

﴿والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾، هو رَسُولُ اللهِ ﷺ، جاءَ بِالحَقِّ، وآمَنَ بِهِ، وأرادَ بِهِ إيّاهُ، ومَن تَبِعَهُ، كَما أرادَ بِمُوسى إيّاهُ، وقَوْمَهُ، في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، فَلِذا قالَ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، وقالَ الزَجّاجُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: "والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ: مُحَمَّدٌ، رَسُولُ اللهِ ﷺ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ: أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"، ورُوِيَ أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ: مُحَمَّدٌ، رَسُولُ اللهِ ﷺ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ: اَلْمُؤْمِنُونَ، والكُلُّ صَحِيحٌ، كَذا قالُوا، والوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ "جاءَ"، و"صَدَّقَ"، لِفاعِلٍ واحِدٍ، لِأنَّ التَغايُرَ يَسْتَدْعِي إضْمارَ "اَلَّذِي"، وذا غَيْرُ جائِزٍ، أوْ إضْمارَ الفاعِلِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ الذِكْرِ، وذا بَعِيدٌ.

39:34Page 462

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤

They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -

No commentary for this ayah

39:35Page 462

لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥

That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.

﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إضافَةُ "أسْوَأُ"، و"أحْسَنُ"، مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى ما هو بَعْضُهُ، مِن غَيْرِ تَفْضِيلٍ، كَقَوْلِكَ: "اَلْأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ".

39:36Page 462

أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦

Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.

﴿ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ﴾، أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى كَلِمَةِ النَفْيِ، فَأُفِيدَ مَعْنى إثْباتِ الكِفايَةِ، وتَقْرِيرُها،

﴿عَبْدَهُ﴾ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ، "عِبادَهُ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، أيْ: اَلْأنْبِياءَ، والمُؤْمِنِينَ، وهو مِثْلُ: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، (p-١٨١)﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: بِالأوْثانِ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً مِن دُونِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا، وإنّا نَخْشى عَلَيْكَ مَضَرَّتَها لِعَيْبِكَ إيّاها،

﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾

39:37Page 462

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧

And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?

﴿وَمَن يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ﴾، بِغالِبٍ مَنِيعٍ،

﴿ذِي انْتِقامٍ﴾، يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ يَنْتَقِمُ لَهم مِنهُمْ، ويَنْصُرُهم عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أعْلَمُ بِأنَّهم مَعَ عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ مُقِرُّونَ بِأنَّ اللهَ (تَعالى) خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ، بِقَوْلِهِ:

39:38Page 462

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨

And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إنْ أرادَنِيَ اللهُ﴾، بِفَتْحِ الياءِ سِوى حَمْزَةَ،

﴿بِضُرٍّ﴾، مَرَضٍ، أوْ فَقْرٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ،

﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾، دافِعاتُ شِدَّتِهِ عَنِّي،

﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾، صِحَّةٍ، أوْ غِنًى، أوْ نَحْوِهِما،

﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾، "كاشِفاتٌ ضُرَّهُ"، و"مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ"، بِالتَنْوِينِ، عَلى الأصْلِ، "بَصْرِيٌّ"، وفَرَضَ المَسْألَةَ في نَفْسِهِ دُونَهُمْ، لِأنَّهم خَوَّفُوهُ مَعَرَّةَ الأوْثانِ، وتَخْبِيلَها، فَأُمِرَ بِأنْ يُقَرِّرَهم أوَّلًا بِأنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللهُ وحْدَهُ، ثُمَّ يَقُولَ لَهم بَعْدَ التَقْرِيرِ: "فَإنْ أرادَنِي خالِقُ العالَمِ الَّذِي أقْرَرْتُمْ بِهِ بِضُرٍّ، أوْ بِرَحْمَةٍ، هَلْ يَقْدِرُونَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ؟"، فَلَمّا أفْحَمَهم قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾، كافِيًا لِمَعَرَّةِ أوْثانِكُمْ،

﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾، يُرْوى أنَّ النَبِيَّ ﷺ سَألَهُمْ، فَسَكَتُوا، فَنَزَلَ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾، وإنَّما قالَ: "كاشِفاتُ"، و"مُمْسِكاتُ"، عَلى التَأْنِيثِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]، لِأنَّهُنَّ إناثٌ، وهُنَّ: اَللّاتُ، والعُزّى، ومَناةُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وبِمَعْبُودِيهِمْ.

39:39Page 462

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩

Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know

(p-١٨٢)﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾، عَلى حالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، وجِهَتِكم مِنَ العَداوَةِ الَّتِي تَمَكَّنْتُمْ مِنها، و"اَلْمَكانَةُ"، بِمَعْنى: "اَلْمَكانُ"، فاسْتُعِيرَتْ عَنِ العَيْنِ لِلْمَعْنى، كَما يُسْتَعارُ "هُنا"، و"حَيْثُ"، لِلزَّمانِ، وهُما لِلْمَكانِ،

﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي، وحُذِفَ لِلِاخْتِصارِ، ولِما فِيهِ مِن زِيادَةِ الوَعِيدِ، والإيذانِ بِأنَّ حالَتَهُ تَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ قُوَّةً، لِأنَّ اللهَ (تَعالى) ناصِرُهُ، ومُعِينُهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾،

39:40Page 462

مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠

To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."

﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾، كَيْفَ تَوَعَّدَهم بِكَوْنِهِ مَنصُورًا عَلَيْهِمْ، غالِبًا عَلَيْهِمْ في الدُنْيا، والآخِرَةِ؟ لِأنَّهم إذا أتاهُمُ الخِزْيُ والعَذابُ فَذاكَ عِزُّهُ وغَلَبَتُهُ مِن حَيْثُ إنَّ الغَلَبَةَ تَتِمُّ لَهُ بِعِزِّ عَزِيزٍ مِن أوْلِيائِهِ، وبِذُلِّ ذَلِيلٍ مِن أعْدائِهِ، و"يُخْزِيهِ"، صِفَةٌ لِلْعَذابِ، كَـ "مُقِيمٌ"، أيْ: عَذابٌ مُخْزٍ لَهُ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، وعَذابٌ دائِمٌ، وهو عَذابُ النارِ، "مَكاناتِكُمْ"، "أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ".

39:41Page 463

إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١

Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.

﴿إنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾، اَلْقُرْآنَ،

﴿لِلنّاسِ﴾، لِأجْلِهِمْ، ولِأجْلِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ لِيُبَشَّرُوا، ويُنْذَرُوا، فَتَقْوى دَواعِيهِمْ إلى اخْتِيارِ الطاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ،

﴿بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾، فَمَنِ اخْتارَ الهُدى فَقَدْ نَفَعَ نَفْسَهُ،

﴿وَمَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾، ومَنِ اخْتارَ الضَلالَةَ فَقَدْ ضَرَّها،

﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، بِحَفِيظٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ بِأنَّهُ الحَفِيظُ القَدِيرُ عَلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِ:

39:42Page 463

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢

Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.

﴿اللهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾، "اَلْأنْفُسَ": اَلْجُمَلَ، كَما هِيَ، وتَوَفِّيها: إماتَتُها، وهو أنْ يَسْلُبَ ما هي بِهِ حَيَّةٌ حَسّاسَةٌ دَرّاكَةٌ،

﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾، ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، أيْ: يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ، تَشْبِيهًا لِلنّائِمِينَ بِالمَوْتى، حَيْثُ لا يُمَيِّزُونَ، ولا يَتَصَرَّفُونَ، كَما أنَّ المَوْتى كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ﴿فَيُمْسِكُ﴾، اَلْأنْفُسَ،

﴿الَّتِي قَضى﴾، "قُضِيَ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،

﴿عَلَيْها المَوْتَ﴾، اَلْحَقِيقِيَّ، أيْ: (p-١٨٣)لا يَرُدُّها في وقْتِها حَيَّةً،

﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرى﴾، اَلنّائِمَةَ،

﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، إلى وقْتٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها، وقِيلَ: "يَتَوَفّى الأنْفُسَ"، أيْ: يَسْتَوْفِيها، ويَقْبِضُها، وهي الأنْفُسُ الَّتِي تَكُونُ مَعَها الحَياةُ والحَرَكَةُ، ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، وهي أنْفُسُ التَمْيِيزِ، قالُوا: اَلَّتِي تُتَوَفّى في المَنامِ هي نَفْسُ التَمْيِيزِ، لا نَفْسُ الحَياةِ، لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَفَسُ، والنائِمُ يَتَنَفَّسُ، ولِكُلِّ إنْسانٍ نَفْسانِ، إحْداهُما نَفْسُ الحَياةِ، وهي الَّتِي تُفارِقُ عِنْدَ المَوْتِ، والأُخْرى نَفْسُ التَمْيِيزِ، وهي الَّتِي تُفارِقُهُ إذا نامَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "فِي ابْنِ آدَمَ نَفْسٌ ورُوحٌ"، بَيْنَهُما شُعاعٌ مِثْلُ شُعاعِ الشَمْسِ، فالنَفْسُ هي الَّتِي بِها العَقْلُ والتَمْيِيزُ، والرُوحُ هي الَّتِي بِها النَفْسُ والتَحَرُّكُ، فَإذا نامَ العَبْدُ قَبَضَ اللهُ نَفْسَهُ، ولَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ"، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قالَ: "تَخْرُجُ الرُوحُ عِنْدَ النَوْمِ، ويَبْقى شُعاعُها في الجَسَدِ، فَبِذَلِكَ يَرى الرُؤْيا، فَإذا نُبِّهَ مِنَ النَوْمِ عادَ الرُوحُ إلى جَسَدِهِ بِأسْرَعَ مِن لَحْظَةٍ"، وعَنْهُ: "ما رَأتْ نَفْسُ النائِمِ في السَماءِ فَهي الرُؤْيا الصادِقَةُ، وما رَأتْ بَعْدَ الإرْسالِ فَيُلْقِيها الشَيْطانُ، فَهي كاذِبَةٌ"، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ أرْواحَ الأحْياءِ وأرْواحَ الأمْواتِ تَلْتَقِي في المَنامِ، فَيَتَعارَفُ مِنها ما شاءَ اللهُ أنْ يَتَعارَفَ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجْسادِها إلى انْقِضاءِ مُدَّةِ حَيّاتِها، ورُوِيَ أنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ تَعْرُجُ عِنْدَ النَوْمِ في السَماءِ، فَمَن كانَ مِنهم طاهِرًا أُذِنَ لَهُ في السُجُودِ، ومَن لَمْ يَكُنْ مِنهم طاهِرًا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ،

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾، إنَّ في تَوَفِّي الأنْفُسِ مائِتَةً ونائِمَةً، وإمْساكِها، وإرْسالِها إلى أجَلٍ،

﴿لآياتٍ﴾، عَلى قُدْرَةِ اللهِ وعِلْمِهِ،

﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، يُجِيلُونَ فِيهِ أفْكارَهم ويَعْتَبِرُونَ.

39:43Page 463

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣

Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"

(p-١٨٤)﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾، بَلِ اتَّخَذَ قُرَيْشٌ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ،

﴿مِن دُونِ اللهِ﴾، مِن دُونِ إذْنِهِ،

﴿شُفَعاءَ﴾، حِينَ قالُوا: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ، ولا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ،

﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾، مَعْناهُ: أيَشْفَعُونَ ولَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَطُّ، ولا عَقْلَ لَهُمْ؟!

39:44Page 463

قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤

Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."

﴿قُلْ لِلَّهِ الشَفاعَةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: هو مالِكُها، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ شِفاعَةً إلّا بِإذْنِهِ، وانْتَصَبَ "جَمِيعًا"، عَلى الحالِ،

﴿لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الشَفاعَةُ جَمِيعًا﴾ لِأنَّهُ إذا كانَ لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ، والشَفاعَةُ مِنَ المُلْكِ، كانَ مالِكًا لَها،

﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، مُتَّصِلٌ بِما يَلِيهِ، مَعْناهُ: لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ اليَوْمَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ المُلْكُ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا لَهُ، فَلَهُ مُلْكُ الدُنْيا، والآخِرَةِ.

39:45Page 463

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥

And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.

﴿وَإذا ذُكِرَ اللهُ وحْدَهُ﴾، مَدارُ المَعْنى عَلى قَوْلِهِ: "وَحْدَهُ"، أيْ: إذا أُفْرِدَ اللهُ بِالذِكْرِ، ولَمْ تُذْكَرْ مَعَهُ آلِهَتُهُمْ،

﴿اشْمَأزَّتْ﴾ أيْ: نَفَرَتْ، وانْقَبَضَتْ،

﴿قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يَعْنِي آلِهَتَهُمْ، ذُكِرَ اللهُ مَعَهُمْ، أوْ لَمْ يُذْكَرْ،

﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾، لِافْتِتانِهِمْ بِها، وإذا قِيلَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ، وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ"، نَفَرُوا، لِأنَّ فِيهِ نَفْيًا لِآلِهَتِهِمْ، ولَقَدْ تَقابَلَ الِاسْتِبْشارُ والِاشْمِئْزازُ، إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما غايَةٌ في بابِهِ، فالِاسْتِبْشارُ: أنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ سُرُورًا، حَتّى تَنْبَسِطَ لَهُ بَشَرَةُ وجْهِهِ، ويَتَهَلَّلَ، والِاشْمِئْزازُ: أنْ يَمْتَلِئَ غَمًّا، وغَيْظًا، حَتّى يَظْهَرَ الِانْقِباضُ في أدِيمِ وجْهِهِ، والعامِلُ في "إذا ذُكِرَ"، هو العامِلُ في "إذا"، اَلْمُفاجَأةِ، تَقْدِيرُهُ: "وَقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَؤُوا وقْتَ الِاسْتِبْشارِ".

39:46Page 463

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦

Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."

﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: "يا فاطِرَ"، ولَيْسَ بِوَصْفٍ، كَما يَقُولُهُ المُبَرِّدُ والفَرّاءُ،

﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَهادَةِ﴾، السِرِّ، والعَلانِيَةِ،

﴿أنْتَ تَحْكُمُ﴾، (p-١٨٥)تَقْضِي،

﴿بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِنَ الهُدى، والضَلالَةِ، وقِيلَ: هَذِهِ مُحاكَمَةٌ مِنَ النَبِيِّ، لِلْمُشْرِكِينَ، إلى اللهِ، وعَنِ الرَبِيعِ بْنِ المُسَيِّبِ: "لا أعْرِفُ آيَةً قُرِئَتْ فَدُعِيَ عِنْدَها إلّا أُجِيبَ سِواها"، وعَنِ الرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ - وكانَ قَلِيلَ الكَلامِ - أنَّهُ أُخْبِرَ بِقَتْلِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وقالُوا: اَلْآنَ يَتَكَلَّمُ، فَما زادَ أنْ قالَ: "آهِ، أوَقَدْ فَعَلُوا؟!"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ عَلى أثَرِهِ: "قُتِلَ مَن كانَ ﷺ يُجْلِسُهُ في حِجْرِهِ، ويَضَعُ فاهُ عَلى فِيهِ".

39:47Page 463

وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧

And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1

﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾، اَلْهاءُ تَعُودُ إلى "ما"،

﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ﴾، شِدَّتِهِ،

﴿يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، وظَهَرَ لَهم مِن سُخْطِ اللهِ وعَذابِهِ ما لَمْ يَكُنْ قَطُّ في حُسْبانِهِمْ، ولا يُحَدِّثُونَ بِهِ نُفُوسَهُمْ، وقِيلَ: عَمِلُوا أعْمالًا حَسِبُوها حَسَناتٍ، فَإذا هي سَيِّئاتٌ، وعَنْ سُفْيانَ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قَرَأها فَقالَ: "وَيْلٌ لِأهْلِ الرِياءِ، ويْلٌ لِأهْلِ الرِياءِ"، وجَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: أخْشى آيَةً مِن كِتابِ اللهِ، وتَلاها، فَأنا أخْشى أنْ يَبْدُوَ لِي مِنَ اللهِ ما لَمْ أحْتَسِبْهُ.

39:48Page 464

وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨

And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: سَيِّئاتُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كَسَبُوها، أوْ سَيِّئاتُ كَسْبِهِمْ، حِينَ تُعْرَضُ صَحائِفُ أعْمالِهِمْ، وكانَتْ خافِيَةً عَلَيْهِمْ، أوْ عِقابُ ذَلِكَ،

﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾، ونَزَلَ بِهِمْ، وأحاطَ،

﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، جَزاءُ هَزْئِهِمْ.

39:49Page 464

فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩

And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.

﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ﴾ أيْ: أعْطَيْناهُ تَفَضُّلًا، يُقالُ: "خَوَّلَنِي"، إذا أعْطاكَ عَلى غَيْرِ جَزاءٍ،

﴿نِعْمَةً مِنّا﴾، ولا تَقِفْ عَلَيْهِ، لِأنَّ جَوابَ "إذا": ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾، مِنِّي أنِّي سَأُعْطاهُ، لِما فِيَّ مِن فَضْلٍ، واسْتِحْقاقٍ، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ الكَسْبِ، كَما قالَ قارُونَ: ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وإنَّما ذَكَرَ الضَمِيرَ في "أُوتِيتُهُ"، وهو لِلنِّعْمَةِ، نَظَرًا إلى المَعْنى، لِأنَّ (p-١٨٦)قَوْلَهُ: "نِعْمَةً مِّنّا": شَيْئًا مِنَ النِعْمَةِ، وقَسْمًا مِنها، وقِيلَ: "ما"، في "إنَّما"، مَوْصُولَةٌ، لا كافَّةٌ، فَيَرْجِعُ الضَمِيرُ إلَيْها، أيْ: "إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ"،

﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾، إنْكارٌ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: "ما خَوَّلْناكَ مِنَ النِعْمَةِ لِما تَقُولُ، بَلْ هي فِتْنَةٌ، أيْ: اِبْتِلاءٌ وامْتِحانٌ لَكَ، أتَشْكُرُ أمْ تَكْفُرُ"، ولَمّا كانَ الخَبَرُ مُؤَنَّثًا - أعْنِي "فِتْنَةً" -، ساغَ تَأْنِيثُ المُبْتَدَإ لِأجْلِهِ، وقُرِئَ: "بَلْ هو فِتْنَةٌ"، عَلى وفْقِ "إنَّما أُوتِيتُهُ"،

﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أنَّها فِتْنَةٌ، والسَبَبُ في عَطْفِ هَذِهِ الآيَةِ بِالفاءِ، وعَطْفِ مِثْلِها في أوَّلِ السُورَةِ بِالواوِ، أنَّ هَذِهِ وقَعَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥]، عَلى مَعْنى أنَّهم يَشْمَئِزُّونَ مِن ذِكْرِ اللهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ الآلِهَةِ، فَإذا مَسَّ أحَدُهم ضُرٌّ دَعا مَنِ اشْمَأزَّ بِذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرَ بِذِكْرِهِ، وما بَيْنَهُما مِنَ الآيِ اعْتِراضٌ، فَإنْ قُلْتَ: حَقُّ الِاعْتِراضِ أنْ يُؤَكِّدَ المُعْتَرِضَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، قُلْتُ: ما في الِاعْتِراضِ مِن دُعاءِ الرَسُولِ ﷺ رَبَّهُ، بِأمْرٍ مِنَ اللهِ، وقَوْلُهُ: "أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ"، ثُمَّ ما عَقَّبَهُ مِنَ الوَعِيدِ العَظِيمِ، تَأْكِيدٌ لِإنْكارِ اشْمِئْزازِهِمْ، واسْتِبْشارِهِمْ، ورُجُوعِهِمْ إلى اللهِ في الشَدائِدِ، دُونَ آلِهَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: "قُلْ يا رَبِّ لا يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْكَ مِثْلَ هَذِهِ الجَراءَةِ إلّا أنْتَ"، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] مُتَناوِلٌ لَهُمْ، ولِكُلِّ ظالِمٍ، إنْ جُعِلَ عامًّا، أوْ إيّاهم خاصَّةً، إنْ عَنَيْتَهم بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "وَلَوْ أنَّ لِهَؤُلاءِ الظالِمِينَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا، ومِثْلَهُ مَعَهُ، لافْتَدَوْا بِهِ حِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ العَذابِ"، وأمّا الآيَةُ الأُولى، فَلَمْ تَقَعْ مُسَبَّبَةً، وما هي إلّا جُمْلَةٌ ناسَبَتْ جُمْلَةً قَبْلَها، فَعُطِفَتْ عَلَيْها بِالواوِ، نَحْوَ: "قامَ زَيْدٌ وقَعَدَ عَمْرٌو"، وبَيانُ وُقُوعِها مُسَبَّبَةً أنَّكَ تَقُولُ: "زَيْدٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ، فَإذا مَسَّهُ ضُرٌّ التَجَأ إلَيْهِ"، فَهَذا تَسْبِيبٌ ظاهِرٌ، ثُمَّ تَقُولُ: "زَيْدٌ كافِرٌ بِاللهِ، فَإذا مَسَّهُ ضُرٌّ التَجَأ إلَيْهِ"، فَتَجِيءُ بِالفاءِ مَجِيئَكَ بِها ثَمَّةَ، كَأنَّ الكافِرَ حِينَ التَجَأ إلى اللهِ التِجاءَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ، مُقِيمٌ كُفْرَهُ مَقامَ الإيمانِ، في جَعْلِهِ سَبَبًا في الِالتِجاءِ.

39:50Page 464

قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠

Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.

﴿قَدْ قالَها﴾، هَذِهِ المَقالَةَ، وهي قَوْلُهُ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ"،

﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: قارُونُ، وقَوْمُهُ، حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وقَوْمُهُ راضُونَ بِها، فَكَأنَّهم قالُوها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ (p-١٨٧)آخَرُونَ قائِلُونَ مِثْلَها،

﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، مِن مَتاعِ الدُنْيا، وما يَجْمَعُونَ مِنها.

39:51Page 464

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١

And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1

﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءُ سَيَّئاتِ كَسْبِهِمْ، أوْ سَمّى جَزاءَ السَيِّئَةِ سَيِّئَةً لِلِازْدِواجِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، كَفَرُوا،

﴿مِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: مِن مُشْرِكِي قَوْمِكَ،

﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: سَيُصِيبُهم مِثْلُ ما أصابَ أُولَئِكَ، فَقُتِلَ صَنادِيدُهم بِـ "بَدْرٍ"، وحُبِسَ عَنْهُمُ الرِزْقُ فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ،

﴿وَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾، بِفائِتِينَ مِن عَذابِ اللهِ، ثُمَّ بُسِطَ لَهُمْ، فَمُطِرُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقِيلَ لَهُمْ:

39:52Page 464

أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾، ويُضَيِّقُ، وقِيلَ: يَجْعَلُهُ عَلى قَدْرِ الفَوْتِ،

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، بِأنَّهُ لا قابِضَ ولا باسِطَ إلّا اللهُ - عَزَّ وجَلَّ.

39:53Page 464

۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣

Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ﴾، وبِسُكُونِ الياءِ "بَصْرِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،

﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، جَنَوْا عَلَيْها بِالإسْرافِ في المَعاصِي، والغُلُوِّ فِيها،

﴿لا تَقْنَطُوا﴾، لا تَيْأسُوا، وبِكَسْرِ النُونِ "عَلِيٌّ وبَصْرِيٌّ"،

﴿مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا﴾، بِالعَفْوِ عَنْها، إلّا الشِرْكَ، وفي قِراءَةِ النَبِيِّ ﷺ: "يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي"، ونَظِيرُ نَفْيِ المُبالاةِ نَفْيُ الخَوْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥]، قِيلَ: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ، قاتِلِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ"، »﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ﴾، بِسَتْرِ عَظائِمِ الذُنُوبِ،

﴿الرَحِيمُ﴾، بِكَشْفِ فَظائِعِ الكُرُوبِ.

39:54Page 464

وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤

And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.

(p-١٨٨)﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾، وتُوبُوا إلَيْهِ،

﴿وَأسْلِمُوا﴾، وأخْلِصُوا لَهُ العَمَلَ،

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾، إنْ لَمْ تَتُوبُوا قَبْلَ نُزُولِ العِقابِ.

39:55Page 464

وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥

And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,

﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: يَفْجَأكم وأنْتُمْ غافِلُونَ، كَأنَّكم لا تَخْشَوْنَ شَيْئًا لِفَرْطِ غَفْلَتِكم.

39:56Page 464

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦

Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."

﴿أنْ تَقُولَ﴾، لِئَلّا تَقُولَ،

﴿نَفْسٌ﴾، إنَّما نُكِّرَتْ لِأنَّ المُرادَ بِها بَعْضُ الأنْفُسِ، وهي نَفْسُ الكافِرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْسٌ مُتَمَيِّزَةٌ مِنَ الأنْفُسِ، إمّا بِلَجاجٍ في الكُفْرِ شَدِيدٍ، أوْ بِعَذابٍ عَظِيمٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ التَكْثِيرُ،

﴿يا حَسْرَتا﴾، اَلْألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقُرِئَ: "يا حَسْرَتِي"، عَلى الأصْلِ، و"يا حَسْرَتايَ"، عَلى الجَمْعِ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ مِنهُ،

﴿عَلى ما فَرَّطْتُ﴾، قَصَّرْتُ، و"ما"، مَصْدَرِيَّةٌ، مِثْلُها في ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿فِي جَنْبِ اللهِ﴾، في أمْرِ اللهِ، أوْ في طاعَةِ اللهِ، أوْ في ذاتِهِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فِي ذِكْرِ اللهِ"، و"اَلْجَنْبُ": اَلْجانِبُ، يُقالُ: "أنا في جَنْبِ فُلانِ، وجانِبِهِ، وناحِيَتِهِ"، و"فُلانٌ لَيِّنُ الجانِبِ، والجَنْبِ"، ثُمَّ قالُوا: "فَرَّطَ في جَنْبِهِ، وفي جانِبِهِ"، يُرِيدُونَ في حَقِّهِ، وهَذا مِن بابِ الكِنايَةِ، لِأنَّكَ إذا أثْبَتَّ الأمْرَ في مَكانِ الرَجُلِ، وحَيِّزِهِ، فَقَدْ أثْبَتَّهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "مِنَ الشِرْكِ الخَفِيِّ أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ لِمَكانِ الرَجُلِ"، » أيْ: لِأجْلِهِ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: فَرَّطَ في طَرِيقِ اللهِ، وهو تَوْحِيدُهُ، والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ،

﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرِينَ﴾، اَلْمُسْتَهْزِئِينَ، قالَ قَتادَةُ: "لَمْ يَكْفِهِ أنْ (p-١٨٩)ضَيَّعَ طاعَةَ اللهِ، حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها"، ومَحَلُّ "وَإنْ كُنْتُ"، اَلنَّصْبُ، عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَرَّطْتُ وأنا ساخِرٌ"، أيْ: فَرَّطْتُ في حالِ سُخْرِيَتِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском