An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:57–75
39:57Page 465
أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧
Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللهَ هَدانِي﴾ أيْ: أعْطانِي الهِدايَةَ،
﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، مِنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِرْكَ، قالَ الشَيْخُ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ - رَحِمَهُ اللهُ (تَعالى) -: "هَذا الكافِرُ أعْرَفُ بِهِدايَةِ اللهِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وكَذا أُولَئِكَ الكَفَرَةُ الَّذِينَ قالُوا لِأتْباعِهِمْ: ﴿لَوْ هَدانا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١]، يَقُولُونَ: لَوْ وفَّقَنا اللهُ لِلْهِدايَةِ، وأعْطانا الهُدى، لَدَعَوْناكم إلَيْهِ، ولَكِنْ عَلِمَ مِنّا اخْتِيارَ الضَلالَةِ، والغَوايَةِ، فَخَذَلَنا، ولَمْ يُوَفِّقْنا، والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: بَلْ هَداهُمْ، وأعْطاهُمُ التَوْفِيقَ، لَكِنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا"، والحاصِلُ أنَّ عِنْدَ اللهِ لُطْفًا، مَن أُعْطِيَ ذَلِكَ اهْتَدى، وهو التَوْفِيقُ، والعِصْمَةُ، ومَن لَمْ يُعْطَهُ ضَلَّ وغَوى، وكانَ اسْتِحْبابُهُ العَذابَ وتَضْيِيعُهُ الحَقَّ بَعْدَما مُكِّنَ مِن تَحْصِيلِهِ لِذَلِكَ.
39:58Page 465
أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨
Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."
﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾، رَجْعَةً إلى الدُنْيا،
﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، مِنَ المُوَحِّدِينَ.
39:59Page 465
بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩
But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.
﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، "بَلى"، رَدٌّ مِنَ اللهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ وبَيَّنْتُ لَكَ الهِدايَةَ مِنَ الغَوايَةِ، وسَبِيلَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ومَكَّنْتُكَ مِنَ اخْتِيارِ الهِدايَةِ عَلى الغَوايَةِ، واخْتِيارِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ، ولَكِنْ تَرَكْتَ ذَلِكَ، وضَيَّعْتَهُ، واسْتَكْبَرْتَ عَنْ قَبُولِهِ، وآثَرْتَ الضَلالَةَ عَلى الهُدى، واشْتُغِلْتَ بِضِدِّ ما أُمِرْتَ بِهِ، فَإنَّما جاءَ التَضْيِيعُ مِن قِبَلِكَ، فَلا عُذْرَ لَكَ، و"بِلى"، جَوابٌ لِنَفْيٍ تَقْدِيرِيٍّ، لِأنَّ المَعْنى: "لَوْ أنَّ اللهَ هَدانِي": "ما هُدِيتُ"، وإنَّما لَمْ يَقْرِنِ الجَوابَ بِهِ، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن حِكايَةِ أقْوالِ النَفْسِ عَلى تَرْتِيبِها، ثُمَّ الجَوابَ مِن بَيْنِها عَمّا اقْتَضى الجَوابُ.
39:60Page 465
وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠
And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?
﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللهِ﴾، وصَفُوهُ بِما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، مِن (p-١٩٠)إضافَةِ الشَرِيكِ، والوَلَدِ إلَيْهِ، ونَفْيِ الصِفاتِ عَنْهُ،
﴿وُجُوهُهُمْ﴾، مُبْتَدَأٌ،
﴿مُسْوَدَّةٌ﴾، خَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ، إنْ كانَ "تَرى"، مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، وإنْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَمَفْعُولٌ ثانٍ،
﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾، مُنْزَلٌ،
﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: "واسْتَكْبَرْتَ".
39:61Page 465
وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١
And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.
﴿وَيُنَجِّي اللهُ﴾، ويُنَجِّي رُوحَ،
﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، مِنَ الشِرْكِ،
﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾، بِفَلاحِهِمْ، يُقالُ: "فازَ بِكَذا"، إذا أفْلَحَ بِهِ، وظَفِرَ بِمُرادِهِ مِنهُ، وتَفْسِيرُ المَفازَةِ: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُوءُ﴾، اَلنّارُ،
﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: "وَما مَفازَتُهُمْ؟"، فَقِيلَ: "لا يَمَسُّهُمُ السُوءُ"، أيْ: يُنَجِّيهِمْ بِنَفْيِ السُوءِ والحُزْنِ عَنْهُمْ، أيْ: لا يَمَسُّ أبْدانَهم أذًى، ولا قُلُوبَهم خِزْيٌ، أوْ بِسَبَبِ مَنجاتِهِمْ، مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، أيْ: بِمَنجاةِ مِنهُ، لِأنَّ النَجاةَ مِن أعْظَمِ الفَلاحِ، وسَبَبُ مَنجاتِهِمُ العَمَلُ الصالِحُ، ولِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - المَفازَةَ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ، ويَجُوزُ بِسَبَبِ فَلاحِهِمْ، لِأنَّ العَمَلَ الصالِحَ سَبَبُ الفَلاحِ، وهو دُخُولُ الجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى العَمَلُ الصالِحُ في نَفْسِهِ "مَفازَةً"، لِأنَّهُ سَبَبُها، ولا مَحَلَّ لـ "لا يَمَسُّهُمُ"، عَلى التَفْسِيرِ الأوَّلِ، لِأنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ومَحَلُّهُ النَصْبُ عَلى الحالِ، عَلى الثانِي، "بِمَفازاتِهِمْ"، "كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ".
39:62Page 465
ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢
Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.
﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، والثَنَوِيَّةِ،
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾، حافِظٌ.
39:63Page 465
لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣
To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو مالِكُ أمْرِها، وحافِظُها، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ، لِأنَّ حافِظَ الخَزائِنِ ومُدَبِّرَ أمْرِها هو الَّذِي يَمْلِكُ مَقالِيدَها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "فُلانٌ أُلْقِيَتْ إلَيْهِ مَقالِيدُ المُلْكِ"، وهي المَفاتِيحُ، واحِدُها "مِقْلِيدٌ"، وقِيلَ: لا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ،
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا"، أيْ: (p-١٩١)يُنَجِّي اللهُ المُتَّقِينَ بِمَفازاتِهِمْ، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الخاسِرُونَ، واعْتَرَضَ بَيْنَهُما بِأنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَهو مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ المُكَلَّفِينَ فِيها، وما يُجْزَوْنَ عَلَيْها، أوْ بِما يَلِيهِ، عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في السَماواتِ والأرْضِ فاللهُ خالِقُهُ، وفاتِحُ بابِهِ،
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وجَحَدُوا أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ،
﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، وقِيلَ: «سَألَ عُثْمانُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ فَقالَ: "يا عُثْمانُ، ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، تَفْسِيرُها: لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، وأسْتَغْفِرُ اللهَ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، هو الأوَّلُ، والآخِرُ، والظاهِرُ، والباطِنُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، يُحْيِي ويُمِيتُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، » وتَأْوِيلُهُ عَلى هَذا أنَّ لِلَّهِ هَذِهِ الكَلِماتِ، يُوَحَّدُ بِها، ويُمَجَّدُ، وهي مَفاتِيحُ خَيْرِ السَماواتِ والأرْضِ، مَن تَكَلَّمَ بِها مِنَ المُتَّقِينَ أصابَهُ،
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾، وكَلِماتِ تَوْحِيدِهِ، وتَمْجِيدِهِ،
﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
39:64Page 465
قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤
Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"
﴿قُلْ﴾، لِمَن دَعاكَ إلى دِينِ آبائِكَ،
﴿أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾، "تَأْمُرُونِّيَ"، "مَكِّيٌّ"، "تَأْمُرُونَنِي"، عَلى الأصْلِ، "شامِيٌّ"، "تَأْمُرُونِيَ"، "مَدَنِيٌّ"، وانْتَصَبَ "أفَغَيْرَ اللهِ"، بِـ "أعْبُدُ"، و"تَأْمُرُونِّي"، اِعْتِراضٌ، ومَعْناهُ: "أفَغَيْرَ اللهِ أعْبُدُ بِأمْرِكم بَعْدَ هَذا البَيانِ؟!"،
﴿أيُّها الجاهِلُونَ﴾، بِتَوْحِيدِ اللهِ.
39:65Page 465
وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥
And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -،
﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، اَلَّذِي عَمِلْتَ قَبْلَ الشِرْكِ،
﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، وإنَّما قالَ: "لَئِنْ أشْرَكْتَ"، عَلى التَوْحِيدِ، والمُوحى إلَيْهِمْ جَماعَةٌ، لِأنَّ مَعْناهُ: "أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ مِثْلُهُ"، واللامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ، والثانِيَةُ لامُ الجَوابِ، وهَذا الجَوابُ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، أعْنِي: جَوابَ القَسَمِ، والشَرْطِ، وإنَّما صَحَّ هَذا الكَلامُ، مَعَ عِلْمِهِ (تَعالى) بِأنَّ رُسُلَهُ لا يُشْرِكُونَ، لِأنَّ الخِطابَ (p-١٩٢)لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ، ولِأنَّهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والمُحالاتُ يَصِحُّ فَرْضُها، وقِيلَ: لَئِنْ طالَعْتَ غَيْرِي في السِرِّ لَيَحْبَطَنَّ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ مِنَ السِرِّ.
39:66Page 465
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.
﴿بَلِ اللهَ فاعْبُدْ﴾، رَدٌّ لِما أمَرُوهُ بِهِ مِن عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: "لا تَعْبُدْ ما أمَرُوكَ بِعِبادَتِهِ، بَلْ إنْ عَبَدْتَ فاعْبُدِ اللهَ"، فَحَذَفَ الشَرْطَ، وجَعَلَ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ عِوَضًا عَنْهُ،
﴿وَكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾، عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، مِن أنْ جَعَلَكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ.
39:67Page 465
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧
They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.
﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، إذْ دَعَوْكَ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، ولَمّا كانَ العَظِيمُ مِنَ الأشْياءِ إذا عَرَفَهُ الإنْسانُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وقَدَرَهُ في نَفْسِهِ حَقَّ تَقْدِيرِهِ، عَظَّمَهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، قِيلَ: "وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ"، ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى عَظَمَتِهِ، وجَلالَةِ شَأْنِهِ، عَلى طَرِيقَةِ التَخْيِيلِ، فَقالَ: ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ - إذا أخَذْتَهُ كَما هو بِجُمْلَتِهِ ومَجْمُوعِهِ - تَصْوِيرُ عَظَمَتِهِ، والتَوْقِيفُ عَلى كُنْهِ جَلالِهِ، لا غَيْرُ، مِن غَيْرِ ذَهابٍ بِالقَبْضَةِ، ولا بِاليَمِينِ إلى جِهَةِ حَقِيقَةٍ، أوْ جِهَةِ مَجازٍ، والمُرادُ بِالأرْضِ: اَلْأرْضُونَ السَبْعُ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: "جَمِيعًا"، وقَوْلُهُ: "والسَماواتُ"، ولِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ تَعْظِيمٍ، فَهو مُقْتَضٍ لِلْمُبالَغَةِ، و"اَلْأرْضُ"، مُبْتَدَأٌ، و"قَبْضَتُهُ"، اَلْخَبَرُ، و"جَمِيعًا"، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: "والأرْضُ إذا كانَتْ مُجْتَمِعَةً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ"، و"اَلْقَبْضَةُ": اَلْمَرَّةُ مِن "اَلْقَبْضُ"، و"اَلْقُبْضَةُ": اَلْمِقْدارُ المَقْبُوضُ بِالكَفِّ، ويُقالُ: "أعْطِنِي قَبْضَةً مِن كَذا"، تُرِيدُ مَعْنى "اَلْقُبْضَةُ"، تُسَمِّيهِ بِالمَصْدَرِ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُحْتَمَلٌ، والمَعْنى: "والأرْضُونَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ"، أيْ: "ذَواتُ قَبْضَتِهِ"، يَقْبِضُهُنَّ قَبْضَةً واحِدَةً، يَعْنِي أنَّ الأرْضِينَ - مَعَ عِظَمِهِنَّ وبَسْطَتِهِنَّ - لا يَبْلُغْنَ إلّا قَبْضَةً واحِدَةً مِن قَبْضاتِهِ، كَأنَّهُ يَقْبِضُها قَبْضَةً بِكَفٍّ واحِدَةٍ، كَما تَقُولُ: "اَلْجَزُورُ أكْلَةُ لُقْمانَ"، أيْ: لا يَفِي إلّا بِأكْلَةٍ فَذَّةٍ مِن أكْلاتِهِ، وإذا أُرِيدَ مَعْنى "اَلْقُبْضَةُ"، فَظاهِرٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ الأرْضِينَ بِجُمْلَتِها مِقْدارُ ما يَقْبِضُهُ بِكَفٍّ واحِدَةٍ، و"اَلْمَطْوِيّاتُ"، مِن "اَلطَّيُّ"، اَلَّذِي هو ضِدُّ "اَلنَّشْرُ"، كَما قالَ: (p-١٩٣)﴿يَوْمَ نَطْوِي السَماءَ كَطَيِّ السِجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وعادَةُ طاوِي السِجِلِّ أنْ يَطْوِيَهُ بِيَمِينِهِ، وقِيلَ: "قَبَضَتُهُ": "مِلْكُهُ"، بِلا مُدافِعٍ، ولا مُنازِعٍ، و"بِيَمِينِهِ": "بِقُدْرَتِهِ"، وقِيلَ: "مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ": مُفْنَياتٌ بِقَسَمِهِ، لِأنَّهُ أقْسَمَ أنْ يُفْنِيَها،
﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ما أبْعَدَ مَن هَذِهِ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ! وما أعْلاهُ عَمّا يُضافُ إلَيْهِ مِنَ الشُرَكاءِ!
39:68Page 466
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨
And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.
﴿وَنُفِخَ في الصُورِ فَصَعِقَ﴾، ماتَ،
﴿مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: هم حَمَلَةُ العَرْشِ، أوْ رِضْوانُ، والحُورُ العِينُ، ومالِكٌ، والزَبانِيَةُ،
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾، هي في مَحَلِّ الرَفْعِ، لِأنَّ المَعْنى: "وَنُفِخَ في الصُورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ نَفْخَةٌ أُخْرى"، وإنَّما حُذِفَتْ لِدَلالَةِ "أُخْرى"، عَلَيْها، ولِكَوْنِها مَعْلُومَةً بِذِكْرِها في غَيْرِ مَكانٍ،
﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾، يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجِهاتِ، نَظَرَ المَبْهُوتِ إذا فاجَأهُ خَطْبٌ، أوْ يَنْظُرُونَ أمْرَ اللهِ فِيهِمْ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ النَفْخَةَ اثْنَتانِ، الأُولى لِلْمَوْتِ، والثانِيَةُ لِلْبَعْثِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها ثَلاثٌ، الأُولى لِلْفَزَعِ، كَما قالَ: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ فَفَزِعَ﴾ [النمل: ٨٧]، والثانِيَةُ لِلْمَوْتِ، والثالِثَةُ لِلْإعادَةِ.
39:69Page 466
وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩
And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.
﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ﴾، أضاءَتْ،
﴿بِنُورِ رَبِّها﴾ أيْ: بِعَدْلِهِ، بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، يُقالُ لِلْمَلِكِ العادِلِ: "أشْرَقَتِ الآفاقُ بِعَدْلِكَ، وأضاءَتِ الدُنْيا بِقِسْطِكَ"، كَما يُقالُ: "أظْلَمَتِ البِلادُ بِجَوْرِ فُلانٍ"، وقالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ"، » وإضافَةُ اسْمِهِ إلى الأرْضِ، لِأنَّهُ يُزَيِّنُها، حَيْثُ يَنْشُرُ فِيها عَدْلَهُ، ويَنْصِبُ فِيها مَوازِينَ قِسْطِهِ، ويَحْكُمُ بِالحَقِّ بَيْنَ أهْلِها، ولا تَرى أزْيَنَ لِلْبِقاعِ مِنَ العَدْلِ، ولا أعْمَرَ لَها مِنهُ، وقالَ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللهُ نُورًا فَيُنَوِّرُ بِهِ أرْضَ المَوْقِفِ"، وإضافَتُهُ إلَيْهِ (تَعالى) لِلتَّخْصِيصِ، كَـ "بَيْتُ اللهِ"، (p-١٩٤)وَ"ناقَةُ اللهِ"،
﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ أيْ: صَحائِفُ الأعْمالِ، ولَكِنَّهُ اكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ، أوِ اللَوْحُ المَحْفُوظُ،
﴿وَجِيءَ بِالنَبِيِّينَ﴾، لِيَسْألَهم رَبُّهم عَنْ تَبْلِيغِ الرِسالَةِ، وما أجابَهم قَوْمُهُمْ،
﴿والشُهَداءِ﴾، اَلْحَفَظَةِ، وقِيلَ: هُمُ الأبْرارُ في كُلِّ زَمانٍ، يَشْهَدُونَ عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَمانِ،
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، بَيْنَ العِبادِ،
﴿بِالحَقِّ﴾، بِالعَدْلِ،
﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾، خَتَمَ الآيَةَ بِنَفْيِ الظُلْمِ، كَما افْتَتَحَها بِإثْباتِ العَدْلِ.
39:70Page 466
وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠
And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَها،
﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾، مِن غَيْرِ كِتابٍ، ولا شاهِدٍ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: "وَهم لا يُظْلَمُونَ"، أيْ: "وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، وشَرٍّ، لا يُزادُ في شَرٍّ، ولا يُنْقَصُ مِن خَيْرٍ".
39:71Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١
And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ﴾، سَوْقًا عَنِيفًا، كَما يُفْعَلُ بِالأُسارى، والخارِجِينَ عَلى السُلْطانِ، إذا سِيقُوا إلى حَبْسٍ، أوْ قَتْلٍ،
﴿زُمَرًا﴾، حالٌ، أيْ: أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً، بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ،
﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ﴾، بِالتَخْفِيفِ فِيهِما، "كُوفِيٌّ"،
﴿أبْوابُها﴾، وهي سَبْعَةٌ،
﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ أيْ: حَفَظَةُ جَهَنَّمَ، وهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها،
﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾، مِن بَنِي آدَمَ،
﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: وقْتِكم هَذا، وهو وقْتُ دُخُولِهِمُ النارَ، لا يَوْمُ القِيامَةِ،
﴿قالُوا بَلى﴾، أتَوْنا وتَلَوْا عَلَيْنا،
﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: ولَكِنْ وجَبَتْ عَلَيْنا كَلِمَةُ اللهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩]، بِسُوءِ أعْمالِنا، كَما قالُوا: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، فَذَكَرُوا عَمَلَهُمُ المُوجِبَ لِكَلِمَةِ العَذابِ، وهو الكُفْرُ، والضَلالُ.
39:72Page 466
قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢
[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾، حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ: "مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ"،
﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، اَللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، لِأنَّ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ (p-١٩٥)فاعِلُ "بِئْسَ"، و"بِئْسَ"، فاعِلُها اسْمٌ مَعْرُوفٌ بِلامِ الجِنْسِ، أوْ مُضافٌ إلى مِثْلِهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: "فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ جَهَنَّمُ".
39:73Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣
But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾، اَلْمُرادُ سَوْقُ مَراكِبِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُذْهَبُ بِهِمْ إلّا راكِبِينَ، إلى دارِ الكَرامَةِ والرِضْوانِ، كَما يُفْعَلُ بِمَن يُكَرَّمُ، ويُشَرَّفُ مِنَ الوافِدِينَ عَلى بَعْضِ المُلُوكِ،
﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾، هي الَّتِي تُحْكى بَعْدَها الجُمَلُ، والجُمَلُ المَحْكِيَّةُ بَعْدَها هي الشَرْطِيَّةُ، إلّا أنَّ جَزاءَها مَحْذُوفٌ، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّهُ في صِفَةِ ثَوابِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَدَلَّ بِحَذْفِهِ عَلى أنَّهُ شَيْءٌ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، وقالَ الزَجّاجُ: تَقْدِيرُهُ: "حَتّى إذا جاءوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ، دَخَلُوها"، فَحَذَفَ "دَخَلُوها"، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وقالَ قَوْمٌ: "حَتّى إذا جاءوها جاءوها وفُتِحَتْ أبْوابُها"، فَعِنْدَهم "جاءوها"، مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: "حَتّى إذا جاءوها وقَعَ مَجِيئُهم مَعَ فَتْحِ أبْوابِها"، وقِيلَ: أبْوابُ جَهَنَّمَ لا تُفْتَحُ إلّا عِنْدَ دُخُولِ أهْلِها فِيها، وأمّا أبْوابُ الجَنَّةِ فَمُتَقَدِّمٌ فَتْحُها، لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالواوِ، وكَأنَّهُ قالَ: "حَتّى إذا جاءوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها"،
﴿طِبْتُمْ﴾، مِن دَنَسِ المَعاصِي، وطُهِّرْتُمْ مِن خَبَثِ الخَطايا، وقالَ الزَجّاجُ: أيْ: كُنْتُمْ طَيِّبِينَ في الدُنْيا، ولَمْ تَكُونُوا خَبِيثِينَ، أيْ: لَمْ تَكُونُوا أصْحابَ خَبائِثَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "طابَ لَكُمُ المُقامُ"، وجَعَلَ دُخُولَ الجَنَّةِ مُسَبَّبًا عَنِ الطِيبِ، والطَهارَةِ، لِأنَّها دارُ الطَيِّبِينَ، ومَثْوى الطاهِرِينَ، قَدْ طَهَّرَها اللهُ مِن كُلِّ دَنَسٍ، وطَيَّبَها مِن كُلِّ قَذَرٍ، فَلا يَدْخُلُها إلّا مُناسِبٌ لَها، مَوْصُوفٌ بِصِفَتِها.
39:74Page 466
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."
﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾، أنْجَزْنا ما وعَدَنا في الدُنْيا، مِن نَعِيمِ العُقْبى،
﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾، أرْضَ الجَنَّةِ، وقَدْ أُورِثُوها، أيْ: مَلَكُوها، جُعِلُوا مُلُوكَها، وأُطْلِقَ تَصَرُّفُهم فِيها، كَما يَشاءون، تَشْبِيهًا بِحالِ الوارِثِ، وتَصَرُّفِهِ فِيما يَرِثُهُ، واتِّساعِهِ فِيهِ،
﴿نَتَبَوَّأُ﴾، حالٌ،
﴿مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾، (p-١٩٦)أيْ: يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ لا تُوصَفُ سَعَةً، وزِيادَةً عَلى الحاجَةِ، فَيَتَبَوَّأُ - أيْ: فَيَتَّخِذُ - مُتَبَوَّأً ومَقَرًّا مِن جَنَّتِهِ، حَيْثُ يَشاءُ،
﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾، في الدُنْيا، الجَنَّةُ.
39:75Page 467
وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥
And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."
﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ﴾، حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ،
﴿مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحْدِقِينَ مِن حَوْلِهِ، و"مِن"، لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: اِبْتِداءُ حُفُوفِهِمْ مِن حَوْلِ العَرْشِ، إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ،
﴿يُسَبِّحُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "حافِّينَ"،
﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ"، أوْ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُوحِ"، وذَلِكَ لِلتَّلَذُّذِ، دُونَ التَعَبُّدِ، لِزَوالِ التَكْلِيفِ،
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، بَيْنَ الأنْبِياءِ، والأُمَمِ، أوْ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ، والنارِ،
﴿بِالحَقِّ﴾، بِالعَدْلِ،
﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: يَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ - شُكْرًا حِينَ دُخُولِها، وتَمَّ وعْدُ اللهِ لَهم -، كَما قالَ: ﴿وَآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]
«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ "بَنِي إسْرائِيلَ"، و"اَلزُّمَرَ" ».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences