An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:86–101
4:86Page 91
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦
And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.
﴿وَإذا حُيِّيتُمْ﴾ أيْ: سُلِّمَ عَلَيْكُمْ، فَإنَّ التَحِيَّةَ في دِينِنا بِالسَلامِ في الدارَيْنِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللهِ﴾ [النُورُ: ٦١] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحْزابُ: ٤٤] وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ اللِقاءِ: حَيّاكَ اللهُ، أيْ: أطالَ اللهُ حَياتَكَ فَأُبْدِلَ ذَلِكَ بَعْدَ الإسْلامِ بِالسَلامِ.
﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ هي تَفْعِلَةٌ، مِن حَيّا يُحَيِّي تَحِيَّةً ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ أيْ: قُولُوا: وعَلَيْكُمُ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، إذا قالَ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، وزِيدُوا: وبَرَكاتُهُ، إذا قالَ: ورَحْمَةُ اللهِ. ويُقالُ: لِكُلِّ شَيْءٍ مُنْتَهًى، ومُنْتَهى السَلامِ: وبَرَكاتُهُ.
﴿أوْ رُدُّوها﴾ أيْ: أجِيبُوها بِمِثْلِها. ورَدُّ السَلامِ: جَوابُهُ بِمِثْلِهِ، لِأنَّ المُجِيبَ يَرُدُّ قَوْلَ المُسَلِّمِ. وفِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: رُدُّوا مِثْلَها، والتَسْلِيمُ سُنَّةٌ، والرَدُّ فَرِيضَةٌ، والأحْسَنُ فَضْلٌ. وما مِن رَجُلٍ يَمُرُّ عَلى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ولا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ إلّا نُزِعَ عَنْهم رُوحُ القُدُسِ، ورَدَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ. ولا يُرَدُّ السَلامُ في الخُطْبَةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ جَهْرًا، ورِوايَةِ الحَدِيثِ، وعِنْدَ مُذاكَرَةِ العِلْمِ، والأذانِ، والإقامَةِ. وعِنْدَ أبِي يُوسُفُ رَحِمَهُ اللهُ: لا يُسَلَّمُ عَلى لاعِبِ الشِطْرَنْجِ والنَرْدِ، والمُغَنِّي، والقاعِدِ لِحاجَتِهِ، ومُطَيِّرِ الحَمامِ، والعارِي مِن غَيْرِ عُذْرٍ في حَمّامٍ أوْ غَيْرِهِ. ويُسَلِّمُ الرَجُلُ إذا دَخَلَ عَلى امْرَأتِهِ، والماشِي عَلى القاعِدِ، والراكِبُ عَلى الماشِي، وراكِبُ الفَرَسِ عَلى راكِبِ الحِمارِ، والصَغِيرُ عَلى الكَبِيرِ، والأقَلُّ عَلى الأكْثَرِ، (p-٣٨١)وَإذا التَقَيا ابْتَدَرا. وقِيلَ: ﴿بِأحْسَنَ مِنها﴾ لِأهْلِ المِلَّةِ ﴿أوْ رُدُّوها﴾ لِأهْلِ الذِمَّةِ. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إذا سَلَّمَ أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا وعَلَيْكُمْ" » أيْ: وعَلَيْكم ما قُلْتُمْ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: السامُ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ ﷺ: « "لا غِرارَ في تَسْلِيمٍ" » أيْ: لا يُقالُ عَلَيْكَ، بَلْ عَلَيْكُمْ، لِأنَّ كاتِبَيْهِ مَعَهُ.
﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: يُحاسِبُكم عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ التَحِيَّةِ وغَيْرِها.
4:87Page 92
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧
Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.
﴿اللهُ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ خَبَرٌ، أوِ اعْتِراضٌ، والخَبَرُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ ومَعْناهُ: اللهُ، واللهِ لَيَجْمَعَنَّكم.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: لَيَحْشُرَنَّكم إلَيْهِ، والقِيامَةُ: القِيامُ، كالطِلابَةِ والطِلابِ، وهي قِيامُهم مِنَ القُبُورِ، أوْ قِيامُهم لِلْحِسابِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ:٦] ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو حالٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، والهاءُ يَعُودُ إلى اليَوْمِ، أوْ صِفَةُ المَصْدَرِ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: جَمْعًا لا رَيْبَ فِيهِ، والهاءُ يَعُودُ إلى الجَمْعِ.
﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ تَمْيِيزٌ، وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنهُ في إخْبارِهِ، ووَعْدِهِ، ووَعِيدِهِ، لِاسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلَيْهِ لِقُبْحِهِ، لِكَوْنِهِ إخْبارًا عَنِ الشَيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ.
4:88Page 92
۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨
What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3
﴿فَما لَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: ما لَكُمُ اخْتَلَفْتُمْ في شَأْنِ قَوْمٍ قَدْ نافَقُوا نِفاقًا ظاهِرًا، وتَفَرَّقْتُمْ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ، وما لَكَمَ لَمْ تَقْطَعُوا القَوْلَ بِكُفْرِهِمْ. وذَلِكَ أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلى البَدْوِ مُعْتَلِّينَ بِاجْتِواءِ المَدِينَةِ، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا راحِلِينَ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هم كُفّارٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هم مُسْلِمُونَ. و"فِئَتَيْنِ" حالٌ، كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا؟ قالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتَ ما لَكَ قائِمًا؟ فَمَعْناهُ: لِمَ قُمْتَ؟ ونَصْبُهُ عَلى (p-٣٨٢)تَأْوِيلِ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ لَكَ في هَذِهِ الحالِ؟! ﴿واللهُ أرْكَسَهُمْ﴾ رَدَّهم إلى حُكْمِ الكُفّارِ ﴿بِما كَسَبُوا﴾ مِنِ ارْتِدادِهِمْ ولُحُوقِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ، فَرُدُّوهم أيْضًا، ولا تَخْتَلِفُوا في كُفْرِهِمْ،
﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا﴾ أنْ تَجْعَلُوا مِن جُمْلَةِ المُهْتَدِينَ ﴿مَن أضَلَّ اللهُ﴾ مَن جَعَلَهُ اللهُ ضالًّا. أوْ أتُرِيدُونَ أنْ تُسَمُّوهم مُهْتَدِينَ، وقَدْ أظْهَرَ اللهُ ضَلالَهُمْ، فَيَكُونُ تَعْيِيرًا لِمَن سَمّاهم مُهْتَدِينَ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا في إثْباتِ الكَسْبِ لِلْعَبْدِ، والخَلْقِ لِلرَّبِّ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ.
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ.
4:89Page 92
وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩
They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ الكافُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كُفْرًا مِثْلَ كُفْرِهِمْ ﴿فَتَكُونُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "تَكْفُرُونَ" ﴿سَواءً﴾ أيْ: مُسْتَوِينَ أنْتُمْ وهم في الكُفْرِ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ فَلا تُوالُوهم حَتّى يُؤْمِنُوا، لِأنَّ الهِجْرَةَ في سَبِيلِ اللهِ بِالإسْلامِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإيمانِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ كَما كانَ حُكْمُ سائِرِ المُشْرِكِينَ ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ وإنْ بَذَلُوا لَكُمُ الوِلايَةَ والنُصْرَةَ فَلا تَقْبَلُوا مِنهم.
4:90Page 92
إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠
Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.
﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ أيْ: يَنْتَهُونَ إلَيْهِمْ، ويَتَّصِلُونَ بِهِمْ، والِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ دُونَ المُوالاةِ ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ القَوْمُ هُمُ الأسْلَمِيُّونَ، كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ وادَعَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرَ الأسْلَمِيَّ عَلى ألّا يُعِينَهُ ولا يَعِينَ عَلَيْهِ، وعَلى أنَّ مَن وصَلَ إلى هِلالٍ، والتَجَأ إلَيْهِ، فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ الَّذِي لِهِلالٍ، أيْ: فاقْتُلُوهم إلّا مَنِ اتَّصَلَ بِقَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى صِفَةِ قَوْمٍ، أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهَدِينَ، أوْ قَوْمٍ مُمْسِكِينَ عَنِ القِتالِ لا لَكم ولا عَلَيْكُمْ، أوْ عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ (p-٣٨٣)بِالمُعاهَدِينَ، أوِ الَّذِينَ لا يُقاتِلُونَكم ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ والحَصْرُ: الضِيقُ، والِانْقِباضُ.
﴿أنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ عَنْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ، أيْ: عَنْ قِتالِكم.
﴿أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ مَعَكم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ، وإزالَةِ الحَصْرِ عَنْها،
﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "لَسَلَّطَهُمْ" ودُخُولُ اللامِ لِلتَّأْكِيدِ ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَكم ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَلَمَ﴾ أيِ: الِانْقِيادَ، والِاسْتِسْلامَ.
﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى القِتالِ.
4:91Page 92
سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١
You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ بِالنِفاقِ ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ بِالوِفاقِ، هم قَوْمٌ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ، كانُوا إذا أتَوُا المَدِينَةَ أسْلَمُوا، وعاهَدُوا لِيَأْمَنُوا المُسْلِمِينَ، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ كَفَرُوا، ونَكَثُوا عُهُودَهم.
﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ كُلَّما دَعاهم قَوْمُهم إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ.
﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ قُلِبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ وأشْنَعَهُ، كانُوا شَرًّا فِيها مِن كُلِّ عَدُوٍّ ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا قِتالَكُمْ،
﴿وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَلَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ، أيْ: ولَمْ يَنْقادُوا لَكم بِطَلَبِ الصُلْحِ ﴿وَيَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْضًا، أيْ: ولَمْ يُمْسِكُوا عَنْ قِتالِكم.
﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِنهُمْ، وظَفِرْتُمْ بِهِمْ.
﴿وَأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً واضِحَةً لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ، وانْكِشافِ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ، وإضْرارِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، أوْ تَسَلُّطًا ظاهِرًا حَيْثُ أذِنّا لَكم في قَتْلِهِمْ.
4:92Page 93
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢
And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment [diyah] presented to his [i.e., the deceased's] family [is required], unless they give [up their right as] charity. But if he [i.e., the deceased] was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively,1 [seeking] acceptance of repentance from Allāh.2 And Allāh is ever Knowing and Wise.
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ وما صَحَّ لَهُ، ولا اسْتَقامَ ولا لاقَ بِحالِهِ،
﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ ابْتِداءً مِن غَيْرِ قَصاصٍ، أيْ: لَيْسَ المُؤْمِنُ كالكافِرِ الَّذِي تَقَدَّمَ إباحَةُ دَمِهِ،
﴿إلا خَطَأً﴾ إلّا عَلى وجْهِ الخَطَأِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى: (p-٣٨٤)لَكِنْ، أيْ: لَكِنْ إنْ وقَعَ خَطَأٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ، أيْ: إلّا قَتْلًا خَطَأً، والمَعْنى: مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ وُجُودُهُ قَتْلَ المُؤْمِنِ ابْتِداءً البَتَّةَ، إلّا إذا وُجِدَ مِنهُ خَطَأٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِأنْ يَرْمِيَ كافِرًا، فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أوْ يَرْمِيَ شَخْصًا عَلى أنَّهُ كافِرٌ، فَإذا هو مُسْلِمٌ.
﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قَتْلًا خَطَأً.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَحْرِيرُ: الإعْتاقُ، والحُرُّ والعَتِيقُ: الكَرِيمُ، لِأنَّ الكَرَمَ في الأحْرارِ، كَما أنَّ اللُؤْمَ في العَبِيدِ، ومِنهُ عِتاقُ الطَيْرِ، وعِتاقُ الخَيْلِ لِكِرامِها. والرَقَبَةُ: النَسَمَةُ، ويُعَبَّرُ عَنْها بِالرَأْسِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَمْلِكُ كَذا رَأْسًا مِنَ الرَقِيقِ.
﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ قِيلَ: لَمّا أخْرَجَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً مِن جُمْلَةِ الأحْياءِ، لَزِمَهُ أنْ يُدْخِلَ نَفْسًا مِثْلَها في جُمْلَةِ الأحْرارِ، لِأنَّ إطْلاقَها مِن قَيْدِ الرِقِّ كَإحْيائِها، مِن قِبَلِ أنَّ الرَقِيقَ مُلْحَقٌ بِالأمْواتِ، إذِ الرِقُّ أثَرٌ مِن آثارِ الكُفْرِ، والكُفْرُ مَوْتٌ حُكْمًا.
﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامُ: ١٢٢] ولِهَذا مَنَعَ مِن تَصَرُّفِ الأحْرارِ، وهَذا مُشْكِلٌ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ في العَمْدِ أيْضًا، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّما وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأنَّ اللهَ تَعالى أبْقى لِلْقاتِلِ نَفْسًا مُؤْمِنَةً، حَيْثُ لَمْ يُوجِبِ القِصاصَ، فَأوْجَبَ عَلَيْهِ مِثْلَها رَقَبَةً مُؤْمِنَةً.
﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مُؤَدّاةً إلى ورَثَتِهِ يَقْتَسِمُونَها، كَما يَقْتَسِمُونَ المِيراثَ، لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ التَرِكَةِ في كُلِّ شَيْءٍ، فَيَقْضِي مِنها الدَيْنَ، وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةَ، وإذا لَمْ يَبْقَ وارِثٌ فَهي لِبَيْتِ المالِ، وقَدْ ورَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ امْرَأةَ أشْيَمَ الضَبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها أشْيَمَ، لَكِنَّ الدِيَةَ عَلى العاقِلَةِ، والكَفّارَةَ عَلى القاتِلِ.
﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ بِالدِيَةِ، أيْ: يَعْفُوا عَنْهُ، والتَقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ دِيَةٌ في كُلِّ حالٍ، إلّا في حالِ التَصَدُّقِ عَلَيْهِ بِها ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ فَإنْ كانَ المَقْتُولُ خَطَأً مِن قَوْمٍ أعْداءٍ لَكُمْ، أيْ: كَفَرَةٍ، فالعَدُوُّ يُطْلَقُ عَلى الجَمِيعِ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أيِ: المَقْتُولُ مُؤْمِنٌ.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعْنِي: إذا أسْلَمَ الحَرْبِيُّ في دارِ الحَرْبِ، ولَمْ يُهاجِرْ إلَيْنا، فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ خَطَأً، تَجِبُ (p-٣٨٥)الكَفّارَةُ بِقَتْلِهِ لِلْعِصْمَةِ المُؤَثِمَةِ، وهي الإسْلامُ، ولا تَجِبُ الدِيَةُ، لِأنَّ العِصْمَةَ المُقَوِّمَةَ بِالدارِ، ولَمْ تُوجَدْ ﴿وَإنْ كانَ﴾ أيِ: المَقْتُولُ،
﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
﴿وَبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ عَهْدٌ ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: وإنْ كانَ المَقْتُولُ ذِمِّيًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ دِيَةَ الذِمِّيِّ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، وهو قَوْلُنا ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ رَقَبَةً، أيْ: لَمْ يَمْلِكْها، ولا ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها.
﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ ﴿مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ قَبُولًا مِنَ اللهِ، ورَحْمَةً مِنهُ، مَن تابَ اللهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ، يَعْنِي: شَرَعَ ذَلِكَ تَوْبَةً مِنهُ، أوْ فَلْيَتُبْ تَوْبَةً، فَهي نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بِما أمَرَ ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما قَدَّرَ.
4:93Page 93
وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣
But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ القاتِلِ، أيْ: قاصِدًا قَتْلَهُ لِإيمانِهِ، وهو كُفْرٌ، أوْ قَتْلُهُ مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ، وهو كُفْرٌ أيْضًا.
﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ أيْ: إنْ جازاهُ، قالَ ﷺ: « "هِيَ جَزاؤُهُ إنْ جازاهُ". » والخُلُودُ قَدْ يُرادُ بِهِ طُولُ المَقامِ، وقَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِالخُرُوجِ مِنَ الإيمانِ يُخالِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةُ: ١٧٨] ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ أيِ: انْتَقَمَ مِنهُ، وطَرَدَهُ مِن رَحْمَتِهِ ﴿وَأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ لِارْتِكابِهِ أمْرًا عَظِيمًا، وخَطْبًا جَسِيمًا، في الحَدِيثِ: « "لَزَوالُ الدُنْيا أهْوَنُ عَلى اللهِ مِن قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ". »
4:94Page 93
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤
O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ سِرْتُمْ في طَرِيقِ الغَزْوِ. (p-٣٨٦)﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (فَتَثَبَّتُوا) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. وهُما مِنَ التَفَعُّلِ بِمَعْنى الِاسْتِفْعالِ، أيِ: اطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ وثَباتَهُ، ولا تَتَهَوَّكُوا فِيهِ.
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَلامَ﴾ (السِلْمَ): مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وحَمْزَةُ. وهُما الِاسْتِسْلامُ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وقِيلَ: التَسْلِيمُ الَّذِي هو تَحِيَّةُ أهْلِ الإسْلامِ.
﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ بِالقَوْلِ، رُوِيَ «أنَّ مِرْداسَ بْنَ نَهْيِكَ أسْلَمَ، ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَغَزَتْهم سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَرَبُوا، وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى مُنْعَرَجٍ مِنَ الجَبَلِ وصَعِدَ، فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبُرُوا كَبِرَ، ونَزَلَ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، السَلامُ عَلَيْكم. فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، واسْتاقَ غَنَمَهُ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ وجْدًا شَدِيدًا، وقالَ: "قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ؟! ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ، »﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ تَطْلُبُونَ الغَنِيمَةَ الَّتِي هي حُطامٌ سَرِيعُ النَفادِ، فَهو الَّذِي يَدْعُوكم إلى تَرْكِ التَثَبُّتِ، وقِلَّةِ البَحْثِ عَنْ حالِ مَن تَقْتُلُونَهُ. والعَرَضُ: المالُ، سُمِّيَ بِهِ لِسُرْعَةِ فَنائِهِ. و"تَبْتَغُونَ" حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "تَقُولُوا" ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يُغْنِمُكُمُوها، تُغْنِيكم عَنْ قَتْلِ رَجُلٍ يُظْهِرُ الإسْلامَ، ويَتَعَوَّذُ بِهِ مِنَ التَعَرُّضِ لَهُ لِتَأْخُذُوا مالَهُ،
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ سُمِعَتْ مِن أفْواهِكم كَلِمَةُ الشَهادَةِ، فَحَصَّنَتْ دِماءَكم وأمْوالَكم مِن غَيْرِ انْتِظارِ الِاطِّلاعِ عَلى مُواطَأةِ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكُمْ، والكافُ في "كَذَلِكَ" خَبَرُ كانَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْها وعَلى اسْمِها،
﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ، والِاشْتِهارِ بِالإيمانِ، فافْعَلُوا بِالداخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فُعِلَ بِكُمْ،
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَبَيُّنِ لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ﴿إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَلا تَتَهافَتُوا في القَتْلِ، وكُونُوا مُحْتَرِزِينَ، مُحْتاطِينَ في ذَلِكَ.
(p-٣٨٧)
4:95Page 94
لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥
Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ عَنِ الجِهادِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾ بِالنَصْبِ: مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وعَلِيٌّ، لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ القاعِدِينَ، أوْ حالٌ مِنهُمْ، وبِالجَرِّ: عَنْ حَمْزَةَ، صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِالرَفْعِ غَيْرُهُمْ، صِفَةٌ لِلْقاعِدِينَ، والضَرَرُ: المَرَضُ، أوِ العاهَةُ مِن عَمًى، أوْ عَرَجٍ، أوْ زَمانَةٍ، أوْ نَحْوِها.
﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "القاعِدُونَ". ونَفى التَساوِيَ بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا، وتَوْبِيخًا لِلْقاعِدِ عَنِ الجِهادِ، وتَحْرِيكًا لَهُ عَلَيْهِ، ونَحْوُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُمَرُ: ٩] فَهو تَحْرِيكٌ لِطَلَبِ العِلْمِ، وتَوْبِيخٌ عَلى الرِضا بِالجَهْلِ،
﴿فَضَّلَ اللهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ﴾ ذَكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَيانًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى، مُوَضِّحَةً لِما نَفى مِنِ اسْتِواءِ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم لا يَسْتَوُونَ؟! فَأُجِيبَ بِذَلِكَ.
﴿دَرَجَةً﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنَ التَفْضِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَأنَّهُ فَضَّلَهم تَفْضِيلَةً، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَهُ سَوْطًا، ونَصْبُ ﴿وَكُلا﴾ أيْ: وكُلَّ فَرِيقٍ مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ ونُصِبَ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ والثانِي: ﴿الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، وإنْ كانَ المُجاهِدُونَ مُفَضَّلِينَ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً.
﴿وَفَضَّلَ اللهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ بِغَيْرِ عُذْرٍ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾
4:96Page 94
دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦
Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ قِيلَ: انْتَصَبَ "أجْرًا" بِـ "فَضَلَّ"، لِأنَّهُ في مَعْنى أجَرَهم أجْرًا، ودَرَجاتٍ، ومَغْفِرَةً، ورَحْمَةً: بَدَلٌ مِن "أجْرًا"، أوِ انْتَصَبَ "دَرَجاتٍ" نَصْبَ "دَرَجَةً"، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلاتٍ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَهُ أسْواطًا، أيْ: ضَرَباتٍ، و" أجْرًا عَظِيمًا " عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النَكِرَةِ، الَّتِي هي "دَرَجاتٍ " مُقَدَّمَةً عَلَيْها، مَغْفِرَةً ورَحْمَةً بِإضْمارِ فِعْلِهِما، أيْ: وغَفَرَ لَهم ورَحِمَهم مَغْفِرَةً ورَحْمَةً، وحاصِلُهُ: أنَّ اللهَ تَعالى فَضَّلَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ بِعُذْرٍ دَرَجَةً، وعَلى القاعِدِينَ بِغَيْرِ عُذْرٍ بِأمْرِ النَبِيِّ ﷺ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ، (p-٣٨٨)دَرَجاتٍ، لِأنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ بِتَكْفِيرِ العُذْرِ ﴿رَحِيمًا﴾ بِتَوْفِيرِ الأجْرِ.
4:97Page 94
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧
Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.
وَنَزَلَ فِيمَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ، حِينَ كانَتِ الهِجْرَةُ فَرِيضَةً، وخَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ إلى بَدْرٍ مُرْتَدًّا فَقُتِلَ كافِرًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا لِقِراءَةِ مَن قَرَأ: (تَوَفَّتْهُمْ) ومُضارِعًا بِمَعْنى: نَتَوَفّاهُمْ، وحُذِفَتِ التاءُ الثانِيَةُ، لِاجْتِماعِ التاءَيْنِ. والتَوَفِّي: قَبْضُ الرُوحِ، والمَلائِكَةُ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في تَوَفّاهُمْ، أيْ: في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ، وتَرْكِ الهِجْرَةِ.
﴿قالُوا﴾ أيِ: المَلائِكَةُ لِلْمُتَوَفَّيْنَ ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ في أمْرِ دِينِكُمْ؟ ومَعْناهُ: التَوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِينِ.
﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجِزِينَ عَنِ الهِجْرَةِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ، فَأخْرَجُونا كارِهِينَ.
﴿قالُوا﴾ أيِ: المَلائِكَةُ مُوَبِّخِينَ لَهم.
﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أرادُوا أنَّكم كُنْتُمْ قادِرِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ إلى بَعْضِ البِلادِ، الَّتِي لا تُمْنَعُونَ فِيها مِن إظْهارِ دِينِكُمْ، ومِنَ الهِجْرَةِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ. ونَصْبُ "فَتُهاجِرُوا" عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ خَبَرُ "إنَّ" "فَأُولَئِكَ". ودُخُولُ الفاءِ لِما في الَّذِينَ مِنَ الإبْهامِ المُشابِهِ بِالشَرْطِ، أوْ ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: قالُوا لَهُمْ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن إقامَةِ دِينِهِ في بَلَدٍ كَما يَجِبُ، وعَلِمَ أنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن إقامَتِهِ في غَيْرِهِ حَقَّتْ عَلَيْهِ المُهاجَرَةُ. وفي الحَدِيثِ: « "مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ". »
4:98Page 94
إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨
Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -
﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ﴾ اسْتَثْنى مِن أهْلِ الوَعِيدِ (p-٣٨٩)المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ في الخُرُوجِ مِنها لِفَقْرِهِمْ وعَجْزِهِمْ ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ولا مَعْرِفَةَ لَهم بِالمَسالِكِ. و﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ لِلرِّجالِ، والنِساءِ، والوَلَدانِ. وإنَّما جازَ ذَلِكَ والجُمَلُ نَكِراتٌ، لِأنَّ المَوْصُوفَ وإنْ كانَ فِيهِ حَرْفُ التَعْرِيفِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ، كَقَوْلِهِ:
؎ ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَئِيمِ يَسُبُّنِي.
4:99Page 94
فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩
For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.
﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وعَسى وإنْ كانَ لِلْإطْماعِ فَهو مِنَ اللهِ واجِبٌ، لِأنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ أنْجَزَ ﴿وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ لِعِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم.
4:100Page 94
۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠
And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا﴾ مُهاجِرًا وطَرِيقًا، يُراغِمُ بِسُلُوكِهِ قَوْمَهُ، أيْ: يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ. والرَغْمُ: الذُلُّ، والهَوانُ. وأصْلُهُ: لُصُوقُ الأنْفِ بِالرَغامِ، وهو التُرابُ. يُقالُ: راغَمْتُ الرَجُلَ، إذا فارَقَتْهُ وهو يَكْرَهُ مُفارَقَتَكَ لِمَذَلَّةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ.
﴿كَثِيرًا وسَعَةً﴾ في الرِزْقِ، أوْ في إظْهارِ الدِينِ، أوْ في الصَدْرِ، لِتَبَدُّلِ الخَوْفِ بِالأمْنِ ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُ" ﴿إلى اللهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَ اللهُ ورَسُولُهُ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ قَبْلَ بُلُوغِهِ مُهاجَرَهُ، وهو عَطْفٌ عَلى "يَخْرُجُ" ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ أيْ: حَصَلَ لَهُ الأجْرُ بِوَعْدِ اللهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ، فَلا شَيْءَ يَجِبُ عَلى اللهِ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ.
﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قالُوا: كُلُّ هِجْرَةٍ لِطَلَبِ عِلْمٍ، أوْ حَجٍّ، أوْ جِهادٍ، أوْ فِرارٍ إلى بَلَدٍ يَزْدادُ فِيهِ طاعَةً، أوْ قَناعَةً، أوْ زُهْدًا، أوِ ابْتِغاءَ رِزْقٍ طَيِّبٍ، فَهي هِجْرَةٌ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، وإنْ أدْرَكَهُ المَوْتُ في طَرِيقِهِ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ.
(p-٣٩٠)
4:101Page 94
وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١
And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.
﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ سافَرْتُمْ فِيها، فالضَرْبُ في الأرْضِ هو السَفَرُ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ حَرَجٌ ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ في أنْ تَقْصُرُوا ﴿مِنَ الصَلاةِ﴾ مِن أعْدادِ رَكَعاتِ الصَلاةِ، فَتُصَلُّوا الرُباعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ القَصْرَ رُخْصَةٌ في السَفَرِ، والإكْمالُ عَزِيمَةٌ، كَما قالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ "جُناحَ" يُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعِ التَخْفِيفِ، والرُخْصَةِ لا في مَوْضِعِ العَزِيمَةِ. وقُلْنا: القَصْرُ عَزِيمَةٌ غَيْرُ رُخْصَةٍ، ولا يَجُوزُ الإكْمالُ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «صَلاةُ السَفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ، » وأمّا الآيَةُ فَكَأنَّهم ألِفُوا الإتْمامَ، فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنَّ عَلَيْهِمْ نُقْصانًا في القَصْرِ، فَنَفى عَنْهُمُ الجُناحَ لِتَطْلِيبِ أنْفُسِهِمْ بِالقَصْرِ، ويَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إنْ خَشِيتُمْ أنْ يَقْصِدَكُمُ الكُفّارُ بِقَتْلٍ، أوْ جُرْحٍ، أوْ أخْذٍ. والخَوْفُ: شَرْطُ جَوازِ القَصْرِ عِنْدَ الخَوارِجِ ظاهِرُ النَصِّ، وعِنْدَ الجُمْهُورِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، لِما رُوِيَ «عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: ما بالُنا نَقْصُرُ وقَدْ أمِنّا؟ فَقالَ: عَجِبْتُ مِمّا تَعَجَّبْتَ مِنهُ، فَسَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيْكُمْ، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". » وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإكْمالُ في السَفَرِ، لِأنَّ التَصَدُّقَ بِما لا يَحْتَمِلُ التَمْلِيكَ إسْقاطٌ مَحْضٌ لا يَحْتَمِلُ الرَدَّ، وإنْ كانَ المُتَصَدِّقُ مِمَّنْ لا تَلْزَمُ طاعَتُهُ كَوَلِيِّ القِصاصِ إذا عَفا، فَمَن تَلْزَمُ طاعَتُهُ أوْلى، ولِأنَّ حالَهم حِينَ نُزُولِ الآيَةِ كَذَلِكَ، فَنَزَلَتْ عَلى وفْقِ الحالِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النُورُ: ٣٣] دَلِيلُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ: (مِنَ الصَلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ) أيْ: لِئَلّا يَفْتِنَكُمْ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ قَصْرُ الأحْوالِ، وهو أنْ يُومِئَ عَلى الدابَّةِ عِنْدَ الخَوْفِ، أوْ يُخَفِّفَ القِراءَةَ والرُكُوعَ والسُجُودَ والتَسْبِيحَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ فَتَحَرَّزُوا عَنْهم.
(p-٣٩١)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences