An-NasafiAn‑Nisa · 4:102–128

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:102–128

4:102Page 95

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٠٢

And when you [i.e., the commander of an army] are among them and lead them in prayer,1 let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allāh has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

﴿وَإذا كُنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿فِيهِمْ﴾ في أصْحابِكَ ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَلاةَ﴾ فَأرَدْتَ أنْ تُقِيمَ الصَلاةَ بِهِمْ، وبِظاهِرِهِ تَعَلَّقَ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ فَلا يَرى صَلاةَ الخَوْفِ بَعْدَهُ عَلَيْهِ السَلامُ. وقالا: الأئِمَّةُ نُوّابٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في كُلِّ عَصْرٍ، فَكانَ الخِطابُ لَهُ مُتَناوِلًا لِكُلِّ إمامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التَوْبَةُ: ١٠٣]. دَلِيلُهُ فِعْلُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ فاجْعَلْهم طائِفَتَيْنِ، فَلْتَقُمْ إحْداهُما مَعَكَ فَصَلِّ بِهِمْ، وتَقُومُ طائِفَةٌ تُجاهَ العَدُوِّ ﴿وَلْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ تُجاهَ العَدُوِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُصَلِّينَ، فَقالُوا: يَأْخُذُونَ مِنَ السِلاحِ ما لا يَشْغَلُهم عَنِ الصَلاةِ، كالسَيْفِ، والخِنْجَرِ، ونَحْوِهِما.

﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ أيْ: قَيَّدُوا رَكْعَتَهم بِسَجْدَتَيْنِ، فالسُجُودُ عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَنا، وعِنْدَ مالِكٍ بِمَعْنى الصَلاةِ ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ أيْ: إذا صَلَّتْ هَذِهِ الطائِفَةُ الَّتِي مَعَكَ رَكْعَةً، فَلْيَرْجِعُوا لِيَقِفُوا بِإزاءِ العَدُوِّ.

﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ في مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِطائِفَةٍ ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أيْ: ولْتَحْضُرِ الطائِفَةُ الواقِعَةُ بِإزاءِ العَدُوِّ، فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الرَكْعَةَ الثانِيَةَ.

﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ ما يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنَ العَدُوِّ، كالدِرْعِ، ونَحْوِهِ.

﴿وَأسْلِحَتَهُمْ﴾ جَمْعُ سِلاحٍ، وهو ما يُقاتِلُ بِهِ، وأخْذُ السِلاحِ شَرْطٌ عِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وعِنْدَنا مُسْتَحَبٌّ، وكَيْفِيَّةُ صَلاةِ الخَوْفِ مَعْرُوفَةٌ.

﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ أيْ: تَمَنَّوْا أنْ يَنالُوا مِنكم غِرَّةً في صَلاتِكم ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ فَيَشُدُّونَ عَلَيْكم شِدَّةً واحِدَةً ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا﴾ في أنْ تَضَعُوا ﴿أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ رَخَّصَ لَهم في وضْعِ الأسْلِحَةِ إنْ ثَقُلَ (p-٣٩٢)عَلَيْهِمْ حَمْلُها، بِسَبَبِ ما يَبُلُّهم مِن مَطَرٍ، أوْ يُضْعِفُهم مِن مَرَضٍ، وأمَرَهم مَعَ ذَلِكَ بِأخْذِ الحَذَرِ لِئَلّا يَغْفُلُوا، فَيَهْجُمَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ.

﴿إنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ أخْبَرَ أنَّهُ يُهِينُ عَدُوَّهُمْ، لِتَقْوى قُلُوبُهُمْ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ لَيْسَ لِتَوَقُّعِ غَلَبَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإنَّما هو تَعَبُّدٌ مِنَ اللهِ تَعالى.

4:103Page 95

فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣

And when you have completed the prayer, remember Allāh standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.

﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَلاةَ﴾ فَرَغْتُمْ مِنها ﴿فاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: دُومُوا عَلى ذِكْرِ اللهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، أوْ فَإذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَلاةِ فَصَلُّوا قِيامًا إنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وقُعُودًا إنْ عَجَزْتُمْ عَنِ القِيامِ، ومُضْطَجِعِينَ إنْ عَجَزْتُمْ عَنِ القُعُودِ،

﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ سَكَنْتُمْ بِزَوالِ الخَوْفِ ﴿فَأقِيمُوا الصَلاةَ﴾ فَأتِمُّوها بِطائِفَةٍ واحِدَةٍ، أوْ إذا أقَمْتُمْ فَأتِمُّوا ولا تَقْصُرُوا، أوْ إذا اطْمَأْنَنْتُمْ بِالصِحَّةِ فَأتَمُّوا القِيامَ، والرُكُوعَ، والسُجُودَ.

﴿إنَّ الصَلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ مَكْتُوبًا مَحْدُودًا بِأوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ.

4:104Page 95

وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.

﴿وَلا تَهِنُوا﴾ ولا تَضْعُفُوا، ولا تَتَوانَوْا.

﴿فِي ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ، والتَعَرُّضِ بِهِ لَهُمْ، ثُمَّ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ ما يَجِدُونَ مِنَ الألَمِ بِالجُرْحِ والقَتْلِ مُخْتَصًّا بِكُمْ، بَلْ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهم يُصِيبُهم كَما يُصِيبُكُمْ، ثُمَّ إنَّهم يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ فَما لَكم لا تَصْبِرُونَ مِثْلَ صَبْرِهِمْ؟! مَعَ أنَّكم أجْدَرُ مِنهم بِالصَبْرِ، لِأنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ، مِن إظْهارِ دِينِكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ، ومِنَ الثَوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ.

﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بِما يَجِدُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الألَمِ ﴿حَكِيمًا﴾ في تَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ.

4:105Page 95

إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.

رُوِيَ «أنَّ طَعْمَةَ بْنَ أُبِيرِقَ - أحَدَ بَنِي ظُفَرَ- سَرَقَ دِرْعًا مِن جارٍ لَهُ اسْمُهُ قَتادَةُ بْنُ النُعْمانِ، في جِرابِ دَقِيقٍ، فَجَعَلَ الدَقِيقُ يَنْتَثِرُ مِن خَرْقٍ فِيهِ، (p-٣٩٣)وَخَبَّأها عِنْدَ زَيْدِ بْنِ السَمِينِ -رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ- فالتَمُسِتِ الدِرْعُ عِنْدَ طُعْمَةَ فَلَمْ تُوجَدْ، وحَلَفَ ما أخَذَها، وما لَهُ بِها عِلْمٌ، فَتَرَكُوهُ، واتَّبَعُوا أثَرَ الدَقِيقِ حَتّى انْتَهى إلى مَنزِلِ اليَهُودِيِّ فَأخَذُوها، فَقالَ: دَفَعَها إلَيَّ طُعْمَةُ، وشَهِدَ لَهُ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَتْ بَنُو ظُفَرَ: انْطَلِقُوا بِنا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَألُوهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ صاحِبِهِمْ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَفْعَلْ هَلَكَ صاحِبُنا، وافْتَضَحَ، وبَرِئَ اليَهُودِيُّ، فَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَفْعَلَ فَنَزَلَ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ » أيْ: مُحِقًّا ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ﴾ بِما عَرَّفَكَ، وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، وقالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِما ألْهَمَكَ بِالنَظَرِ في أُصُولِهِ المُنَزَّلَةِ، وفِيهِ دَلالَةُ جَوازِ الِاجْتِهادِ في حَقِّهِ.

﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ لِأجْلِ الخائِنِينَ ﴿خَصِيمًا﴾ مُخاصِمًا، أيْ: ولا تُخاصِمِ اليَهُودَ لِأجْلِ بَنِي ظُفَرَ.

4:106Page 96

وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦

And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿واسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ ﴿إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

4:107Page 96

وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧

And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.

﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ، جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الضَرَرَ راجِعٌ إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِ: طُعْمَةُ، ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَتَناوَلَ طُعْمَةَ، وكُلَّ مَن خانَ خِيانَتَهُ.

﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ وإنَّما قِيلَ: بِلَفْظِ المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ مِن طُعْمَةَ أنَّهُ مُفْرِطٌ في الخِيانَةِ، ورُكُوبِ المَآثِمِ. ورُوِيَ أنَّ طُعْمَةَ هَرَبَ إلى مَكَّةَ، وارْتَدَّ، ونَقَبَ حائِطًا بِمَكَّةَ لِيَسْرِقَ أهْلَهُ، فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّ لَها أخَواتٍ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي، وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ إنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ.

4:108Page 96

يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨

They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.

﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يَسْتَتِرُونَ ﴿مِنَ الناسِ﴾ حَياءً مِنهُمْ، وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ.

﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ ولا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ وهو عالِمٌ بِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافٍ مِن سِرِّهِمْ، وكَفى بِهَذِهِ الآيَةِ ناعِيَةً عَلى الناسِ ما هم فِيهِ مِن قِلَّةِ الحَياءِ، والخَشْيَةِ مِن رَبِّهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهم في حَضْرَتِهِ لا سُتْرَةَ، ولا غَيْبَةَ ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ﴾ يُدَبِّرُونَ، وأصْلُهُ: أنْ يَكُونَ لَيْلًا.

﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ وهو تَدْبِيرُ طُعْمَةَ أنْ يَرْمِيَ بِالدِرْعِ في دارِ زَيْدٍ لِيُسَرَّقَ دُونَهُ، ويَحْلِفُ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْها، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكَلامَ هو المَعْنى القائِمُ بِالنَفْسِ، حَيْثُ سَمّى التَدْبِيرَ قَوْلًا: ﴿وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ عالِمًا عِلْمَ إحاطَةٍ.

4:109Page 96

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩

Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ "ها" لِلتَّنْبِيهِ في "أنْتُمْ"، و"أُولاءِ"، وهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. و﴿جادَلْتُمْ﴾ خاصَمْتُمْ وهي جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ "أُولاءِ" خَبَرًا، كَقَوْلِكَ لِبَعْضِ الأسْخِياءِ: أنْتَ حاتِمٌ تَجُودُ بِمالِكَ، أوْ "أُولاءِ" اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى، الَّذِينَ، وجادَلْتُمْ صِلَتُهُ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ ﴿عَنْهُمْ﴾ عَنْ طُعْمَةَ وقَوْمِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا فَمَن يُجادِلُ اللهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللهُ بِعَذابِهِ، وقُرِئَ: (عَنْهُ) أيْ: عَنْ طُعْمَةَ.

﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ حافِظًا، ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللهِ، وعَذابِهِ.

4:110Page 96

وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠

And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.

﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ ذَنْبًا دُونَ الشِرْكِ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِالشَرَكِ، أوْ "سُوءًا" قَبِيحًا يَتَعَدّى ضَرَرُهُ إلى الغَيْرِ، كَما فَعَلَ طُعْمَةُ بِقَتادَةَ واليَهُودِيِّ،

﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِما يَخْتَصُّ بِهِ كالحَلِفِ الكاذِبِ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ يَسْألْ مَغْفِرَتَهُ.

﴿يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لَهُ، وهَذا بَعْثٌ لِطُعْمَةَ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَوْبَةِ.

4:111Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١

And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.

﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ لِأنَّ وبالَهُ عَلَيْها ﴿وَكانَ (p-٣٩٥)اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فَلا يُعاقِبُ بِالذَنْبِ غَيْرَ فاعِلِهِ.

4:112Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ صَغِيرَةً ﴿أوْ إثْمًا﴾ أوْ كَبِيرَةً، أوِ الأوَّلُ ذَنْبٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، والثانِي: ذَنْبٌ في مَظالِمِ العِبادِ،

﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ كَما رَمى طُعْمَةُ زَيْدًا ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ كَذِبًا عَظِيمًا ﴿وَإثْمًا مُبِينًا﴾ ذَنْبًا ظاهِرًا، وهَذا لِأنَّهُ بِكَسْبِ الإثْمِ آثِمٌ، وبِرَمْيِ البَرِيءِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، والبُهْتانُ: كَذِبٌ يَبْهَتُ مَن قِيلَ عَلَيْهِ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ.

4:113Page 96

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣

And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ أيْ: عِصْمَتُهُ، ولُطْفُهُ مِنَ الإطْلاعِ عَلى سِرِّهِمْ.

﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ مِن بَنِي ظُفَرَ، أوِ المُرادُ بِالطائِفَةِ: بَنُو ظُفَرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمْ" يَعُودُ إلى الناسِ،

﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾ عَنِ القَضاءِ بِالحَقِّ، وتَوَخِّي طَرِيقِ العَدْلِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ الجانِيَ صاحِبُهم.

﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِأنَّ وبالَهُ عَلَيْهِمْ.

﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّكَ إنَّما عَمِلْتَ بِظاهِرِ الحالِ، وما كانَ يَخْطُرُ بِبالِكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

﴿وَأنْـزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ ﴿والحِكْمَةَ﴾ والسُنَّةَ ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مِن أُمُورِ الدِينِ، والشَرائِعِ، أوْ مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ، وضَمائِرِ القُلُوبِ،

﴿وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ فِيما عَلَّمَكَ، وأنْعَمَ عَلَيْكَ.

4:114Page 97

۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ مِن تَناجِي الناسِ.

﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ، وهو مَجْرُورٌ وبَدَلٌ مِن "كَثِيرٍ" أوْ مِن "نَجْواهُمْ"، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِانْقِطاعِ بِمَعْنى: ولَكِنْ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَفي نَجْواهُ الخَيْرُ.

﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: قَرْضٌ، أوْ إغاثَةُ مَلْهُوفٍ، أوْ كُلُّ جَمِيلٍ، أوِ المُرادُ بِالصَدَقَةِ: الزَكاةُ، وبِالمَعْرُوفِ: التَطَوُّعُ.

﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ﴾ أيْ: (p-٣٩٦)إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ.

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المَذْكُورَ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ طَلَبَ رِضا اللهِ، وخَرَجَ عَنْهُ مِن فِعْلِ ذَلِكَ رِياءً، أوْ تَرَؤُّسًا، وهو مَفْعُولٌ لَهُ، والإشْكالُ أنَّهُ قالَ: ﴿إلا مَن أمَرَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ والجَوابُ أنَّهُ ذَكَرَ الأمْرَ بِالخَيْرِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى فاعِلِهِ، لِأنَّهُ إذا دَخَلَ الآمِرُ بِهِ في زُمْرَةِ الخَيِّرِينَ كانَ الفاعِلُ فِيهِمْ أدْخَلَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ فَذَكَرَ الفاعِلَ، وقَرَنَ بِهِ الوَعْدَ بِالأجْرِ العَظِيمِ، أوِ المُرادُ ومَن يَأْمُرْ بِذَلِكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الأمْرِ بِالفِعْلِ.

﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ (يُؤْتِيهِ) أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ.

4:115Page 97

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken1 and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ ومَن يُخالِفِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ وُضُوحِ الدَلِيلِ، وظُهُورِ الرُشْدِ.

﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: السَبِيلَ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الدِينِ الحَنِيفِيِّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ لا تَجُوزُ مُخالَفَتُها، كَما لا تَجُوزُ مُخالَفَةُ الكِتابِ والسُنَّةِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ مُشاقَّةِ الرَسُولِ في الشَرْطِ، وجَعَلَ جَزاءَهُ الوَعِيدَ الشَدِيدَ، فَكانَ اتِّباعُهم واجِبًا كَمُوالاةِ الرَسُولِ.

﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّى مِنَ الضَلالِ، ونَدَعْهُ وما اخْتارَهُ في الدُنْيا.

﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ في العُقْبى ﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ قِيلَ: هي في طُعْمَةَ، وارْتِدادِهِ.

4:116Page 97

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.

﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ الصَوابِ.

4:117Page 97

إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴿إلا إناثًا﴾ جَمْعُ أُنْثى، وهي اللاتُ، والعُزّى، ومَناةُ، ولَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، يُسَمُّونَهُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ. وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ في (p-٣٩٧)أصْنامِهِمْ: هُنَّ بَناتُ اللهِ.

﴿وَإنْ يَدْعُونَ﴾ ما يَعْبُدُونَ ﴿إلا شَيْطانًا﴾ لِأنَّهُ هو الَّذِي أغْراهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، فَأطاعُوهُ، فَجُعِلَتْ طاعَتُهم لَهُ عِبادَةً ﴿مَرِيدًا﴾ خارِجًا عَنِ الطاعَةِ، عارِيًا عَنِ الخَيْرِ، ومِنهُ: الأمْرَدُ.

4:118Page 97

لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨

Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

﴿لَعَنَهُ اللهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ﴾ صِفَتانِ، يَعْنِي: شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللهِ، وهَذا القَوْلِ الشَنِيعِ.

﴿مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ مَقْطُوعًا واجِبًا لِي، مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ، وواحِدًا لِلَّهِ.

4:119Page 97

وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allāh." And whoever takes Satan as an ally instead of Allāh has certainly sustained a clear loss.

﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ بِالدُعاءِ إلى الضَلالَةِ، والتَزْيِينِ، والوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَ إنْفاذُ الضَلالَةِ إلَيْهِ لَأضَلَّ الكُلَّ ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ولَأُلْقِيَنَّ في قُلُوبِهِمُ الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن: طُولِ الأعْمارِ، وبُلُوغِ الآمالِ.

﴿وَلآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ البَتْكُ: القَطْعُ، والتَبْتِيكُ: لِلتَّكْثِيرِ والتَكْرِيرِ، أيْ: لَأحْمِلَنَّهم عَلى أنْ يَقْطَعُوا آذانَ الأنْعامِ، كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ الناقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها ﴿وَلآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ بِفَقْءِ عَيْنِ الحامِي، وإعْفائِهِ عَنِ الرُكُوبِ، أوْ بِالخِصاءِ، وهو مُباحٌ في البَهائِمِ مَحْظُورٌ في بَنِي آدَمَ، أوْ بِالوَشْمِ، أوْ بِنَفْيِ الأنْسابِ واسْتِلْحاقِها، أوْ بِتَغْيِيرِ الشَيْبِ بِالسَوادِ، أوْ بِالتَحْرِيمِ والتَحْلِيلِ، أوْ بِالتَخَنُّثِ، أوْ بِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اللهِ الَّتِي هي دِينُ الإسْلامِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الرُومُ: ٣٠] ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ﴾ وأجابَ إلى ما دَعاهُ إلَيْهِ ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ في الدارَيْنِ.

4:120Page 97

يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠

He [i.e., Satan] promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

﴿يَعِدُهُمْ﴾ يُوَسْوِسُ إلَيْهِمْ أنْ لا جَنَّةَ، ولا نارَ، ولا بَعْثَ، ولا حِسابَ.

﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ما لا يَنالُونَ ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ هو أنْ يَرى شَيْئًا يَظْهَرُ خِلافُهُ.

(p-٣٩٨)

4:121Page 97

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ مَعْدِلًا، ومَفَرًّا.

4:122Page 98

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allāh, [which is] truth, and who is more truthful than Allāh in statement.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ ولَمْ يَتَّبِعُوا الشَيْطانَ في الأمْرِ بِالكُفْرِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقَرَأ النَخَعِيُّ: (سَيُدْخِلُهُمْ) ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ، الأوَّلُ: مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ، والثانِي: مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ.

﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلا﴾ قَوْلًا. وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنهُ. وهو تَأْكِيدٌ ثالِثٌ، وفائِدَةُ هَذِهِ التَوْكِيداتِ مُقابَلَةُ مَواعِيدِ الشَيْطانِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ بِوَعْدِ اللهِ الصادِقِ لِأوْلِيائِهِ.

4:123Page 98

لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣

It [i.e., Paradise] is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allāh a protector or a helper.

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ لَيْسَ الأمْرُ عَلى شَهَواتِكم وأمانِيِّكم -أيُّها المُشْرِكُونَ- أنْ تَنْفَعَكُمُ الأصْنامُ.

﴿وَلا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ ولا عَلى شَهَواتِ اليَهُودِ والنَصارى، حَيْثُ قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةُ: ١٨] ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البَقَرَةُ: ٨٠] ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابِ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ:

4:124Page 98

وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ، و"مِن" الأُولى: لِلتَّبْعِيضِ، والثانِيَةُ: لِبَيانِ الإبْهامِ فِيمَن يَعْمَلُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأعْمالَ لَيْسَتْ مِنَ الإيمانِ.

﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ (يُدْخَلُونَ) مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ.

﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ قَدْرُ النَقِيرِ، وهو النَقْرَةُ في ظَهْرِ النَواةِ. والراجِعُ في ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ لِعُمّالِ السُوءِ وعُمّالِ الصالِحاتِ جَمِيعًا، وجازَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ دَلِيلًا عَلى ذِكْرِهِ (p-٣٩٩)عِنْدَ الآخَرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ تَمَنِّي أهْلِ الكِتابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البَقَرَةُ: ٨١] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ /

4:125Page 98

وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥

And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.

﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وجَعَلَها سالِمَةً لَهُ، لا يَعْرِفُ لَها رَبًّا ولا مَعْبُودًا سِواهُ.

﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ عامِلٌ لِلْحَسَناتِ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، وهو حالٌ مِنَ المُتَّبِعِ، أوْ مِن إبْراهِيمَ.

﴿واتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ هو الأصْلُ: المُخالُّ، وهُوَ: الَّذِي يُخالُّكَ، أيْ: يُوافِقُكَ في خِلالِكَ، أوْ يُداخِلُكَ خِلالَ مَنزِلِكَ، أوْ يَسُدُّ خَلَلَكَ كَما يَسُدُّ خَلَلُهُ. فالخُلَّةُ: صَفاءُ مَوَدَّةٍ تُوجِبُ الِاخْتِصاصَ بِتَخَلُّلِ الأسْرارِ، والمَحَبَّةُ أصْفى، لِأنَّها مِن حَبَّةِ القَلْبِ. وهي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَقَوْلِهِ:

؎.... والحَوادِثُ جَمَّةٌ

وَفائِدَتُها: تَأْكِيدُ وُجُوبِ اتِّباعِ مِلَّتِهِ وطَرِيقَتِهِ، لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُلْفى عِنْدَ اللهِ أنِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، كانَ جَدِيرًا بِأنَّ تُتَّبَعَ مِلَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ، ولَوْ جَعْلَتَها مَعْطُوفَةً عَلى الجُمَلِ قَبْلَها لَمْ يَكُنْ لَها مَعْنًى، وفي الحَدِيثِ: « "اتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا لِإطْعامِهِ الطَعامَ، وإفْشائِهِ السَلامَ، وصَلاتِهِ بِاللَيْلِ والناسُ نِيامٌ". » وقِيلَ: أُوحِيَ إلَيْهِ: إنَّما اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا، لِأنَّكَ تُحِبُّ أنْ تُعْطِيَ ولا تُعْطى. وفي رِوايَةٍ: لِأنَّكَ تُعْطِي الناسَ ولا تَسْألُهم.

(p-٤٠٠)

4:126Page 98

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اتِّخاذَهُ خَلِيلًا لِاحْتِياجِ الخَلِيلِ إلَيْهِ، لا لِاحْتِياجِهِ تَعالى إلَيْهِ، لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ عالِمًا.

4:127Page 98

وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا ١٢٧

And they request from you, [O Muḥammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allāh gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them1 - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allāh is ever Knowing of it.

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ﴾ ويَسْألُونَكَ الإفْتاءَ في النِساءِ، والإفْتاءُ: تَبَيُّنُ المُبْهَمِ ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِساءِ﴾ أيِ: اللهُ يُفْتِيكُمْ، والمَتْلُوُّ في الكِتابِ، أيِ: القُرْآنُ في مَعْنى اليَتامى، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النِساءُ: ٣] وهو مِن قَوْلِكَ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ. "وَما يُتْلى": في مَحَلِّ الرَفْعِ بِالعَطْفِ عَلى الضَمِيرِ في "يُفْتِيكُمْ" أوْ عَلى لَفْظِ "اللهِ". و﴿فِي يَتامى النِساءِ﴾ صِلَةُ يُتْلى، أيْ: يُتْلى عَلَيْكم في مَعْناهُنَّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "فِي يَتامى النِساءِ" بَدَلًا مِن "فِيهِنَّ". والإضافَةُ بِمَعْنى مِن ﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ما فَرَضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ. وكانَ الرَجُلُ مِنهم يَضُمُّ اليَتِيمَةَ إلى نَفْسِهِ ومالَها، فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَها، وأكَلَ المالَ، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً عَضَلَها عَنِ التَزَوُّجِ حَتّى تَمُوتَ، فَيَرِثُها ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ: في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِجَمالِهِنَّ، أوْ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِدَمامَتِهِنَّ.

﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ أيِ: اليَتامى، وهو مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى يَتامى النِساءِ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ إنَّما يُورِثُونَ الرِجالَ القَوّامَ بِالأُمُورِ، دُونَ الأطْفالِ والنِساءِ.

﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى﴾ مَجْرُورٌ كالمُسْتَضْعَفِينَ، بِمَعْنى: يُفْتِيكم في يَتامى النِساءِ وفي المُسْتَضْعَفِينَ، وفي أنْ تَقُومُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِمَعْنى: ويَأْمُرُكم أنْ تَقُومُوا. وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةِ في أنْ يَنْظُرُوا لَهُمْ، ويَسْتَوْفُوا لَهم حُقُوقَهم.

﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ في مِيراثِهِمْ ومالِهِمْ ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ شَرْطٌ وجَوابُهُ: ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

(p-٤٠١)

4:128Page 99

وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ تَوَقَّعَتْ مِنهُ ذَلِكَ، لِما لاحَ لَها مِن مَخايِلِهِ، وأمارَتِهِ. والنُشُوزُ: أنْ يَتَجافى عَنْها بِأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ، وأنْ يُؤْذِيَها بِسَبٍّ، أوْ ضَرْبٍ.

﴿أوْ إعْراضًا﴾ عَنْها، بِأنْ يُقِلَّ مُحادَثَتَها ومُؤانَسَتَها بِسَبَبِ كِبَرِ سِنٍّ، أوْ دَمامَةٍ، أوْ شَيْءٍ في خَلْقٍ أوْ خُلُقٍ، أوْ مِلالٍ، أوْ طُمُوحِ عَيْنٍ إلى أُخْرى، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما) كُوفِيٌّ، (يَصّالَحا) غَيْرُهُمْ، أيْ: يَتَصالَحا، وهو أصْلُهُ، فَأُبْدِلَتِ التاءُ صادًا، وأُدْغِمَتْ ﴿صُلْحًا﴾ في مَعْنى مَصْدَرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ. ومَعْنى الصُلْحِ: أنْ يَتَصالَحا عَلى أنْ تَطِيبَ لَهُ نَفْسًا عَنِ القِسْمَةِ، أوْ عَنْ بَعْضِها، أوْ تَهَبُ لَهُ بَعْضَ المَهْرِ، أوْ كُلَّهُ، أوِ النَفَقَةَ.

﴿والصُلْحُ خَيْرٌ﴾ مِنَ الفُرْقَةِ، أوْ مِنَ النُشُوزِ، أوْ مِنَ الخُصُومَةِ في كُلِّ شَيْءٍ، أوْ ﴿والصُلْحُ خَيْرٌ﴾ مِنَ الخُيُورِ، كَما أنَّ الخُصُومَةَ شَرٌّ مِنَ الشُرُورِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ﴾ أيْ: جُعِلَ الشُحُّ حاضِرًا لَها لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا، ولا تَنْفَكُّ عَنْهُ، يَعْنِي: أنَّها مَطْبُوعَةٌ عَلَيْهِ، والمُرادُ: أنَّ المَرْأةَ لا تَكادُ تَسْمَحُ بِقَسْمِها، والرَجُلُ لا يَكادُ يَسْمَحُ بِأنْ يَقْسِمَ لَها إذا رَغِبَ عَنْها، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَطْلُبُ ما فِيهِ راحَتُهُ. وأُحْضِرَتْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والأوَّلُ: الأنْفُسُ، ثُمَّ حَثَّ عَلى مُخالَفَةِ الطَبْعِ، ومُتابَعَةِ الشَرْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُحْسِنُوا﴾ بِالإقامَةِ عَلى نِسائِكُمْ، وإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ، وأحْبَبْتُمْ غَيْرَهُنَّ، وتَصْبِرُوا عَلى ذَلِكَ مُراعاةً لِحَقِّ الصُحْبَةِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النُشُوزَ والإعْراضَ، وما يُؤَدِّي إلى الأذى، والخُصُومَةِ ﴿فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإحْسانِ، والتَقْوى ﴿خَبِيرًا﴾ فَيُثِيبُكم عَلَيْهِ.

وَكانَ عُمَرُ الخارِجِيُّ مِن أدَمِّ بَنِي آدَمَ، وامْرَأتُهُ مِن أجْمَلِهِمْ فَنَظَرَتْ إلَيْهِ، وقالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى أنِّي وإيّاكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ. قالَ: كَيْفَ؟ فَقالَتْ: لِأنَّكَ (p-٤٠٢)رُزِقْتَ مِثْلِي فَشَكَرْتَ، ورُزِقْتُ مِثْلَكَ فَصَبَرَتْ، والجَنَّةُ مَوْعُودَةٌ لِلشّاكِرِينَ والصابِرِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском