An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:43–63
4:43Page 85
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣
O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying1 or in a state of janābah,2 except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women [i.e., had sexual intercourse] and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allāh is ever Pardoning3 and Forgiving.
وَلَمّا صَنَعَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا وشَرابًا ودَعا نَفَرًا مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم حِينَ كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، فَقَدَّمُوا أحَدَهم لِيُصَلِّيَ بِهِمُ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وأنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، نَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ أيْ: لا تَقْرَبُوها في هَذِهِ الحالَةِ ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أيْ: تَقْرَءُونَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ رِدَّةَ السَكْرانِ لَيْسَتْ بِرِدَّةٍ، لِأنَّ قِراءَةَ سُورَةِ الكافِرُونَ بِطَرْحِ اللاماتِ كُفْرٌ، (p-٣٦٠)وَلَمْ يَحْكم بِكُفْرِهِ حَتّى خاطَبَهم بِاسْمِ الإيمانِ، وما أمَرَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالتَفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، ولا بِتَجْدِيدِ الإيمانِ، ولِأنَّ الأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلى أنَّ مَن أجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ مُخْطِئًا لا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ.
﴿وَلا جُنُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وَأنْتُمْ سُكارى﴾ لِأنَّ مَحَلَّ الجُمْلَةِ مَعَ الواوِ النَصْبُ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ سُكارى ولا جُنُبًا، أيْ: ولا تُصَلُّوا جُنُبًا، والجُنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، لِأنَّهُ اسْمٌ جَرى مَجْرى المَصْدَرِ الَّذِي هو الإجْنابُ.
﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "جُنُبًا" أيْ: لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ جُنُبًا غَيْرَ عابِرِي سَبِيلٍ، أيْ: جُنُبًا مُقِيمِينَ غَيْرَ مُسافِرِينَ، والمُرادُ بِالجُنُبِ: الَّذِينَ لَمْ يَغْتَسِلُوا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ غَيْرَ مُغْتَسِلِينَ.
﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ أيْ: إلّا أنْ تَكُونُوا مُسافِرِينَ عادِمِينَ الماءَ مُتَيَمِّمِينَ، عَبَّرَ عَنِ المُتَيَمِّمِ بِالمُسافِرِ، لِأنَّ غالِبَ حالِهِ عَدَمُ الماءِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ﴾ أيْ: مَواضِعَ الصَلاةِ، وهي المَساجِدُ.
﴿وَلا جُنُبًا﴾ أيْ: ولا تَقْرُبُوا المَسْجِدَ جُنُبًا ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إلّا مُجْتازِينَ فِيهِ، فَيَجُوزُ لِلْجُنُبِ العُبُورُ في المَسْجِدِ عِنْدَ الحاجَةِ.
﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ أيِ: المُطْمَئِنِّ مِنَ الأرْضِ، وكانُوا يَأْتُونَهُ لِقَضاءِ الحاجَةِ، فَكَنّى بِهِ عَنِ الحَدَثِ.
﴿أوْ لامَسْتُمُ النِساءَ﴾ جامَعْتُمُوهُنَّ. كَذا عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وابْنِ عَبّاسٍ.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ فَلَمْ تَقْدِرُوا عَلى اسْتِعْمالِهِ لِعَدَمِهِ، أوْ بُعْدِهِ، أوْ فَقْدِ آلَةِ الوُصُولِ إلَيْهِ، أوْ لِمانِعٍ مِن حَيَّةٍ، أوْ سَبُعٍ، أوْ عَدُوٍّ.
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أدْخَلَ في حُكْمِ الشَرْطِ أرْبَعَةً، وهُمُ: المَرْضى، والمُسافِرُونَ، والمُحْدِثُونَ، وأهْلُ الجَنابَةِ. والجَزاءُ الَّذِي هو الأمْرُ بِالتَيَمُّمِ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ جَمِيعًا. فالمَرْضى إذا عَدِمُوا الماءَ لِضَعْفِ حَرَكَتِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، والمُسافِرُونَ إذا عَدِمُوهُ لِبُعْدِهِ، والمُحْدِثُونَ وأهْلُ الجَنابَةِ إذا لَمْ يَجِدُوهُ [لِبَعْضِ الأسْبابِ]. (p-٣٦١)فَلَهم أنْ يَتَيَمَّمُوا. (لَمَسْتُمْ) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.
﴿صَعِيدًا﴾ قالَ الزَجّاجُ: هو وجْهُ الأرْضِ، تُرابًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وإنْ كانَ صَخْرًا لا تُرابَ عَلَيْهِ لَوْ ضَرَبَ المُتَيَمِّمُ يَدَهُ ومَسَحَ، لَكانَ ذَلِكَ طَهُورَهُ. و"مِن" في سُورَةِ المائِدَةِ لِابْتِداءِ الغايَةِ لا لِلتَّبْعِيضِ ﴿طَيِّبًا﴾ طاهِرًا ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ قِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ.
﴿إنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا﴾ بِالتَرْخِيصِ، والتَيْسِيرِ ﴿غَفُورًا﴾ عَنِ الخَطَأِ والتَقْصِيرِ.
4:44Page 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?
﴿ألَمْ تَرَ﴾ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وعُدِّيَ بِإلى عَلى مَعْنى: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ بِمَعْنى: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ.
﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ حَظًّا مِن عِلْمِ التَوْراةِ، وهم أحْبارُ اليَهُودِ.
﴿يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ﴾ يَسْتَبْدِلُونَها بِالهُدى، وهو البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ لَهم عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وأنَّهُ هو النَبِيُّ العَرَبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في التَوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾ أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿السَبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ كَما ضَلُّوهُ.
4:45Page 86
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.
﴿واللهُ أعْلَمُ﴾ مِنكم ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَةِ هَؤُلاءِ فاحْذَرُوهُمْ، ولا تَسْتَنْصِحُوهم في أُمُورِكُمْ،
﴿وَكَفى بِاللهِ ولِيًّا﴾ في النَفْعِ ﴿وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ في الدَفْعِ، فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ، ونُصْرَتِهِ دُونَهُمْ، أوْ لا تُبالُوا بِهِمْ، فَإنَّ اللهَ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، ويَكْفِيكم مَكْرَهم. "وَلِيًّا" و"نَصِيرًا" مَنصُوبانِ عَلى التَمْيِيزِ، أوْ عَلى الحالِ.
4:46Page 86
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦
Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، أوْ بَيانٌ لِأعْدائِكُمْ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَصِيرًا﴾ أيْ: يَنْصُرُكم ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأنْبِياءُ: ٧٧]. أوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قَوْمٌ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ فَـ "قَوْمٌ": مُبْتَدَأٌ، و"يُحَرِّفُونَ" صِفَةٌ لَهُ، والخَبَرُ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ وهو "قَوْمٌ"، وأُقِيمَ صِفَتُهُ، وهو ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ (p-٣٦٢)مَواضِعِهِ﴾ يُمِيلُونَهُ عَنْها، ويُزِيلُونَهُ، لِأنَّهم إذا بَدَّلُوهُ ووَضَعُوا مَكانَهُ كَلِمًا غَيْرَهُ، فَقَدْ أمالُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ في التَوْراةِ، الَّتِي وضَعَهُ اللهُ تَعالى فِيها، وأزالُوهُ عَنْها، وذَلِكَ نَحْوُ تَحْرِيفِهِمْ: "أسْمَرُ رَبْعَةٌ" عَنْ مَوْضِعِهِ في التَوْراةِ بِوَضْعِهِمْ: "آدَمُ طَوِيلٌ" مَكانَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ هُنا ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفي المائِدَةِ ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائِدَةُ: ٤١] فَمَعْنى "عَنْ مَواضِعِهِ" عَلى ما بَيَّنّا مِن إزالَتِهِ عَنْ مَواضِعِهِ، الَّتِي أوْجَبَتْ حِكْمَةُ اللهِ وضْعَهُ فِيها، بِما اقْتَضَتْ شَهَواتُهم مِن إبْدالِ غَيْرِهِ مَكانَهُ. ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أنَّهُ كانَ لَهُ مَواضِعُ هو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ فِيها، فَحِينَ حَرَّفُوهُ تَرَكُوهُ كالغَرِيبِ الَّذِي لا مَوْضِعَ لَهُ بَعْدَ مَواضِعِهِ ومَقارِّهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ.
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ ﴿وَعَصَيْنا﴾ أمْرَكَ، قِيلَ: أسَرُّوا بِهِ ﴿واسْمَعْ﴾ قَوْلَنا ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ حالٌ مِنَ المُخاطَبِ، أيِ: اسْمَعْ وأنْتَ غَيْرُ مُسْمَعٍ، هو قَوْلٌ ذُو وجْهَيْنِ يَحْتَمِلُ الذَمَّ، أيِ: اسْمَعْ مِنّا مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ، لِأنَّهُ لَوْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهم عَلَيْهِ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا، فَكانَ أصَمَّ غَيْرَ مُسْمَعٍ، قالُوا ذَلِكَ اتِّكالًا عَلى أنَّ قَوْلَهُمْ: لا سَمِعْتَ، دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، ومَعْناهُ: غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا يُوافِقُكَ، فَكَأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ شَيْئًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، فَسَمْعُكَ عَنْهُ نابٍ، ويَحْتَمِلُ المَدْحَ أيِ: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، مِن قَوْلِكَ: أسْمَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا سَبَّهُ.
﴿وَراعِنا﴾ يَحْتَمِلُ راعِنا: نُكَلِّمْكَ، أيِ: ارْقُبْنا، وانْتَظِرْنا. ويَحْتَمِلُ شِبْهَ كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ، أوْ سُرْيانِيَّةٍ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها، وهى "راعِينا" فَكانُوا سُخْرِيَةً بِالدِينِ، وهُزُؤًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ بِكَلامٍ مُحْتَمِلٍ، يَنْوُونَ بِهِ الشَتِيمَةَ، والإهانَةَ، ويُظْهِرُونَ بِهِ التَوْقِيرَ، والإكْرامَ.
﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ فَتْلًا بِها وتَحْرِيفًا، أيْ: يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمُ الحَقَّ إلى الباطِلِ، حَيْثُ يَضَعُونَ "راعِنا" مَوْضِعَ "انْظُرْنا" و﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ مَوْضِعَ "لا سَمِعْتَ مَكْرُوهًا" أوْ يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَتْمِ إلى ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَوْقِيرِ نِفاقًا.
﴿وَطَعْنًا في الدِينِ﴾ هو قَوْلُهُمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا حَقًّا لَأُخْبِرَ بِما نَعْتَقِدُ فِيهِ: ﴿وَلَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ ولَمْ يَقُولُوا: ﴿وَعَصَيْنا﴾ ﴿واسْمَعْ﴾ ولَمْ يُلْحِقُوا بِهِ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ (p-٣٦٣)﴿وانْظُرْنا﴾ مَكانَ راعِنا لَكانَ قَوْلُهم ذاكَ: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ عِنْدَ اللهِ ﴿وَأقْوَمَ﴾ وأعْدَلَ، وأسَدَّ.
﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ طَرَدَهُمْ، وأبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ بِسَبَبِ اخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ،
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مِنهم قَدْ آمَنُوا كَعَبْدِ اللهِ ابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، أوْ إلّا إيمانًا قَلِيلًا ضَعِيفًا لا يُعْبَأُ بِهِ، وهو إيمانُهم بِمَن خَلَقَهم مَعَ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِهِ.
4:47Page 86
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧
O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.
وَلَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا نَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ.
﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي: التَوْراةَ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ أيْ: نَمْحُو تَخْطِيطَ صُوَرِها مِن عَيْنٍ، وحاجِبٍ، وأنْفٍ، وفَمٍ.
﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فَنَجْعَلُها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها، وهي الأقْفاءُ مَطْمُوسَةً مِثْلَها، والفاءُ لِلتَّسْبِيبِ. وإنْ جَعَلْتَها لِلتَّعْقِيبِ عَلى أنَّهم تُوُعِّدُوا بِعِقابَيْنِ أحَدُهُما عَقِيبَ الآخَرِ، رَدُّها عَلى أدْبارِها بَعْدَ طَمْسِها، فالمَعْنى: أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنُنَكِّسَ الوُجُوهَ إلى خَلْفٍ، والأقْفاءَ إلى قُدّامٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالطَمْسِ: القَلْبُ والتَغْيِيرُ، كَما طَمَسَ أمْوالَ القِبْطِ فَقَلَبَها حِجارَةً، وبِالوُجُوهِ: رُءُوسُهم ووُجَهاؤُهُمْ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تُغَيَّرَ أحْوالُ وُجَهائِهِمْ، فَنَسْلُبُهم إقْبالَهُمْ، ووَجاهَتَهُمْ، ونَكْسُوهم صَغارَهُمْ، وإدْبارَهم.
﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَبْتِ﴾ أيْ: نُخْزِيهِمْ بِالمَسْخِ كَما مَسْخْنا أصْحابَ السَبْتِ، والضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى الوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ الوُجَهاءُ، أوْ إلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والوَعِيدِ كانَ مُعَلَّقًا بِألّا يُؤْمِنَ كُلُّهُمْ، وقَدْ آمَنَ بَعْضُهُمْ، فَإنَّ ابْنَ سَلامٍ قَدْ سَمِعَ الآيَةَ قافِلًا مِنَ الشامِ، فَأتى النَبِيَّ ﷺ مُسْلِمًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ، وقالَ: ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلى أهْلِي قَبْلَ أنْ يَطْمِسَ اللهُ وجْهِي، أوْ أنَّ اللهَ تَعالى أوْعَدَهم بِأحَدِ الأمْرَيْنِ بِطَمْسِ الوُجُوهِ، أوْ بِلَعْنِهِمْ فَإنْ كانَ الطَمْسُ تَبَدُّلَ أحْوالِ رُؤَسائِهِمْ فَقَدْ كانَ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَقَدْ حَصَلَ اللَعْنُ، فَإنَّهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَظَرٌ في اليَهُودِ.
﴿وَكانَ أمْرُ اللهِ﴾ أيِ: المَأْمُورُ بِهِ، وهو العَذابُ، الَّذِي أُوعِدُوا بِهِ (p-٣٦٤)﴿مَفْعُولا﴾ كائِنًا لا مَحالَةَ، فَلا بُدَّ أنْ يَقَعَ أحَدُ الأمْرَيْنِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
4:48Page 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.
﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إنْ ماتَ عَلَيْهِ ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما دُونَ الشِرْكِ، وإنْ كانَ كَبِيرَةً مَعَ عَدَمِ التَوْبَةِ، والحاصِلُ: أنَّ الشِرْكَ مَغْفُورٌ عَنْهُ بِالتَوْبَةِ، وأنَّ وعْدَ غُفْرانِ ما دُونَهُ لِمَن لَمْ يَتُبْ، أيْ: لا يَغْفِرُ لِمَن يُشْرِكُ وهو مُشْرِكٌ، ويَغْفِرُ لِمَن يُذْنِبُ وهو مُذْنِبٌ، قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن لَقِيَ اللهَ تَعالى لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، ولَمْ تَضُرَّهُ خَطِيئَتُهُ". » وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ لا يُخْرِجُهُ عَنْ عُمُومِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ [الشُورى: ١٩]. قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وحَمْلُ المُعْتَزِلَةِ عَلى التائِبِ باطِلٌ، لِأنَّ الكُفْرَ مَغْفُورٌ عَنْهُ بِالتَوْبَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنْفالُ: ٣٨] فَما دُونَهُ أوْلى أنْ يُغْفَرَ بِالتَوْبَةِ، والآيَةُ سِيقَتْ لِبَيانِ التَفْرِقَةِ بَيْنَهُما، وذا فِيما ذَكَرْنا ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ كَذِبَ كَذِبًا عَظِيمًا، اسْتَحَقَّ بِهِ عَذابًا ألِيمًا.
4:49Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩
Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].
وَنَزَلَ فِيمَن زَكّى نَفْسَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، حَيْثُ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ، وقالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ ويَدْخُلُ فِيها كُلُّ مَن زَكّى نَفْسَهُ، ووَصَفَها بِزَكاءِ العَمَلِ، وزِيادَةِ الطاعَةِ، والتَقْوى.
﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ تَزْكِيَةَ اللهِ هي الَّتِي يُعْتَدُّ بِها، لا تَزْكِيَةَ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ هو العالِمُ بِمَن هو أهْلٌ لِلتَّزْكِيَةِ، ونَحْوُهُ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النَجْمُ: ٣٢] ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ حَقَّ جَزائِهِمْ، أوْ مَن يَشاءُ يُثابُونَ عَلى زَكائِهِمْ، ولا يَنْقُصُ مِن ثَوابِهِمْ ﴿فَتِيلا﴾ قَدْرَ فَتِيلٍ، وهو ما يَحْدُثُ بِفَتْلِ الأصابِعِ مِنَ الوَسَخِ.
(p-٣٦٥)
4:50Page 86
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ في زَعْمِهِمْ أنَّهم عِنْدَ اللهِ أزْكِياءُ ﴿وَكَفى بِهِ﴾ بِزَعْمِهِمْ هَذا ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن بَيْنِ سائِرِ آثامِهِمْ.
4:51Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ،
﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ﴾ أيِ: الأصْنامِ، وكُلِّ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللهِ.
﴿والطاغُوتِ﴾ الشَيْطانِ.
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ وذَلِكَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ، وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ مَعَ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ الكِتابِ، وأنْتُمْ إلى مُحَمَّدٍ أقْرَبُ مِنّا، وهو أقْرَبُ مِنكم إلَيْنا، فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكُمْ، فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكُمْ، فَفَعَلُوا، فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطاغُوتِ، لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ، وأطاعُوا إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَعْنَةُ فِيما فَعَلُوا. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: أنَحْنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقالَ كَعْبٌ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا.
4:52Page 87
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ وأبْعَدَهم مَن رَحْمَتِهِ ﴿وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يُعْتَدُّ بِنَصْرِهِ.
4:53Page 87
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.
ثُمَّ وصَفَ اليَهُودَ بِالبُخْلِ والحَسَدِ، وهُما مِن شَرِّ الخِصالِ، يَمْنَعُونَ ما لَهُمْ، ويَتَمَنَّوْنَ ما لِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ فَـ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ: الإنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ.
﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا﴾ أيْ: لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ -أيْ: مُلْكِ أهْلِ الدُنْيا، أوْ مُلْكِ اللهِ- فَإذًا لا يُؤْتُونَ أحَدًا مِقْدارَ نَقِيرٍ لِفَرْطِ بُخْلِهِمْ. والنَقِيرُ: النَقْرَةُ في ظَهْرِ النَواةِ، وهو مَثَلٌ في القِلَّةِ كالفَتِيلِ.
4:54Page 87
أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤
Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.
﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ بَلْ أيَحْسُدُونَ رَسُولَ اللهِ (p-٣٦٦)ﷺ والمُؤْمِنِينَ، عَلى إنْكارِ الحَسَدِ واسْتِقْباحِهِ، وكانُوا يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنَ النُصْرَةِ، والغَلَبَةِ، وازْدِيادِ العِزِّ، والتَقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ.
﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ أيِ: التَوْراةَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾ المَوْعِظَةَ، والفِقْهَ.
﴿وَآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ يُوسُفَ، وداوُدَ، وسُلَيْمانَ عَلَيْهِمُ السَلامُ. وهُنا إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللهِ الكِتابَ والحِكْمَةَ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ.
4:55Page 87
فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥
And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.
﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ ﴿وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ وأنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهِ، أوْ مِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ومِنهم مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ، وأعْرَضَ عَنْهُ ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ لِلصّادِّينَ.
4:56Page 87
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا ٥٦
Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a fire. Every time their skins are roasted through, We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allāh is ever Exalted in Might and Wise.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ نُدْخِلُهم ﴿نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أُحْرِقَتْ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ أعَدْنا تِلْكَ الجُلُودَ غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، فالتَبْدِيلُ والتَغْيِيرُ لِتَغايُرِ الهَيْئَتَيْنِ، لا لِتَغايُرِ الأصْلَيْنِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، خِلافًا لِلْكَرّامِيَّةِ، وعَنْ فُضَيْلٍ: يَجْعَلُ النَضِيجَ غَيْرَ نَضِيجٍ.
﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقَهُ، ولا يَنْقَطِعَ، كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللهُ، أيْ: أدامَكَ عَلى عِزِّكَ.
﴿إنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا﴾ غالِبًا بِالِانْتِقامِ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ بِالمُجْرِمِينَ.
﴿حَكِيمًا﴾ فِيما يَفْعَلُ بِالكافِرِينَ.
4:57Page 87
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا ٥٧
But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ مِنَ الأنْجاسِ، والحَيْضِ، والنِفاسِ.
﴿وَنُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ هو صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِلِّ لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ ألْيَلُ، (p-٣٦٧)وَهُوَ ما كانَ طَوِيلًا فَيْنانًا: لا جُوَبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَمْسُ، وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ ولا بَرْدَ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ظِلَّ الجَنَّةِ.
4:58Page 87
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨
Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.
ثُمَّ خاطَبَ الوُلاةَ بِأداءِ الأماناتِ، والحُكْمِ بِالعَدْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ وقِيلَ: قَدْ دَخَلَ في هَذا الأمْرِ أداءُ الفَرائِضِ الَّتِي هي أمانَةُ اللهِ تَعالى، الَّتِي حَمَلَها الإنْسانُ، وحَفِظَ الحَواسَّ الَّتِي هي ودائِعُ اللهِ تَعالى.
﴿وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ﴾ قَضَيْتُمْ ﴿أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ بِالسَوِيَّةِ، والإنْصافِ. وقِيلَ: «إنَّ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدارِ كانَ سادِنَ الكَعْبَةِ، وقَدْ أخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنهُ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ أمَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَقَدْ أنْزَلَ اللهُ في شَأْنِكَ قُرْآنًا"، وقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ. فَأسْلَمَ عُثْمانُ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ وأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنَّ السَدانَةَ في أوْلادِ عُثْمانَ أبَدًا. »﴿إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ "ما" نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِـ "يَعِظُكم بِهِ" كَأنَّهُ قِيلَ: نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ، أوْ مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ صِلَتُها ما بَعْدَها، أيْ: نِعْمَ الشَيْءُ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ: نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ ذاكَ، وهو المَأْمُورُ بِهِ مِن أداءِ الأماناتِ، والعَدْلِ في الحُكْمِ، وبِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ، مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. وبِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ، شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.
﴿إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا﴾ لِأقْوالِكم ﴿بَصِيرًا﴾ بِأعْمالِكم.
4:59Page 87
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allāh and the Messenger, if you should believe in Allāh and the Last Day. That is the best [way] and best in result.
لَمّا أمَرَ الوُلاةَ بِأداءِ الأماناتِ والحُكْمِ بِالعَدْلِ أمَرَ الناسَ بِأنْ يُطِيعُوهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ أيِ: الوُلاةَ، أوِ العُلَماءَ، لِأنَّ أمْرَهم يُنَفَّذُ عَلى الأُمَراءِ.
﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ فَإنِ اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وأُولُو الأمْرِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِينِ ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَسُولِ﴾ أيِ: (p-٣٦٨)ارْجِعُوا فِيهِ إلى الكِتابِ والسُنَّةِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: إنَّ الإيمانَ يُوجِبُ الطاعَةَ دُونَ العِصْيانِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ طاعَةَ الأُمَراءِ واجِبَةٌ إذا وافَقُوا الحَقَّ، فَإذا خالَفُوهُ فَلا طاعَةَ لَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ". » وحُكِيَ أنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ قالَ لِأبِي حازِمٍ: ألَسْتُمْ أُمِرْتُمْ بِطاعَتِنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ ؟ فَقالَ أبُو حازِمٍ: ألَيْسَ قَدْ نُزِعَتِ الطاعَةُ عَنْكم إذا خالَفْتُمُ الحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَسُولِ﴾ ؟ أيِ: القُرْآنِ والرَسُولِ في حَياتِهِ، وإلى أحادِيثِهِ بَعْدَ وفاتِهِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَدِّ، أيِ: الرَدِّ إلى الكِتابِ والسُنَّةِ.
﴿خَيْرٌ﴾ عاجِلًا ﴿وَأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ عاقِبَةً.
4:60Page 88
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠
Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to ṭāghūt,1 while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.
«كانَ بَيْنَ بِشْرٍ المُنافِقِ ويَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى النَبِيِّ ﷺ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَرْتَشِي، ودَعا المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ لِيَرْشُوَهُ، فاحْتَكَما إلى النَبِيِّ ﷺ، فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ: تَعالى نَتَحاكَمْ إلى عُمَرَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَضى لى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَقالَ عُمَرُ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ عُمَرُ فَأخَذَ سَيْفَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ المُنافِقِ، فَقالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ وقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أنْتَ الفارُوقُ" »﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿يَزْعُمُونَ﴾ ﴿أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ﴾ أيْ: كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، سَمّاهُ اللهُ طاغُوتًا، لِإفْراطِهِ في الطُغْيانِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. أوْ عَلى التَشْبِيهِ بِالشَيْطانِ، أوْ جُعِلَ اخْتِيارُ (p-٣٦٩)التَحاكُمِ إلى غَيْرِ اللهِ عَلى التَحاكُمِ إلَيْهِ تَحاكُمًا إلى الشَيْطانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُضِلَّهُمْ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ مُسْتَمِرًّا إلى المَوْتِ.
4:61Page 88
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ لِلْمُنافِقِينَ ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ﴾ لِلتَّحاكُمِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ يُعْرِضُونَ عَنْكَ إلى غَيْرِكَ لِيُغْرُوهُ بِالرِشْوَةِ، فَيَقْضِيَ لَهم.
4:62Page 88
فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢
So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."
﴿فَكَيْفَ﴾ تَكُونُ حالُهُمْ، وكَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ مِن قَتْلِ عُمَرَ بِشْرًا ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ التَحاكُمِ إلى غَيْرِكَ، واتِّهامِهِمْ لَكَ في الحُكْمِ.
﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ أيْ: أصْحابُ القَتِيلِ مِنَ المُنافِقِينَ،
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ حالٌ ﴿إنْ أرَدْنا﴾ ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ.
﴿إلا إحْسانًا﴾ لا إساءَةً ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَةً لَكَ، ولا تَسَخُّطًا لِحُكْمِكَ، وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَدَمُ، ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ، وقِيلَ: جاءَ أوْلِياءُ المُنافِقِ يَطْلُبُونَ بِدَمِهِ، وقَدْ أهْدَرَهُ اللهُ، فَقالُوا: ما أرَدْنا بِالتَحاكُمِ إلى عُمَرَ إلّا أنْ يُحْسِنَ إلى صاحِبِنا بِحُكُومَةِ العَدْلِ والتَوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، وما خَطَرَ بِبالِنا أنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِما حَكَمَ بِهِ.
4:63Page 88
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣
Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِفاقِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ فَأعْرِضْ عَنْ قَبُولِ الأعْذارِ، وعِظْ بِالزَجْرِ والإنْكارِ، وبالِغْ في وعْظِهِمْ بِالتَخْوِيفِ والإنْذارِ، أوْ أعْرِضْ عَنْ عِقابِهِمْ، وعِظْهم في عِتابِهِمْ، وبَلِّغْ كُنْهَ ما في ضَمِيرِكَ مِنَ الوَعْظِ بِارْتِكابِهِمْ، والبَلاغَةِ: أنْ يُبَلِّغَ بِلِسانِهِ كُنْهَ ما في جَنانِهِ. و" في أنْفُسِهِمْ " يَتَعَلَّقُ بِـ " قُلْ لَهم " أيْ: قُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسهمْ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المَطْوِيَّةِ عَلى (p-٣٧٠)النِفاقِ ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ يَبْلُغُ مِنهم ويُؤَثِّرُ فِيهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences