An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:64–85
4:64Page 88
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.
﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ أيْ: رَسُولًا قَطُّ.
﴿لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ في طاعَتِهِ وتَيْسِيرِهِ، أوْ بِسَبَبِ إذْنِ اللهِ في طاعَتِهِ، وبِأنَّهُ أمَرَ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُطِيعُوهُ، لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنِ اللهِ، فَطاعَتُهُ طاعَةُ اللهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالتَحاكُمِ إلى الطاغُوتِ ﴿جاءُوكَ﴾ تائِبِينَ مِنَ النِفاقِ، مُعْتَذِرِينَ عَمّا ارْتَكَبُوا مِنَ الشِقاقِ،
﴿فاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ مِنَ النِفاقِ والشِقاقِ ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ﴾ بِالشَفاعَةِ لَهم. والعامِلُ في ﴿إذْ ظَلَمُوا﴾ خَبَرُ أنَّ وهو ﴿جاءُوكَ﴾ والمَعْنى: ولَوْ وقَعَ مَجِيئُهم في وقْتِ ظُلْمِهِمْ مَعَ اسْتِغْفارِهِمْ واسْتِغْفارِ الرَسُولِ.
﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا﴾ لَعَلِمُوهُ تَوّابًا، أيْ: لَتابَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَقُلْ: واسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، وعَدَلَ عَنْهُ إلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ ﷺ، وتَعْظِيمًا لِاسْتِغْفارِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ شَفاعَةَ مَنِ اسْمُهُ الرَسُولُ مِنَ اللهِ بِمَكانٍ.
﴿رَحِيمًا﴾ بِهِمْ، قِيلَ: جاءَ أعْرابِيٌّ بَعْدَ دَفْنِهِ ﷺ فَرَمى بِنَفْسِهِ عَلى قَبْرِهِ، وحَثا مِن تُرابِهِ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، قَلْتَ: فَسَمِعْنا، وكانَ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةُ، وقَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وجِئْتُكَ أسْتَغْفِرُ اللهَ مِن ذَنْبِي، فاسْتَغْفِرْ لِي مِن رَبِّي، فَنُودِيَ مِن قَبَرِهِ: قَدْ غُفِرَ لَكَ!.
4:65Page 88
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥
But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.
﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ أيْ: فَوَرَبِّكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ [الحِجْرُ: ٩٢] و"لا" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أوِ التَقْدِيرُ "فَلا" أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ، ومِنهُ: الشَجَرُ، لِتَداخُلِ أغْصانِهِ.
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيقًا ﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ أيْ: لا تَضِيقُ صُدُورُهم مِن حُكْمِكَ، أوْ شَكًّا، لِأنَّ الشاكَّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ (p-٣٧١)حَتّى يَلُوحَ لَهُ اليَقِينُ ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ويَنْقادُوا لِقَضائِكَ انْقِيادًا، وحَقِيقَتُهُ: سَلَّمَ نَفْسَهُ لَهُ وأسْلَمَها، أيْ: جَعَلَها سالِمَةً لَهُ، أيْ: خالِصَةً، و"تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَنْقادُوا لِحُكْمِكَ انْقِيادًا لا شُبْهَةَ فِيهِ بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ. والمَعْنى: لا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ حَتّى يَرْضَوْا بِحُكْمِكَ وقَضائِكَ.
4:66Page 89
وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦
And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].
﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ: ولَوْ وقَعَ كَتْبُنا عَلَيْهِمْ.
﴿أنِ اقْتُلُوا﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: تَعَرَّضُوا لِلْقَتْلِ بِالجِهادِ، أوْ ولَوْ أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما أوْجَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِهِمْ أنْفُسَهُمْ،
﴿أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ بِالهِجْرَةِ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ لِنِفاقِهِمْ، والهاءُ ضَمِيرُ أحَدِ مَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ، وهو القَتْلُ، أوِ الخُرُوجُ، أوْ ضَمِيرُ المَكْتُوبِ لِدَلالَةِ كَتَبْنا عَلَيْهِ.
﴿إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ (قَلِيلًا) شامِيٌّ، عَلى الِاسْتِثْناءِ، والرَفْعُ عَلى البَدَلِ مِن واوِ "فَعَلُوهُ".
﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ.
﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الدارَيْنِ ﴿وَأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لِإيمانِهِمْ، وأبْعَدَ عَنِ الِاضْطِرابِ فِيهِ.
4:67Page 89
وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧
And then We would have given them from Us a great reward.
﴿وَإذًا﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَثْبِيتِ؟ فَقِيلَ: "وَإذًا" ولَوْ ثَبَتُوا ﴿لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ثَوابًا كَثِيرًا لا يَنْقَطِعُ.
4:68Page 89
وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨
And We would have guided them to a straight path.
﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: لَثَبَّتْناهم عَلى الدِينِ الحَقِّ.
4:69Page 89
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩
And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.
﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ والرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ﴾ كَأفاضِلِ صَحابَةِ الأنْبِياءِ، والصِدِّيقُ: المُبالِغُ في صِدْقِ ظاهِرِهِ بِالمُعامَلَةِ، وباطِنِهِ بِالمُراقَبَةِ، أوِ الَّذِي يَصْدُقُ قَوْلُهُ بِفِعْلِهِ.
﴿والشُهَداءِ﴾ والَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا (p-٣٧٢)فِي سَبِيلِ اللهِ ﴿والصالِحِينَ﴾ ومَن صَلَحَتْ أحْوالُهُمْ، وحَسُنَتْ أعْمالُهم.
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أيْ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا! وهو كالصَدِيقِ، والخَلِيطِ في اسْتِواءِ الواحِدِ، والجَمْعِ فِيهِ.
4:70Page 89
ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠
That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.
﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿الفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ أوِ الفَضْلُ صِفَتُهُ و"مِنَ اللهِ" خَبَرُهُ. والمَعْنى: أنَّ ما أُعْطِي المُطِيعُونَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ، ومُرافَقَةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، مِنَ اللهِ، لِأنَّهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ، أوْ أرادَ أنَّ فَضْلَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ومَرْتَبَتَهم مِنَ اللهِ ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ بِعِبادِهِ، وبِمَن هو أهْلُ الفَضْلِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعِبادِهِ فَهو فَضْلٌ مِنهُ، بِخِلافِ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.
4:71Page 89
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١
O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الحِذْرُ والحَذَرُ بِمَعْنًى، وهو التَحَرُّزُ، وهُما كالإثْرِ والأثَرِ، يُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ، إذا تَيَقَّظَ، واحْتَرَزَ مِنَ المَخُوفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَقِي بِها نَفْسَهُ، ويَعْصِمُ بِها رُوحَهُ، والمَعْنى: احْذَرُوا واحْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ.
﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ فاخْرُجُوا إلى العَدُوِّ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، فالثُباتُ: الجَماعاتُ، واحِدُها: ثُبَةٌ.
﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ، أوْ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، لِأنَّ الجَمْعَ بِدُونِ السَمْعِ لا يَتِمُّ، والعِقْدَ بِدُونِ الواسِطَةِ لا يَنْتَظِمُ، أوْ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ إذا لَمْ يَعُمَّ النَفِيرُ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذا عَمَّ النَفِيرُ، و"ثُباتٍ" حالٌ، وكَذا "جَمِيعًا".
4:72Page 89
وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢
And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."
واللامُ في ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن﴾ لِلِابْتِداءِ بِمَنزِلَتِها في إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وإنَّ مِنكم لَمَن أُقْسِمُ بِاللهِ لِيُبَطِّئَنَّ، والقَسَمُ وجَوابُهُ صِلَةُ مَن، والضَمِيرُ الراجِعُ مِنها إلَيْهِ ما اسْتَكَنَّ في "لَيُبَطِّئَنَّ" أيْ: لَيَتَثاقَلَنَّ، ولِيَتَخَلَّفْنَ عَنِ الجِهادِ، وبَطُؤَ بِمَعْنى: أبْطَأ، أيْ: تَأخَّرَ. ويُقالُ: ما بَطُؤَ بِكَ، فَيَتَعَدّى بِالباءِ، والخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: "مِنكُمْ" أيْ: في الظاهِرِ دُونَ الباطِنِ، يَعْنِي: المُنافِقِينَ، يَقُولُونَ: لِمَ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ، تَأنَّوْا حَتّى يَظْهَرَ الأمْرُ.
﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ، أوْ هَزِيمَةٌ (p-٣٧٣)"قالَ" المُبَطِّئُ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ حاضِرًا، فَيُصِيبَنِي مِثْلَ ما أصابَهم.
4:73Page 89
وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣
But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1
﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ فَتْحٌ، أوْ غَنِيمَةٌ.
﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هَذا المُبَطِّئُ مُتَلَهِّفًا عَلى ما فاتَهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، لا طَلبًا لِلْمَثُوبَةِ، (كَأنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ، أيْ: كَأنَّهُ. (لَمْ يَكُنْ) وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وحَفْصٌ.
﴿بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ وهي اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ، وهو "لَيَقُولَنَّ" وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، وهو ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعَكم مُوادَّةٌ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُوادُّونَ المُؤْمِنِينَ في الظاهِرِ، وإنْ كانُوا يَبْغُونَ لَهُمُ الغَوائِلَ في الباطِنِ ﴿فَأفُوزَ﴾ بِالنَصْبِ، لِأنَّهُ جَوابُ التَمَنِّي ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فَآخُذَ مِنَ الغَنِيمَةِ حَظًّا وافِرًا.
4:74Page 89
۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤
So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.
﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ يَبِيعُونَ ﴿الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ﴾ والمُرادُ: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الآجِلَةَ عَلى العاجِلَةِ، ويَسْتَبْدِلُونَها بِها، أيْ: إنْ صَدَّ الَّذِينَ مَرِضَتْ قُلُوبُهُمْ، وضَعُفَتْ نِيّاتُهم عَنِ القِتالِ، فَلْيُقاتِلِ الثابِتُونَ المُخْلِصُونَ، أوْ يَشْتَرُونَ، والمُرادُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ، وُعِظُوا بِأنْ يُغَيِّرُوا ما بِهِمْ مِنَ النِفاقِ، ويُخْلِصُوا الإيمانَ بِاللهِ ورَسُولِهِ، ويُجاهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ حَقَّ جِهادِهِ.
﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وعَدَ اللهُ المُقاتِلَ في سَبِيلِ اللهِ ظافِرًا، أوْ مَظْفُورًا بِهِ إيتاءَ الأجْرِ العَظِيمِ عَلى اجْتِهادِهِ في إعْزازِ دِينِ اللهِ.
(p-٣٧٤)
4:75Page 90
وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥
And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?
﴿وَما لَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ في النَفْيِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِبْطاءِ، وفي الإثْباتِ لِلْإنْكارِ.
﴿لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ، كَما تَقُولُ: مالَكَ قائِمًا؟ والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ لَكم تارِكِينَ القِتالَ، وقَدْ ظَهَرَتْ دَواعِيهِ؟! ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى " سَبِيل اللهِ " أيْ: في سَبِيلِ اللهِ، وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنهُ، أيْ: واخْتَصَّ مِن سَبِيلِ اللهِ خَلاصَ المُسْتَضْعَفِينَ [مِنَ المُسْتَضْعِفِينَ]، لِأنَّ سَبِيلَ اللهِ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ، وخَلاصُ المُسْتَضْعَفِينَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ مِن أعْظَمِ الخَيْرِ، وأخَصِّهِ. والمُسْتَضْعَفُونَ: هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ، وصَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ الهِجْرَةِ، فَبَقُوا بَيْنَ أظْهُرِهم مُسْتَذَلِّينَ مُسْتَضْعَفِينَ، يَلْقَوْنَ مِنهُمُ الأذى الشَدِيدَ ﴿مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ﴾ ذَكَرَ الوِلْدانِ تَسْجِيلًا بِإفْراطِ ظُلْمِهِمْ، حَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الوِلْدانَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ إرْغامًا لِآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ولِأنَّ المُسْتَضْعَفِينَ كانُوا يُشْرِكُونَ صِبْيانَهم في دُعائِهِمُ اسْتِنْزالًا لِرَحْمَةِ اللهِ بِدُعاءِ صِغارِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُذْنِبُوا، كَما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النِساءِ والوِلْدانِ.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ.
﴿الظالِمِ أهْلُها﴾ الظالِمِ: وصْفٌ لِلْقَرْيَةِ، إلّا أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى أهْلِها، فَأُعْطِيَ إعْرابَ القَرْيَةِ، لِأنَّهُ صِفَتُها، وذُكِّرَ لِإسْنادِهِ إلى الأهْلِ، كَما تَقُولُ: مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي ظَلَمَ أهْلُها.
﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ يَتَوَلّى أمْرَنا، ويَسْتَنْقِذُنا مِن أعْدائِنا،
﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُنا عَلَيْهِمْ. كانُوا يَدْعُونَ اللهَ بِالخَلاصِ، ويَسْتَنْصِرُونَهُ، فَيُسِّرَ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجُ إلى المَدِينَةِ، وبَقِيَ بَعْضُهم إلى الفَتْحِ، حَتّى جَعَلَ اللهُ لَهم مِن لَدُنْهِ خَيْرَ ولِيٍّ وناصِرٍ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ فَتَوَلّاهم أحْسَنَ التَوَلِّي، ونَصَرَهم أقْوى (p-٣٧٥)النَصْرِ، ولَمّا خَرَجَ مُحَمَّدٌ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، فَرَأوْا مِنهُ الوِلايَةَ والنُصْرَةَ كَما أرادُوا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كانَ يَنْصُرُ الضَعِيفَ مِنَ القَوِيِّ، حَتّى كانُوا أعَزَّ بِها مِنَ الظَلَمَةِ.
4:76Page 90
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦
Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.
رَغَّبَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ، فَهو ولِيُّهم وناصِرُهُمْ، وأعْداؤُهم يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الشَيْطانِ، فَلا ولِيَّ لَهم إلّا الشَيْطانُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطاغُوتِ﴾ أيِ: الشَيْطانِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَيْطانِ﴾ أيِ: الكُفّارَ،
﴿إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ﴾ أيْ: وساوِسَهُ، وقِيلَ: الكَيْدُ: السَعْيُ في فَسادِ الحالِ، عَلى جِهَةِ الِاحْتِيالِ ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ لِأنَّهُ غُرُورٌ، لا يَؤُولُ إلى مَحْصُولٍ، أوْ كَيْدُهُ في مُقابَلَةِ نَصْرِ اللهِ ضَعِيفٌ.
4:77Page 90
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧
Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."
كانَ المُسْلِمُونَ مَكْفُوفِينَ عَنِ القِتالِ مَعَ الكُفّارِ ما دامُوا بِمَكَّةَ، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم فِيهِ، فَنَزَلَ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ أيْ: عَنِ القِتالِ،
﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ أيْ: فُرِضَ بِالمَدِينَةِ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ يَخافُونَ أنْ يُقاتِلَهُمُ الكُفّارُ، كَما يَخافُونَ أنْ يُنْزِلَ اللهُ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُ، لا شَكًّا في الدِينِ، ولا رَغْبَةً عَنْهُ، ولَكِنْ نُفُورًا عَنِ الإخْطارِ بِالأرْواحِ، وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ خَشْيَةُ طَبْعٍ، لا أنَّ ذَلِكَ مِنهم كَراهَةٌ لِحُكْمِ اللهِ وأمْرِهِ اعْتِقادًا، فالمَرْءُ مَجْبُولٌ عَلى كَراهَةِ ما فِيهِ خَوْفُ هَلاكِهِ غالِبًا، و"خَشْيَةِ اللهِ" مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، ومَحَلُّهُ النَصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْشَوْنَ" أيْ: يَخْشَوْنَ الناسَ مِثْلَ خَشْيَةِ اللهِ، أيْ: مُشْبِهِينَ لِأهْلِ خَشْيَةِ اللهِ ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى الحالِ، أيْ: أوْ أشَدَّ خَشْيَةً مِن أهْلِ خَشْيَةِ اللهِ. و"أوْ": لِلتَّخْيِيرِ، أيْ: إنْ قُلْتَ: خَشْيَتُهُمُ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ قُلْتَ: إنَّها أشَدُّ فَأنْتَ مُصِيبٌ، لِأنَّهُ حَصَلَ لَهم مِثْلُها وزِيادَةٌ.
﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ (p-٣٧٦)عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هَلّا أمْهَلَتْنا إلى المَوْتِ، فَنَمُوتَ عَلى الفُرُشِ، وهو سُؤالٌ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ في فَرْضِ القِتالِ عَلَيْهِمْ، لا اعْتِراضٌ لِحُكْمِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهم لَمْ يُوَبَّخُوا عَلى هَذا السُؤالِ، بَلْ أُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ مَتاعُ الدُنْيا قَلِيلٌ زائِلٌ، ومَتاعُ الآخِرَةِ كَثِيرٌ دائِمٌ، والكَثِيرُ إذا كانَ عَلى شَرَفِ الزَوالِ فَهو قَلِيلٌ، فَكَيْفَ القَلِيلُ الزائِلُ؟! ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ولا تُنْقَصُونَ أدْنى شَيْءٍ مِن أُجُورِكم عَلى مَشاقِّ القَتْلِ، فَلا تَرْغَبُوا عَنْهُ، وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.
4:78Page 90
أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨
Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ "ما" زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الشَرْطِ في أيْنَ ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾ حُصُونٍ، أوْ قُصُورٍ.
﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ مُرَفَّعَةٍ ﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ نِعْمَةٌ مِن خِصْبٍ، ورَخاءٍ.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ نَسَبُوها إلى اللهِ ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ بَلِيَّةٌ مِن قَحْطٍ، وشِدَّةٍ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ أضافُوها إلَيْكَ، وقالُوا: هَذِهِ مِن عِنْدِكَ، وما كانَتْ إلّا بِشُؤْمِكَ، وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ واليَهُودَ كانُوا إذا أصابَهم خَيْرٌ حَمِدُوا اللهَ تَعالى، وإذا أصابَهم مَكْرُوهٌ نَسَبُوهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَذَّبَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ والمُضافُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: كُلُّ ذَلِكَ، فَهو يَبْسُطُ الأرْزاقَ ويَقْبِضُها.
﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ يَفْهَمُونَ ﴿حَدِيثًا﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ هو الباسِطُ القابِضُ، وكُلُّ ذَلِكَ صادِرٌ عَنْ حِكْمَةٍ.
4:79Page 90
مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩
What comes to you of good is from Allāh, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself.1 And We have sent you, [O Muḥammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allāh as Witness.2
ثُمَّ قالَ: ﴿ما أصابَكَ﴾ يا إنْسانُ، خِطابًا عامًّا، وقالَ الزَجّاجَ: المُخاطَبُ بِهِ النَبِيُّ ﷺ، والمُرادُ غَيْرُهُ ﴿مِن حَسَنَةٍ﴾ مِن نِعْمَةٍ، وإحْسانٍ.
﴿فَمِنَ اللهِ﴾ تَفَضُّلًا مِنهُ، وامْتِنانًا.
﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ مِن بَلِيَّةٍ، ومُصِيبَةٍ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ فَمِن عِنْدِكَ، أيْ: فَبِما كَسَبَتْ يَداكَ،
﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ (p-٣٧٧)أيْدِيكُمْ﴾ ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ لا مُقَدَّرًا حَتّى نَسَبُوا إلَيْكَ الشِدَّةَ، أوْ أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا، فَإلَيْكَ تَبْلِيغُ الرِسالَةِ، ولَيْسَ إلَيْكَ الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ.
﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ بِأنَّكَ رَسُولُهُ، وقِيلَ: هَذا مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ، أيْ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يَقُولُونَ: " ما أصابَكَ ". وحَمْلُ المُعْتَزِلَةِ الحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ، تَعَسُّفٌ بَيِّنٌ، وقَدْ نادى عَلَيْهِ " ما أصابَكَ " إذْ يُقالُ في الأفْعالِ: ما أصَبْتَ، ولِأنَّهم لا يَقُولُونَ الحَسَناتُ مِنَ اللهِ خَلْقًا وإيجادًا، فَأنّى يَكُونُ لَهم حُجَّةٌ في ذَلِكَ؟! و"شَهِيدًا" تَمْيِيزٌ.
4:80Page 91
مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠
He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.
﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَنْهى إلّا بِما أمَرَ اللهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ، فَكانَتْ طاعَتُهُ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ طاعَةً لِلَّهِ ﴿وَمَن تَوَلّى﴾ عَنِ الطاعَةِ فَأعْرَضَ عَنْهُ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، وتُحاسِبُهم عَلَيْها، وتُعاقِبُهم.
4:81Page 91
وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١
And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ ويَقُولُ المُنافِقُونَ: إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ ﴿طاعَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ.
﴿فَإذا بَرَزُوا﴾ خَرَجُوا ﴿مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ زَوَّرَ، وسَوّى، فَهو مِنَ البَيْتُوتَةِ، لِأنَّهُ قَضاءُ الأمْرِ وتَدْبِيرُهُ بِاللَيْلِ، أوْ مِن أبْياتِ الشِعْرِ، لِأنَّ الشاعِرَ يُدِيرُها ويُسَوِّيها، وبِالإدْغامِ حَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو.
﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ خِلافَ ما قُلْتَ، وما أمَرْتَ بِهِ، أوْ خِلافَ ما قالَتْ، وما ضَمِنَتْ مِنَ الطاعَةِ، لِأنَّهم أبَطَنُوا الرَدَّ لا القَبُولَ، والعِصْيانَ لا الطاعَةَ، وإنَّما يُنافِقُونَ بِما يَقُولُونَ، ويُظْهِرُونَ ﴿واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ، ويُجازِيهِمْ عَلَيْهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالِانْتِقامِ مِنهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾ في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ اللهَ يَكْفِيكَ مَضَرَّتَهُمْ، ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم (p-٣٧٨)إذا قَوِيَ أمْرُ الإسْلامِ ﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾ كافِيًا لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
4:82Page 91
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢
Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ أفَلا يَتَأمَّلُونَ مَعانِيَهُ ومَبانِيَهُ. والتَدَبُّرُ: التَأمُّلُ والنَظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، والتَفَكُّرُ تَصَرُّفُ القَلْبِ بِالنَظَرِ في الدَلائِلِ. وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ مَن زَعَمَ مِنَ الرَوافِضِ أنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَسُولِ ﷺ، والإمامِ المَعْصُومِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القِياسِ، وعَلى بُطْلانِ التَقْلِيدِ.
﴿وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ﴾ كَما زَعَمَ الكُفّارُ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أيْ: تَناقُضًا مِن حَيْثُ التَوْحِيدُ، والتَشْرِيكُ، والتَحْلِيلُ، والتَحْرِيمُ. أوْ تَفاوُتًا مِن حَيْثُ البَلاغَةُ، فَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، وبَعْضُهُ قاصِرًا عَنْهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ مِن حَيْثُ المَعانِي، فَكانَ بَعْضُهُ إخْبارًا بِغَيْبٍ قَدْ وافَقَ المُخْبَرَ عَنْهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى صَحِيحٍ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى فاسِدٍ غَيْرِ مُلْتَئِمٍ. وأمّا تَعَلُّقُ المُلْحِدَةِ بِآياتٍ يَدَّعُونَ فِيها اخْتِلافًا كَثِيرًا مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعْرافُ: ١٠٧] ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ [النَمْلُ: ١٠] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرُ: ٩٢] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَحْمَنُ: ٣٩] فَقَدْ تَفَصّى عَنْها أهْلُ الحَقِّ، وسَتَجِدُها مَشْرُوحَةً في كِتابِنا هَذا في مَظانِّها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
4:83Page 91
وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣
And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.
﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ هُمُ ناسٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خِبْرَةٌ بِالأحْوالِ، أوِ المُنافِقُونَ كانُوا إذا بَلَغَهم خَبَرٌ مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن أمْنٍ، وسَلامَةٍ، أوْ خَوْفٍ، وخَلَلٍ.
﴿أذاعُوا بِهِ﴾ أفْشَوْهُ، وكانَتْ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً، يُقالُ: أذاعَ السِرَّ، وأذاعَ بِهِ، والضَمِيرُ يَعُودُ إلى الأمْرِ، أوْ إلى الأمْنِ، أوِ الخَوْفِ، لِأنَّ أوْ تَقْتَضِي أحَدَهُما ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الخَبَرَ.
﴿إلى الرَسُولِ﴾ أيْ: رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿وَإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي: كُبَراءَ الصَحابَةِ البُصَراءِ بِالأُمُورِ، أوِ الَّذِينَ كانُوا يُؤَمَّرُونَ مِنهم ﴿لَعَلِمَهُ﴾ (p-٣٧٩)لَعَلِمَ تَدْبِيرَ ما أخْبَرُوا بِهِ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطَنِهِمْ، وتَجارِبِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ ومَكائِدِها. وقِيلَ: كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ ووُثُوقٍ بِالظُهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ، أوْ عَلى خَوْفٍ واسْتِشْعارٍ، فَيُذِيعُونَهُ، فَيُنْشَرُ، فَيَبْلُغُ الأعْداءَ، فَتَعُودَ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً، ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ، وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ، وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا، لَعَلِمَ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ، وما يَأْتُونَ، ويَذَرُونَ فِيهِ، والنَبْطُ: الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، واسْتِنْباطُهُ: اسْتِخْراجُهُ، فاسْتُعِيرَ لِما يَسْتَخْرِجُهُ الرَجُلُ بِفَضْلِ ذِهْنِهِ مِنَ المَعانِي، والتَدابِيرِ فِيما يَعْضُلُ.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِإرْسالِ الرَسُولِ ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بِإنْزالِ الكِتابِ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ﴾ لَبَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ لَمْ يَتَّبِعُوهُ، ولَكِنْ آمَنُوا بِالعَقْلِ كَزَيْدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقِسِّ بْنِ ساعِدَةَ، وغَيْرِهِما.
4:84Page 91
فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤
So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1
لَمّا ذَكَرَ في الآيِ قَبْلَها تَثَبُّطَهم عَنِ القِتالِ، وإظْهارَهُمُ الطاعَةَ، وإضْمارَهم خِلافَها، قالَ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ إنْ أفْرَدُوكَ، وتَرَكُوكَ وحْدَكَ.
﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ غَيْرَ نَفْسِكَ وحْدَها أنْ تُقَدِّمَها إلى الجِهادِ، فَإنَّ اللهَ تَعالى ناصِرُكَ لا الجُنُودَ، وقِيلَ: دَعا الناسَ في بَدْرٍ الصُغْرى إلى الخُرُوجِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ واعَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ اللِقاءَ فِيها، فَكَرِهَ بَعْضُ الناسِ أنْ يَخْرُجُوا فَنَزَلَتْ، فَخَرَجَ وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ، ولَوْ لَمْ يَتَّبِعْهُ أحَدٌ لَخَرَجَ وحْدَهُ.
﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ وما عَلَيْكَ في شَأْنِهِمْ إلّا التَحْرِيضُ عَلى القِتالِ فَحَسْبُ، لا التَعْنِيفُ بِهِمْ.
﴿عَسى اللهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بَطْشَهم وشِدَّتَهُمْ، وهم قُرَيْشٌ، وقَدْ كَفَّ بَأْسَهم بِالرُعْبِ فَلَمْ يَخْرُجُوا، و"عَسى" كَلِمَةٌ مُطْمِعَةٌ، غَيْرَ أنَّ إطْماعَ الكَرِيمِ أعْوَدُ مِن إنْجازِ اللَئِيمِ.
﴿واللهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ مِن قُرَيْشٍ ﴿وَأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ تَعْذِيبًا، وهو تَمْيِيزٌ كَـ "بَأْسًا".
(p-٣٨٠)
4:85Page 91
مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥
Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1
﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ هي الشَفاعَةُ في دَفْعِ شَرٍّ، أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، مَعَ جَوازِها شَرْعًا.
﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ مِن ثَوابِ الشَفاعَةِ ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ هي خِلافُ الشَفاعَةِ الحَسَنَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ما لَها مُفَسِّرٌ غَيْرِي مَعْناهُ: مَن أمَرَ بِالتَوْحِيدِ، وقاتَلَ أهْلَ الكُفْرِ، وضِدُّهُ: السَيِّئَةُ. وقالَ الحَسَنُ: هو المَشْيُ بِالصُلْحِ، وضِدُّهُ: النَمِيمَةُ.
﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ نَصِيبٌ ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ مُقْتَدِرًا، مِن أقاتَ عَلى الشَيْءِ: اقْتَدَرَ عَلَيْهِ، أوْ حَفِيظًا، مِنَ القُوتِ، لِأنَّهُ يُمْسِكُ النَفْسَ، ويَحْفَظُها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences