An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
غافر
Ghafir
The Forgiver · Meccan · 85 ayahs
(p-١٩٧)سُورَةُ "غافِرٍ"
اَلْحَوامِيمُ كُلُّها مَكِّيّاتٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿حم﴾، وما بَعْدَهُ، بِالإمالَةِ، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ ويَحْيى وحَمّادٌ" - رَحِمَهُمُ اللهُ -، وبَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، "مَدَنِيٌّ"، وغَيْرُهم بِالتَفْخِيمِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّهُ اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ.
40:2Page 467
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,
﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾ أيْ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ،
﴿مِنَ اللهِ العَزِيزِ﴾ أيْ: المَنِيعِ بِسُلْطانِهِ عَنْ أنْ يَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ مُتَقَوِّلٌ،
﴿العَلِيمِ﴾، بِمَن صَدَّقَ بِهِ، وكَذَّبَ، فَهو تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وبِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
40:3Page 467
غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.
﴿غافِرِ الذَنْبِ﴾، ساتِرِ ذَنْبِ المُؤْمِنِينَ،
﴿وَقابِلِ التَوْبِ﴾، قابِلِ تَوْبَةِ الراجِعِينَ،
﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾، عَلى المُخالِفِينَ،
﴿ذِي الطَوْلِ﴾، ذِي الفَضْلِ عَلى العارِفِينَ، أوْ ذِي الغِنى عَنِ الكُلِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: ﴿غافِرِ الذَنْبِ وقابِلِ التَوْبِ﴾ لِمَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، شَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ"، و"اَلتَّوْبُ"، و"اَلثَّوْبُ"، و"اَلْأوْبُ"، أخَواتٌ في مَعْنى الرُجُوعِ، و"اَلطَّوْلُ": اَلْغِنى، (p-١٩٨)والفَضْلُ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الصِفاتُ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، والمَوْصُوفُ مَعْرِفَةٌ؟! قُلْتُ أمّا "غافِرِ الذَنْبِ"، و"قابِلِ التَوْبِ"، فَمَعْرِفَتانِ، لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِما حُدُوثَ الفِعْلَيْنِ حَتّى يَكُونا في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، فَتَكُونَ إضافَتُهُما غَيْرَ حَقِيقِيَّةٍ، وإنَّما أُرِيدَ ثُبُوتُ ذَلِكَ ودَوامُهُ، وأمّا "شَدِيدُ العِقابِ"، فَهو في تَقْدِيرِ: "شَدِيدٌ عِقابُهُ"، فَتَكُونُ نَكِرَةً، فَقِيلَ: هو بَدَلٌ، وقِيلَ: لَمّا وُجِدَتْ هَذِهِ النَكِرَةُ بَيْنَ هَذِهِ المَعارِفِ آذَنَتْ بِأنَّ كُلَّها أبْدالٌ، غَيْرُ أوْصافٍ، وإدْخالُ الواوِ في "وَقابِلِ التَوْبِ"، لِنُكْتَةٍ، وهي إفادَةُ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ، بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطاعاتِ، وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذُّنُوبِ، كَأنْ لَمْ يُذْنِبْ، كَأنَّهُ قالَ: "جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ"، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - افْتَقَدَ رَجُلًا ذا بَأْسٍ شَدِيدٍ مِن أهْلِ الشامِ، فَقِيلَ لَهُ: تَتابَعَ في هَذا الشَرابِ، فَقالَ عُمَرُ لِكاتِبِهِ: "اُكْتُبْ: مِن عُمَرَ، إلى فُلانٍ، سَلامٌ عَلَيْكَ، وأنا أحْمَدُ إلَيْكَ اللهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ (حـم)، إلى قَوْلِهِ: (إلَيْهِ المَصِيرُ)"، وخَتَمَ الكِتابَ، وقالَ لِرَسُولِهِ: "لا تَدْفَعْهُ إلَيْهِ حَتّى تَجِدَهُ صاحِيًا"، ثُمَّ أمَرَ مَن عِنْدَهُ بِالدُعاءِ لَهُ بِالتَوْبَةِ، فَلَمّا أتَتْهُ الصَحِيفَةُ جَعَلَ يَقْرَؤُها ويَقُولُ: "قَدْ وعَدَنِي اللهُ أنْ يَغْفِرَ لِي، وحَذَّرَنِي عِقابَهُ"، فَلَمْ يَبْرَحْ يُرَدِّدُها حَتّى بَكى، ثُمَّ نَزَعَ، فَأحْسَنَ النُزُوعَ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ أمْرُهُ قالَ: "هَكَذا فاصْنَعُوا إذا رَأيْتُمْ أخاكم قَدْ زَلَّ زَلَّةً، فَسَدِّدُوهُ، ووَقِّفُوهُ، وادْعُوا لَهُ اللهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، ولا تَكُونُوا أعْوانًا لِلشَّياطِينِ عَلَيْهِ،
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، صِفَةٌ أيْضًا لِـ ﴿ذِي الطَوْلِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا،
﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾، اَلْمَرْجِعُ.
40:4Page 467
مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٤
No one disputes concerning the signs of Allāh except those who disbelieve, so be not deceived by their [uninhibited] movement throughout the land.
﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ما يُخاصِمُ فِيها بِالتَكْذِيبِ بِها، (p-١٩٩)والإنْكارِ لَها، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥]، فَأمّا الجِدالُ فِيها - لِإيضاحِ مُلْتَبِسِها، وحَلِّ مُشْكِلِها، واسْتِنْباطِ مَعانِيها، ورَدِّ أهْلِ الزَيْغِ بِها - فَأعْظَمُ جِهادٍ في سَبِيلِ اللهِ،
﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾، بِالتِجاراتِ النافِعَةِ، والمَكاسِبِ المُرْبِحَةِ، سالِمِينَ غانِمِينَ، فَإنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ إلى العَذابِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ ذَلِكَ، فَأعْلَمُ أنَّ الأُمَمَ الَّذِينَ كَذَّبَتْ قَبْلَهم أُهْلِكَتْ، فَقالَ:
40:5Page 467
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٥
The people of Noah denied before them and the [disbelieving] factions after them, and every nation intended [a plot] for their messenger to seize him, and they disputed by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth. So I seized them, and how [terrible] was My penalty.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾، نُوحًا،
﴿والأحْزابُ﴾ أيْ: اَلَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُسُلِ، وناصَبُوهُمْ، وهم عادٌ، وثَمُودُ، وقَوْمُ لُوطٍ، وغَيْرُهُمْ،
﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾، مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ،
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾، مِن هَذِهِ الأُمَمِ الَّتِي هي قَوْمُ نُوحٍ، والأحْزابُ،
﴿بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾، لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ، فَيَقْتُلُوهُ، والأخِيذُ: اَلْأسِيرُ،
﴿وَجادَلُوا بِالباطِلِ﴾، بِالكُفْرِ،
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ،
﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾، مُظْهَرٌ، "مَكِّيٌّ وحَفْصٌ"، يَعْنِي أنَّهم قَصَدُوا أخْذَهُ، فَجَعَلْتُ جَزاءَهم عَلى إرادَةِ أخْذِ الرُسُلِ أنْ أخَذْتُهُمْ، فَعاقَبْتُهُمْ،
﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾، وبِالياءِ، "يَعْقُوبُ"، أيْ: فَإنَّكم تَمُرُّونَ عَلى بِلادِهِمْ فَتُعايِنُونَ أثَرَ ذَلِكَ، وهَذا تَقْرِيرٌ فِيهِ مَعْنى التَعْجِيبِ.
40:6Page 467
وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٦
And thus has the word [i.e., decree] of your Lord come into effect upon those who disbelieved that they are companions of the Fire.
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، "كَلِماتُ رَبِّكَ"، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ"،
﴿أنَّهم أصْحابُ النارِ﴾، في مَحَلِّ الرَفْعِ، بَدَلٌ مِن "كَلِمَةِ رَبِّكَ"، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النارِ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُنْيا بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النارِ في الآخِرَةِ، أوْ في مَحَلِّ النَصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَعْلِيلِ، وإيصالِ الفِعْلِ، والَّذِينَ كَفَرُوا: قُرَيْشٌ، ومَعْناهُ: كَما وجَبَ إهْلاكُ أُولَئِكَ الأُمَمِ، كَذَلِكَ وجَبَ إهْلاكُ (p-٢٠٠)هَؤُلاءِ، لِأنَّ عِلَّةً واحِدَةً تَجْمَعُهُمْ، أنَّهم مِن أصْحابِ النارِ، ويَلْزَمُ الوَقْفُ عَلى "اَلنّارِ"، لِأنَّهُ لَوْ وصَلَ لَصارَ.
40:7Page 467
ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٧
Those [angels] who carry the Throne and those around it exalt [Allāh] with praise of their Lord and believe in Him and ask forgiveness for those who have believed, [saying], "Our Lord, You have encompassed all things in mercy and knowledge, so forgive those who have repented and followed Your way and protect them from the punishment of Hellfire.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾، يَعْنِي حامِلِي العَرْشِ، والحافِّينَ حَوْلَهُ، وهُمُ الكَرُوبِيُّونَ، سادَةُ المَلائِكَةِ، صِفَةً لِأصْحابِ النارِ، وفَسادُهُ ظاهِرٌ، رُوِيَ أنَّ حَمْلَةَ العَرْشِ أرْجُلُهم في الأرْضِ السُفْلى، ورءوسهم قَدْ خَرَقَتِ العَرْشَ، وهم خُشُوعٌ، لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهُمْ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ (تَعالى) أمَرَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ أنْ يَغْدُوا ويَرُوحُوا بِالسَلامِ عَلى حَمْلَةِ العَرْشِ، تَفْضِيلًا لَهم عَلى سائِرِ المَلائِكَةِ"، » وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ، قِيامٌ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ، يُهَلِّلُونَ، ويُكَبِّرُونَ، ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ، قَدْ وضَعُوا الأيْمانَ عَلى الشَمائِلِ، ما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ،
﴿يُسَبِّحُونَ﴾، خَبَرُ المُبْتَدَإ، وهو "اَلَّذِينَ"،
﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مَعَ حَمْدِهِ، أوِ الباءُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَسْبِيحَهم بِالحَمْدِ لَهُ،
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وفائِدَتُهُ - مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ مُؤْمِنُونَ - إظْهارُ شَرَفِ الإيمانِ، وفَضْلِهِ، والتَرْغِيبُ فِيهِ، كَما وُصِفَ الأنْبِياءُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالصَلاحِ لِذَلِكَ، وكَما عَقَّبَ أعْمالَ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فَأبانَ بِذَلِكَ فَضْلَ الإيمانِ، وقَدْ رُوعِيَ التَناسُبُ في قَوْلِهِ: "وَيُؤْمِنُونَ بِهِ"، و﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: "وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في مِثْلِ حالِهِمْ"، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الإيمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أدْعى شَيْءٍ إلى النَصِيحَةِ، والشَفَقَةِ، وإنْ تَباعَدَتِ الأجْناسُ، والأماكِنُ،
﴿رَبَّنا﴾ أيْ: "يَقُولُونَ: رَبَّنا"، وهَذا المَحْذُوفُ حالٌ،
﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، والرَحْمَةُ والعِلْمُ هُما اللَذانِ وسِعا كُلَّ شَيْءٍ في المَعْنى، إذِ الأصْلُ: "وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ، ولَكِنْ أُزِيلَ الكَلامُ عَنْ أصْلِهِ بِأنْ (p-٢٠١)أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى صاحِبِ الرَحْمَةِ والعِلْمِ، وأُخْرِجا مَنصُوبَيْنِ عَلى التَمْيِيزِ، مُبالَغَةً في وصْفِهِ بِالرَحْمَةِ والعِلْمِ،
﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَلِمْتَ مِنهُمُ التَوْبَةَ، لِتَناسُبِ ذِكْرِ الرَحْمَةِ والعِلْمِ،
﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: طَرِيقَ الهُدى، الَّذِي دَعَوْتَ إلَيْهِ،
﴿وَقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾
40:8Page 468
رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨
Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.
﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾، "مَن"، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَطْفٌ عَلى "هُمْ"، في "وَأدْخِلْهُمْ"، أوْ في "وَعَدْتَهُمْ"، والمَعْنى: "وَعَدْتَهم ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ"،
﴿وَأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، وأنْتَ مَعَ مُلْكِكَ وعِزَّتِكَ لا تَفْعَلُ شَيْئًا خالِيًا عَنِ الحِكْمَةِ، ومُوجِبُ حِكْمَتِكَ أنْ تَفِيَ بِوَعْدِكَ.
40:9Page 468
وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."
﴿وَقِهِمُ السَيِّئاتِ﴾ أيْ: جَزاءَ السَيِّئاتِ، وهو عَذابُ النارِ،
﴿وَمَن تَقِ السَيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ﴾ أيْ: رَفْعُ العَذابِ،
﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
40:10Page 468
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠
Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، إذا دَخَلُوا النارَ، ومَقَتُوا أنْفُسَهُمْ، فَيُنادِيهِمْ خَزَنَةُ النارِ: ﴿لَمَقْتُ اللهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لَمَقْتُ اللهِ أنْفُسَكم أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ"، فاسْتَغْنى بِذِكْرِها مَرَّةً، و"اَلْمَقْتُ": أشَدُّ البُغْضِ، وانْتِصابُ ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾، بِالمَقْتِ الأوَّلِ، عِنْدَ الزَمَخْشَرِيِّ، والمَعْنى أنَّهُ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: كانَ اللهُ يَمْقُتُ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُوءِ، والكُفْرِ، حِينَ كانَ الأنْبِياءُ يَدْعُونَكم إلى الإيمانِ فَتَأْبَوْنَ قَبُولَهُ، وتَخْتارُونَ عَلَيْهِ الكُفْرَ، أشَدَّ مِمّا تَمْقُتُونَهُنَّ اليَوْمَ، وأنْتُمْ في النارِ، إذا وقَعْتُمْ فِيها، بِاتِّباعِكم هَواهُنَّ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمَقْتُ اللهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، و"إذْ تُدْعَوْنَ"، تَعْلِيلٌ، وقالَ (p-٢٠٢)"جامِعُ العُلُومِ"، وغَيْرُهُ: "إذْ"، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، دَلَّ عَلَيْهِ "لَمَقْتُ اللهِ"، أيْ: يَمْقُتُهُمُ اللهُ حِينَ دُعُوا إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا، ولا يَنْتَصِبُ بِالمَقْتِ الأوَّلِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "لَمَقْتُ اللهِ"، مُبْتَدَأٌ، وهو مَصْدَرٌ، وخَبَرُهُ "أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ"، فَلا يَعْمَلُ في "إذْ تُدْعَوْنَ"، لِأنَّ المَصْدَرَ إذا أُخْبِرَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ يَكُونُ في صِلَتِهِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنْهُ يُؤْذِنُ بِتَمامِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ يُؤْذِنُ بِنُقْصانِهِ، ولا بِالثانِي، لِاخْتِلافِ الزَمانَيْنِ، وهَذا لِأنَّهم مَقَتُوا أنْفُسَهم في النارِ، وقَدْ دُعُوا إلى الإيمانِ في الدُنْيا،
﴿فَتَكْفُرُونَ﴾، فَتُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ.
40:11Page 468
قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١
They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"
﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ أيْ: إماتَتَيْنِ، وإحْياءَتَيْنِ، أوْ مَوْتَتَيْنِ وحَياتَيْنِ، وأرادَ بِالإماتَتَيْنِ خَلْقَهم أمْواتًا أوَّلًا، وإماتَتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، وصَحَّ أنْ يُسَمّى خَلْقُهم أمْواتًا إماتَةً، كَما صَحَّ أنْ يُقالَ: "سُبْحانَ مَن صَغَّرَ جِسْمَ البَعُوضَةِ، وكَبَّرَ جِسْمَ الفِيلِ"، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَقْلٌ مِن كِبَرٍ إلى صِغَرٍ، ولا مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، والسَبَبُ فِيهِ أنَّ الصِغَرَ والكِبَرَ جائِزانِ عَلى المَصْنُوعِ الواحِدِ، فَإذا اخْتارَ الصانِعُ أحَدَ الجائِزَيْنِ فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ عَنِ الجائِزِ الآخَرِ، فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ، وبِالإحْياءَتَيْنِ الإحْياءَةَ الأُولى، وإحْياءَةَ البَعْثِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقِيلَ: اَلْمَوْتَةُ الأُولى في الدُنْيا، والثانِيَةُ في القَبْرِ، بَعْدَ الإحْياءِ لِلسُّؤالِ، والإحْياءُ الأوَّلُ إحْياؤُهُ في القَبْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِلسُّؤالِ، والثانِي لِلْبَعْثِ،
﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾، لَمّا رَأوُا الإماتَةَ والإحْياءَ تَكَرَّرا عَلَيْهِمْ، عَلِمُوا أنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، كَما هو قادِرٌ عَلى الإنْشاءِ، فاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها، مِن إنْكارِ البَعْثِ، وما تَبِعَهُ مِن مَعاصِيهِمْ،
﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾، مِنَ النارِ، أيْ: إلى نَوْعٍ مِنَ الخُرُوجِ، سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ، لِنَتَخَلَّصَ،
﴿مِن سَبِيلٍ﴾، قَطُّ، أمِ اليَأْسُ واقِعٌ دُونَ ذَلِكَ، فَلا خُرُوجَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ، وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ، وإنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ تَحَيُّرًا، ولِهَذا جاءَ الجَوابُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ:
40:12Page 468
ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢
[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."
(p-٢٠٣)﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، وأنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى خُرُوجٍ قَطُّ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِتَوْحِيدِ اللهِ، وإيمانِكم بِالإشْراكِ بِهِ،
﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾، حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْكم بِالعَذابِ السَرْمَدِ،
﴿العَلِيِّ﴾، شَأْنُهُ، فَلا يُرَدُّ قَضاؤُهُ،
﴿الكَبِيرِ﴾، العَظِيمِ سُلْطانُهُ، فَلا يُحَدُّ جَزاؤُهُ، وقِيلَ: كَأنَّ الحَرُورِيَّةَ أخَذُوا قَوْلَهُمْ: "لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ"، مِن هَذا، وقالَ قَتادَةُ: لَمّا خَرَجَ أهْلُ حَرُوراءَ، قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "مَن هَؤُلاءِ؟"، قِيلَ: اَلْمُحَكِّمُونَ، أيْ: يَقُولُونَ: "لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ"، فَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ".
40:13Page 468
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣
It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾، مِنَ الرِيحِ، والسَحابِ، والرَعْدِ، والبَرْقِ، والصَواعِقِ، ونَحْوِها،
﴿وَيُنَـزِّلُ لَكم مِنَ السَماءِ﴾، وبِالتَخْفِيفِ، "مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ"،
﴿رِزْقًا﴾، مَطَرًا، لِأنَّهُ سَبَبُ الرِزْقِ،
﴿وَما يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنِيبُ﴾، وما يَتَّعِظُ وما يَعْتَبِرُ بِآياتِ اللهِ إلّا مَن يَتُوبُ مِنَ الشِرْكِ، ويَرْجِعُ إلى اللهِ، فَإنَّ المُعانِدَ لا يَتَذَكَّرُ، ولا يَتَّعِظُ، ثُمَّ قالَ لِلْمُنِيبِينَ:
40:14Page 468
فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤
So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.
﴿فادْعُوا اللهَ﴾، فاعْبُدُوهُ،
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ﴾، مِنَ الشِرْكِ،
﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾، وإنْ غاظَ ذَلِكَ أعْداءَكُمْ، مِمَّنْ لَيْسَ عَلى دِينِكم.
40:15Page 468
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥
[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.
﴿رَفِيعُ الدَرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُوحَ﴾، ثَلاثَةُ أخْبارٍ لِقَوْلِهِ: "هُوَ"، مُرَتَّبَةً عَلى قَوْلِهِ: "اَلَّذِي يُرِيكُمْ"، أوْ أخْبارُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، ومَعْنى "رَفِيعُ الدَرَجاتِ"، رافِعُ السَماواتِ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، أوْ رافِعُ دَرَجاتِ عِبادِهِ في الدُنْيا بِالمَنزِلَةِ، أوْ رافِعُ مَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ، و"ذُو العَرْشِ": مالِكُ عَرْشِهِ الَّذِي فَوْقَ السَماواتِ، خَلَقَهُ مَطافًا لِلْمَلائِكَةِ، إظْهارًا لِعَظَمَتِهِ، مَعَ اسْتِغْنائِهِ في مَمْلَكَتِهِ، (p-٢٠٤)وَ"اَلرُّوحُ": جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -، أوِ الوَحْيُ الَّذِي تَحْيا بِهِ القُلُوبُ،
﴿مِن أمْرِهِ﴾، مِن أجْلِ أمْرِهِ، أوْ بِأمْرِهِ،
﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ﴾ أيْ: اَللَّهُ، أوِ المُلْقى عَلَيْهِ، وهو النَبِيُّ ﷺ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: "لِتُنْذِرَ"،
﴿يَوْمَ التَلاقِ﴾، يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهُ يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَماءِ، وأهْلُ الأرْضِ، والأوَّلُونَ، والآخِرُونَ، "اَلتَّلاقِي"، "مَكِّيٌّ ويَعْقُوبُ".
40:16Page 468
يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦
The Day they come forth nothing concerning them will be concealed from Allāh. To whom belongs [all] sovereignty this Day? To Allāh, the One, the Prevailing.1
﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾، ظاهِرُونَ، لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، مِن جَبَلٍ، أوْ أكَمَةٍ، أوْ بِناءٍ،
﴿لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِنَ أعْمالِهِمْ، وأحْوالِهِمْ،
﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ أيْ: يَقُولُ اللهُ (تَعالى) ذَلِكَ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ، ثُمَّ يُجِيبُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ: اَلَّذِي قَهَرَ الخَلْقَ بِالمَوْتِ، ويَنْتَصِبُ "اَلْيَوْمَ"، بِمَدْلُولِ "لِمَن"، أيْ: "لِمَن يَثْبُتُ المُلْكُ في هَذا اليَوْمِ؟"، وقِيلَ: يُنادِي مُنادٍ، فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فَيُجِيبُهُ أهْلُ المَحْشَرِ: "لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ".
40:17Page 469
ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧
This Day every soul will be recompensed for what it earned. No injustice today! Indeed, Allāh is swift in account.
﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾، لَمّا قَرَّرَ أنَّ المُلْكَ لِلَّهِ وحْدَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، عَدَّدَ نَتائِجَ ذَلِكَ، وهي أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُجْزى بِما كَسَبَتْ، عَمِلَتْ في الدُنْيا، مِن خَيْرٍ، وشَرٍّ، وأنَّ الظُلْمَ مَأْمُونٌ مِنهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، وأنَّ الحِسابَ لا يُبْطِئُ، لِأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ، فَيُحاسِبُ الخَلْقَ كُلَّهُ في وقْتٍ واحِدٍ، وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ.
40:18Page 469
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨
And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.
﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: اَلْقِيامَةِ، سُمِّيَتْ بِها لِأُزُوفِها، أيْ: لِقُرْبِها، ويُبْدَلُ مِن "يَوْمَ الآزِفَةِ"،
﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ أيْ: التَراقِي، يَعْنِي تَرْتَفِعُ قُلُوبُهم عَنْ مَقارِّها، فَتُلْصَقُ بِحَناجِرِهِمْ، فَلا هي تَخْرُجُ فَيَمُوتُوا، ولا تَرْجِعُ إلى مَواضِعِها فَيَتَنَفَّسُوا ويَتَرَوَّحُوا،
﴿كاظِمِينَ﴾، مُمْسِكِينَ بِحَناجِرِهِمْ، مِن "كَظَمَ القِرْبَةَ"، شَدَّ رَأسَها، وهو حالٌ مِن "اَلْقُلُوبُ"، مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِها، وإنَّما جَمَعَ "اَلْكاظِمُ"، جَمْعَ السَلامَةِ، لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ، الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ،
﴿ما لِلظّالِمِينَ﴾، (p-٢٠٥)لِلْكافِرِينَ،
﴿مِن حَمِيمٍ﴾، مُحِبٍّ، مُشْفِقٍ،
﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ أيْ: يَشْفَعُ، وهو مَجازٌ عَنِ الطاعَةِ، لِأنَّ الطاعَةَ - حَقِيقَةً - لا تَكُونُ إلّا لِمَن فَوْقَكَ، والمُرادُ نَفْيُ الشَفاعَةِ والطاعَةِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎......................... ولا تَرى الضَبَّ بِها يَنْجَحِرْ
يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ الضَبِّ، وانْجِحارِهِ، وإنِ احْتَمَلَ اللَفْظُ انْتِفاءَ الطاعَةِ دُونَ الشَفاعَةِ، فَعَنِ الحَسَنِ: "واللهِ ما يَكُونُ لَهم شَفِيعٌ البَتَّةَ".
40:19Page 469
يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩
He knows that which deceives the eyes and what the breasts conceal.
﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: "اَلْخِيانَةُ"، كَـ "اَلْعافِيَةُ"، بِمَعْنى: "اَلْمُعافاةُ"، والمُرادُ اسْتِراقُ النَظَرِ إلى ما يَحُلُّ،
﴿وَما تُخْفِي الصُدُورُ﴾، وما تُسِرُّهُ، مِن أمانَةٍ، وخِيانَةٍ، وقِيلَ: هو أنْ يَنْظُرَ إلى أجْنَبِيَّةٍ بِشَهْوَةٍ، مُسارَقَةً، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ بِقَلْبِهِ في جَمالِها، ولا يَعْلَمُ بِنَظْرَتِهِ وفِكْرَتِهِ مَن بِحَضْرَتِهِ، واللهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ، و"يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ"، خَبَرٌ مِن أخْبارِ "هُوَ"، في قَوْلِهِ: "هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ"، مِثْلُ "يُلْقِي الرُوحَ"، ولَكِنْ "يُلْقِي الرُوحَ"، قَدْ عُلِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَلاقِ﴾ [غافر: ١٥] ثُمَّ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ أحْوالِ يَوْمِ التَلاقِ، إلى قَوْلِهِ: "وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ"، فَبَعُدَ لِذَلِكَ عَنْ أخَواتِهِ.
40:20Page 469
وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٢٠
And Allāh judges with truth, while those they invoke1 besides Him judge not with anything. Indeed, Allāh - He is the Hearing, the Seeing.
﴿واللهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ، لا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ،
﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، وآلِهَتُهم لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ، وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ، لِأنَّ ما لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ، لا يُقالُ فِيهِ: "يَقْضِي"، أوْ "لا يَقْضِي"، "تَدْعُونَ"، "نافِعٌ"،
﴿إنَّ اللهَ هو السَمِيعُ البَصِيرُ﴾، تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ووَعِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ، ويُبْصِرُ ما يَعْمَلُونَ، وأنَّهُ يُعاقِبُهم عَلَيْهِ، وتَعْرِيضٌ بِما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، وأنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ.
40:21Page 469
۞ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٢١
Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allāh seized them for their sins. And they had not from Allāh any protector.
(p-٢٠٦)﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُسُلَ مِن قَبْلِهِمْ،
﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾، "هُمْ"، فَصْلٌ، وحَقُّهُ أنْ يَقَعَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، إلّا أنَّ "أشَدَّ مِنهُمْ"، ضارَعَ المَعْرِفَةَ في أنَّهُ لا تَدْخُلُهُ الألِفُ واللامُ، فَأُجْرِيَ مُجْراهُ، "مِنكُمْ"، "شامِيٌّ"،
﴿وَآثارًا في الأرْضِ﴾ أيْ: حُصُونًا، وقُصُورًا،
﴿فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، عاقَبَهم بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ،
﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللهِ مِن واقٍ﴾، ولَمْ يَكُنْ لَهم شَيْءٌ يَقِيهِمْ مِن عَذابِ اللهِ.
40:22Page 469
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢
That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: اَلْأخْذُ بِسَبَبِ أنَّهُمْ،
﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾، قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ،
﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾، إذا عاقَبَ.
40:23Page 469
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣
And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾، اَلتِّسْعِ،
﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، وحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ.
40:24Page 469
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤
To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."
﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾، هُوَ،
﴿ساحِرٌ كَذّابٌ﴾، فَسَمُّوا السُلْطانَ المُبِينَ سِحْرًا وكَذِبًا.
40:25Page 469
فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥
And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ﴾، بِالنُبُوَّةِ،
﴿مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمُ القَتْلَ، كالَّذِي كانَ أوَّلًا،
﴿واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾، لِلْخِدْمَةِ،
﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾، ضَياعٍ، يَعْنِي أنَّهم باشَرُوا قَتْلَهم أوَّلًا، فَما أغْنى عَنْهُمْ، ونُفِّذَ قَضاءُ اللهِ بِإظْهارِ مَن خافُوهُ، فَما يُغْنِي عَنْهم هَذا القَتْلُ الثانِي، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، وأحَسَّ بِأنَّهُ قَدْ وقَعَ، أعادَهُ عَلَيْهِمْ غَيْظًا، وظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، وما عَلِمَ أنَّ كَيْدَهُ ضائِعٌ في الكَرَّتَيْنِ جَمِيعًا.
40:26Page 470
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦
And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."
(p-٢٠٧)﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾، لِمَلَئِهِ،
﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾، كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي نَخافُهُ، وهو أقَلُّ مِن ذَلِكَ، وما هو إلّا ساحِرٌ، وإذا قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُبْهَةَ عَلى الناسِ، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِالحُجَّةِ، والظاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ، وما هو بِسِحْرٍ، ولَكِنْ كانَ فِيهِ خَبٌّ، وكانَ قَتّالًا، سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحَسَّ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَهْدِمُ مُلْكَهُ، ولَكِنْ كانَ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، شاهِدُ صِدْقٍ عَلى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنهُ، ومِن دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ، وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ،
﴿إنِّي أخافُ﴾، إنْ لَمْ أقْتُلْهُ،
﴿أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، أنْ يُغَيِّرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُ، ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ،
﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ﴾، مُوسى،
﴿فِي الأرْضِ الفَسادَ﴾، بِضَمِّ الياءِ، ونَصْبِ الدالِ، "مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ وحَفْصٌ"، وغَيْرُهم بِفَتْحِ الياءِ، ورَفْعِ الدالِ، والأوَّلُ أوْلى، لِمُوافَقَةِ "يُبَدِّلَ"، والفَسادُ في الأرْضِ: اَلتَّقاتُلُ، والتَهايُجُ، الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ، وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ، والمَكاسِبُ، والمَعايِشُ، ويَهْلِكُ الناسُ قَتْلًا، وضَياعًا، كَأنَّهُ قالَ: "إنِّي أخافُ أنْ يُفْسِدَ عَلَيْكم دِينَكم بِدَعْوَتِكم إلى دِينِهِ، أوْ يُفْسِدُ عَلَيْكم دُنْياكم بِما يَظْهَرُ مِنَ الفِتَنِ بِسَبَبِهِ"، وقَرَأ غَيْرُ أهْلِ الكُوفَةِ: "وَأنْ"، مَعْناهُ: إنِّي أخافُ فَسادَ دِينِكم ودُنْياكم مَعًا.
40:27Page 470
وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧
But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."
﴿وَقالَ مُوسى﴾، لَمّا سَمِعَ بِما أجْراهُ فِرْعَوْنُ مِن حَدِيثِ قَتْلِهِ لِقَوْمِهِ،
﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾، وفي قَوْلِهِ: "وَرَبِّكُمْ"، بَعْثٌ لَهم عَلى أنْ يَقْتَدُوا بِهِ، فَيَعُوذُوا بِاللهِ عِياذَهُ، ويَعْتَصِمُوا بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ اعْتِصامَهُ، وقالَ: "مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ"، لِتَشْمَلَ اسْتِعاذَتُهُ فِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ، ولِيَكُونَ عَلى طَرِيقَةِ التَعْرِيضِ، فَيَكُونَ أبْلَغَ، وأرادَ بِالتَكَبُّرِ اَلِاسْتِكْبارَ عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ، وهو أقْبَحُ اسْتِكْبارٍ، وأدَلُّهُ عَلى دَناءَةِ صاحِبِهِ، وعَلى فَرْطِ (p-٢٠٨)ظُلْمِهِ، وقالَ: ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ في الرَجُلِ التَكَبُّرُ، والتَكْذِيبُ بِالجَزاءِ، وقِلَّةُ المُبالاةِ بِالعاقِبَةِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ أسْبابَ القَسْوَةِ، والجَراءَةِ عَلى اللهِ، وعِبادِهِ، ولَمْ يَتْرُكْ عَظِيمَةً إلّا ارْتَكَبَها، و"عُذْتُ"، و"لُذْتُ"، أخَوانِ، و"عُتُّ"، بِالإدْغامِ، "أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences