An-NasafiGhafir · 40:28–61

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:28–61

40:28Page 470

وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨

And a believing man from the family of Pharaoh who concealed his faith said, "Do you kill a man [merely] because he says, 'My Lord is Allāh' while he has brought you clear proofs from your Lord? And if he should be lying, then upon him is [the consequence of] his lie; but if he should be truthful, there will strike you some of what he promises you. Indeed, Allāh does not guide one who is a transgressor and a liar.

﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا، ابْنَ عَمٍّ لِفِرْعَوْنَ، آمَنَ بِمُوسى سِرًّا، و"مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ"، صِفَةٌ لِـ "رَجُلٌ"، وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، و"مِن آلِ فِرْعَوْنَ"، صِلَةٌ لِـ "يَكْتُمُ"، أيْ: يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، واسْمُهُ "سَمْعانُ"، أوْ "حَبِيبٌ"، أوْ "خَرْبِيلُ"، أوْ "حَزْبِيلُ"، والظاهِرُ الأوَّلُ،

﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ﴾، لِأنْ يَقُولَ، وهَذا إنْكارٌ مِنهُ عَظِيمٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَرْتَكِبُونَ الفَعْلَةَ الشَنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ، وما لَكم عِلَّةٌ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ، وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللهُ﴾، وهو رَبُّكم أيْضًا، لا رَبُّهُ وحْدَهُ،

﴿وَقَدْ جاءَكُمْ﴾، اَلْجُمْلَةُ حالٌ،

﴿بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ لِتَصْحِيحِ قَوْلِهِ بِبَيِّنَةٍ واحِدَةٍ، ولَكِنْ بِبَيِّناتٍ مِن عِنْدِ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الرُبُوبِيَّةُ، وهو اسْتِدْراجٌ لَهم إلى الِاعْتِرافِ بِهِ،

﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، اِحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَقْسِيمِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ كاذِبًا، أوْ صادِقًا، فَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ وبالُ كَذِبِهِ، ولا يَتَخَطّاهُ، وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم مِنَ العَذابِ، ولَمْ يَقُلْ "كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُمْ"، مَعَ أنَّهُ وعْدٌ مِن نَبِيٍّ صادِقِ القَوْلِ، مُداراةً لَهُمْ، وسُلُوكًا لِطَرِيقِ الإنْصافِ، فَجاءَ بِما هو أقْرَبُ إلى تَسْلِيمِهِمْ لَهُ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: لَعَلَّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ ما يَعِدُكُمْ، وهو العَذابُ العاجِلُ، وفي ذَلِكَ هَلاكُكُمْ، وكانَ وعَدَهم عَذابَ الدُنْيا، والآخِرَةِ، وتَقْدِيمُ الكاذِبِ عَلى الصادِقِ مِن هَذا القَبِيلِ أيْضًا، وتَفْسِيرُ البَعْضِ بِالكُلِّ مُزَيَّفٌ،

﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ﴾، مُجاوِزٌ لِلْحَدِّ،

﴿كَذّابٌ﴾، في ادِّعائِهِ، وهَذا أيْضًا مِن بابِ المُجامَلَةِ، (p-٢٠٩)والمَعْنى أنَّهُ إنْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا، خَذَلَهُ اللهُ، وأهْلَكَهُ، فَتَتَخَلَّصُونَ مِنهُ، أوْ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللهُ بِالنُبُوَّةِ، ولَما عَضَّدَهُ بِالبَيِّناتِ، وقِيلَ: أوْهَمَ أنَّهُ عَنى بِالمُسْرِفِ مُوسى، وهو يَعْنِي بِهِ فِرْعَوْنَ.

40:29Page 470

يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩

O my people, sovereignty is yours today, [your being] dominant in the land. But who would protect us from the punishment of Allāh if it came to us?" Pharaoh said, "I do not show you except what I see, and I do not guide you except to the way of right conduct."

﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾، عالِينَ، وهو حالٌ مِن "كُمْ"، في "لَكُمْ"،

﴿فِي الأرْضِ﴾، في أرْضِ مِصْرَ،

﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللهِ إنْ جاءَنا﴾، عَنى أنَّ لَكم مُلْكُ مِصْرَ، وقَدْ عَلَوْتُمُ الناسَ، وقَهَرْتُمُوهُمْ، فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم عَلى أنْفُسِكُمْ، ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللهِ، أيْ: عَذابِهِ، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَكم بِهِ إنْ جاءَكُمْ، ولا يَمْنَعُكم مِنهُ أحَدٌ، وقالَ: "يَنْصُرُنا"، و"جاءَنا"، لِأنَّهُ مِنهم في القَرابَةِ، ولِيُعْلِمَهم بِأنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُساهِمٌ لَهم فِيهِ،

﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم بِرَأْيٍ إلّا بِما أرى مِن قَتْلِهِ، يَعْنِي: لا أسْتَصْوِبُ إلّا قَتْلَهُ، وهَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ غَيْرُ صَوابٍ،

﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾، بِهَذا الرَأْيِ،

﴿إلا سَبِيلَ الرَشادِ﴾، طَرِيقَ الصَوابِ، والصَلاحِ، وما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ مِنَ الصَوابِ، ولا أدَّخِرُ مِنهُ شَيْئًا، ولا أُسِرُّ عَنْكم خِلافَ ما أُظْهِرُ، يَعْنِي أنَّ لِسانَهُ وقَلْبَهُ مُتَواطِئانِ عَلى ما يَقُولُ، وقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ كانَ مُسْتَشْعِرًا لِلْخَوْفِ الشَدِيدِ مِن جِهَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ولَوْلا اسْتِشْعارُهُ لَمْ يَسْتَشِرْ أحَدًا، ولَمْ يَقِفِ الأمْرُ عَلى الإشارَةِ.

40:30Page 470

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -

﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ أيْ: مِثْلَ أيّامِهِمْ، لِأنَّهُ لَمّا أضافَهُ إلى "اَلْأحْزابِ" - وفَسَّرَهم بِقَوْلِهِ:

40:31Page 470

مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١

Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾، ولَمْ يُلْبَسْ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ مِنهم كانَ لَهُ يَوْمُ دَمارٍ - اقْتَصَرَ عَلى الواحِدِ مِنَ الجَمْعِ، ودَأْبُ هَؤُلاءِ: دُؤُوبُهم في عَمَلِهِمْ، مِنَ الكُفْرِ، والتَكْذِيبِ، وسائِرِ المَعاصِي، وكَوْنُ ذَلِكَ دائِبًا دائِمًا مِنهُمْ، لا يَفْتُرُونَ عَنْهُ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: "مِثْلَ جَزاءِ دَأْبِهِمْ"، وانْتِصابُ (p-٢١٠)"مِثْلَ"، اَلثّانِي، بِأنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِـ "مِثْلَ"، اَلْأوَّلِ،

﴿وَما اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ: وما يُرِيدُ اللهُ أنْ يَظْلِمَ عِبادَهُ، فَيُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ، أوْ يَزِيدَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العَذابِ، يَعْنِي أنَّ تَدْمِيرَهم كانَ عَدْلًا، لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمْ، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، حَيْثُ جَعَلَ المَنفِيَّ إرادَةَ ظُلْمٍ مُنَكَّرٍ، ومَن بَعُدَ عَنْ إرادَةِ ظُلْمٍ ما لِعِبادِهِ، كانَ عَنِ الظُلْمِ أبْعَدَ وأبْعَدَ، وتَفْسِيرُ المُعْتَزِلَةِ بِأنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا، بَعِيدٌ، لِأنَّ أهْلَ اللُغَةِ قالُوا: إذا قالَ الرَجُلُ لِآخَرَ: "لا أُرِيدُ ظُلْمًا لَكَ"، مَعْناهُ: "لا أُرِيدُ أنْ أظْلِمَكَ"، وهَذا تَخْوِيفٌ بِعَذابِ الدُنْيا، ثُمَّ خَوَّفَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ:

40:32Page 470

وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢

And O my people, indeed I fear for you the Day of Calling1 -

"وَيا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَنادِي"، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، "اَلتَّنادِ"، "مَكِّيٌّ ويَعْقُوبُ"، في الحالَيْنِ، وإثْباتُ الياءِ هو الأصْلُ، وحَذْفُها حَسَنٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلى الياءِ، وآخِرُ هَذِهِ الآيِ عَلى الدالِ، وهو ما حَكى اللهُ (تَعالى) في سُورَةِ "اَلْأعْرافِ": ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ [الأعراف: ٤٨]، وقِيلَ: يُنادِي مُنادٍ: "ألا إنَّ فُلانًا سَعِدَ سَعادَةً لا يَشْقى بَعْدَها أبَدًا، ألا إنَّ فُلانًا شَقِيَ شَقاوَةً لا يَسْعَدُ بَعْدَها أبَدًا".

40:33Page 470

يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣

The Day you will turn your backs fleeing; there is not for you from Allāh any protector. And whoever Allāh sends astray - there is not for him any guide.

﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾، مُنْصَرِفِينَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ إلى النارِ،

﴿ما لَكم مِنَ اللهِ﴾، مِن عَذابِ اللهِ،

﴿مِن عاصِمٍ﴾، مانِعٍ، ودافِعٍ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، مُرْشِدٍ.

40:34Page 471

وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ ٣٤

And Joseph had already come to you before with clear proofs, but you remained in doubt of that which he brought to you, until when he died, you said, 'Never will Allāh send a messenger after him.' Thus does Allāh leave astray he who is a transgressor and skeptic."

﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾، هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما السَلامُ -، وقِيلَ: يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، أقامَ فِيهِمْ نَبِيًّا عِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، عُمِّرَ إلى زَمَنِهِ، (p-٢١١)وَقِيلَ: هو فِرْعَوْنٌ آخَرُ، وبَّخَهم بِأنَّ يُوسُفَ أتاكم مِن قَبْلِ مُوسى بِالمُعْجِزاتِ،

﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾، تَشَكَّكْتُمْ فِيها، ولَمْ تَزالُوا شاكِّينَ،

﴿حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾، حُكْمًا مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ، مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، أيْ: أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، وظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا يُجَدِّدُ عَلَيْكم إيجابَ الحُجَّةِ،

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا الإضْلالِ يُضِلُّ اللهُ كُلَّ مُسْرِفٍ في عِصْيانِهِ، مُرْتابٍ شاكٍّ في دِينِهِ.

40:35Page 471

ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥

Those who dispute concerning the signs of Allāh without an authority1 having come to them - great is hatred [of them] in the sight of Allāh and in the sight of those who have believed. Thus does Allāh seal over every heart [belonging to] an arrogant tyrant.

﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾، بَدَلٌ مِن "مَن هو مُسْرِفٌ"، وجازَ إبْدالُهُ مِنهُ، وهو جَمْعٌ، لِأنَّهُ لا يُرِيدُ مُسْرِفًا واحِدًا، بَلْ كُلَّ مُسْرِفٍ،

﴿فِي آياتِ اللهِ﴾، في دَفْعِها، وإبْطالِها،

﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾، حُجَّةٍ،

﴿أتاهم كَبُرَ مَقْتًا﴾ أيْ: عَظُمَ بُغْضًا، وفاعِلُ "كَبُرَ"، ضَمِيرُ "مَن هو مُسْرِفٌ"، وهو جَمْعٌ مَعْنًى، ومُوَحَّدٌ لَفْظًا، فَحُمِلَ البَدَلُ عَلى مَعْناهُ، والضَمِيرُ الراجِعُ إلَيْهِ عَلى لَفْظِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرْفَعَ "اَلَّذِينَ"، عَلى الِابْتِداءِ، ولا بُدَّ في هَذا الوَجْهِ مِن حَذْفِ مُضافٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَمِيرُ في "كَبُرَ"، تَقْدِيرُهُ: "جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ كَبُرَ مَقْتًا"،

﴿عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾، "قَلْبٍ"، بِالتَنْوِينِ، "أبُو عَمْرٍو"، وإنَّما وُصِفَ القَلْبُ بِالتَكَبُّرِ والتَجَبُّرِ، لِأنَّهُ مَنبَعُهُما، كَما تَقُولُ: "سَمِعَتِ الأُذُنُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وإنْ كانَ الآثِمُ هو الجُمْلَةَ.

40:36Page 471

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦

And Pharaoh said, "O Hāmān, construct for me a tower that I might reach the ways1 -

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾، تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ، أوْ جَهْلًا مِنهُ،

﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أيْ: قَصْرًا، وقِيلَ: اَلصَّرْحُ: اَلْبِناءُ الظاهِرُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى الناظِرِ، وإنْ بَعُدَ، ومِنهُ يُقالُ: "صَرَحَ الشَيْءُ"، إذا ظَهَرَ،

﴿لَعَلِّي﴾، وبِفَتْحِ الياءِ، "حِجازِيُّ وشامِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"،

﴿أبْلُغُ الأسْبابَ﴾، ثُمَّ أبْدَلَ مِنها تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وإبانَةً أنَّهُ يَقْصِدُ أمْرًا عَظِيمًا.

40:37Page 471

أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ ٣٧

The ways into the heavens - so that I may look at the deity of Moses; but indeed, I think he is a liar." And thus was made attractive to Pharaoh the evil of his deed, and he was averted from the [right] way. And the plan of Pharaoh was not except in ruin.

(p-٢١٢)﴿أسْبابَ السَماواتِ﴾ أيْ: طُرُقَها، وأبْوابَها، وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ إلَيْهِ، كالرِشاءِ، ونَحْوِهِ،

﴿فَأطَّلِعَ﴾، بِالنَصْبِ، "حَفْصٌ"، عَلى جَوابِ التَرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَمَنِّي، وغَيْرُهُ بِالرَفْعِ، عَطْفًا عَلى "أبْلُغُ"،

﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾، والمَعْنى: فَأنْظُرَ إلَيْهِ،

﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ﴾ أيْ: مُوسى،

﴿كاذِبًا﴾، في قَوْلِهِ: "لَهُ إلَهٌ غَيْرِي"،

﴿وَكَذَلِكَ﴾، ومِثْلَ ذَلِكَ التَزْيِينِ، وذَلِكَ الصَدِّ،

﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَبِيلِ﴾، اَلْمُسْتَقِيمَةِ، وبِفَتْحِ الصادِ، "غَيْرُ كُوفِيٍّ ويَعْقُوبَ"، أيْ: "غَيْرَهُ صَدًّا"، أوْ "هُوَ بِنَفْسِهِ صُدُودًا"، والمُزَيِّنُ الشَيْطانُ، بِوَسْوَسَتِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، أوِ اللهُ (تَعالى)، ومِثْلُهُ: ﴿زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤] ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾، خُسْرانٍ وهَلاكٍ.

40:38Page 471

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨

And he who believed said, "O my people, follow me; I will guide you to the way of right conduct.

﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾، "اِتَّبَعُونِي"، في الحالَيْنِ، "مَكِّيٌّ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ"،

﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَشادِ﴾، وهو نَقِيضُ الغَيِّ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ، شَبِيهٌ بِالتَصْرِيحِ، أنَّ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ سَبِيلُ الغَيِّ، أجْمَلَ أوَّلًا، ثُمَّ فَسَّرَ، فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُنْيا، وتَصْغِيرِ شَأْنِها، بِقَوْلِهِ:

40:39Page 471

يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩

O my people, this worldly life is only [temporary] enjoyment, and indeed, the Hereafter - that is the home of [permanent] settlement.

﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُنْيا مَتاعٌ﴾، تَمَتُّعٌ يَسِيرٌ، فالإخْلادُ إلَيْها أصْلُ الشَرِّ، ومَنبَعُ الفِتَنِ، وثَنّى بِتَعْظِيمِ الآخِرَةِ، وبَيَّنَ أنَّها هي الوَطَنُ والمُسْتَقَرُّ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الأعْمالَ، سَيِّئَها، وحَسَنَها، وعاقِبَةَ كُلٍّ مِنهُما، لِيُثَبِّطَ عَمّا يُتْلِفُ، ويُنَشِّطَ لِما يُزْلِفُ، بِقَوْلِهِ:

40:40Page 471

مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠

Whoever does an evil deed will not be recompensed except by the like thereof; but whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - those will enter Paradise, being given provision therein without account.

﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى (p-٢١٣)وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، "يُدْخَلُونَ"، "مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ ويَزِيدُ وأبُو بَكْرٍ"، ثُمَّ وازَنَ بَيْنَ الدَعْوَتَيْنِ، دَعْوَتِهِ إلى دِينِ اللهِ الَّذِي ثَمَرَتُهُ النَجاةُ، ودَعْوَتِهِمْ إلى اتِّخاذِ الأنْدادِ، الَّذِي عاقِبَتُهُ النارُ بِقَوْلِهِ:

40:41Page 472

۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١

And O my people, how is it that I invite you to salvation while you invite me to the Fire?

﴿وَيا قَوْمِ ما لِي﴾، وبِفَتْحِ الياءِ، "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"،

﴿أدْعُوكم إلى النَجاةِ﴾ أيْ: اَلْجَنَّةِ،

﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النارِ﴾

40:42Page 472

تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢

You invite me to disbelieve in Allāh and associate with Him that of which I have no knowledge, and I invite you to the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1

﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللهِ﴾، هو بَدَلٌ مِن "تَدْعُونَنِي"، اَلْأوَّلِ، يُقالُ: "دَعاهُ إلى كَذا"، و"دَعاهُ لَهُ"، كَما يُقالُ: "هَداهُ إلى الطَرِيقِ، وهَداهُ لَهُ"،

﴿وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: بِرُبُوبِيَّتِهِ، والمُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ بِإلَهٍ، وما لَيْسَ بِإلَهٍ كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ إلَهًا؟!"،

﴿وَأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾، وهو اللهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -، وتَكْرِيرُ النِداءِ لِزِيادَةِ التَنْبِيهِ لَهُمْ، والإيقاظِ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ، وفِيهِ أنَّهم قَوْمُهُ، وأنَّهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجِيءَ بِالواوِ في النِداءِ الثالِثِ، دُونَ الثانِي، لِأنَّ الثانِيَ داخِلٌ عَلى كَلامٍ هو بَيانٌ لِلْمُجْمَلِ، وتَفْسِيرٌ لَهُ، بِخِلافِ الثالِثِ.

40:43Page 472

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣

Assuredly, that to which you invite me has no [response to a] supplication in this world or in the Hereafter; and indeed, our return is to Allāh, and indeed, the transgressors will be companions of the Fire.

﴿لا جَرَمَ﴾، عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: "لا"، رَدٌّ لِما دَعاهُ إلَيْهِ قَوْمُهُ، و"جَرَمَ"، فِعْلٌ بِمَعْنى "حَقَّ"، و"أنَّ"، مَعَ ما في حَيِّزِهِ فاعِلُهُ، أيْ: "حَقَّ ووَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ"،

﴿أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾، مَعْناهُ: إنَّ ما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ قَطُّ، أيْ: مِن حَقِّ المَعْبُودِ بِالحَقِّ أنْ يَدْعُوَ العِبادَ إلى طاعَتِهِ،، وما تَدْعُونَ إلَيْهِ وإلى عِبادَتِهِ لا يَدْعُو هو إلى ذَلِكَ، ولا يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ، أوْ مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ في الدُنْيا، ولا في الآخِرَةِ، أوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، جُعِلَتِ الدَعْوَةُ الَّتِي لا اسْتِجابَةَ لَها، ولا مَنفَعَةَ، كَـ "لا دَعْوَةَ"، أوْ سُمِّيَتْ الِاسْتِجابَةُ بِاسْمِ الدَعْوَةِ، كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازى عَلَيْهِ بِاسْمِ (p-٢١٤)"اَلْجَزاءُ"، في قَوْلِهِ: « "كَما تَدِينُ تُدانُ"، »﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللهِ﴾، وأنَّ رُجُوعَنا إلَيْهِ،

﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ﴾، وأنَّ المُشْرِكِينَ،

﴿هم أصْحابُ النارِ﴾

40:44Page 472

فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤

And you will remember what I [now] say to you, and I entrust my affair to Allāh. Indeed, Allāh is Seeing of [His] servants."

﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ النَصِيحَةِ، عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ،

﴿وَأُفَوِّضُ﴾، وأُسَلِّمُ ﴿أمْرِي﴾، وبِفَتْحِ الياءِ، "مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"،

﴿إلى اللهِ﴾، لِأنَّهم تَوَعَّدُوهُ،

﴿إنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾، بِأعْمالِهِمْ، ومَآلِهِمْ.

40:45Page 472

فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥

So Allāh protected him from the evils they plotted, and the people of Pharaoh were enveloped by the worst of punishment -

﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾، شَدائِدَ مَكْرِهِمْ، وما هَمُّوا بِهِ مِن إلْحاقِ أنْواعِ العَذابِ بِمَن خالَفَهُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَرَجَ مِن عِنْدِهِمْ هارِبًا إلى جَبَلٍ، فَبَعَثَ قَرِيبًا مِن ألْفٍ في طَلَبِهِ، فَمِنهم مَن أكَلَتْهُ السِباعُ، ومَن رَجَعَ مِنهم صَلَبَهُ فِرْعَوْنُ،

﴿وَحاقَ﴾، ونَزَلَ،

﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾

40:46Page 472

ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦

The Fire; they are exposed to it morning and evening.1 And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."

﴿النارُ﴾، بَدَلٌ مِن "سُوءُ العَذابِ"، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: هو النارُ، أوْ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾، وعَرْضُهم عَلَيْها: إحْراقُهم بِها، يُقالُ: "عَرَضَ الإمامُ الأُسارى عَلى السَيْفِ"، إذا قَتَلَهم بِهِ،

﴿غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ أيْ: في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، يُعَذَّبُونَ بِالنارِ، وفِيما بَيْنَ ذَلِكَ إمّا أنْ يُعَذَّبُوا بِجِنْسٍ آخَرَ، أوْ يُنَفَّسَ عَنْهُمْ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ "غُدُوًّا وعَشِيًّا"، عِبارَةً عَنِ الدَوامِ، هَذا في الدُنْيا،

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾، يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، مِن "اَلْإدْخالُ"، "مَدَنِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ"، وغَيْرُهُمْ: "اُدْخُلُوا"، أيْ: يُقالُ لَهُمْ: اُدْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ ﴿أشَدَّ العَذابِ﴾ أيْ: عَذابِ جَهَنَّمَ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى عَذابِ القَبْرِ.

40:47Page 472

وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧

And [mention] when they will argue within the Fire, and the weak will say to those who had been arrogant, "Indeed, we were [only] your followers, so will you relieve us of a share of the Fire?"

﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ﴾، واذْكُرْ وقْتَ تَخاصُمِهِمْ،

﴿فِي النارِ فَيَقُولُ (p-٢١٥)الضُعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، يَعْنِي الرُؤَساءَ،

﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾، تُبّاعًا، كَـ "خَدَمٌ"، في جَمْعِ "خادِمٌ"،

﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ﴾، دافِعُونَ،

﴿عَنّا نَصِيبًا﴾، جُزْءًا،

﴿مِنَ النارِ﴾

40:48Page 472

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨

Those who had been arrogant will say, "Indeed, all [of us] are in it. Indeed, Allāh has judged between the servants."

﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها﴾، اَلتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: إنّا كُلَّنا فِيها، لا يُغْنِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ،

﴿إنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾، قَضى بَيْنَهم بِأنْ أدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلَ النارِ النارَ.

40:49Page 472

وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩

And those in the Fire will say to the keepers of Hell, "Supplicate your Lord to lighten for us a day from the punishment."

﴿وَقالَ الَّذِينَ في النارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾، لِلْقُوّامِ بِتَعْذِيبِ أهْلِها، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "لِخَزَنَتِها"، لِأنَّ في ذِكْرِ جَهَنَّمَ تَهْوِيلًا وتَفْظِيعًا، ويُحْتَمَلُ أنَّ جَهَنَّمَ هي أبْعَدُ النارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: "بِئْرٌ جَهَنّامُ"، بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْتى الكُفّارِ، وأطْغاهُمْ، فَلَعَلَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ أُولَئِكَ أجْوَبُ دَعْوَةً، لِزِيادَةِ قُرْبِهِمْ مِنَ اللهِ (تَعالى)، فَلِهَذا تَعَمَّدَهم أهْلُ النارِ بِطَلَبِ الدَعْوَةِ مِنهُمْ،

﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا﴾، بِقَدْرِ يَوْمٍ مِنَ الدُنْيا،

﴿مِنَ العَذابِ﴾

40:50Page 473

قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ ٥٠

They will say, "Did there not come to you your messengers with clear proofs?" They will say, "Yes." They will reply, "Then supplicate [yourselves], but the supplication of the disbelievers is not except in error [i.e., futility]."

﴿قالُوا﴾ أيْ: اَلْخَزَنَةُ، تَوْبِيخًا لَهُمْ، بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ،

﴿أوَ لَمْ تَكُ﴾ أيْ: أوَلَمْ تَكُنِ القِصَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿تَأْتِيكم رُسُلُكُمْ﴾، تَفْسِيرٌ لِلْقِصَّةِ،

﴿بِالبَيِّناتِ﴾، بِالمُعْجِزاتِ،

﴿قالُوا﴾ أيْ: اَلْكُفّارُ،

﴿بَلى قالُوا﴾ أيْ: اَلْخَزَنَةُ، تَهَكُّمًا بِهِمْ،

﴿فادْعُوا﴾، أنْتُمْ، ولا اسْتِجابَةَ لِدُعائِكُمْ،

﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾، بُطْلانٍ، وهو مِن قَوْلِ اللهِ (تَعالى)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ.

40:51Page 473

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١

Indeed, We will support Our messengers and those who believe during the life of this world and on the Day when the witnesses will stand -

﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ أيْ: في الدُنْيا، والآخِرَةِ، يَعْنِي أنَّهُ يَغْلِبُهم في الدارَيْنِ جَمِيعًا بِالحُجَّةِ، والظَفَرِ عَلى (p-٢١٦)مُخالِفِيهِمْ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، و"يَوْمَ"، نَصْبٌ، مَحْمُولٌ عَلى مَوْضِعِ الجارِّ والمَجْرُورِ، كَما تَقُولُ: "جِئْتُكَ في أمْسِ واليَوْمَ"، و"اَلْأشْهادُ": جَمْعُ "شاهِدٌ"، كَـ "صاحِبٌ"، و"أصْحابٌ"، يُرِيدُ الأنْبِياءَ، والحَفَظَةَ، فالأنْبِياءُ يَشْهَدُونَ عِنْدَ رَبِّ العِزَّةِ، عَلى الكَفَرَةِ بِالتَكْذِيبِ، والحَفَظَةُ يَشْهَدُونَ عَلى بَنِي آدَمَ بِما عَمِلُوا مِنَ الأعْمالِ، "تَقُومُ"، "اَلرّازِي عَنْ هِشامٍ".

40:52Page 473

يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢

The Day their excuse will not benefit the wrongdoers, and they will have the curse, and they will have the worst home [i.e., Hell].

"يَوْمَ لا تَنْفَعُ الظالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ"، هَذا بَدَلٌ مِن "يَوْمَ يَقُومُ"، أيْ: لا يُقْبَلُ عُذْرُهُمْ، "يَنْفَعُ"، "كُوفِيٌّ ونافِعٌ"،

﴿وَلَهُمُ اللَعْنَةُ﴾، اَلْبُعْدُ مِن رَحْمَةِ اللهِ،

﴿وَلَهم سُوءُ الدارِ﴾ أيْ: سُوءُ دارِ الآخِرَةِ، وهو عَذابُها.

40:53Page 473

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٥٣

And We had certainly given Moses guidance, and We caused the Children of Israel to inherit the Scripture

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾، يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ ما أتى بِهِ في بابِ الدِينِ، مِنَ المُعْجِزاتِ، والتَوْراةِ، والشَرائِعِ،

﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ أيْ: اَلتَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والزَبُورَ، لِأنَّ الكِتابَ جِنْسٌ.

40:54Page 473

هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٤

As guidance and a reminder for those of understanding.

﴿هُدًى وذِكْرى﴾، إرْشادًا، وتَذْكِرَةً، وانْتِصابُهُما عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أوْ عَلى الحالِ،

﴿لأُولِي الألْبابِ﴾، لِذَوِي العُقُولِ.

40:55Page 473

فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٥٥

So be patient, [O Muḥammad]. Indeed, the promise of Allāh is truth. And ask forgiveness for your sin1 and exalt [Allāh] with praise of your Lord in the evening and the morning.

﴿فاصْبِرْ﴾، عَلى ما يُجَرِّعُكَ قَوْمُكَ مِنَ الغُصَصِ،

﴿إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾، يَعْنِي: "إنَّ ما سَبَقَ بِهِ وعْدِي، مِن نُصْرَتِكَ، وإعْلاءِ كَلِمَتِكَ، حَقٌّ"،

﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أيْ: لِذَنْبِ أُمَّتِكَ،

﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ: دُمْ عَلى عِبادَةِ رَبِّكَ، والثَناءِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هُما صَلاتا العَصْرِ، والفَجْرِ، وقِيلَ: قُلْ: "سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ".

40:56Page 473

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦

Indeed, those who dispute concerning the signs of Allāh without [any] evidence having come to them - there is not within their breasts except pride, [the extent of] which they cannot reach. So seek refuge in Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Seeing.

﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾، (p-٢١٧)لا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ خَبَرَ "إنَّ": ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ﴾، تَعَظُّمٌ، وهو إرادَةُ التَقَدُّمِ، والرِياسَةِ، وألّا يَكُونَ أحَدٌ فَوْقَهُمْ، فَلِهَذا عادَوْكَ، ودَفَعُوا آياتِكَ، خِيفَةً أنْ تَتَقَدَّمَهُمْ، ويَكُونُوا تَحْتَ يَدِكَ، وأمْرِكَ، ونَهْيِكَ، لِأنَّ النُبُوَّةَ تَحْتَها كُلُّ مُلْكٍ ورِياسَةٍ، أوْ إرادَةَ أنْ تَكُونَ لَهُمُ النُبُوَّةُ دُونَكَ، حَسَدًا، وبَغْيًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، أوْ إرادَةَ دَفْعِ الآياتِ بِالجِدالِ،

﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾، بِبالِغِي مُوجِبِ الكِبْرِ، ومُقْتَضِيهِ، وهو مُتَعَلَّقُ إرادَتِهِمْ مِنَ الرِياسَةِ، أوِ النُبُوَّةِ، أوْ دَفْعِ الآياتِ،

﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾، اِلْتَجِئْ إلَيْهِ مِن كَيْدِ مَن يَحْسُدُكَ، ويَبْغِي عَلَيْكَ،

﴿إنَّهُ هو السَمِيعُ﴾، لِما تَقُولُ، ويَقُولُونَ،

﴿البَصِيرُ﴾، بِما تَعْمَلُ، ويَعْمَلُونَ، فَهو ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ، وعاصِمُكَ مِن شَرِّهِمْ.

40:57Page 473

لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧

The creation of the heavens and earth is greater than the creation of mankind, but most of the people do not know.

﴿لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ الناسِ﴾، لَمّا كانَتْ مُجادَلَتُهم في آياتِ اللهِ مُشْتَمِلَةً عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وهو أصْلُ المُجادَلَةِ، ومَدارُها، حُجُّوا بِخَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، لِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ اللهَ خالِقُها، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِها، مَعَ عِظَمِها، كانَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ، مَعَ مَهانَتِهِ، أقْدَرَ،

﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، لِأنَّهم لا يَتَأمَّلُونَ، لِغَلَبَةِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ.

40:58Page 473

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨

And not equal are the blind and the seeing, nor are those who believe and do righteous deeds and the evildoer. Little do you remember.

﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾، "لا"، زائِدَةٌ،

﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾، تَتَّعِظُونَ، بِتاءَيْنِ، "كُوفِيٌّ"، وبِياءٍ وتاءٍ "غَيْرُهُمْ"، و"قَلِيلًا"، صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: "تَذَكُّرًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ"، و"ما"، صِلَةٌ زائِدَةٌ.

40:59Page 474

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٩

Indeed, the Hour is coming - no doubt about it - but most of the people do not believe.

﴿إنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾، لا بُدَّ مِن مَجِيئِها، ولَيْسَ بِمُرْتابٍ فِيها، (p-٢١٨)لِأنَّهُ لابُدَّ مِن جَزاءٍ، لِئَلّا يَكُونَ خَلْقُ الخَلْقِ لِلْفَناءِ خاصَّةً،

﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾، لا يُصَدِّقُونَ بِها.

40:60Page 474

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

And your Lord says, "Call upon Me; I will respond to you." Indeed, those who disdain My worship will enter Hell [rendered] contemptible.

﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾، اُعْبُدُونِي،

﴿أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، أُثِبْكُمْ، فالدُعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾، وقالَ ﷺ: "اَلدُّعاءُ هو العِبادَةُ"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﷺ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "وَحِّدُونِي أغْفِرْ لَكُمْ"، وهَذا تَفْسِيرٌ لِلدُّعاءِ بِالعِبادَةِ، ثُمَّ لِلْعِبادَةِ بِالتَوْحِيدِ، وقِيلَ: "سَلُونِي أُعْطِكُمْ"،

﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾، "سَيُدْخَلُونَ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو"،

﴿داخِرِينَ﴾، صاغِرِينَ.

40:61Page 474

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٦١

It is Allāh who made for you the night that you may rest therein and the day giving sight.1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.

﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا﴾، وهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، أيْ: مُبْصَرًا فِيهِ، لِأنَّ الإبْصارَ في الحَقِيقَةِ لِأهْلِ النَهارِ، وقَرَنَ اللَيْلَ بِالمَفْعُولِ لَهُ والنَهارَ بِالحالِ، ولَمْ يَكُونا حالَيْنِ، أوْ مَفْعُولًا لَهُما، رِعايَةً لِحَقِّ المُقابَلَةِ، لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ مَعْنًى، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُؤَدِّي مُؤَدّى الآخَرِ، ولِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: "لِتُبْصِرُوا فِيهِ"، فاتَتِ الفَصاحَةُ الَّتِي في الإسْنادِ المَجازِيِّ، ولَوْ قِيلَ: "ساكِنًا"، لَمْ تَتَمَيَّزِ الحَقِيقَةُ مِنَ المَجازِ، إذِ اللَيْلُ يُوصَفُ بِالسُكُونِ عَلى الحَقِيقَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: "لَيْلٌ ساجٍ، وساكِنٌ، لا رَيْحٌ"؟ ﴿إنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ﴾، ولَمْ يَقُلْ "لَمُفْضِلٌ"، أوْ "لَمُتَفَضِّلٌ"، لِأنَّ المُرادَ تَنْكِيرُ الفَضْلِ، وأنْ يُجْعَلَ فَضْلًا لا يُوازِيهِ فَضْلٌ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِالإضافَةِ،

﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: "وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ"، حَتّى لا يَتَكَرَّرَ ذِكْرُ الناسِ، لِأنَّ في هَذا التَكْرِيرِ تَخْصِيصًا لِكُفْرانِ النِعْمَةِ بِهِمْ، وأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ فَضْلَ اللهِ، ولا يَشْكُرُونَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском