An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:30–54
41:30Page 480
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠
Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh" and then remained on a right course - the angels will descend upon them, [saying], "Do not fear and do not grieve but receive good tidings of Paradise, which you were promised.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ﴾ أيْ: نَطَقُوا بِالتَوْحِيدِ،
﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾، ثُمَّ ثَبَتُوا عَلى الإقْرارِ ومُقْتَضَياتِهِ، وعَنِ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "اِسْتَقامُوا فِعْلًا، كَما اسْتَقامُوا قَوْلًا"، وعَنْهُ أنَّهُ تَلاها ثُمَّ قالَ: "ما تَقُولُونَ فِيها؟"، قالُوا: لَمْ يُذْنِبُوا، قالَ: "حَمَلْتُمُ الأمْرَ عَلى أشُدِّهِ"، قالُوا: فَما تَقُولُ؟ قالَ: "لَمْ يَرْجِعُوا إلى عِبادَةِ الأوْثانِ"، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "لَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَعالِبِ"، أيْ: لَمْ يُنافِقُوا، وعَنْ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "أخْلَصُوا العَمَلَ"، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "أدَّوُا الفَرائِضَ"، وعَنِ الفُضَيْلِ: "زَهِدُوا في الفانِيَةِ، ورَغِبُوا في الباقِيَةِ"، وقِيلَ: حَقِيقَةُ الِاسْتِقامَةِ: اَلْقَرارُ بَعْدَ الإقْرارِ، لا الفِرارُ بَعْدَ الإقْرارِ،
﴿تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾، عِنْدَ المَوْتِ،
﴿ألا تَخافُوا﴾، "أنْ"، بِمَعْنى "أيْ"، أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وأصْلُهُ: "بِأنَّهُ لا تَخافُوا"، والهاءُ ضَمِيرُ الشَأْنِ، أيْ: "لا تَخافُوا ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ"،
﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾، عَلى ما خَلَّفْتُمْ، فالخَوْفُ غَمٌّ يَلْحَقُ الإنْسانَ لِتَوَقُّعِ المَكْرُوهِ، والحُزْنُ غَمٌّ يَلْحَقُ لِوُقُوعِهِ مِن فَواتِ نافِعٍ، أوْ حُصُولِ ضارٍّ، والمَعْنى أنَّ اللهَ كَتَبَ لَكُمُ الأمْنَ مِن كُلِّ غَمٍّ، فَلَنْ تَذُوقُوهُ،
﴿وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، في الدُنْيا، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِرْمِذِيُّ: "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةُ الرَحْمَنِ، عِنْدَ مُفارَقَةِ الأرْواحِ الأبْدانَ، ألّا تَخافُوا سَلْبَ الإيمانِ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما كانَ مِنَ العِصْيانِ، وأبْشِرُوا بِدُخُولِ الجِنانِ، الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في سالِفِ الزَمانِ".
41:31Page 480
نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١
We [angels] were your allies in worldly life and [are so] in the Hereafter. And you will have therein whatever your souls desire, and you will have therein whatever you request [or wish]
﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ﴾، كَما أنَّ الشَياطِينَ قُرَناءُ (p-٢٣٦)العُصاةِ، وإخْوانُهُمْ، فَكَذَلِكَ المَلائِكَةُ أوْلِياءُ المُتَّقِينَ، وأحِبّاؤُهم في الدارَيْنِ،
﴿وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾، مِنَ النَعِيمِ،
﴿وَلَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾، تَتَمَنَّوْنَ.
41:32Page 480
نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ ٣٢
As accommodation from a [Lord who is] Forgiving and Merciful."
﴿نُـزُلا﴾، هو رِزْقُ النَزِيلِ، وهو الضَيْفُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، أوْ مِن "ما"،
﴿مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾، نَعْتٌ لَهُ.
41:33Page 480
وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٣
And who is better in speech than one who invites to Allāh and does righteousness and says, "Indeed, I am of the Muslims."
﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ﴾، هو رَسُولُ اللهِ ﷺ، دَعا إلى التَوْحِيدِ،
﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾، خالِصًا،
﴿وَقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، تَفاخُرًا بِالإسْلامِ، أوْ مُعْتَقِدًا لَهُ، أوْ أصْحابُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -، أوِ المُؤَذِّنُونَ، أوْ جَمِيعُ الهُداةِ، والدُعاةِ إلى اللهِ.
41:34Page 480
وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤
And not equal are the good deed and the bad. Repel [evil] by that [deed] which is better; and thereupon, the one whom between you and him is enmity [will become] as though he was a devoted friend.
﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، يَعْنِي أنَّ الحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ مُتَفاوِتَتانِ في أنْفُسِهِما، فَخُذْ بِالحَسَنَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ مِن أُخْتِها، إذا اعْتَرَضَتْكَ حَسَنَتانِ، فادْفَعْ بِها السَيِّئَةَ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْكَ مِن بَعْضِ أعْدائِكَ، كَما لَوْ أساءَ إلَيْكَ رَجُلٌ إساءَةً، فالحَسَنَةُ أنْ تَعْفُوَ عَنْهُ، والَّتِي هي أحْسَنُ أنْ تُحْسِنَ إلَيْهِ مَكانَ إساءَتِهِ إلَيْكَ، مِثْلَ أنْ يَذُمَّكَ فَتَمْدَحَهُ، أوْ يَقْتُلَ ولَدَكَ فَتَفْتَدِي ولَدَهُ مِن يَدِ عَدُوِّهِ،
﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾، فَإنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ انْقَلَبَ عَدُوُّكَ المُشاقُّ مِثْلَ الوَلِيِّ الحَمِيمِ، مُصافاةً لَكَ، ثُمَّ قالَ:
41:35Page 480
وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥
But none is granted it except those who are patient, and none is granted it except one having a great portion [of good].
﴿وَما يُلَقّاها﴾ أيْ: وما يُلَقّى هَذِهِ الخَصْلَةَ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ،
﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، إلّا أهْلُ الصَبْرِ،
﴿وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، إلّا رَجُلٌ خَيِّرٌ، وُفِّقَ لِحَظٍّ عَظِيمٍ مِنَ الخَيْرِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "فادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ"، لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ قائِلٍ قالَ: "فَكَيْفَ أصْنَعُ؟"، فَقِيلَ: "اِدْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ"، وقِيلَ: "لا"، مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: "لا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ"، وكانَ القِياسُ عَلى هَذا التَفْسِيرِ أنْ يُقالَ: "اِدْفَعْ بِالَّتِي هي حَسَنَةٌ"، ولَكِنْ وضَعَ "اَلَّتِي هي (p-٢٣٧)أحْسَنُ"، مَوْضِعَ "اَلْحَسَنَةِ"، لِيَكُونَ أبْلَغَ في الدَفْعِ بِالحَسَنَةِ، لِأنَّ مَن دَفَعَ بِالحُسْنى هانَ عَلَيْهِ الدَفْعُ بِما دُونَها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "بِالَّتِي هي أحْسَنُ": اَلصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَبِ، والحِلْمُ عِنْدَ الجَهْلِ، والعَفْوُ عِنْدَ الإساءَةِ، وفَسَّرَ الحَظَّ بِالثَوابِ، وعَنِ الحَسَنِ: "واللهِ ما عَظُمَ حَظٌّ دُونَ الجَنَّةِ"، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وكانَ عَدُوًّا مُؤْذِيًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَصارَ ولِيًّا مُصافِيًا.
41:36Page 480
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٦
And if there comes to you from Satan an evil suggestion, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
﴿وَإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَـزْغٌ﴾، اَلنَّزْغُ شِبْهُ النَخْسِ، والشَيْطانُ يَنْزَغُ الإنْسانَ، كَأنَّهُ يَنْخُسُهُ، يَبْعَثُهُ عَلى ما لا يَنْبَغِي، وجَعَلَ النَزْغَ نازِغًا، كَما قِيلَ: "جَدَّ جِدُّهُ"، أوْ أُرِيدَ: "وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ نازِغٌ"، وصْفًا لِلشَّيْطانِ بِالمَصْدَرِ، أوْ لِتَسْوِيلِهِ، والمَعْنى: "وَإنْ صَرَفَكَ الشَيْطانُ عَمّا وُصِّيتَ بِهِ مِنَ الدَفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ"،
﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾، مِن شَرِّهِ، وامْضِ عَلى حِلْمِكَ، ولا تُطِعْهُ،
﴿إنَّهُ هو السَمِيعُ﴾، لِاسْتِعاذَتِكَ،
﴿العَلِيمُ﴾، بِنَزْغِ الشَيْطانِ.
41:37Page 480
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ٣٧
And of His signs are the night and day and the sun and moon. Do not prostrate to the sun or to the moon, but prostrate to Allāh, who created them, if it should be Him that you worship.1
﴿وَمِن آياتِهِ﴾، اَلدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ،
﴿اللَيْلُ والنَهارُ﴾، في تَعاقُبِهِما عَلى حَدٍّ مَعْلُومٍ، وتَناوُبِهِما عَلى قَدْرٍ مَقْسُومٍ،
﴿والشَمْسُ والقَمَرُ﴾، في اخْتِصاصِهِما بِسَيْرٍ مُقَدَّرٍ، ونُورٍ مُقَرِّرٍ،
﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾، فَإنَّهُما مَخْلُوقانِ، وإنْ كَثُرَتْ مَنافِعُهُما،
﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، اَلضَّمِيرُ في "خَلَقَهُنَّ"، لِلْآياتِ، أوِ اللَيْلِ والنَهارِ والشَمْسِ والقَمَرِ، لِأنَّ حُكْمَ جَماعَةِ ما لا يَعْقِلُ حُكْمُ الأُنْثى، أوِ الإناثِ، تَقُولُ: "اَلْأقْلامُ بَرَيْتُها"، و"بَرَيْتُهُنَّ"، ولَعَلَّ ناسًا مِنهم كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ، كالصابِئِينَ، في عِبادَتِهِمُ الكَواكِبَ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِالسُجُودِ لَهُما السُجُودَ لِلَّهِ (تَعالى)، فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الواسِطَةِ، وأُمِرُوا أنْ يَقْصِدُوا بِسُجُودِهِمْ وجْهَ اللهِ خالِصًا، إنْ كانُوا إيّاهُ يَعْبُدُونَ، وكانُوا مُوَحِّدِينَ، غَيْرَ مُشْرِكِينَ، فَإنَّ مَن عَبَدَ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ لا يَكُونُ عابِدًا لِلَّهِ.
41:38Page 480
فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ۩ ٣٨
But if they are arrogant - then those who are near your Lord [i.e., the angels] exalt Him by night and by day, and they do not become weary.
﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: اَلْمَلائِكَةُ،
﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَيْلِ (p-٢٣٨)والنَهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾، لا يَمَلُّونَ، والمَعْنى: فَإنِ اسْتَكْبَرُوا، ولَمْ يَمْتَثِلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، وأبَوْا إلّا الواسِطَةَ، فَدَعْهم وشَأْنَهُمْ، فَإنَّ اللهَ (تَعالى) لا يُعْدَمُ عابِدًا وساجِدًا بِالإخْلاصِ، ولَهُ العُبّادُ المُقَرَّبُونَ، الَّذِينَ يُنَزِّهُونَهُ بِاللَيْلِ والنَهارِ، عَنِ الأنْدادِ، و"عِنْدَ رَبِّكَ"، عِبارَةٌ عَنِ الزُلْفى والمَكانَةِ والكَرامَةِ، ومَوْضِعُ السَجْدَةِ عِنْدَنا: "لا يَسْأمُونَ"، وعِنْدَ الشافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ - عِنْدَ "تَعْبُدُونَ"، والأوَّلُ أحْوَطُ.
41:39Page 481
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
And of His signs is that you see the earth stilled, but when We send down upon it rain, it quivers and grows. Indeed, He who has given it life is the Giver of Life to the dead. Indeed, He is over all things competent.
﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾، يابِسَةً، مُغْبَرَّةً، والخُشُوعُ: اَلتَّذَلُّلُ، فاسْتُعِيرَ لِحالِ الأرْضِ إذا كانَتْ قَحْطَةً لا نَباتَ فِيها،
﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ﴾، اَلْمَطَرَ،
﴿اهْتَزَّتْ﴾، تَحَرَّكَتْ بِالنَباتِ،
﴿وَرَبَتْ﴾، اِنْتَفَخَتْ،
﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فَيَكُونُ قادِرًا عَلى البَعْثِ ضَرُورَةً.
41:40Page 481
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخۡفَوۡنَ عَلَيۡنَآۗ أَفَمَن يُلۡقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيۡرٌ أَم مَّن يَأۡتِيٓ ءَامِنٗا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠
Indeed, those who inject deviation into Our verses1 are not concealed from Us. So, is he who is cast into the Fire better or he who comes secure on the Day of Resurrection? Do whatever you will; indeed, He is Seeing of what you do.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾، يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ في أدِلَّتِنا، بِالطَعْنِ، يُقالُ: "ألْحَدَ الحافِرُ"، و"لَحَدَ"، إذا مالَ عَنْ الِاسْتِقامَةِ، فَحَفَرَ في شِقٍّ، فاسْتُعِيرَ لِلِانْحِرافِ في تَأْوِيلِ آياتِ القُرْآنِ عَنْ جِهَةِ الصِحَّةِ والِاسْتِقامَةِ، "يَلْحَدُونَ"، "حَمْزَةُ"،
﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾، وعِيدٌ لَهم عَلى التَحْرِيفِ،
﴿أفَمَن يُلْقى في النارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾، هَذا تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ، والمُؤْمِنِ،
﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾، هَذا نِهايَةٌ في التَهْدِيدِ، ومُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ،
﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
41:41Page 481
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١
Indeed, those who disbelieve in the message [i.e., the Qur’ān]1 after it has come to them...2 And indeed, it is a mighty3 Book.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ﴾، بِالقُرْآنِ، لِأنَّهم لِكُفْرِهِمْ بِهِ طَعَنُوا بِهِ، وحَرَّفُوا تَأْوِيلَهُ،
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾، حِينَ جاءَهُمْ، وخَبَرُ "إنَّ"، مَحْذُوفٌ، أيْ: "يُعَذَّبُونَ"، أوْ "هالِكُونَ"، أوْ "أُولَئِكَ يُنادُونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ"، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ،
﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ أيْ: مَنِيعٌ، مَحْمِيٌّ بِحِمايَةِ اللهِ.
41:42Page 481
لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ٤٢
Falsehood cannot approach it from before it or from behind it; [it is] a revelation from a [Lord who is] Wise and Praiseworthy.
(p-٢٣٩)﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾، اَلتَّبْدِيلُ، أوِ التَناقُضُ،
﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ،
﴿تَنْـزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ.
41:43Page 481
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٖ ٤٣
Nothing is said to you, [O Muḥammad], except what was already said to the messengers before you. Indeed, your Lord is a possessor of forgiveness and a possessor of painful penalty.
﴿ما يُقالُ لَكَ﴾، ما يَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ،
﴿إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾، إلّا مِثْلُ ما قالَ لِلرُّسُلِ كُفّارُ قَوْمِهِمْ مِنَ الكَلِماتِ المُؤْذِيَةِ، والمَطاعِنِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ،
﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾، ورَحْمَةٍ لِأنْبِيائِهِ،
﴿وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾، لِأعْدائِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما يَقُولُ لَكَ اللهُ إلّا مِثْلَ ما قالَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ"، والمَقُولُ هو قَوْلُهُ: "إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ".
41:44Page 481
وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٤٤
And if We had made it a foreign [i.e., non-Arabic] Qur’ān, they would have said, "Why are its verses not explained in detail [in our language]? Is it a foreign [recitation] and an Arab [messenger]?" Say, "It is, for those who believe, a guidance and cure." And those who do not believe - in their ears is deafness, and it is upon them blindness. Those are being called from a distant place.1
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ﴾ أيْ: اَلذِّكْرَ،
﴿قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ أيْ: بِلُغَةِ العَجَمِ، كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَقُولُونَ: هَلّا نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ؟ فَقِيلَ في جَوابِهِمْ: لَوْ كانَ كَما يَقْتَرِحُونَ،
﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ: بُيِّنَتْ بِلِسانِ العَرَبِ، حَتّى نَفْهَمَها، تَعَنُّتًا،
﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾، بِهَمْزَتَيْنِ، "كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ"، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي: لَأنْكَرُوا، وقالُوا: أقُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ، أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ، الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ، مُسْتَفْهِمَةٍ، و"اَلْأعْجَمِيُّ": اَلَّذِي لا يُفْصِحُ، ولا يُفْهَمُ كَلامُهُ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَجَمِ، أوِ العَرَبِ، و"اَلْعَجَمِيِّ": مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَجَمِ، فَصِيحًا كانَ أوْ غَيْرَ فَصِيحٍ، والمَعْنى أنَّ آياتِ اللهِ عَلى أيِّ طَرِيقَةٍ جاءَتْهم وجَدُوا فِيها مُتَعَنِّتًا، لِأنَّهم غَيْرُ طالِبِينَ لِلْحَقِّ، وإنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ، وفِيهِ إشارَةٌ عَلى أنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ بِلِسانِ العَجَمِ لَكانَ قُرْآنًا، فَيَكُونَ دَلِيلًا لِأبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - في جَوازِ الصَلاةِ إذا قَرَأ بِالفارِسِيَّةِ،
﴿قُلْ هُوَ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنُ،
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾، إرْشادٌ إلى الحَقِّ،
﴿وَشِفاءٌ﴾، لِما في الصُدُورِ مِنَ الشَكِّ، إذِ (p-٢٤٠)الشَكُّ مَرَضٌ،
﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ﴾، في مَوْضِعِ الجَرِّ، لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى "اَلَّذِينَ آمَنُوا"، أيْ: هو للَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ، وهو لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ، أيْ: صَمَمٌ، إلّا أنَّ فِيهِ عَطْفًا عَلى عامِلَيْنِ، وهو جائِزٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، أوِ الرَفْعِ، وتَقْدِيرُهُ: "والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هو في آذانِهِمْ وقْرٌ"، عَلى حَذْفِ المُبْتَدَإ، أوْ "فِي آذانِهِمْ مِنهُ وقْرٌ"،
﴿وَهُوَ﴾ أيْ: القُرْآنُ،
﴿عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، ظُلْمَةٌ، وشُبْهَةٌ،
﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، يَعْنِي أنَّهم لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ كَأنَّهم يُنادَوْنَ إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ، مِن حَيْثُ لا يَسْمَعُونَ، لِبُعْدِ المَسافَةِ، وقِيلَ: يُنادَوْنَ في القِيامَةِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ بِأقْبَحِ الأسْماءِ.
41:45Page 481
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ٤٥
And We had already given Moses the Scripture, but it came under disagreement.1 And if not for a word [i.e., decree]2 that preceded from your Lord, it would have been concluded between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو حَقٌّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو باطِلٌ، كَما اخْتَلَفَ قَوْمُكَ في كِتابِكَ،
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾، بِتَأْخِيرِ العَذابِ،
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، لَأهْلَكَهم إهْلاكَ اسْتِئْصالٍ، وقِيلَ: اَلْكَلِمَةُ السابِقَةُ هي العِدَةُ بِالقِيامَةِ، وأنَّ الخُصُوماتِ تُفْصَلُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُنْيا ﴿وَإنَّهُمْ﴾، وإنَّ الكُفّارَ،
﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾، مُوقِعٍ في الرِيبَةِ.
41:46Page 481
مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦
Whoever does righteousness - it is for his [own] soul; and whoever does evil [does so] against it. And your Lord is not ever unjust to [His] servants.
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، فَنَفْسَهُ نَفَعَ،
﴿وَمَن أساءَ فَعَلَيْها﴾، فَنَفْسَهُ ضَرَّ،
﴿وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، فَيُعَذِّبُ غَيْرَ المُسِيءِ.
41:47Page 482
۞ إِلَيۡهِ يُرَدُّ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِۚ وَمَا تَخۡرُجُ مِن ثَمَرَٰتٖ مِّنۡ أَكۡمَامِهَا وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ أَيۡنَ شُرَكَآءِي قَالُوٓاْ ءَاذَنَّٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٖ ٤٧
To Him [alone] is attributed knowledge of the Hour. And fruits emerge not from their coverings nor does a female conceive or give birth except with His knowledge. And the Day He will call to them, "Where are My 'partners'?" they will say, "We announce to You that there is [no longer] among us any witness [to that]."
﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعَةِ﴾ أيْ: عِلْمُ قِيامِها يُرَدُّ إلَيْهِ، أيْ: يَجِبُ عَلى المَسئولِ أنْ يَقُولَ: اَللَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ،
﴿وَما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ﴾ "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وحَفْصٌ"، وغَيْرُهم بِغَيْرِ ألِفٍ،
﴿مِن أكْمامِها﴾، أوْعِيَتِها، قَبْلَ أنْ تَنْشَقَّ، جَمْعُ "كُمٌّ"،
﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى﴾، حَمْلَها،
﴿وَلا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ: ما يَحْدُثُ شَيْءٌ مِن خُرُوجِ ثَمَرَةٍ، ولا حَمْلِ حامِلٍ، ولا وضْعِ واضِعٍ، إلّا وهو عالِمٌ بِهِ، يَعْلَمُ عَدَدَ أيّامِ الحَمْلِ، (p-٢٤١)وَساعاتِهِ، وأحْوالَهُ، مِنَ الخِداجِ والتَمامِ والذُكُورَةِ والأُنُوثَةِ والحُسْنِ والقُبْحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾، أضافَهم إلى نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِمْ، وبَيانُهُ في قَوْلِهِ:" أيْنَ شُرَكائِي الَّذِينَ كنتم تزَعَمْونْ "، وفِيهِ تَهَكُّمٌ وتَقْرِيعٌ،
﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾، أعْلَمْناكَ، وقِيلَ: أخْبَرْناكَ، وهو الأظْهَرُ، إذِ اللهُ (تَعالى) كانَ عالِمًا بِذَلِكَ، وإعْلامُ العالِمِ مُحالٌ، أمّا الإخْبارُ لِلْعالِمِ بِالشَيْءِ فَيَتَحَقَّقُ بِما عَلِمَ بِهِ، إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّكَ عَلِمْتَ مِن قُلُوبِنا الآنَ أنّا لا نَشْهَدُ تِلْكَ الشَهادَةَ الباطِلَةَ، لِأنَّهُ إذا عَلِمَهُ مِن نُفُوسِهِمْ فَكَأنَّهم أعْلَمُوهُ،
﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ أيْ: ما مِنّا أحَدٌ اليَوْمَ يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، وما مِنّا إلّا مَن هو مُوَحِّدٌ لَكَ، أوْ ما مِنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهُمْ، لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهُمْ، وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهُمْ، لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَوْبِيخِ، وقِيلَ: هو كَلامُ الشُرَكاءِ، أيْ: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ يَشْهَدُ بِما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَرِكَةِ.
41:48Page 482
وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَدۡعُونَ مِن قَبۡلُۖ وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٤٨
And lost from them will be those they were invoking before, and they will be certain that they have no place of escape.
﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ﴾، يَعْبُدُونَ،
﴿مِن قَبْلُ﴾، في الدُنْيا،
﴿وَظَنُّوا﴾، وأيْقَنُوا،
﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾، مَهْرَبٍ.
41:49Page 482
لَّا يَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ ٤٩
Man is not weary of supplication for good [things], but if evil touches him, he is hopeless and despairing.
﴿لا يَسْأمُ﴾، لا يَمَلُّ،
﴿الإنْسانُ﴾، اَلْكافِرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠] ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾، مِن طَلَبِ السَعَةِ في المالِ، والنِعْمَةِ، والتَقْدِيرُ: "مِن دُعائِهِ الخَيْرَ"، فَحُذِفَ الفاعِلُ، وأُضِيفَ إلى المَفْعُولِ،
﴿وَإنْ مَسَّهُ الشَرُّ﴾، اَلْفَقْرُ،
﴿فَيَئُوسٌ﴾، مِنَ الخَيْرِ،
﴿قَنُوطٌ﴾، مِنَ الرَحْمَةِ، بُولِغَ فِيهِ مِن طَرِيقَيْنِ، مِن طَرِيقِ بِناءِ "فَعُولٌ"، ومِن طَرِيقِ التَكْرِيرِ، و"اَلْقُنُوطُ": أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ اليَأْسِ، فَيَتَضاءَلَ، ويَنْكَسِرَ، أيْ: يَقْطَعَ الرَجاءَ مِن فَضْلِ اللهِ، ورَوْحِهِ، وهَذا صِفَةُ الكافِرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]
41:50Page 482
وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنَّا مِنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّجِعۡتُ إِلَىٰ رَبِّيٓ إِنَّ لِي عِندَهُۥ لَلۡحُسۡنَىٰۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٠
And if We let him taste mercy from Us after an adversity which has touched him, he will surely say, "This is [due] to me,1 and I do not think the Hour will occur; and [even] if I should be returned to my Lord, indeed, for me there will be with Him the best." But We will surely inform those who disbelieved about what they did, and We will surely make them taste a massive punishment.
﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾، وإذا فَرَّجْنا عَنْهُ بِصِحَّةٍ بَعْدَ مَرَضٍ، أوْ سَعَةٍ بَعْدَ ضِيقٍ، قالَ: هَذا لِي، أيْ: هَذا حَقِّي، وصَلَ (p-٢٤٢)إلَيَّ لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما عِنْدِي مِن خَيْرٍ، وفَضْلٍ، وأعْمالِ بِرٍّ، أوْ هَذا لِي، لا يَزُولُ عَنِّي،
﴿وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: ما أظُنُّها تَكُونُ قائِمَةً،
﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي﴾، كَما يَقُولُ المُسْلِمُونَ،
﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ﴾، عِنْدَ اللهِ،
﴿لَلْحُسْنى﴾ أيْ: اَلْجَنَّةَ، أوِ الحالَةَ الحُسْنى، مِنَ الكَرامَةِ، والنِعْمَةِ، قائِسًا أمْرَ الآخِرَةِ عَلى أمْرِ الدُنْيا،
﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾، فَلَنُخْبِرَنَّهم بِحَقِيقَةِ ما عَمِلُوا مِنَ الأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلْعَذابِ،
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾، شَدِيدٍ لا يَفْتُرُ عَنْهم.
41:51Page 482
وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ ٥١
And when We bestow favor upon man, he turns away and distances himself; but when evil touches him, then he is full of extensive supplication.
﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾، هَذا ضَرْبٌ آخَرُ مِن طُغْيانِ الإنْسانِ، إذا أصابَهُ اللهُ بِنِعْمَةٍ أبْطَرَتْهُ النِعْمَةُ، فَنَسِيَ المُنْعِمَ، وأعْرَضَ عَنْ شُكْرِهِ،
﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾، وتَباعَدَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ودُعائِهِ، أوْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ، وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، وتَحْقِيقُهُ أنْ يُوضَعَ جانِبُهُ مَوْضِعَ نَفْسِهِ، لِأنَّ مَكانَ الشَيْءِ وِجْهَتُهُ، يُنْزَلُ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُتّابِ: "كَتَبْتُ إلى جِهَتِهِ، وإلى جانِبِهِ العَزِيزِ"، يُرِيدُونَ نَفْسَهُ، وذاتَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَناءَ بِنَفْسِهِ"،
﴿وَإذا مَسَّهُ الشَرُّ﴾، اَلضُّرُّ والفَقْرُ،
﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾، كَثِيرٍ، أيْ: أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُعاءِ، وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدُعاءِ، ودَوامِهِ، وهو مِن صِفَةِ الأجْرامِ، كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ: "فَيَئوسٌ قَنُوطٌ"، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ لِأنَّ الأوَّلَ في قَوْمٍ، والثانِيَ في قَوْمٍ، أوْ قَنُوطٌ في البَرِّ، ذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ في البَحْرِ، أوْ قَنُوطٌ بِالقَلْبِ، ذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ بِاللِسانِ، أوْ قَنُوطٌ مِنَ الصَنَمِ، ذُو دُعاءٍ لِلَّهِ (تَعالى).
41:52Page 482
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٢
Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] is from Allāh and you disbelieved in it, who would be more astray than one who is in extreme dissension?"
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾، أخْبِرُونِي،
﴿إنْ كانَ﴾، اَلْقُرْآنُ،
﴿مِن عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾، ثُمَّ جَحَدْتُمْ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ،
﴿مَن أضَلُّ﴾، مِنكُمْ، إلّا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾، مَوْضِعَ "مِنكُمْ"، بَيانًا لِحالِهِمْ، وصِفَتِهِمْ.
41:53Page 482
سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٥٣
We will show them Our signs in the horizons and within themselves until it becomes clear to them that it is the truth.1 But is it not sufficient concerning your Lord that He is, over all things, a Witness?2
(p-٢٤٣)﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾، مِن فَتْحِ البِلادِ، شَرْقًا، وغَرْبًا،
﴿وَفِي أنْفُسِهِمْ﴾، فَتْحِ مَكَّةَ،
﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنَ، أوِ الإسْلامَ،
﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾، مَوْضِعُ "بِرَبِّكَ"، اَلرَّفْعُ، عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، والمَعْفُولُ مَحْذُوفٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، بَدَلٌ مِنهُ، تَقْدِيرُهُ: "أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"، أيْ: "أوَلَمْ تَكْفِهِمْ شَهادَةُ رَبِّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ"، ومَعْناهُ أنَّ هَذا المَوْعُودَ مِن إظْهارِ آياتِ اللهِ في الآفاقِ، وفي أنْفُسِهِمْ، سَيَرَوْنَهُ، ويُشاهِدُونَهُ، فَيَتَبَيَّنُونَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ تَنْزِيلُ عالِمِ الغَيْبِ، الَّذِي هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
41:54Page 482
أَلَآ إِنَّهُمۡ فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمۡۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطُۢ ٥٤
Unquestionably, they are in doubt about the meeting with their Lord. Unquestionably He is, of all things, encompassing.
﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ﴾، شَكٍّ،
﴿مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾، عالِمٌ بِجُمَلِ الأشْياءِ، وتَفاصِيلِها، وظَواهِرِها، وبَواطِنِها، فَلا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، فَيُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ومِرْيَتِهِمْ في لِقاءِ رَبِّهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences