An-NasafiAsh‑Shuraa · 42:1–24

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

الشورى

Ash-Shuraa

The Consultation · Meccan · 53 ayahs

42:1–2Page 483

حمٓ ١

Ḥā, Meem.

عٓسٓقٓ ٢

ʿAyn, Seen, Qāf.1

(p-٢٤٤)سُورَةُ "اَلشُّورى"

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

فَصْلُ ﴿حم﴾، مِن،

﴿عسق﴾، كِتابَةً - مُخالِفًا لِـ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] -، تَلْفِيقًا بِأخَواتِها، ولِأنَّهُ آيَتانِ، و"كهيعص"، آيَةٌ واحِدَةٌ.

42:3Page 483

كَذَٰلِكَ يُوحِيٓ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

Thus has He revealed to you, [O Muḥammad], and to those before you - Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الوَحْيِ، أوْ مِثْلَ ذَلِكَ الكِتابِ، يُوحِي إلَيْكَ،

﴿وَإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، وإلى الرُسُلِ مِن قَبْلِكَ،

﴿اللهُ﴾، يَعْنِي أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُورَةُ مِنَ المَعانِي قَدْ أوْحى اللهُ إلَيْكَ مِثْلَهُ في غَيْرِها مِنَ السُورِ، وأوْحاهُ إلى مَن قَبْلَكَ، يَعْنِي إلى رُسُلِهِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ كَرَّرَ هَذِهِ المَعانِيَ في القُرْآنِ، في جَمِيعِ الكُتُبِ السَماوِيَّةِ، لِما فِيها مِنَ التَنْبِيهِ البَلِيغِ، واللُطْفِ العَظِيمِ لِعِبادِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: لَيْسَ مِن نَبِيٍّ صاحِبِ كِتابٍ إلّا أُوحِيَ إلَيْهِ بِـ "حـم عسق"، "يُوحى"، بِفَتْحِ الحاءِ، "مَكِّيٌّ"، ورافِعُ اسْمِ اللهِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ "يُوحى"، كَأنَّ قائِلًا قالَ: "مَنِ المُوحِي؟"، فَقِيلَ: "اَللَّهُ"،

﴿العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ بِقَهْرِهِ،

﴿الحَكِيمُ﴾، اَلْمُصِيبُ في فِعْلِهِ، وقَوْلِهِ.

42:4Page 483

لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٤

To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and He is the Most High, the Most Great.1

﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾، مُلْكًا، ومِلْكًا،

﴿وَهُوَ العَلِيُّ﴾، شَأْنُهُ،

﴿العَظِيمُ﴾، بُرْهانُهُ.

42:5Page 483

تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥

The heavens almost break from above them,1 and the angels exalt [Allāh] with praise of their Lord and ask forgiveness for those on earth. Unquestionably, it is Allāh who is the Forgiving, the Merciful.

(p-٢٤٥)﴿تَكادُ السَماواتُ﴾، وبِالياءِ، "نافِعٌ وعَلِيٌّ"،

﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾، يَتَشَقَّقْنَ، "يَنْفَطِرْنَ"، "بَصْرِيٌّ وأبُو بَكْرٍ"، ومَعْناهُ: يَكَدْنَ يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللهِ، وعَظَمَتِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "اَلْعَلِيُّ العَظِيمُ"، وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠]، ومَعْنى "مِن فَوْقِهِنَّ"، أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتِهِنَّ الفَوْقانِيَّةِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: "يَنْفَطِرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ"، مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها كَلِمَةُ الكُفْرِ، لِأنَّها جاءَتْ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ السَماواتِ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ، فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في جِهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَنْفَطِرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، دَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ، وقِيلَ: "مِن فَوْقِهِنَّ"، مِن فَوْقِ الأرْضِ، فالكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الأرْضِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى "اَلْأرْضِينَ"، وقِيلَ: يَتَشَقَّقْنَ لِكَثْرَةِ ما عَلى السَماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "أطَّتِ السَماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ مَلَكٌ قائِمٌ، أوْ راكِعٌ، أوْ ساجِدٌ"،

﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، خُضُوعًا لِما يَرَوْنَ مِن عَظَمَتِهِ،

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن سَطْواتِهِ، أوْ يُوَحِّدُونَ اللهَ، ويُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِفاتِ، حامِدِينَ لَهُ عَلى ما أوْلاهم مِن ألْطافِهِ، مُتَعَجِّبِينَ مِمّا رَأوْا مِن تَعَرُّضِهِمْ لِسُخْطِ اللهِ (تَعالى)، ويَسْتَغْفِرُونَ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الأرْضِ، الَّذِينَ تَبَرَّؤُوا مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ، أوْ يَطْلُبُونَ إلى رَبِّهِمْ أنْ يَحْلُمَ عَنْ أهْلِ الأرْضِ، ولا يُعاجِلَهم بِالعِقابِ،

﴿ألا إنَّ اللهَ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾، لَهم.

42:6Page 483

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ٦

And those who take as allies other than Him - Allāh is [yet] Guardian over them; and you, [O Muḥammad], are not over them a manager -

﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أيْ: جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، وأنْدادًا،

﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾، رَقِيبٌ عَلى أقْوالِهِمْ، وأعْمالِهِمْ، لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ، فَيُجازِيهِمْ عَلَيْها،

﴿وَما أنْتَ﴾، يا مُحَمَّدٌ،

﴿عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، بِمُوَكَّلٍ عَلَيْهِمْ، ومُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهُمْ، إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ فَحَسْبُ.

42:7Page 483

وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ ٧

And thus We have revealed to you an Arabic Qur’ān that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it1 and warn of the Day of Assembly, about which there is no doubt. A party will be in Paradise and a party in the Blaze.

(p-٢٤٦)﴿وَكَذَلِكَ﴾، ومِثْلَ ذَلِكَ،

﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، و"ذَلِكَ"، إشارَةٌ إلى مَعْنى الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، مِن أنَّ اللهَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، لا أنْتَ، بَلْ أنْتَ مُنْذِرٌ، لِأنَّ هَذا المَعْنى كَرَّرَهُ اللهُ في كِتابِهِ، فالكافُ مَفْعُولٌ بِهِ لِأوْحَيْنا،

﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: أوْحَيْنا إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ بَيِّنٌ،

﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ: مَكَّةَ، لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ البِقاعِ، والمُرادُ أهْلُ أُمِّ القُرى،

﴿وَمَن حَوْلَها﴾، مِنَ العَرَبِ،

﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾، يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ الخَلائِقَ تَجْتَمِعُ فِيهِ،

﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، اِعْتِراضٌ، لا مَحَلَّ لَهُ، يُقالُ: "أنْذَرْتُهُ كَذا"، و"أنْذَرْتُهُ بِكَذا"، وقَدْ عُدِّيَ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ، و"تُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ"، إلى المَفْعُولِ الثانِي،

﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ﴾ أيْ: مِنهم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، ومِنهم فَرِيقٌ في السَعِيرِ، والضَمِيرُ لِلْمَجْمُوعَيْنِ، لِأنَّ المَعْنى: "يَوْمَ جَمْعِ الخَلائِقِ".

42:8Page 483

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ٨

And if Allāh willed, He could have made them [of] one religion, but He admits whom He wills1 into His mercy. And the wrongdoers have not any protector or helper.

﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: مُؤْمِنِينَ، كُلَّهُمْ،

﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: يُكْرِمُ مَن يَشاءُ بِالإسْلامِ،

﴿والظالِمُونَ﴾ والكافِرُونَ،

﴿ما لَهم مِن ولِيٍّ﴾، شافِعٍ،

﴿وَلا نَصِيرٍ﴾، دافِعٍ.

42:9Page 483

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡوَلِيُّ وَهُوَ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٩

Or have they taken protectors [or allies] besides Him? But Allāh - He is the Protector, and He gives life to the dead, and He is over all things competent.

﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللهُ هو الوَلِيُّ﴾، اَلْفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ: إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ، فاللهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، وهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُتَوَلّى وحْدَهُ، ولا ولِيَّ سِواهُ،

﴿وَهُوَ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا، دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.

42:10Page 483

وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠

And in anything over which you disagree - its ruling is [to be referred] to Allāh. [Say], "That is Allāh, my Lord; upon Him I have relied, and to Him I turn back."1

﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ﴾، حِكايَةُ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: ما خالَفَتْكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ، والمُشْرِكِينَ، فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ، مِن أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِينِ،

﴿فَحُكْمُهُ﴾ أيْ: حُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ ﴿إلى اللهِ﴾، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومُعاقَبَةُ المُبْطِلِينَ،

﴿ذَلِكُمُ﴾، اَلْحاكِمُ بَيْنَكُمْ، (p-٢٤٧)﴿اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، فِيهِ رَدُّ كَيْدِ أعْداءِ الدِينِ،

﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾، أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكُمْ، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: "اَللَّهُ أعْلَمُ"، كَمَعْرِفَةِ الرُوحِ وغَيْرِهِ.

42:11Page 484

فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١

[He is] Creator of the heavens and the earth. He has made for you from yourselves, mates, and among the cattle, mates; He multiplies you thereby. There is nothing like unto Him,1 and He is the Hearing, the Seeing.2

﴿فاطِرُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، اِرْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ أحَدُ أخْبارِ "ذَلِكُمْ"، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ،

﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾، خَلَقَ لَكم مِن جِنْسِكم مِنَ الناسِ،

﴿أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ: وخَلَقَ لِلْأنْعامِ أيْضًا مِن أنْفُسِها أزْواجًا،

﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾، يُكَثِّرُكُمْ، يُقالُ: "ذَرَأ اللهُ الخَلْقَ"، بَثَّهُمْ، وكَثَرَهُمْ،

﴿فِيهِ﴾، في هَذا التَدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ الناسَ والأنْعامَ أزْواجًا، حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَوالُدُ والتَناسُلُ، واخْتِيرَ "فِيهِ"، عَلى "بِهِ"، لِأنَّهُ جَعَلَ هَذا التَدْبِيرَ كالمَنبَعِ، والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ، والتَكْثِيرِ، والضَمِيرُ في "يَذْرَؤُكُمْ"، يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، والأنْعامِ، مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغُيَّبِ مِمّا لا يَعْقِلُ،

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، قِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ التَشْبِيهِ كُرِّرَتْ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ التَماثُلِ، وتَقْدِيرُهُ: "لَيْسَ مِثْلُهُ شَيْءٌ"، وقِيلَ: "اَلْمِثْلُ"، زِيادَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: "لَيْسَ كَهو شَيْءٌ"، كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وهَذا لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ المِثْلِيَّةِ، وإذا لَمْ تُجْعَلِ الكافُ، أوِ المِثْلُ، زِيادَةً، كانَ إثْباتُ المِثْلِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ: "لَيْسَ كَذاتِهِ شَيْءٌ"، لِأنَّهم يَقُولُونَ: "مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ"، يُرِيدُونَ بِهِ نَفْيَ البُخْلِ عَنْ ذاتِهِ، ويَقْصِدُونَ المُبالَغَةَ في ذَلِكَ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الكِنايَةِ، لِأنَّهم إذا نَفَوْهُ عَمَّنْ يَسُدُّ مَسَدَّهُ فَقَدْ نَفَوْهُ عَنْهُ، فَإذا عُلِمَ أنَّهُ مِن بابِ الكِنايَةِ، لَمْ يَقَعْ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: "لَيْسَ كاللهِ شَيْءٌ"، وبَيْنَ قَوْلِهِ: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"، إلّا ما تُعْطِيهِ الكِنايَةُ مِن فائِدَتِها، وكَأنَّهُما عِبارَتانِ مُعْتَقِبَتانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وهو نَفْيُ المُماثَلَةِ عَنْ ذاتِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَمَعْناهُ: بَلْ هو جَوادٌ مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ يَدٍ، ولا بَسْطٍ لَها، لِأنَّها وقَعَتْ عِبارَةً عَنِ الجُودِ، حَتّى إنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوها فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ هَذا فِيمَن لَهُ مِثْلٌ، ومَن لا مِثْلَ لَهُ،

﴿وَهُوَ السَمِيعُ﴾، لِجَمِيعِ (p-٢٤٨)المَسْمُوعاتِ، بِلا أُذُنٍ،

﴿البَصِيرُ﴾، لِجَمِيعِ المَرْئِيّاتِ بِلا حَدَقَةٍ، وكَأنَّهُ ذَكَرَهُما لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ لا صِفَةَ لَهُ، كَما لا مِثْلَ لَهُ.

42:12Page 484

لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٢

To Him belong the keys of the heavens and the earth. He extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is, of all things, Knowing.

﴿لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، مَرَّ في "اَلزُّمَرِ"،

﴿يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُ،

﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

42:13Page 484

۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ ١٣

He has ordained for you of religion what He enjoined upon Noah and that which We have revealed to you, [O Muḥammad], and what We enjoined upon Abraham and Moses and Jesus - to establish the religion and not be divided therein. Difficult for those who associate others with Allāh is that to which you invite them. Allāh chooses for Himself whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him].

﴿شَرَعَ﴾، بَيَّنَ، وأظْهَرَ،

﴿لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ أيْ: شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ دِينَ نُوحٍ، ومُحَمَّدٍ، وما بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -، ثُمَّ فَسَّرَ المَشْرُوعُ الَّذِي اشْتَرَكَ هَؤُلاءِ الأعْلامُ مِن رُسُلِهِ فِيهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِينَ﴾، والمُرادُ إقامَةُ دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو تَوْحِيدُ اللهِ، وطاعَتُهُ، والإيمانُ بِرُسُلِهِ، وكُتُبِهِ، وبِيَوْمِ الجَزاءِ، وسائِرِ ما يَكُونُ المَرْءُ بِإقامَتِهِ مُسْلِمًا، ولَمْ يُرِدْ بِهِ الشَرائِعَ، فَإنَّها مُخْتَلِفَةٌ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ومَحَلُّ "أنْ أقِيمُوا"، نَصْبٌ، بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ "شَرَعَ"، والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِ، أوْ رَفْعٌ، عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ المَشْرُوعُ؟ فَقِيلَ: "هُوَ إقامَةُ الدِينِ"،

﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، ولا تَخْتَلِفُوا في الدِينِ، قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "لا تَتَفَرَّقُوا، فالجَماعَةُ رَحْمَةٌ، والفُرْقَةُ عَذابٌ"،

﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾، عَظُمَ عَلَيْهِمْ، وشَقَّ عَلَيْهِمْ،

﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾، مِن إقامَةِ دِينِ اللهِ، والتَوْحِيدِ،

﴿اللهُ يَجْتَبِي﴾، يَجْلِبُ، ويَجْمَعُ،

﴿إلَيْهِ﴾، إلى الدِينِ، بِالتَوْفِيقِ والتَسْدِيدِ،

﴿مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾، يُقْبِلُ عَلى طاعَتِهِ.

42:14Page 484

وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١٤

And they did not become divided until after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And if not for a word1 that preceded from your Lord [postponing the penalty] until a specified time, it would have been concluded between them. And indeed, those who were granted inheritance of the Scripture after them are, concerning it, in disquieting doubt.

﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابِ، بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ،

﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾، إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ، وأمْرٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -،

﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، حَسَدًا، وطَلَبًا لِلرِّياسَةِ، والِاسْتِطالَةِ، بِغَيْرِ (p-٢٤٩)حَقٍّ،

﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، وهِيَ: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، لَأُهْلِكُوا حِينَ اقْتَرَفُوا، لِعِظَمِ ما اقْتَرَفُوا،

﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾، هم أهْلُ الكِتابِ، الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ،

﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾، مِن كِتابِهِمْ، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ،

﴿مُرِيبٍ﴾، مُدْخِلٍ في الرِيبَةِ، وقِيلَ: "وَما تَفَرَّقَ أهْلُ الكِتابِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ"، كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ، أُورِثُوا القُرْآنَ مِن بَعْدِ ما أُورِثَ أهْلُ الكِتابِ التَوْراةَ، والإنْجِيلَ.

42:15Page 484

فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So to that [religion of Allāh] invite, [O Muḥammad],1 and remain on a right course as you are commanded and do not follow their inclinations but say, "I have believed in what Allāh has revealed of scripture [i.e., the Qur’ān], and I have been commanded to do justice among you. Allāh is our Lord and your Lord. For us are our deeds, and for you your deeds.2 There is no [need for] argument between us and you.3 Allāh will bring us together, and to Him is the [final] destination."

﴿فَلِذَلِكَ﴾، فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَفَرُّقِ، ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ الكُفْرِ شُعَبًا،

﴿فادْعُ﴾، إلى الِاتِّفاقِ، والِائْتِلافِ، عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ القَوِيَّةِ،

﴿واسْتَقِمْ﴾، عَلَيْها، وعَلى الدَعْوَةِ إلَيْها،

﴿كَما أُمِرْتَ﴾، كَما أمَرَكَ اللهُ،

﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾، اَلْمُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ،

﴿وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْـزَلَ اللهُ مِن كِتابٍ﴾، بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللهَ (تَعالى) أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ، وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١] ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، في الحُكْمِ، إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ،

﴿اللهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ: كُلُّنا عَبِيدُهُ،

﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾، هو كَقَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنّا لا نُؤاخَذُ بِأعْمالِكُمْ، وأنْتُمْ لا تُؤاخَذُونَ بِأعْمالِنا،

﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: لا خُصُومَةَ، لِأنَّ الحَقَّ قَدْ ظَهَرَ، وصِرْتُمْ مَحْجُوجِينَ بِهِ، فَلا حاجَةَ إلى المُحاجَّةِ، ومَعْناهُ: لا إيرادَ حُجَّةٍ بَيْنَنا، لِأنَّ المُتَحاجِّينَ يُورِدُ هَذا حُجَّتَهُ وهَذا حُجَّتَهُ،

﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾، يَوْمَ القِيامَةِ،

﴿وَإلَيْهِ المَصِيرُ﴾، اَلْمَرْجِعُ، لِفَصْلِ القَضاءِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَنا ويَنْتَقِمُ لَنا مِنكم.

42:16Page 485

وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ ١٦

And those who argue concerning Allāh after He has been responded to1 - their argument is invalid with their Lord, and upon them is [His] wrath, and for them is a severe punishment.

(p-٢٥٠)﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ﴾، يُخاصِمُونَ في دِينِهِ،

﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾، اِسْتَجابَ لَهُ الناسُ، ودَخَلُوا في الإسْلامِ، لِيَرُدُّوهم إلى دِينِ الجاهِلِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، كانَ اليَهُودُ والنَصارى يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، وأوْلى بِالحَقِّ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ دُعاؤُهُ عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ "بَدْرٍ"،

﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾، باطِلَةٌ، وسَمّاها حُجَّةً، وإنْ كانَتْ شُبْهَةً، لِزَعْمِهِمْ أنَّها حُجَّةٌ،

﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾، بِكُفْرِهِمْ،

﴿وَلَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾، في الآخِرَةِ.

42:17Page 485

ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ ١٧

It is Allāh who has sent down the Book in truth and [also] the balance [i.e., justice]. And what will make you perceive? Perhaps the Hour is near.

﴿اللهُ الَّذِي أنْـزَلَ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ،

﴿بِالحَقِّ﴾، بِالصِدْقِ، أوْ مُلْتَبِسًا بِهِ،

﴿والمِيزانَ﴾، والعَدْلَ، والسَوِيَّةَ، ومَعْنى إنْزالِ العَدْلِ أنَّهُ أُنْزِلَ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: هو عَيْنُ المِيزانِ، أنْزَلَهُ في زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -،

﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ﴾ أيْ: لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ مِنكَ، وأنْتَ لا تَدْرِي، والمُرادُ مَجِيءُ الساعَةِ، والساعَةُ في تَأْوِيلِ البَعْثِ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ اقْتِرابِ الساعَةِ مَعَ إنْزالِ الكُتُبِ والمِيزانِ، أنَّ الساعَةَ: يَوْمُ الحِسابِ، ووَضَعُ المَوازِينِ بِالقِسْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: "أمَرَكُمُ اللهُ بِالعَدْلِ، والسَوِيَّةِ، والعَمَلِ بِالشَرائِعِ، فاعْمَلُوا بِالكِتابِ، والعَدْلِ، قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكم يَوْمُ حِسابِكُمْ، ووَزْنِ أعْمالِكم.

42:18Page 485

يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ ١٨

Those who do not believe in it are impatient for it,1 but those who believe are fearful of it and know that it is the truth. Unquestionably, those who dispute concerning the Hour are in extreme error.

﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾، اِسْتِهْزاءً،

﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾، خائِفُونَ،

﴿مِنها﴾، وجِلُونَ لِهَوْلِها،

﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾، اَلْكائِنُ لا مَحالَةَ،

﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في الساعَةِ﴾، اَلْمُماراةُ: اَلْمُلاجَّةُ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَمْرِي ما عِنْدَ صاحِبِهِ،

﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾، عَنِ الحَقِّ، لِأنَّ قِيامَ الساعَةِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِن قُدْرَةِ اللهِ (تَعالى)، وقَدْ دَلَّ الكِتابُ والسُنَّةُ عَلى وُقُوعِها، والعُقُولُ تَشْهَدُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن دارِ جَزاءٍ.

42:19Page 485

ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩

Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.

(p-٢٥١)﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾، في إيصالِ المَنافِعِ، وصَرْفِ البَلاءِ، مِن وجْهٍ يَلْطُفُ إدْراكُهُ، وهو بَرٌّ، بَلِيغُ البِرِّ بِهِمْ، قَدْ تَوَصَّلَ بِرُّهُ إلى جَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: هو مَن لَطَفَ بِالغَوامِضِ عِلْمُهُ، وعَظُمَ عَنِ الجَرائِمِ حِلْمُهُ، أوْ مَن يَنْشُرُ المَناقِبَ، ويَسْتُرُ المَثالِبَ، أوْ يَعْفُو عَمَّنْ يَهْفُو، أوْ يُعْطِي العَبْدَ فَوْقَ الكِفايَةِ، ويُكَلِّفُهُ الطاعَةَ دُونَ الطاقَةِ، وعَنِ الجُنَيْدِ: "لَطَفَ بِأوْلِيائِهِ فَعَرَفُوهُ، ولَوْ لَطَفَ بِأعْدائِهِ ما جَحَدُوهُ"،

﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ رِزْقَ مَن يَشاءُ، إذا عَلِمَ مَصْلَحَتَهُ فِيهِ، في الحَدِيثِ: « (إنَّ مِن عِبادِي المُؤْمِنِينَ مَن لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إلّا الغِنى، ولَوْ أفْقَرْتُهُ لَأفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِن عِبادِي المُؤْمِنِينَ مَن لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إلّا الفَقْرُ، ولَوْ أغْنَيْتُهُ لَأفْسَدَهُ ذَلِكَ)، »﴿وَهُوَ القَوِيُّ﴾، اَلْباهِرُ القُدْرَةِ، الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ،

﴿العَزِيزُ﴾، اَلْمَنِيعُ، الَّذِي لا يُغْلَبُ.

42:20Page 485

مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠

Whoever desires the harvest of the Hereafter - We increase for him in his harvest [i.e., reward]. And whoever desires the harvest [i.e., benefits] of this world - We give him thereof, but there is not for him in the Hereafter any share.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾، سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ، مِمّا يَبْتَغِي بِهِ الفائِدَةَ، "حَرْثًا"، مَجازًا،

﴿نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، بِالتَوْفِيقِ في عَمَلِهِ، أوِ التَضْعِيفِ في إحْسانِهِ، أوْ بِأنْ يَنالَ بِهِ الدُنْيا، والآخِرَةَ،

﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُنْيا﴾ أيْ: مَن كانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيا، ولَمْ يُؤْمِن بِالآخِرَةِ،

﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: شَيْئًا مِنها، لِأنَّ "مِن"، لِلتَّبْعِيضِ، وهو رِزْقُهُ الَّذِي قُسِمَ لَهُ، لا ما يُرِيدُ، ويَبْتَغِيهِ،

﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾، وما لَهُ نَصِيبٌ قَطُّ في الآخِرَةِ، ولَهُ في الدُنْيا نَصِيبٌ، ولَمْ يُذْكَرْ في عامِلِ الآخِرَةِ أنَّ رِزْقَهُ المَقْسُومَ يَصِلُ إلَيْهِ، لِلِاسْتِهانَةِ بِذَلِكَ إلى جَنْبِ ما هو بِصَدَدِهِ مِن زَكاءِ عَمَلِهِ، وفَوْزِهِ في المَآبِ.

42:21Page 485

أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١

Or have they partners [i.e., other deities] who have ordained for them a religion to which Allāh has not consented? But if not for the decisive word,1 it would have been concluded between them. And indeed, the wrongdoers will have a painful punishment.

﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾، قِيلَ: هي "أمْ"، اَلْمُنْقَطِعَةُ، وتَقْدِيرُهُ: "بَلْ ألَهم شُرَكاءُ؟!"، وقِيلَ: هي المُعادِلَةُ لِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وفي الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: "أيَقْبَلُونَ ما شَرَعَ اللهُ مِنَ الدِينِ، أمْ لَهم آلِهَةٌ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ ؟!"، (p-٢٥٢)أيْ: لَمْ يَأْمُرْ بِهِ،

﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيْ: اَلْقَضاءُ السابِقُ بِتَأْجِيلِ الجَزاءِ، أيْ: ولَوْلا العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ،

﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤]، بَيْنَ الكافِرِينَ، والمُؤْمِنِينَ، أوْ: لَعُجِّلَتْ لَهُمُ العُقُوبَةُ،

﴿وَإنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وإنَّ المُشْرِكِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الآخِرَةِ، وإنْ أُخِّرَ عَنْهم في دارِ الدُنْيا.

42:22Page 485

تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢

You will see the wrongdoers fearful of what they have earned, and it will [certainly] befall them. And those who have believed and done righteous deeds will be in lush regions of the gardens [in Paradise] having whatever they will in the presence of their Lord. That is what is the great bounty.

﴿تَرى الظالِمِينَ﴾، اَلْمُشْرِكِينَ، في الآخِرَةِ،

﴿مُشْفِقِينَ﴾، خائِفِينَ،

﴿مِمّا كَسَبُوا﴾، مِن جَزاءِ كُفْرِهِمْ،

﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾، نازِلٌ بِهِمْ، لا مَحالَةَ، أشْفَقُوا، أوْ لَمْ يُشْفِقُوا،

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾، كَأنَّ رَوْضَةَ جَنَّةِ المُؤْمِنِ أطْيَبُ بُقْعَةٍ فِيها، وأنْزَهُها،

﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، "عِنْدَ"، نُصِبَ بِالظَرْفِ، لا بِـ "يَشاءونَ"،

﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾، عَلى العَمَلِ القَلِيلِ.

42:23Page 486

ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ ٢٣

It is that of which Allāh gives good tidings to His servants who believe and do righteous deeds. Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., this message] any payment [but] only good will through [i.e., due to] kinship." And whoever commits a good deed - We will increase for him good therein. Indeed, Allāh is Forgiving and Appreciative.1

﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢]، أيْ: اَلْفَضْلُ الكَبِيرُ،

﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ﴾، "يَبْشُرُ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ"،

﴿عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ أيْ: بِهِ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا، فَحَذَفَ الجارَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ثُمَّ حَذَفَ الراجِعَ إلى المَوْصُولِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١]، ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ: أيَبْتَغِي عَلى تَبْلِيغِ الرِسالَةِ أجْرًا؟ نَزَلَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾، عَلى التَبْلِيغِ،

﴿أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، أيْ: لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا هَذا، وهو أنْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: "لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ، ولَكِنِّي أسْألُكم أنْ تَوَدُّوا قَرابَتِي الَّذِينَ هم قَرابَتُكُمْ، ولا تُؤْذُوهُمْ"، ولَمْ يَقُلْ: "إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى"، أوْ "اَلْمَوَدَّةَ لِلْقُرْبى"، لِأنَّهم جُعِلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ، ومَقَرًّا لَها، كَقَوْلِكَ: "لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ حُبٌّ شَدِيدٌ"، تُرِيدُ: "أُحِبُّهُمْ، وهم مَكانُ حُبِّي، ومَحَلُّهُ"، ولَيْسَتْ "فِي"، بِصِلَةٍ لِـ "اَلْمَوَدَّةَ"، كاللامِ، إذا قُلْتَ: "إلّا المَوَدَّةَ لِلْقُرْبى"، إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، تَعَلُّقَ الظَرْفِ (p-٢٥٣)بِهِ، في قَوْلِكَ: "اَلْمالُ في الكِيسِ"، وتَقْدِيرُهُ: "إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى، ومُتَمَكِّنَةً فِيها"، و"اَلْقُرْبى": مَصْدَرٌ، كَـ "اَلزُّلْفى"، و"اَلْبُشْرى"، بِمَعْنى: "اَلْقَرابَةُ"، والمُرادُ: "فِي أهْلِ القُرْبى"، ورُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ، الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهُمْ؟ قالَ: "عَلِيٌّ، وفاطِمَةٌ، وابْناهُما - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ"، » وقِيلَ: مَعْناهُ: "إلّا أنْ تَوَدُّونِي، لِقَرابَتِي فِيكُمْ، ولا تُؤْذُونِي، ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ"، إذْ لَمْ يَكُنْ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ، وبَيْنَهم قَرابَةٌ، وقِيلَ: "اَلْقُرْبى": اَلتَّقَرُّبُ إلى اللهِ (تَعالى)، أيْ: إلّا أنْ تُحِبُّوا اللهَ ورَسُولَهُ في تَقَرُّبِكم إلَيْهِ بِالطاعَةِ، والعَمَلِ الصالِحِ،

﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾، يَكْتَسِبْ طاعَةً، عَنِ السُدِّيِّ أنَّها المَوَدَّةُ في آلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُ -، ومَوَدَّتُهُ فِيهِمْ، والظاهِرُ العُمُومُ في أيِّ حَسَنَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها تَتَناوَلُ المَوَدَّةَ تَناوُلًا أوَّلِيًّا، لِذِكْرِها عُقَيْبَ ذِكْرِ المَوَدَّةِ في القُرْبى،

﴿نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أيْ: نُضاعِفْها، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقُرِئَ: "حُسْنى"، وهو مَصْدَرٌ، كَـ "اَلْبُشْرى"، والضَمِيرُ يَعُودُ إلى الحَسَنَةِ، أوْ إلى الجَنَّةِ،

﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾، لِمَن أذْنَبَ، بِطَوْلِهِ،

﴿شَكُورٌ﴾، لِمَن أطاعَ، بِفَضْلِهِ، وقِيلَ: قابِلٌ لِلتَّوْبَةِ، حامِلٌ عَلَيْها، وقِيلَ: "اَلشَّكُورُ"، في صِفَةِ اللهِ (تَعالى)، عِبارَةٌ عَنْ الِاعْتِدادِ بِالطاعَةِ، وتَوْفِيَةِ ثَوابِها، والتَفَضُّلِ عَلى المُثابِ.

42:24Page 486

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤

Or do they say, "He has invented about Allāh a lie"? But if Allāh willed, He could seal over your heart.1 And Allāh eliminates falsehood and establishes the truth by His words. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، "أمْ"، مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيهِ: اَلتَّوْبِيخُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "أيَتَمالَكُونَ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ إلى الِافْتِراءِ، ثُمَّ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللهِ، الَّذِي هو أعْظَمُ الفِرى، وأفْحَشُها؟!"،

﴿فَإنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَبْرِ عَلى أذاهُمْ، وعَلى قَوْلِهِمْ: اِفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا، لِئَلّا تَدْخُلُهُ مَشَقَّةٌ في تَكْذِيبِهِمْ،

﴿وَيَمْحُ اللهُ الباطِلَ﴾ أيْ: اَلشِّرْكَ، وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى "يَخْتِمْ"، لِأنَّ مَحْوَ الباطِلِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالشَرْطِ، بَلْ هو وعْدٌ مُطْلَقٌ، دَلِيلُهُ تَكْرارُ اسْمِ اللهِ (تَعالى)، ورَفُعُ ﴿وَيُحِقُّ﴾، وإنَّما سَقَطَتِ الواوُ في الخَطِّ، كَما سَقَطَتْ في ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]، و﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، عَلى أنَّها مُثْبَتَةٌ في مُصْحَفِ نافِعٍ،

﴿وَيُحِقُّ الحَقَّ﴾، ويُظْهِرُ الإسْلامَ، ويُثْبِتُهُ،

﴿بِكَلِماتِهِ﴾، (p-٢٥٤)بِما أنْزَلَ مِن كِتابِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، وقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ، فَمَحا باطِلَهُمْ، وأظْهَرَ الإسْلامَ،

﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ أيْ: عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ، وصُدُورِهِمْ، فَيَجْزِي الأجْرَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском