An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الأحقاف
Al-Ahqaf
The Wind-Curved Sandhills · Meccan · 35 ayahs
46:1–2Page 502
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
(p-٣٠٧)سُورَةُ "اَلْأحْقافِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾
46:3Page 502
مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣
We did not create the heavens and earth and what is between them except in truth and [for] a specified term. But those who disbelieve, from that of which they are warned, are turning away.
﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾، مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ،
﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾، يُنْتَهى إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ،
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا﴾، عَمّا أنُذِرُوهُ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي لا بُدَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِنَ انْتِهائِهِ إلَيْهِ،
﴿مُعْرِضُونَ﴾، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، ولا يَهْتَمُّونَ بِالِاسْتِعْدادِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما"، مَصْدَرِيَّةً، أيْ: "عَنْ إنْذارِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ".
46:4Page 502
قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤
Say, [O Muḥammad], "Have you considered that which you invoke besides Allāh? Show me what they have created of the earth; or did they have partnership in [creation of] the heavens? Bring me a scripture [revealed] before this or a [remaining] trace of knowledge, if you should be truthful."
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾، أخْبِرُونِي،
﴿ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾، تَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ،
﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِمّا في الأرْضِ إنْ كانُوا آلِهَةً؟ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ﴾، شَرِكَةٌ مَعَ اللهِ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ،
﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ، وهو القُرْآنُ، يَعْنِي أنَّ هَذا الكِتابَ ناطِقٌ بِالتَوْحِيدِ، وإبْطالِ الشِرْكِ، وما مِن كِتابٍ أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ مِن كُتُبِ اللهِ إلّا وهو ناطِقٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَأْتُوا بِكِتابٍ واحِدٍ مُنَزَّلٍ مِن قَبْلِهِ شاهَدٍ بِصِحَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ،
﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، أوْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ بَقِيَتْ عَلَيْكم مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ،
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، أنَّ اللهَ أمَرَكم بِعِبادَةِ الأوْثانِ.
46:5Page 502
وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥
And who is more astray than he who invokes besides Allāh those who will not respond to him until the Day of Resurrection [i.e., never], and they, of their invocation, are unaware.
(p-٣٠٨)﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ أيْ: أبَدًا.
46:6Page 503
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦
And when the people are gathered [that Day], they [who were invoked] will be enemies to them, and they will be deniers of their worship.
﴿وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ أيْ: اَلْأصْنامُ لِعَبَدَتِها،
﴿وَكانُوا﴾ أيْ: الأصْنامُ،
﴿بِعِبادَتِهِمْ﴾، بِعِبادَةِ عَبَدَتِهِمْ،
﴿كافِرِينَ﴾، يَقُولُونَ: ما دَعَوْناهم إلى عِبادَتِنا، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ في "مَن أضَلُّ"، إنْكارُ أنْ يَكُونَ في الضُلّالِ كُلِّهِمْ أبْلَغُ ضَلالَةً مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، حَيْثُ يَتْرُكُونَ دُعاءَ السَمِيعِ المُجِيبِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْعُونَ مِن دُونِهِ جَمادًا لا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى اسْتِجابَةِ أحَدٍ مِنهُمْ، ما دامَتِ الدُنْيا، وإلى أنْ تَقُومَ القِيامَةُ، وإذا قامَتِ القِيامَةُ، وحُشِرَ الناسُ، كانُوا لَهم أعْداءً، وكانُوا عَلَيْهِمْ ضِدًّا، فَلَيْسُوا في الدارَيْنِ إلّا عَلى نَكَدٍ، ومَضَرَّةٍ، لا تَتَوَلّاهم في الدُنْيا بِالِاسْتِجابَةِ، وفي الآخِرَةِ تُعادِيهِمْ، وتَجْحَدُ عِبادَتَهُمْ، ولَمّا أسْنَدَ إلَيْهِمْ ما يُسْنَدُ إلى أُولِي العِلْمِ، مِنَ الِاسْتِجابَةِ، والغَفْلَةِ، قِيلَ: "مَن"، و"هُمْ"، ووَصْفُهم بِتَرْكِ الِاسْتِجابَةِ، والغَفْلَةِ، طَرِيقُهُ طَرِيقُ التَهَكُّمِ بِها، وبِعَبَدَتِها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]
46:7Page 503
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is obvious magic."
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾، جَمْعُ "بَيِّنَةٌ"، وهي الحُجَّةُ، والشاهِدُ، أوْ: "واضِحاتٍ مُبَيِّناتٍ"،
﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾، اَلْمُرادُ بِالحَقِّ: اَلْآياتُ، وبِالَّذِينِ كَفَرُوا: اَلْمَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، فَوُضِعَ الظاهِرانِ مَوْضِعَ الضَمِيرَيْنِ، لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، ولِلْمَتْلُوِّ بِالحَقِّ،
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: بادَؤُوهُ بِالجُحُودِ ساعَةَ أتاهُمْ، وأوَّلَ ما سَمِعُوهُ، مِن غَيْرِ إجالَةِ فِكْرٍ، ولا إعادَةِ نَظَرٍ،
﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، ظاهِرٌ أمْرُهُ في البُطْلانِ، لا شُبْهَةَ فِيهِ.
46:8Page 503
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨
Or do they say, "He has invented it"? Say, "If I have invented it, you will not possess for me [the power of protection] from Allāh at all. He is most knowing of that in which you are involved.1 Sufficient is He as Witness between me and you, and He is the Forgiving, the Merciful."
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾، إضْرابٌ عَنْ ذِكْرِ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ سِحْرًا، إلى ذِكْرِ قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ افْتَراهُ، أيْ: اِخْتَلَقَهُ، وأضافَهُ إلى اللهِ كَذِبًا، والضَمِيرُ (p-٣٠٩)لِـ "اَلْحَقِّ"، والمُرادُ بِهِ الآياتُ،
﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أيْ: إنِ افْتَرَيْتُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، عاجَلَنِي اللهُ بِعُقُوبَةِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ، فَلا تَقْدِرُونَ عَلى كَفِّهِ عَنْ مُعالَجَتِي، ولا تُطِيقُونَ دَفْعَ شَيْءٍ مِن عِقابِهِ، فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ؟! ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَنْدَفِعُونَ فِيهِ، مِنَ القَدْحِ في وحْيِ اللهِ، والطَعْنِ في آياتِهِ، وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا تارَةً، وفِرْيَةً أُخْرى،
﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، يَشْهَدُ لِي بِالصِدْقِ، والبَلاغِ، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالجُحُودِ، والإنْكارِ، ومَعْنى ذِكْرِ العِلْمِ والشَهادَةِ: وعِيدٌ بِجَزاءِ إفاضَتِهِمْ،
﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾، مَوْعِدَةٌ بِالغُفْرانِ، والرَحْمَةِ، إنْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ، وآمَنُوا.
46:9Page 503
قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩
Say, "I am not something new among the messengers,1 nor do I know what will be done with me or with you. I only follow that which is revealed to me, and I am not but a clear warner."
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ﴾ أيْ: "بَدِيعًا"، كَـ "اَلْخِفُّ"، بِمَعْنى "اَلْخَفِيفُ"، والمَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِأوَّلِ مُرْسَلٍ فَتُنْكِرُوا نُبُوَّتِي،
﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ: ما يَفْعَلُ اللهُ بِي وبِكُمْ، فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَمانِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ: «قالَ لَهُ أصْحابُهُ - وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ -: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا؟ فَقالَ: "ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ، أأُتْرَكُ بِمَكَّةَ، أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ لِي، ورَأيْتُها - يَعْنِي في مَنامِهِ - ذاتِ نَخِيلٍ وشَجَرٍ"، » و"ما"، في "ما يُفْعَلُ"، يَجُوزُ أنْ تَكُونُ مَوْصُولَةً مَنصُوبَةً، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَرْفُوعَةً، وإنَّما دَخَلَ "لا"، في قَوْلِهِ: "وَلا بِكُمْ"، مَعَ أنَّ "يُفْعَلُ"، مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ، لِتَناوُلِ النَفْيِ في "ما أدْرِي"، "ما"، وما في حَيِّزِهِ،
﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
46:10Page 503
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] was from Allāh, and you disbelieved in it while a witness from the Children of Israel has testified to something similar1 and believed while you were arrogant...?"2 Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾، اَلْقُرْآنُ،
﴿مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾، هو عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، لِأنَّ إسْلامَ ابْنِ سَلامٍ بِالمَدِينَةِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، نَظَرَ إلى (p-٣١٠)وَجْهِهِ فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ، وقالَ لَهُ: "إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ، لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ، ما أوَّلُ أشْراطِ الساعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ؟ وما بالَ الوَلَدِ يَنْزِعُ إلى أبِيهِ، أوْ إلى أُمِّهِ؟"، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أمّا أوَّلُ أشْراطِ الساعَةِ فَنارٌ تَحْشُرُهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا أوَّلُ طَعامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وأمّا الوَلَدُ فَإذا سَبَقَ ماءُ الرَجُلِ نَزَعَهُ، وإنْ سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْهُ"، فَقالَ: "أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا"، »﴿عَلى مِثْلِهِ﴾، اَلضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أيْ: مِثْلِهِ في المَعْنى، وهو ما في التَوْراةِ مِنَ المَعانِي المُطابِقَةِ لِمَعانِي القُرْآنِ، مِنَ التَوْحِيدِ، والوَعْدِ، والوَعِيدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، وشَهِدَ شاهِدٌ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ"، يَعْنِي كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللهِ،
﴿فَآمَنَ﴾، اَلشّاهِدُ، وقَدْ،
﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، عَنِ الإيمانِ بِهِ، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: "إنْ كانَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ؟"، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾، والواوُ الأُولى عاطِفَةٌ لِـ "كَفَرْتُمْ"، عَلى فِعْلِ الشَرْطِ، وكَذَلِكَ الواوُ الأخِيرَةُ عاطِفَةٌ لِـ "اِسْتَكْبَرْتُمْ"، عَلى "شَهِدَ شاهِدٌ"، وأمّا الواوُ في "وَشَهِدَ"، فَقَدْ عَطَفَتْ جُمْلَةَ قَوْلِهِ: "وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ"، عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: "كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ"، والمَعْنى: "قُلْ أخْبِرُونِي إنِ اجْتَمَعَ كَوْنُ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللهِ، مَعَ كُفْرِكم بِهِ، واجْتَمَعَ شَهادَةُ أعْلَمِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى نُزُولِ مِثْلِهِ، فَإيمانُهُ بِهِ، مَعَ اسْتِكْبارِكم عَنْهُ، وعَنِ الإيمانِ بِهِ، ألَسْتُمْ أضَلَّ الناسِ وأظْلَمَهُمْ؟".
46:11Page 503
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١
And those who disbelieve say of those who believe, "If it had [truly] been good, they would not have preceded us to it." And when they are not guided by it, they will say, "This is an ancient falsehood."
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ، وهو كَلامُ كُفّارِ مَكَّةَ، قالُوا: إنَّ عامَّةَ مَن يَتْبَعُ مُحَمَّدًا السُقّاطُ، يَعْنُونَ الفُقَراءَ، مِثْلَ عَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ،
﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ هَؤُلاءِ،
﴿وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، اَلْعامِلُ في "إذْ"، مَحْذُوفٌ، لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، (p-٣١١)تَقْدِيرُهُ: "وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظَهَرَ عِنادُهُمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وقَوْلُهُمْ: "إفْكٌ قَدِيمٌ"، أيْ: كَذِبٌ مُتَقَدِّمٌ، كَقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
46:12Page 503
وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢
And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.
﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: اَلْقُرْآنِ،
﴿كِتابُ مُوسى﴾ أيْ: اَلتَّوْراةُ، وهو مُبْتَدَأٌ، و"مِن قَبْلِهِ"، ظَرْفٌ واقِعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وهو ناصِبُ ﴿إمامًا﴾، عَلى الحالِ، نَحْوَ: "فِي الدارِ زَيْدٌ قائِمًا"، ومَعْنى "إمامًا": قُدْوَةً، يُؤْتَمُّ بِهِ في دِينِ اللهِ، وشَرائِعِهِ، كَما يُؤْتَمُّ بِالإمامِ،
﴿وَرَحْمَةً﴾، لِمَن آمَنَ بِهِ، وعَمِلَ بِما فِيهِ،
﴿وَهَذا﴾، اَلْقُرْآنُ،
﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾، لِكِتابِ مُوسى، أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وتَقَدَّمَهُ، مِن جَمِيعِ الكُتُبِ،
﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾، حالٌ مِن ضَمِيرِ الكِتابِ، في "مُصَدِّقُ"، والعامِلُ فِيهِ: "مُصَدِّقُ"، أوْ مِن "كِتابٌ"، لِتَخَصُّصِهِ بِالصِفَةِ، ويَعْمَلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِـ "مُصَدِّقُ"، أيْ: "يَصَدِّقُ ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ"، وهو الرَسُولُ،
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيْ: اَلْكِتابُ، "لِتُنْذِرَ"، "حِجازِيٌّ وشامِيٌّ"،
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، كَفَرُوا،
﴿وَبُشْرى﴾، في مَحَلِّ النَصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ "لِيُنْذِرَ"، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ،
﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾، لِلْمُؤْمِنِينَ، المُطِيعِينَ.
46:13Page 503
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣
Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh," and then remained on a right course - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾، عَلى تَوْحِيدِ اللهِ، وشَرِيعَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، في القِيامَةِ،
﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾، عِنْدَ المَوْتِ.
46:14Page 503
أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤
Those are the companions of Paradise, abiding eternally therein as reward for what they used to do.
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾، حالٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ "أُولَئِكَ"،
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، "جَزاءً"، مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: جُوزُوا جَزاءً.
46:15Page 504
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥
And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ "كُوفِيٌّ"، أيْ: وصَّيْناهُ بِأنْ يُحْسِنَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا، "حَسَنًا"، غَيْرُهُمْ، أيْ: وصَّيْناهُ بِوالِدَيْهِ أمْرًا ذا حُسْنٍ، أوْ بِأمْرٍ ذِي حُسْنٍ، فَهو في مَوْضِعِ البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، (p-٣١٢)﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، وبِفَتْحِ الكافَيْنِ "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو"، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى المَشَقَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، أيْ: "ذاتَ كُرْهٍ"، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: "حَمْلًا ذا كُرْهٍ"،
﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾، ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِطامِهِ،
﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، لِأنَّ مُدَّةَ الرَضاعَ إذا كانَتْ حَوْلَيْنِ - لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] -، بَقِيَتْ لِلْحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ - رَحِمَهُما اللهُ -، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -: "اَلْمُرادُ بِهِ الحَمْلُ بِالأكُفِّ"، "وَفَصْلُهُ"، "يَعْقُوبُ"، و"اَلْفَصْلُ"، و"اَلْفِصالُ"، كَـ "اَلْعَظْمُ"، و"اَلْعِظامُ"، بِناءً، ومَعْنًى،
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾، هو جَمْعٌ، لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وكانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: واحِدُهُ: "شِدَّةٌ"، وبُلُوغُ الأشُدِّ: أنْ يُكْتَهَلَ، ويَسْتَوْفِيَ السِنَّ الَّتِي فِيها قُوَّتُهُ، وعَقْلُهُ، وذَلِكَ إذا أنافَ عَلى الثَلاثِينَ، وناطَحَ الأرْبَعِينَ، وعَنْ قَتادَةَ: ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أوَّلَ الأشُدِّ، وغايَتُهُ الأرْبَعُونَ،
﴿وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾، ألْهِمْنِي،
﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾، اَلْمُرادُ بِهِ نِعْمَةُ التَوْحِيدِ، والإسْلامِ، وجَمَعَ بَيْنَ شُكْرَيِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ، لِأنَّ النِعْمَةَ عَلَيْهِما نِعْمَةٌ عَلَيْهِ،
﴿وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾، قِيلَ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ،
﴿وَأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: اِجْعَلْ ذَرِّيَّتِي مَوْقِعًا لِلصَّلاحِ، ومَظِنَّةً لَهُ،
﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾، مِن كُلِّ ذَنْبٍ،
﴿وَإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾، مِنَ المُخْلِصِينَ.
46:16Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦
Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، "يُتَقَبَّلُ"، و"يُتَجاوَزُ"، "أحْسَنُ"، غَيْرُهُمْ،
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾، هو كَقَوْلِكَ: "أكْرَمَنِي الأمِيرُ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ"، تُرِيدُ "أكْرَمَنِي في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهُمْ، ونَظَمَنِي في عِدادِهِمْ"، ومَحَلُّهُ النَصْبُ عَلى الحالِ، عَلى مَعْنى "كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ، ومَعْدُودِينَ فِيهِمْ"،
﴿وَعْدَ الصِدْقِ﴾، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "نَتَقَبَّلُ"، و"نَتَجاوَزُ"، وعْدٌ مِنَ اللهِ لَهم بِالتَقَبُّلِ، والتَجاوُزِ، (p-٣١٣)قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وفي أبِيهِ، أبِي قُحافَةَ، وأُمِّهِ، أمِّ الخَيْرِ، وفي أوْلادِهِ، واسْتِجابَةُ دُعائِهِ فِيهِمْ، فَإنَّهُ آمَنَ بِالنَبِيِّ ﷺ وهو ابْنُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، ودَعا لَهُما وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الصَحابَةِ - مِنَ المُهاجِرِينَ مِنهم والأنْصارِ - أسْلَمَ هو ووالِداهُ وبَنُوهُ وبَناتُهُ غَيْرُ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -،
﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾، في الدُنْيا.
46:17Page 504
وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧
But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -
﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾، مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ "أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ"، والمُرادُ بِـ "اَلَّذِي قالَ": اَلْجِنْسُ القائِلُ ذَلِكَ القَوْلَ، ولِذَلِكَ وقَعَ الخَبَرُ مَجْمُوعًا، وعَنِ الحَسَنِ: هو في الكافِرِ العاقِّ لِوالِدَيْهِ، المُكَذِّبِ بِالبَعْثِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، قَبْلَ إسْلامِهِ، ويَشْهَدُ لِبُطْلانِهِ كِتابُ مُعاوِيَةَ إلى مَرْوانَ لِيَأْمُرَ الناسَ بِالبَيْعَةِ لِيَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: "لَقَدْ جِئْتُمْ بِها هِرَقْلِيَّةً، أتُبايِعُونَ لِأبْنائِكُمْ؟!"، فَقالَ مَرْوانُ: يا أيُّها الناسُ، هَذا الَّذِي قالَ اللهُ (تَعالى) فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فَسَمِعَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -، فَغَضِبَتْ، وقالَتْ: "واللهِ ما هو بِهِ، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لِسَمَّيْتُهُ، ولَكِنَّ اللهَ (تَعالى) لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ، فَأنْتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللهِ"، أيْ: قِطْعَةٌ،
﴿أُفٍّ لَكُما﴾، "مَدَنِيٌّ وحَفْصٌ"، "أُفَّ"، "مَكِّيٌّ وشامِيٌّ"، "أُفِّ"، غَيْرُهُمْ، وهو صَوْتٌ إذا صَوَّتَ بِهِ الإنْسانُ عُلِمَ أنَّهُ مُتَضَجِّرٌ، كَما إذا قالَ: "حَسِّ"، عُلِمَ أنَّهُ مُتَوَجِّعٌ، واللامُ لِلْبَيانِ، أيْ: هَذا التَأْفِيفُ لَكُما خاصَّةً، ولِأجْلِكُما، دُونَ غَيْرِكُما،
﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾، أنْ أُبْعَثَ وأُخْرَجَ مِنَ الأرْضِ،
﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾، ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ،
﴿وَهُما﴾، أبَواهُ،
﴿يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾، يَقُولانِ: اَلْغِياثُ بِاللهِ مِنكَ، ومِن قَوْلِكَ، وهو اسْتِعْظامٌ لِقَوْلِهِ، ويَقُولانِ لَهُ: ﴿وَيْلَكَ﴾، دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ والتَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ، لا حَقِيقَةُ الهَلاكِ،
﴿آمِن﴾، بِاللهِ، وبِالبَعْثِ،
﴿إنَّ وعْدَ اللهِ﴾، بِالبَعْثِ،
﴿حَقٌّ﴾، صِدْقٌ،
﴿فَيَقُولُ﴾، (p-٣١٤)لَهُما،
﴿ما هَذا﴾، اَلْقَوْلُ،
﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
46:18Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨
Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: "لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ"،
﴿فِي أُمَمٍ﴾، في جُمْلَةِ أُمَمٍ،
﴿قَدْ خَلَتْ﴾، قَدْ مَضَتْ،
﴿مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾
46:19Page 504
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩
And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.
﴿وَلِكُلٍّ﴾، مِنَ الجِنْسَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، الأبْرارِ، والفُجّارِ،
﴿دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: مَنازِلُ ومَراتِبُ، مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ، والشَرِّ، أوْ مِن أجْلِ ما عَمِلُوا مِنها، وإنَّما قالَ: "دَرَجاتٍ" - وقَدْ جاءَ: "اَلْجَنَّةُ دَرَجاتٌ، والنارُ دَرَكاتٌ" -، عَلى وجْهِ التَغْلِيبِ،
﴿وَلِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾، بِالياءِ، "مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وعاصِمٌ"،
﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالُهم ولا يَظْلِمَهم حُقُوقَهُمْ، قَدَّرَ جَزاءَهم عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ، فَجَعَلَ الثَوابَ دَرَجاتٍ، والعِقابَ دَرَكاتٍ، واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ.
46:20Page 504
وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠
And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ﴾، عَرْضُهم عَلى النارِ تَعْذِيبُهم بِها، مِن قَوْلِهِمْ: "عُرِضَ بَنُو فُلانٍ عَلى السَيْفِ"، إذا قُتِلُوا بِهِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ عَرْضُ النارِ عَلَيْهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَرَضْتُ الناقَةَ عَلى الحَوْضِ"، يُرِيدُونَ عَرْضَ الحَوْضِ عَلَيْها، فَقَلَبُوا،
﴿أذْهَبْتُمْ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ، وهو ناصِبُ الظَرْفِ،
﴿طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا﴾ أيْ: ما كُتِبَ لَكم حَظٌّ مِنَ الطَيِّباتِ، إلّا ما قَدْ أصَبْتُمُوهُ في دُنْياكُمْ، وقَدْ ذَهَبْتُمْ بِهِ، وأخَذْتُمُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَكم بَعْدَ اسْتِيفاءِ حَظِّكم شَيْءٌ مِنها، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "لَوْ شِئْتُ لَكُنْتُ أطْيَبَكم طَعامًا، وأحْسَنَكم لِباسًا، ولَكِنِّي أسْتَبْقِي طَيِّباتِي"،
﴿واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾، بِالطَيِّباتِ،
﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيْ: اَلْهَوانِ، وقُرِئَ بِهِ،
﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، تَتَكَبَّرُونَ،
﴿فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أيْ: بِاسْتِكْبارِكُمْ، وفِسْقِكم.
46:21Page 505
۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١
And mention, [O Muḥammad], the brother of ʿAad,1 when he warned his people in [the region of] al-Aḥqāf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."2
(p-٣١٥)﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ: هُودًا،
﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾، جَمْعُ "حِقْفٌ"، وهو رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ، مُرْتَفِعٌ، فِيهِ انْحِناءٌ، مِن "اِحْقَوْقَفَ الشَيْءُ"، إذا اعْوَجَّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "هُوَ وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ،
﴿وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ﴾، جَمْعُ "نَذِيرٌ"، بِمَعْنى "اَلْمُنْذِرُ"، أوْ "اَلْإنْذارُ"،
﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، مِن قَبْلِ هُودٍ، ومِن خَلْفِ هُودٍ، وقَوْلُهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ"، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ "أنْذَرَ قَوْمَهُ"، وبَيْنَ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، والمَعْنى: "واذْكُرْ إنْذارَ هُودٍ قَوْمَهُ عاقِبَةَ الشِرْكِ، والعَذابَ العَظِيمَ، وقَدْ أنْذَرَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُسُلِ، ومَن تَأخَّرَ عَنْهُ، مِثْلَ ذَلِكَ".
46:22Page 505
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢
They said, "Have you come to delude us away from our gods? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."
﴿قالُوا﴾ أيْ: قَوْمُ هُودٍ،
﴿أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾، لِتَصْرِفَنا، فَـ "اَلْأفْكُ": اَلصَّرْفُ، يُقالُ: "أفَكَهُ عَنْ رَأْيِهِ"،
﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾، عَنْ عِبادَتِها،
﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾، مِن مُعالَجَةِ العَذابِ عَلى الشِرْكِ،
﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾، في وعِيدِكَ.
46:23Page 505
قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣
He said, "Knowledge [of its time] is only with Allāh, and I convey to you that with which I was sent; but I see you [to be] a people behaving ignorantly."
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ﴾، بِوَقْتِ مَجِيءِ العَذابِ،
﴿عِنْدَ اللهِ﴾، ولا عِلْمَ لِي بِالوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ تَعْذِيبُكُمْ،
﴿وَأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾، وبِالتَخْفِيفِ "أبُو عَمْرٍو"، أيْ: اَلَّذِي هو شَأْنِي أنْ أُبَلِّغَكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ مِنَ الإنْذارِ والتَخْوِيفِ،
﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: ولَكِنَّكم جاهِلُونَ، لا تَعْلَمُونَ أنَّ الرُسُلَ بُعِثُوا مُنْذِرِينَ، لا مُقْتَرِحِينَ، ولا سائِلِينَ غَيْرَ ما أُذِنَ لَهم فِيهِ.
46:24Page 505
فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤
And when they saw it as a cloud approaching their valleys, they said, "This is a cloud bringing us rain!" Rather, it is that for which you were impatient:1 a wind, within it a painful punishment,
﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾، اَلضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى "ما تَعِدُنا"، أوْ هو مُبْهَمٌ، وضَّحَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عارِضًا﴾، إمّا تَمْيِيزًا، أوْ حالًا، و"اَلْعارِضُ": اَلسَّحابُ الَّذِي يَعْرِضُ في أُفُقِ السَماءِ ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾، رُوِيَ أنَّ المَطَرَ قَدِ احْتَبَسَ عَنْهُمْ، فَرَأوْا سَحابَةً اسْتَقْبَلَتْ أوْدِيَتَهُمْ، فَقالُوا: هَذا سَحابٌ يَأْتِينا بِالمَطَرِ، (p-٣١٦)وَأظْهَرُوا مِن ذَلِكَ فَرَحًا، وإضافَةُ "مُسْتَقْبِلَ"، و"مُمْطِرُ"، مَجازِيَّةٌ، غَيْرُ مُعَرَّفَةٍ، بِدَلِيلِ وُقُوعِهِما - وهُما مُضافانِ إلى مَعْرِفَتَيْنِ - وصْفًا لِلنَّكِرَةِ،
﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ: قالَ هُودٌ: "بَلْ هُوَ"، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ"،
﴿ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾، مِنَ العَذابِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ، فَقالَ: ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾
46:25Page 505
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥
Destroying everything by command of its Lord. And they became so that nothing was seen [of them] except their dwellings. Thus do We recompense the criminal people.
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، تُهْلِكُ مِن نُفُوسٍ عادٍ، وأمْوالِهِمُ الجَمَّ الكَثِيرَ، فَعَبَّرَ عَنِ الكَثْرَةِ بِالكُلِّيَّةِ،
﴿بِأمْرِ رَبِّها﴾، رَبِّ الرِيحِ،
﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾، "عاصِمٌ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ"، أيْ: لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهُمْ، غَيْرُهُمْ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ"، والخِطابُ لِلرّائِي، مَن كانَ،
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ نَجْزِي مَن أجْرَمَ مِثْلَ جُرْمِهِمْ، وهو تَحْذِيرٌ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "اِعْتَزَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ، ما يُصِيبُهم مِنَ الرِيحِ إلّا ما تَلَذُّهُ الأنْفُسُ، وإنَّها لَتَمُرُّ مِن عادٍ بِالظَعْنِ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وتَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ".
46:26Page 505
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦
And We had certainly established them in such as We have not established you, and We made for them hearing and vision and hearts [i.e., intellect]. But their hearing and vision and hearts availed them not from anything [of the punishment] when they were [continually] rejecting the signs of Allāh; and they were enveloped by what they used to ridicule.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾، "إنْ"، نافِيَةٌ، أيْ: فِيما ما مَكَّنّاكم فِيهِ، إلّا أنَّ "إنْ"، أحْسَنُ في اللَفْظِ، لِما في مُجامَعَةِ "ما"، مِثْلَها مِنَ التَكْرِيرِ المُسْتَبْشِعِ، ألا تَرى أنَّ الأصْلَ في "مَهْما": "ما ما"، فَلِبَشاعَةِ التَكْرِيرِ قَلَبُوا الألِفَ هاءً؟ وقَدْ جُعِلَتْ "إنْ"، صِلَةً، وتُؤَوَّلُ بِـ "إنّا مَكَّنّاهم في مِثْلِ ما مَكَّنّاكم فِيهِ"، والوَجْهُ هو الأوَّلُ، فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، و"ما"، بِمَعْنى "اَلَّذِي"، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ،
﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ أيْ: آلاتِ الدَرْكِ والفَهْمِ،
﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن شَيْءٍ مِنَ الإغْناءِ، وهو القَلِيلُ مِنهُ،
﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ﴾، "إذْ"، نُصِبَ بِقَوْلِهِ: "فَما أغْنى"، وجَرى مُجْرى التَعْلِيلِ، لِاسْتِواءِ مُؤَدّى التَعْلِيلِ، والظَرْفِ، في قَوْلِكَ: "ضَرَبْتُهُ لِإساءَتِهِ"، و"ضَرَبْتُهُ إذْ أساءَ"، لِأنَّكَ إذا ضَرَبْتَهُ في وقْتِ إساءَتِهِ فَإنَّما ضَرَبْتَهُ فِيهِ لِوُجُودِ إساءَتِهِ فِيهِ، إلّا (p-٣١٧)أنَّ "إذْ"، و"حَيْثُ"، غَلَبَتا دُونَ سائِرِ الظُرُوفِ في ذَلِكَ،
﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾، ونَزَلَ بِهِمْ،
﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، ثُمَّ زادَهم تَهْدِيدًا بِقَوْلِهِ:
46:27Page 505
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧
And We have already destroyed what surrounds you of [those] cities, and We have diversified the signs [or verses] that perhaps they might return [from disbelief].
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ﴾، يا أهْلَ مَكَّةَ،
﴿مِنَ القُرى﴾، نَحْوَ حِجْرِ ثَمُودٍ، وقُرى قَوْمِ لُوطٍ، والمُرادُ أهْلُ القُرى، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وَصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: كَرَّرْنا عَلَيْهِمُ الحُجَجَ، وأنْواعَ العِبَرِ، لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الطُغْيانِ إلى الإيمانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا.
46:28Page 505
فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨
Then why did those they took besides Allāh as deities by which to approach [Him]1 not aid them? But they had strayed [i.e., departed] from them. And that was their falsehood and what they were inventing.
﴿فَلَوْلا﴾، فَهَلّا؟ ﴿نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾، "اَلْقُرْبانُ": ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللهِ (تَعالى)، أيْ: اِتَّخَذُوهم شُفَعاءَ، مُتَقَرَّبًا بِهِمْ إلى اللهِ (تَعالى)، حَيْثُ قالُوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، وأحَدُ مَفْعُولَيْ "اِتَّخَذَ"، اَلرّاجِعُ إلى "اَلَّذِينَ"، مَحْذُوفٌ، أيْ: "اِتَّخَذُوهُمْ"، والثانِي: "آلِهَةً"، و"قُرْبانًا"، حالٌ،
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾، غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ،
﴿وَذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، "وَذَلِكَ"، إشارَةٌ إلى امْتِناعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ، وضَلالِهِمْ عَنْهُمْ، أيْ: وذَلِكَ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ، وافْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ الكَذِبَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences