An-NasafiAl‑Ma'idah · 5:103–120

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:103–120

5:103Page 124

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣

Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.

﴿ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا (p-٤٨٠)نَتَجَتِ الناقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ بَحَرُوا أُذُنَها -أيْ: شَقُّوها- وامْتَنَعُوا عَنْ رُكُوبِها، وذَبْحِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا مَرْعًى، واسْمُها: البَحِيرَةُ، وكانَ يَقُولُ الرَجُلُ: إذا قَدِمْتُ مِن سَفَرِي، أوْ بَرَأْتُ مِن مَرَضِي، فَناقَتِي سائِبَةٌ، وجَعَلَها كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِها. وقِيلَ: كانَ الرَجُلُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا قالَ: هو سائِبَةٌ، فَلا عَقْلَ بَيْنَهُما، ولا مِيراثَ. وكانَتِ الشاةُ إذا ولَدَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ، فَإنْ كانَ السابِعُ ذَكَرًا أكَلَهُ الرِجالُ، وإنْ كانَ أُنْثى أُرْسِلَتْ في الغَنَمِ وكَذا إنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى، وقالُوا: وصَلَتْ أخاها. فالوَصِيلَةُ بِمَعْنى الواصِلَةِ، وإذا نَتَجَتْ مِن صُلْبِ الفَحْلِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ قالُوا: قَدْ حَمِيَ ظَهْرُهُ، فَلا يُرْكَبُ، ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى. ومَعْنى: "ما جَعَلَ" ما شَرَعَ ذَلِكَ، ولا أمَرَ بِهِ ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِتَحْرِيمِهِمْ ما حَرَّمُوا ﴿يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ في نِسْبَتِهِمْ هَذا التَحْرِيمَ إلَيْهِ ﴿وَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ، وهم عَوامُّهم.

5:104Page 125

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤

And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ﴾ أيْ: هَلُمُّوا إلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ ﴿قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: كافِينا ذَلِكَ "حَسْبُنا" مُبْتَدَأُ، والخَبَرُ ﴿ما وجَدْنا﴾ و"ما" بِمَعْنى: الَّذِي. والواوُ فِي: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلْحالِ، قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، وتَقْدِيرُهُ: "أ"حَسْبُهم ذَلِكَ " ولَوْ كانَ آباؤُهم " ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ أيِ: الِاقْتِداءُ إنَّما يَصِحُّ بِالعالِمِ المُهْتَدِي. وإنَّما يُعْرَفُ اهْتِداؤُهُ بِالحُجَّةِ.

5:105Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ انْتَصَبَ "أنْفُسَكُمْ" بِـ "عَلَيْكُمْ". وهو مِن أسْماءِ الأفْعالِ، أيِ: الزَمُوا إصْلاحَ أنْفُسِكُمْ، والكافُ والمِيمُ في "عَلَيْكُمْ" في مَوْضِعِ جَرٍّ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ هو الجارُّ والمَجْرُورُ لا "عَلى" وحْدَها ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ جَزْمٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وإنَّما ضُمَّتِ الراءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضادِ ﴿مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ كانَ المُؤْمِنُونَ تَذْهَبُ أنْفُسُهم (p-٤٨١)حَسْرَةً عَلى أهْلِ العِنادِ مِنَ الكَفَرَةِ، يَتَمَنَّوْنَ دُخُولَهم في الإسْلامِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ الضُلّالُ عَنْ دِينِكم إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ. ولَيْسَ المُرادُ: تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَإنَّ تَرْكَهُما مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِما لا يَجُوزُ ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ رُجُوعُكم ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ يَجْزِيكم عَلى أعْمالِكم.

5:106Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."

رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ بَدِيلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ -وَكانَ مِنَ المُهاجِرِينَ- مَعَ عَدِيٍّ وتَمِيمٍ -وَكانا نَصْرانِيَّيْنِ- إلى الشامِ، فَمَرِضَ بَدِيلٌ، وكَتَبَ كِتابًا فِيهِ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ، ولَمْ يُخْبِرْ بِهِ صاحِبَيْهِ. وأوْصى إلَيْهِما بِأنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إلى أهْلِهِ، وماتَ. فَفَتَّشا مَتاعَهُ، فَأخَذا إناءً مِن فِضَّةٍ، فَأصابَ أهْلُ بَدِيلٍ الصَحِيفَةَ، فَطالَبُوهُما بِالإناءِ، فَجَحَدا. فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ﴾ ارْتَفَعَ اثْنانِ، لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو "شَهادَةُ" بِتَقْدِيرِ "شَهادَةُ بَيْنِكم شَهادَةُ اثْنَيْنِ"، أوْ لِأنَّهُ فاعِلُ شَهادَةِ بَيْنِكُمْ، أيْ: فِيما فُرِضَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ، واتُّسِعَ في "بَيْنَ" فَأُضِيفَ إلَيْهِ المَصْدَرُ ﴿وَإذا حَضَرَ﴾ ظَرْفٌ لِلشَّهادَةِ. و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وفي إبْدالِهِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، لِأنَّ حُضُورَ المَوْتِ مِنَ الأُمُورِ الكائِنَةِ. و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، فَيَدُلُّ عَلى وُجُودِ الوَصِيَّةِ، ولَوْ وُجِدَتْ بِدُونِ الِاخْتِيارِ لَسَقَطَ الِابْتِلاءُ، فَنُقِلَ إلى الوُجُوبِ، وحُضُورُ المَوْتِ: مُشارَفَتُهُ، وظُهُورُ أماراتِ بُلُوغِ الأجَلِ.

﴿ذَوا عَدْلٍ﴾ صِفَةٌ لِاثْنَيْنِ ﴿مِنكُمْ﴾ مِن أقارِبِكُمْ، لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ ﴿أوْ آخَرانِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿اثْنانِ﴾ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ سافَرْتُمْ فِيها. و"أنْتُمْ" فاعِلُ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ أوْ "مِنكُمْ" مِنَ المُسْلِمِينَ، و"مَن غَيْرِكُمْ" مِن أهْلِ الذِمَّةِ، وقِيلَ: مَنسُوخٌ، إذْ لا يَجُوزُ شَهادَةُ الذِمِّيِّ عَلى المُسْلِمِ، وإنَّما جازَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ تَقِفُونَهُما (p-٤٨٢)لِلْحَلِفِ، هو اسْتِئْنافُ كَلامٍ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ مَحْبُوسانِ. و﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِفَةِ والمَوْصُوفِ ﴿مِن بَعْدِ الصَلاةِ﴾ مِن بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ، لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ الناسِ. وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: بَعْدَ العَصْرِ أوِ الظُهْرِ، لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما، وفي حَدِيثِ بَدِيلٍ: أنَّهُما لَمّا نَزَلَتْ صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ، ودَعا بِـ عَدِيٍّ، وتَمِيمٍ، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ، فَحَلَفا، ثُمَّ وُجِدَ الإناءُ بِمَكَّةَ، فَقالُوا: إنّا اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ فَيَحْلِفانِ بِهِ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ في أمانَتِهِما، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ يُقْسِمانِ وجَوابِهِ، وهو ﴿لا نَشْتَرِي﴾ وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ مَعْنى الكَلامِ، والتَقْدِيرُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في شَأْنِهِما فَحَلِّفُوهُما ﴿بِهِ﴾ بِاللهِ، أوْ بِالقَسَمِ ﴿ثَمَنًا﴾ عِوَضًا مِنَ الدُنْيا ﴿وَلَوْ كانَ﴾ أيِ: المُقْسَمُ لَهُ ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ: لا نَحْلِفُ بِاللهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ، ولَوْ كانَ مَن نُقْسِمُ لَهُ قَرِيبًا مِنّا ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ أيِ: الشَهادَةَ الَّتِي أمَرَ اللهُ بِحِفْظِها وتَعْظِيمِها ﴿إنّا إذًا﴾ إنْ كَتَمْنا ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِهِما الشاهِدانِ فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُ الشاهِدَيْنِ، وإنْ أُرِيدَ الوَصِيّانِ فَلَمْ يُنْسَخْ تَحْلِيفُهُما.

5:107Page 125

فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧

But if it is found that those two were guilty of sin [i.e., perjury], let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allāh, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ فَإنِ اطُّلِعَ ﴿عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ فِعْلًا ما أوْجَبَ إثْمًا، واسْتَوْجَبا أنْ يُقالَ: إنَّهُما لَمِنَ الآثِمِينَ ﴿فَآخَرانِ﴾ فَشاهِدانِ آخَرانِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أيْ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ الإثْمُ، ومَعْناهُ: مِنَ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ، وفي قِصَّةِ بَدِيلٍ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ خِيانَةُ الرَجُلَيْنِ حَلَفَ رَجُلانِ مِن ورَثَتِهِ إنَّهُ إناءُ صاحِبِهُما، وإنَّ شَهادَتَهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما ﴿الأوْلَيانِ﴾ الأحْقّانِ بِالشَهادَةِ لِقَرابَتِهِما، أوْ (p-٤٨٣)مَعْرِفَتِهِما. وارْتِفاعُهُما عَلى هُما "الأوَّلِيّانِ" كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما؟ فَقِيلَ: "الأوْلَيانِ" أوْ هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَقُومانِ" أوْ مِن "فَآخَرانِ" (اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ) حَفْصٌ. أيْ: "مِن" الوَرَثَةِ ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ مِن بَيْنِهِمْ بِالشَهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَهادَةِ، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ. (الأوَّلِينَ) حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلَّذِينِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مَجْرُورٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وسُمُّوا: أوَّلِينَ، لِأنَّهم كانُوا أوَّلِينَ في الذِكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ أيْ: لَيَمِينُنا أحَقُّ بِالقَبُولِ مِن يَمِينِ هَذَيْنِ الوَصِيَّيْنِ الخائِنَيْنِ ﴿وَما اعْتَدَيْنا﴾ وما تَجاوَزْنا الحَقَّ في يَمِينِنا ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ أيْ: إنْ حَلَفْنا كاذِبِينَ.

5:108Page 125

ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allāh and listen [i.e., obey Him]; and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ مِن بَيانِ الحُكْمِ ﴿أدْنى﴾ أقْرَبُ ﴿أنْ يَأْتُوا﴾ أيِ: الشُهَداءُ عَلى نَحْوِ تِلْكَ الحادِثَةِ ﴿بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ كَما حَمَلُوها بِلا خِيانَةٍ فِيها ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: تُكَرَّرَ أيْمانُ شُهُودٍ آخَرِينَ بَعْدَ أيْمانِهِمْ، فَيَفْتَضِحُوا بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في الخِيانَةِ، واليَمِينِ الكاذِبَةِ ﴿واسْمَعُوا﴾ سَمْعَ قَبُولٍ، وإجابَةٍ ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنِ الطاعَةِ، فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى "أوْ" هُنا؟ قُلْتُ: مَعْناهُ: ذَلِكَ أقْرَبُ مِن أنْ يُؤَدُّوا الشَهادَةَ بِالحَقِّ والصِدْقِ، إمّا لِلَّهِ، أوْ لِخَوْفِ العارِ والِافْتِضاحِ بِرَدِّ الأيْمانِ، وقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَن يَرى رَدَّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي. والجَوابُ: أنَّ الوَرَثَةَ قَدِ ادَّعَوْا عَلى النَصْرانِيَّيْنِ أنَّهُما قَدِ اخْتانا، فَحَلَفا، فَلَمّا ظَهَرَ كَذِبُهُما ادَّعَيا الشِراءَ فِيما كَتَما، فَأنْكَرَتِ الوَرَثَةُ، فَكانَتِ اليَمِينُ عَلى الوَرَثَةِ لِإنْكارِهِما الشِراءَ.

5:109Page 126

۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩

[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -

﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أوِ احْذَرُوا ﴿يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ ما الَّذِي أجابَتْكم بِهِ أُمَمُكم حِينَ دَعَوْتُمُوهم إلى الإيمانِ. وهَذا السُؤالُ تَوْبِيخٌ لِمَن أنْكَرُهم. و"ماذا" مَنصُوبٌ بِأُجِبْتُمْ، نَصْبَ المَصْدَرِ عَلى (p-٤٨٤)مَعْنى: أيَّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ؟ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ بِإخْلاصِ قَوْمِنا. دَلِيلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أوْ بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا، دَلِيلُهُ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائِدَةُ: ١١٧]، أوْ قالُوا ذَلِكَ تَأدُّبًا، أيْ: عِلْمُنا ساقِطٌ مَعَ عِلْمِكَ، ومَغْمُورٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ لا عِلْمَ لَنا.

5:110Page 126

إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠

[The Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel] and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind [from birth] and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

﴿إذْ قالَ اللهُ﴾ بَدَلٌ مِن " يَوْمَ يَجْمَعُ" ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ حَيْثُ طَهَّرْتُها، واصْطَفَيْتُها عَلى نِساءِ العالَمِينَ، والعامِلُ في ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ أيْ: قَوَّيْتُكَ ﴿نِعْمَتِي﴾ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، أُيِّدَ بِهِ لِتَثْبُتَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، أوْ بِالكَلامِ الَّذِي يَحْيا بِهِ الدِينُ. وأضافَهُ إلى القُدْسِ، لِأنَّهُ سَبَبُ الطُهْرِ مِن أوَضارِ الآثامِ، دَلِيلُهُ: ﴿تُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ﴾ حالٌ، أيْ: تُكَلِّمُهم طِفْلًا، إعْجازًا ﴿وَكَهْلا﴾ تَبْلِيغًا ﴿وَإذْ عَلَّمْتُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ ونَحْوُهُ: ﴿وَإذْ تَخْلُقُ﴾ ﴿وَإذْ تُخْرِجُ﴾ ﴿وَإذْ كَفَفْتُ﴾ ﴿وَإذْ أوْحَيْتُ﴾ ﴿الكِتابَ﴾ الخَطَّ ﴿والحِكْمَةَ﴾ الكَلامَ المُحْكَمَ الصَوابَ ﴿والتَوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ﴾ تُقْدِرُ ﴿مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ﴾ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَةِ الطَيْرِ ﴿بِإذْنِي﴾ بِتَسْهِيلِي.

﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ الضَمِيرُ لِلْكافِ، لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى، ويَنْفُخُ فِيها، ولا يَرْجِعُ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها، لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ، وكَذا الضَمِيرُ في ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ وعُطِفَ ﴿وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ عَلى ﴿تَخْلُقُ﴾ ﴿وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ مِنَ القُبُورِ أحْياءً ﴿بِإذْنِي﴾ قِيلَ: أخْرَجَ سامَ بْنَ نُوحٍ، ورَجُلَيْنِ، وامْرَأةً، وجارِيَةً.

﴿وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ أيِ: اليَهُودَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ ﴿إذْ جِئْتَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لَكَفَفْتُ ﴿بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (ساحِرٌ): حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

(p-٤٨٥)

5:111Page 126

وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger [i.e., Jesus]." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allāh]."

﴿وَإذْ أوْحَيْتُ﴾ ألْهَمْتُ ﴿إلى الحَوارِيِّينَ﴾ الخَواصِّ، أوِ الأصْفِياءِ ﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: آمِنُوا ﴿بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: اشْهَدْ بِأنَّنا مُخْلِصُونَ، مِن أسْلَمَ وجْهَهُ.

5:112Page 126

إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord1 send down to us a table [spread with food] from the heaven?" [Jesus] said, "Fear Allāh, if you should be believers."

﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ أيِ: اذْكُرُوا إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ "عِيسى" نُصِبَ عَلى اتِّباعِ حَرَكَتِهِ حَرَكَةَ الِابْنِ، نَحْوُ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هَلْ يَفْعَلُ؟ أوْ هَلْ يُعْطِيكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ؟ فاسْتَطاعَ وأطاعَ بِمَعْنًى، كاسْتَجابَ وأجابَ. (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ): عَلِيٌّ. أيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ، فَحُذِفَ المُضافُ، والمَعْنى: هَلْ تَسْألُهُ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُكَ عَنْ سُؤالِهِ؟ ﴿أنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنا﴾ (يَنْزِلُ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ.

﴿مائِدَةً مِنَ السَماءِ﴾ هِيَ: الخَوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَعامُ، مِن مادَهُ إذا أعْطاهُ، كَأنَّها تَمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْها ﴿قالَ اتَّقُوا اللهَ﴾ في اقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إذِ الإيمانُ يُوجِبُ التَقْوى.

5:113Page 126

قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ تَبَرُّكًا ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ ونَزْدادُ يَقِينًا، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَةُ: ٢٦٠] ﴿وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ أيْ: نَعْلَمُ صِدْقَكَ عِيانًا، كَما عَلِمْناهُ اسْتِدْلالًا ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ﴾ بِما عايَنّا لِمَن بَعْدَنا.

5:114Page 127

قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤

Said Jesus, the son of Mary, "O Allāh, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

وَلَمّا كانَ السُؤالُ لِزِيادَةِ العِلْمِ لا لِلتَّعَنُّتِ ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ﴾ (p-٤٨٦)أصْلُهُ: يا أللَّهُ، فَحُذِفَ يا، وعُوِّضَ مِنهُ المِيمُ ﴿رَبَّنا﴾ نِداءٌ ثانٍ ﴿أنْـزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ أيْ: يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا، قِيلَ: هو يَوْمُ الأحَدِ، ومِن ثَمَّ اتَّخَذَهُ النَصارى عِيدًا، أوِ العِيدُ: السُرُورُ العائِدُ، ولِذا يُقالُ: يَوْمُ عِيدٍ، فَكانَ مَعْناهُ: تَكُونُ لَنا سُرُورًا وفَرَحًا ﴿لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِن "لَنا" بِتَكْرِيرِ العامِلِ، أيْ: لِمَن في زَمانِنا مِن أهْلِ دِينِنا، ولِمَن يَأْتِي بَعْدَنا، أوْ يَأْكُلُ مِنها آخِرُ الناسِ كَما يَأْكُلُ أوَّلُهُمْ، أوْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنّا والأتْباعِ ﴿وَآيَةً مِنكَ﴾ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ وأعْطِنا ما سَألْناكَ، وأنْتَ خَيْرُ المُعْطِينَ.

5:115Page 127

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١١٥

Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

﴿قالَ اللهُ إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾

١١٥ ( قالَ اللهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ) بِالتَشْدِيدِ: مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وعاصِمٌ. وعَدَ الإنْزالَ، وشَرَطَ عَلَيْهِمْ شَرْطًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ بَعْدَ إنْزالها ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا، كالسَلامِ بِمَعْنى التَسْلِيمِ، والضَمِيرُ في " لا أُعَذِّبُهُ " لِلْمَصْدَرِ، ولَوْ أُرِيدَ بِالعَذابِ ما يُعَذَّبُ بِهِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الباءِ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ المائِدَةَ لَمْ تَنْزِلْ، ولَوْ نَزَلَتْ لَكانَتْ عِيدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِقَوْلِهِ: "وَآخِرِنا" والصَحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ، فَعَنْ وهْبٍ: نَزَلَتْ مائِدَةٌ مَنكُوسَةٌ تَطِيرُ بِها المَلائِكَةُ، عَلَيْها كُلُّ طَعامٍ إلّا اللَحْمَ، وقِيلَ: كانُوا يَجِدُونَ عَلَيْها ما شاءُوا، وقِيلَ: كانَتْ تَنْزِلُ حَيْثُ كانُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا.

5:116Page 127

وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦

And [beware the Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allāh?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

﴿وَإذْ قالَ اللهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا السُؤالَ يَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ، دَلِيلُهُ: سِياقُ الآيَةِ وسِباقُها، وقِيلَ: خاطَبَهُ بِهِ حِينَ رَفَعَهُ إلى السَماءِ، دَلِيلُهُ: لَفْظُ "إذْ" ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ ما يَنْبَغِي لِي ﴿أنْ أقُولَ ما لَيْسَ (p-٤٨٧)لِي بِحَقٍّ﴾ أنْ أقُولَ قَوْلًا لا يَحِقُّ لِي أنْ أقُولَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ إنْ صَحَّ أنِّي قُلْتُهُ فِيما مَضى فَقَدْ عَلِمْتَهُ، والمَعْنى: أنِّي لا أحْتاجُ إلى الِاعْتِذارِ، لِأنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ أقُلْهُ، ولَوْ قَلْتُهُ عَلِمْتَهُ، لِأنَّكَ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ ذاتِي ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ ذاتِكَ. فَنَفْسُ الشَيْءِ: ذاتُهُ، وهُوِيَّتُهُ. والمَعْنى: تَعْلَمُ مَعْلُومِي، ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا، لِأنَّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ النُفُوسُ مِن جُمْلَةِ الغُيُوبِ، ولِأنَّ ما يَعْلَمُ عَلّامُ الغُيُوبِ لا يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُ أحَدٍ.

5:117Page 127

مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧

I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ، ثُمَّ فَسَرَّ ما أمَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ فَـ "إنْ" مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنى: أيْ ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ رَقِيبًا ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ مُدَّةَ كَوْنِي فِيهِمْ ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ الحَفِيظَ ﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مِن قَوْلِي، وفِعْلِي، وقَوْلِهِمْ، وفِعْلِهِمْ.

5:118Page 127

إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ الزَجّاجُ: عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أقامَ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ في جُمْلَتِهِمْ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ أيْ: إنْ تُعَذِّبْ مَن كَفَرَ مِنهم ﴿فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ الَّذِينَ عَلِمْتَهم جاحِدِينَ لِآياتِكَ، مُكَذِّبِينَ لِأنْبِيائِكَ، وأنْتَ العادِلُ في ذَلِكَ، فَإنَّهم قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ وُجُوبِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ: لِمَن أقْلَعَ مِنهم وآمَنَ، فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنكَ، وأنْتَ عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ ما تُرِيدُ، حَكِيمٌ في ذَلِكَ. أوْ "عَزِيزٌ" قَوِيٌّ، قادِرٌ عَلى الثَوابِ، "حَكِيمٌ" لا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ.

5:119Page 127

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩

Allāh will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

﴿قالَ اللهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ بِرَفْعِ اليَوْمِ والإضافَةِ عَلى أنَّهُ (p-٤٨٨)خَبَرُ هَذا، أيْ: يَقُولُ اللهُ تَعالى: هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ فِيهِ صِدْقُهُمُ المُسْتَمِرُّ في دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ. والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، كَما تَقُولُ. قالَ زَيْدٌ: عَمْرٌو مُنْطَلِقٌ. وبِالنَصْبِ نافِعٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: قالَ اللهُ هَذا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾ بِالسَعْيِ المَشْكُورِ،

﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بِالجَزاءِ المَوْفُورِ،

﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِأنَّهُ باقٍ بِخِلافِ الفَوْزِ في الدُنْيا، فَهو غَيْرُ باقٍ.

5:120Page 127

لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ ١٢٠

To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ عَظَّمَ نَفْسَهُ عَمّا قالَتِ النَصارى: إنَّ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِنَ المَنعِ، والإعْطاءِ، والإيجادِ، والإفْناءِ.

نَسْألُهُ أنْ يُوَفِّقَنا لِمَرْضاتِهِ، ويَجْعَلَنا مِنَ الفائِزِينَ بِجَنّاتِهِ. وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском