An-NasafiAl‑Ma'idah · 5:13–37

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:13–37

5:13Page 109

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ "ما" مَزِيدَةٌ لِإفادَةِ تَفْخِيمِ الأمْرِ،

﴿لَعَنّاهُمْ﴾ طَرَدْناهُمْ، وأخْرَجْناهم مَن رَحْمَتِنا، أوْ مَسَخْناهُمْ، أوْ ضَرَبْنا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ.

﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ يابِسَةً لا رَحْمَةَ فِيها، ولا لِينَ. (قَسِيَّةً) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، أيْ: رَدِيئَةً مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ، أيْ: رَدِيءٌ.

﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يُفَسِّرُونَهُ عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَ، وهو بَيانٌ لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، لِأنَّهُ لا قَسْوَةَ أشَدُّ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللهِ، وتَغْيِيرِ وحْيِهِ ﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾ وتَرَكُوا نَصِيبًا جَزِيلًا، وقِسْطًا وافِيًا.

﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ مِنَ التَوْراةِ، يَعْنِي: إنَّ تَرْكَهم وإعْراضَهم عَنِ التَوْراةِ إغْفالُ حَظٍّ عَظِيمٍ، أوْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وفَسَدَتْ، فَحَرَّفُوا التَوْراةَ، وزَلَّتْ أشْياءُ مِنها عَنْ حِفْظِهِمْ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ (p-٤٣٥)عَنْهُ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ: أوْ تَرَكُوا نَصِيبَ أنْفُسِهِمْ مِمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيانُ نَعْتِهِ ﴿وَلا تَزالُ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: هَذِهِ عادَتُهُمْ، وكانَ عَلَيْها أسْلافُهُمْ، كانُوا يَخُونُونَ الرُسُلَ، وهَؤُلاءِ يَخُونُونَكَ، ويَهُمُّونَ بِالفَتْكِ بِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى خائِنَةٍ﴾ أيْ: عَلى خِيانَةٍ، أوْ عَلى فِعْلَةٍ ذاتِ خِيانَةٍ، أوْ عَلى نَفْسٍ، أوْ فِرْقَةٍ خائِنَةٍ. ويُقالُ: رَجُلٌ خائِنَةٌ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ راوِيَةٌ لِلشِّعْرِ، لِلْمُبالَغَةِ.

﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ بَعْثٌ عَلى مُخالَفَتِهِمْ، أوْ فاعْفُ عَنْ مُؤْمِنِيهِمْ، ولا تُؤاخِذْهم بِما سَلَفَ مِنهم ﴿واصْفَحْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

5:14Page 110

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١٤

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded.1 So We caused among them2 animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allāh is going to inform them about what they used to do.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾

١٤ و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ وهو الإيمانُ بِاللهِ، والرُسُلِ، وأفْعالِ الخَيْرِ. يَتَعَلَّقُ بِأخَذْنا، أيْ: وأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا: إنّا نَصارى مِيثاقَهُمْ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ الجارِّ والمَجْرُورِ، وفُصِلَ بَيْنَ الفِعْلِ والواوِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ. وإنَّما لَمْ يُقَلْ مِنَ النَصارى، لِأنَّهم إنَّما سَمَّوْا أنْفُسَهم بِذَلِكَ ادِّعاءً لِنَصْرِ اللهِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِعِيسى: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللهِ﴾ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ نَسْطُورِيَّةَ، ويَعْقُوبِيَّةَ، ومَلْكانِيَّةَ أنْصارًا لِلشَّيْطانِ.

﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا﴾ فَألْصَقْنا، وألْزَمْنا، مِن غَرى بِالشَيْءِ إذا لَزِمَهُ، ولَصِقَ بِهِ، ومِنهُ الغِراءُ، الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ.

﴿بَيْنَهُمُ﴾ بَيْنَ فِرَقِ النَصارى المُخْتَلِفِينَ ﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أيْ: في القِيامَةِ بِالجَزاءِ والعِقابِ.

5:15Page 110

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much.1 There has come to you from Allāh a light and a clear Book [i.e., the Qur’ān]

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى، والكِتابُ لِلْجِنْسِ. (p-٤٣٦)﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ مِن نَحْوِ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ومِن نَحْوِهِ الرَجْمُ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِمّا تُخْفُونَهُ لا يُبَيِّنُهُ، أوْ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنكم لا يُؤاخِذُهُ.

﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ لِكَشْفِهِ ظُلُماتِ الشِرْكِ والشَكِّ، ولِإبانَتِهِ ما كانَ خافِيًا عَلى الناسِ مِنَ الحَقِّ، أوْ لِأنَّهُ ظاهِرُ الإعْجازِ، أوِ النُورُ مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، كَما سُمِّيَ سِراجًا.

5:16Page 110

يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦

By which Allāh guides those who pursue His pleasure to the ways of peace1 and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ ومَن آمَنَ مِنهم ﴿سُبُلَ السَلامِ﴾ طُرُقَ السَلامَةِ والنَجاةِ مِن عَذابِ اللهِ، أوْ سُبُلَ اللهِ. فالسَلامُ: السَلامَةُ، أوِ اللهُ ﴿وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإسْلامِ ﴿بِإذْنِهِ﴾ [بِإرادَتِهِ، وتَوْفِيقِهِ] ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

5:17Page 110

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

They have certainly disbelieved who say that Allāh is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allāh is over all things competent.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ: بَتَّ القَوْلَ عَلى أنَّ اللهَ هو المَسِيحُ لا غَيْرُ، قِيلَ: كانَ في النَصارى قَوْمٌ يَقُولُونَ ذَلِكَ، أوْ لِأنَّ مَذْهَبَهم يُؤَدِّي إلَيْهِ حَيْثُ إنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَخْلُقُ، ويُحْيِي، ويُمِيتُ.

﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ فَمِن يَمْنَعُ مِن قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ شَيْئًا ﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: إنْ أرادَ أنْ (p-٤٣٧)يَهْلِكُ مَن دَعَوْهُ إلَهًا مِنَ المَسِيحِ وأمِّهِ، يَعْنِي: أنَّ المَسِيحَ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ كَسائِرِ العِبادِ، وعُطِفَ "مَن في الأرْضِ جَمِيعًا" عَلى المَسِيحِ وأُمِّهِ إبانَةً أنَّهُما مِن جِنْسِهِمْ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما وبَيْنَهُمْ، والمَعْنى: أنَّ مَنِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ رَحِمَ الأُمُومِيَّةِ مَتّى يُفارِقُهُ نَقْصُ البَشَرِيَّةِ؟ ومَن لاحَتْ عَلَيْهِ شَواهِدُ الحَدَثَيَّةِ أنّى يَلِيقُ بِهِ نَعْتُ الرُبُوبِيَّةِ؟ ولَوْ قَطَعَ البَقاءَ عَنْ جَمِيعِ ما أوْجَدَ لَمْ يَعُدْ نَقْصٌ إلى الصَمَدِيَّةِ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَخْلُقُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، ويَخْلُقُ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ كَما خَلَقَ عِيسى، [وَيَخْلُقُ مِن ذَكَرٍ مِن غَيْرِ أُنْثى كَما خَلَقَ حَوّاءَ مِن آدَمَ] ويَخْلُقُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وأُنْثى كَما خَلَقَ آدَمَ. أوْ يَخْلُقُ كَما يَشاءُ كَخَلْقِ الطَيْرِ عَلى يَدِ عِيسى مُعْجِزَةً لَهُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

5:18Page 111

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allāh and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَصارى نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ أيْ: أعِزَّةٌ عَلَيْهِ كالِابْنِ عَلى الأبِ، أوْ أشْياعُ ابْنَيِ اللهِ: عُزَيْرٍ، والمَسِيحِ، كَما قِيلَ لِأشْياعِ أبِي خُبَيْبٍ -وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ-: الخُبَيْبِيُّونَ، كَما كانَ يَقُولُ رَهْطُ مُسَيْلِمَةَ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ، ويَقُولُ أقْرِباءُ المَلِكِ وحَشَمُهُ: نَحْنُ أبْناءُ المُلُوكِ، أوْ نَحْنُ أبْناءُ رُسُلِ اللهِ.

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَإنْ صَحَّ أنَّكم أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ، فَلِمَ تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم بِالمَسْخِ والنارِ أيّامًا مَعْدُودَةً عَلى زَعْمِكُمْ؟ وهَلْ يَمْسَخُ الأبُ ولَدَهُ؟ وهَلْ يُعَذِّبُ الوالِدُ ولَدَهُ بِالنارِ؟ ثُمَّ قالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أيْ: أنْتُمْ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ، لا بَنُوهُ.

﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ، فَضْلًا ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ مَن ماتَ عَلَيْهِ عَدْلًا ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عُبُودِيَّةِ المَسِيحِ، لِأنَّ المَلِكَ والنُبُوَّةَ مُتَنافِيانِ.

(p-٤٣٨)

5:19Page 111

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٩

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allāh is over all things competent.

﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أيِ: الشَرائِعَ، وحُذِفَ لِظُهُورِهِ، أوْ ما كُنْتُمْ تُخْفُونَ، وحُذِفَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، أوْ لا يُقَدَّرُ المُبَيَّنُ، ويَكُونُ المَعْنى: يَبْذُلُ لَكُمُ البَيانَ، وهو حالٌ، أيْ: مُبَيِّنًا لَكم ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاءَكُمْ"، أيْ: جاءَكم في حِينِ فُتُورٍ مِن إرْسالِ الرُسُلِ، وانْقِطاعٍ مِنَ الوَحْيِ. وكانَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ سِتُّمِائَةُ سَنَةٍ، أوْ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وسِتُّونَ سَنَةً.

﴿أنْ تَقُولُوا﴾ كَراهَةَ ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ والفاءُ في ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَعْتَذِرُوا فَقَدْ جاءَكم ﴿بَشِيرٍ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿وَنَذِيرٌ﴾ لِلْكافِرِينَ، والمَعْنى: الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الرَسُولَ بُعِثَ إلَيْهِمْ حِينَ انْطَمَسَتْ آثارُ الوَحْيِ، أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ، لِيَهُشُّوا إلَيْهِ، ويُعِدُّوهُ أعْظَمَ نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ، وتَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ، فَلا يَعْتَلُّوا غَدًا بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ مَن يُنَبِّهُهم مِن غَفْلَتِهِمْ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَكانَ قادِرًا عَلى إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ضَرُورَةً.

5:20Page 111

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٠

And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allāh upon you when He appointed among you prophets and made you possessors1 and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ لِأنَّهُ مَلَّكَهم بَعْدَ فِرْعَوْنَ مُلْكَهُ، وبَعْدَ الجَبابِرَةِ مُلْكَهُمْ، ولِأنَّ المُلُوكَ تَكاثَرُوا فِيهِمْ تَكاثُرَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: المَلِكُ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ، وكانَتْ مَنازِلُهم واسِعَةً فِيها مِياهٌ جارِيَةٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ بَيْتٌ وخَدَمٌ، ولِأنَّهم كانُوا مَمْلُوكِينَ في أيْدِي القِبْطِ، فَأنْقَذَهُمُ اللهُ، فَسَمّى إنْقاذَهم مُلْكًا ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإغْراقِ العَدُوِّ، وإنْزالِ المَنِّ والسَلْوى، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ، أوْ أرادَ عالِمِي زَمانِهِمْ.

5:21Page 111

يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١

O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."

﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ أيِ: المُطَهَّرَةُ، أوِ المُبارَكَةُ، وهي (p-٤٣٩)أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، أوِ الشامِ.

﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قَسَمَها لَكُمْ، أوْ سَمّاها، أوْ كَتَبَ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها مَساكِنُ لَكم.

﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ ولا تَرْجِعُوا عَلى أعْقابِكم مُدْبِرِينَ، مُنْهَزِمِينَ، مِن خَوْفِ الجَبابِرَةِ جُبْنًا، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم في دِينِكم ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فَتَرْجِعُوا خاسِرِينَ ثَوابَ الدُنْيا والآخِرَةِ.

5:22Page 111

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ الجَبّارُ فَعّالٌ: مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى: أجْبَرَهُ عَلَيْهِ، وهو العاتِي الَّذِي يَجْبُرُ الناسَ عَلى ما يُرِيدُ ﴿وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾ بِالقِتالِ ﴿حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِغَيْرِ قِتالٍ ﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِلا قِتالٍ ﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾ بِلادَهم حِينَئِذٍ.

5:23Page 111

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."

﴿قالَ رَجُلانِ﴾ كالِبٌ، ويُوشَعُ.

﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ اللهَ، ويَخْشَوْنَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: رَجُلانِ مِنَ المُتَّقِينَ، وهو في مَحَلِّ الرَفْعِ صِفَةٌ لَرَجُلانِ، وكَذا ﴿أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ بِالخَوْفِ مِنهُ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ أيْ: بابَ المَدِينَةِ ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ أيِ: انْهَزَمُوا، وكانَتِ الغَلَبَةُ لَكُمْ، وإنَّما عَلِما ذَلِكَ بِإخْبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إذِ الإيمانُ بِهِ يَقْتَضِي التَوَكُّلَ عَلَيْهِ، وهو قَطْعُ العَلائِقِ، وتَرْكُ التَمَلُّقِ لِلْخَلائِقِ.

5:24Page 112

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾ هَذا نَفْيٌ لِدُخُولِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ عَلى وجْهِ التَوْكِيدِ ﴿أبَدًا﴾ تَعْلِيقٌ لِلنَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِالدَهْرِ المُتَطاوِلِ ﴿ما دامُوا فِيها﴾ بَيانٌ لِلْأبَدِ ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ مِنَ العُلَماءِ مَن حَمَلَهُ عَلى الظاهِرِ، وقالَ: إنَّهُ كُفْرٌ مِنهُمْ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَوْ قالُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا، وكَفَرُوا بِهِ لَحارَبَهم مُوسى، ولَمْ تَكُنْ مُقاتَلَةُ الجَبّارِينَ أوْلى مِن مُقاتَلَةِ هَؤُلاءِ، ولَكِنَّ الوَجْهَ فِيهِ أنْ يُقالَ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ يُعِينُكَ عَلى قِتالِكَ، أوْ ﴿وَرَبُّكَ﴾ أيْ: وسَيِّدُكُ، وهو (p-٤٤٠)أخُوكَ الأكْبَرُ هارُونَ، أوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ حَقِيقَةُ الذَهابِ، ولَكِنْ كَما نَقُولُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، تُرِيدُ: مَعْنى الإرادَةِ، كَأنَّهم قالُوا: أُرِيدُ قِتالَهم ﴿فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ماكِثُونَ، لا نُقاتِلُهم لِنُصْرَةِ دِينِكم. فَلَمّا عَصَوْهُ وخالَفُوهُ.

5:25Page 112

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ﴾ لِنُصْرَةِ دِينِكَ ﴿إلا نَفْسِي وأخِي﴾ وهو مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى "نَفْسِي" أوْ عَلى اسْمِ إنَّ، أيْ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ. أوْ مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلٍّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَمِيرِ في "لا أمْلِكُ" وجازَ لِلْفَصْلِ، أيْ: ولا يَمْلِكُ أخِي إلّا نَفْسَهُ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وأخِي كَذَلِكَ، وهَذا مِنَ البَثِّ والشَكْوى إلى اللهِ، ورِقَّةِ القَلْبِ الَّتِي بِمِثْلِها تُسْتَجْلَبُ الرَحْمَةُ، وتُسْتَنْزَلُ النُصْرَةُ، وكَأنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِالرَجُلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ كُلَّ الوُثُوقِ، فَلَمْ يَذْكُرْ إلّا النَبِيَّ المَعْصُومَ، أوْ أرادَ ومَن يُؤاخِينِي عَلى دِينِي.

﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ فافْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما هم أهْلُهُ، وهو في مَعْنى الدُعاءِ عَلَيْهِمْ، أوْ فَباعِدْنا بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، وخَلِّصْنا مِن صُحْبَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ [التَحْرِيمُ: ١١].

5:26Page 112

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

﴿قالَ فَإنَّها﴾ أيِ: الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا يَدْخُلُونَها، وهو تَحْرِيمُ مَنعٍ، لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القَصَصُ: ١٢]. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أيْ: بِشَرْطِ أنْ تُجاهِدُوا أهْلَها، فَلَمّا أبَوُا الجِهادَ قِيلَ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أوِ المُرادُ: فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فَإذا مَضى الأرْبَعُونَ كانَ ما كُتِبَ، فَقَدْ سارَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ يُوشَعُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ فَفَتَحَها، وأقامَ فِيها ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ قُبِضَ. و"أرْبَعِينَ" ظَرْفُ التَحْرِيمِ، والوَقْفُ عَلى "سَنَةٍ" أوْ ظَرْفُ ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يَسِيرُونَ فِيها مُتَحَيِّرِينَ لا يَهْتَدُونَ طَرِيقًا أرْبَعِينَ سَنَةً، والوَقْفُ عَلى "عَلَيْهِمْ"، وإنَّما عُوقِبُوا بِالحَبْسِ لِاخْتِيارِهِمُ (p-٤٤١)المُكْثَ، فَكانُوا مَعَ شِدَّةِ سَيْرِهِمْ يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا في سِتَّةِ فَراسِخَ، ولَمّا نَدِمَ عَلى الدُعاءِ عَلَيْهِمْ قِيلَ لَهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم فاسِقُونَ. قِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُوسى وهارُونُ مَعَهم في التِيهِ، لِأنَّهُ كانَ عِقابًا، وقَدْ سَألَ مُوسى رَبَّهُ أنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما وبَيْنَهُمْ، وقِيلَ: كانا مَعَهم إلّا أنَّهُ كانَ ذَلِكَ رَوْحًا لَهُما، وسَلامًا لا عُقُوبَةَ، وماتَ هارُونُ في التِيهِ، ومُوسى فِيهِ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وماتَ النُقَباءُ في التِيهِ إلّا كالِبَ ويُوشَعَ.

5:27Page 112

۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].

أمَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَقُصَّ عَلى حاسِدِيهِ ما جَرى بِسَبَبِ الحَسَدِ لِيَتْرُكُوهُ ويُؤْمِنُوا، بِقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابِ ﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ ومِن صُلْبِهِ هابِيلَ وقابِيلَ، أوْ هُما رَجُلانِ مِن بِنِي إسْرائِيلَ.

﴿بِالحَقِّ﴾ نَبَأً مُلْتَبِسًا بِالصِدْقِ، مُوافِقًا لِما في كُتُبِ الأوَّلِينَ، أوْ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالصِدْقِ، والصِحَّةِ، أوْ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ وأنْتَ مُحِقٌّ صادِقٌ،

﴿إذْ قَرَّبا﴾ نُصِبَ بِالنَبَأِ، أيْ: قِصَّتُهُما وحَدِيثُهُما في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ بَدَلٌ مِنَ النَبَأِ، أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمُ النَبَأ نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى تَقْدِيرِ: حَذْفِ المُضافِ ﴿قُرْبانًا﴾ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللهِ مِن نَسِيكَةٍ، أوْ صَدَقَةٍ. يُقالُ: قَرَّبَ صَدَقَةً، وتَقَرَّبَ بِها، لِأنَّ تَقَرَّبَ مُطاوِعُ قَرَّبَ. والمَعْنى: إذْ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانَهُ، دَلِيلُهُ: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما﴾ قُرْبانُهُ، وهو هابِيلُ.

﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ قُرْبانُهُ وهو قابِيلُ، رُوِيَ أنَّهُ أوْحى اللهُ تَعالى إلى آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما تَوْأمَةَ الآخَرِ، وكانَتْ تَوْأمَةُ قابِيلَ أجْمَلَ، واسْمُها: إقْلِيما، فَحَسَدَهُ عَلَيْها أخُوهُ، وسَخِطَ. فَقالَ لَهُما آدَمُ: قَرِّبا قُرْبانًا، فَمِن أيِّكُما قُبِلَ يَتَزَوَّجُها، فَقُبِلَ قُرْبانُ هابِيلَ بِأنْ نَزَلَتْ نارٌ فَأكَلَتْهُ، فازْدادَ قابِيلُ حَسَدًا، وسُخْطًا، وتَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ.

﴿قالَ لأقْتُلَنَّكَ﴾ أيْ: قالَ لِهابِيلَ: ﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وتَقْدِيرُهُ: قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي؟ قالَ: لِأنَّ اللهَ قَبِلَ قُرْبانَكَ، ولَمْ يَقْبَلْ قُرْبانِي! فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وأنْتَ غَيْرُ (p-٤٤٢)مُتَّقٍ، فَإنَّما أُوتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لِانْسِلاخِها مِن لِباسِ التَقْوى، لا مِن قِبَلِي.

وَعَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أنَّهُ بَكى حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ وقَدْ كُنْتَ وكُنْتَ؟ قالَ: إنِّي أسْمَعُ اللهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾

5:28Page 112

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ مَدَدْتَ ﴿إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ﴾ بِمادٍّ (يَدِيَ) مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ.

﴿لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: كانَ أقْوى مِنَ القاتِلِ، وأبْطَشَ مِنهُ، ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِ أخِيهِ، واسْتَسْلَمَ لَهُ خَوْفًا مِنَ اللهِ تَعالى، لِأنَّ الدَفْعَ لَمْ يَكُنْ مُباحًا في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: بَلْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا، فَإنَّ فِيهِ إهْلاكَ نَفْسِهِ، ومُشارَكَةً لِلْقاتِلِ في إثْمِهِ، وإنَّما مَعْناهُ: ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ مُبْتَدِئًا، كَقَصْدِكَ ذَلِكَ مِنِّي، وكانَ هابِيلُ عازِمًا عَلى مُدافَعَتِهِ إذا قَصَدَ قَتَلَهُ، وإنَّما قَتَلَهُ فَتْكًا عَلى غَفْلَةِ مِنهُ. (إنِّي أخافُ) حِجازِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو.

5:29Page 112

إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ (إنِّيَ) مَدَنِيٌّ ﴿أنْ تَبُوءَ﴾ أنْ تَحْتَمِلَ، أوْ تَرْجِعَ،

﴿بِإثْمِي﴾ بِإثْمِ قَتْلِي إذا قَتَلْتَنِي ﴿وَإثْمِكَ﴾ الَّذِي لِأجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ. وهو عُقُوقُ الأبِ، والحَسَدُ، والحِقْدُ. وإنَّما أرادَ ذَلِكَ لِكُفْرِهِ بِرَدِّهِ قَضِيَّةَ اللهِ تَعالى، أوْ كانَ ظالِمًا، وجَزاءُ الظالِمِ جائِزٌ أنْ يُرادَ ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾

5:30Page 112

فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠

And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ فَوَسِعَتْهُ ويَسَّرَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ، إذا اتَّسَعَ.

﴿فَقَتَلَهُ﴾ عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ، أوْ بِالبَصْرَةِ، والمَقْتُولُ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

5:31Page 112

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١

Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.

﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ﴾ أيِ: اللهُ، أوِ الغُرابُ.

﴿كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ عَوْرَةَ أخِيهِ، وما لا يَجُوزُ أنْ يَنْكَشِفَ مِن جَسَدِهِ. (p-٤٤٣)رُوِيَ: أنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن بَنِي آدَمَ، ولَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ السِباعَ، فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً حَتّى أرْوَحَ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ السِباعُ. فَبَعَثَ اللهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ، ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ، فَحِينَئِذٍ ﴿قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ﴾ عَطْفٌ عَلى "أكُونَ" ﴿سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ﴾ عَلى قَتْلِهِ، لِما تَعِبَ فِيهِ مِن حَمْلِهِ، وتَحَيُّرِهِ في أمْرِهِ، ولَمْ يَنْدَمْ نَدَمَ التائِبِينَ، أوْ كانَ النَدَمُ تَوْبَةً لَنا خاصَّةً، أوْ عَلى حَمْلِهِ لا عَلى قَتْلِهِ. ورُوِيَ: أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ، وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ، فَقالَ: ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا، فَقالَ: بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذا اسْوَّدَ جَسَدُكَ، فالسُودانُ مِن ولَدِهِ. وما رُوِيَ أنَّ آدَمَ رَثاهُ بِشَعْرٍ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِعْرِ.

5:32Page 113

مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4

﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وبِعِلَّتِهِ. و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى القَتْلِ المَذْكُورِ، قِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِالآيَةِ الأُولى، فَيُوقَفُ عَلى ذَلِكَ، أيْ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النادِمِينَ﴾ لِأجْلِ حَمْلِهِ، ولِأجْلِ قَتْلِهِ. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ، والوَقْفُ عَلى "النادِمِينَ" و"مِن" يَتَعَلَّقُ بِـ "كَتَبْنا"، لا بِـ "النادِمِينَ" ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ خَصَّهم بِالذِكْرِ وإنِ اشْتَرَكَ الكُلُّ في ذَلِكَ، لِأنَّ التَوْراةَ أوَّلُ كِتابٍ فِيهِ الأحْكامُ ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا﴾ الضَمِيرُ لِلشَّأْنِ، و"مَن" شَرْطِيَّةٌ ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى نَفْسٍ، أيْ: بِغَيْرِ فَسادٍ في الأرْضِ، وهو الشِرْكُ، أوْ قَطْعُ الطَرِيقِ، أوْ كُلُّ فَسادٍ يُوجِبُ القَتْلَ.

﴿فَكَأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا﴾ أيْ: في الذَنْبِ، عَنِ الحَسَنِ، لِأنَّ قاتِلَ النَفْسِ جَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، وغَضَبُ اللهِ عَلَيْهِ، والعَذابُ العَظِيمُ، ولَوْ قَتَلَ الناسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ.

﴿وَمَن أحْياها﴾ ومِنَ اسْتَنْقَذَها مِن أسْبابِ الهَلَكَةِ مِن قَتْلٍ، أوْ غَرَقٍ، أوْ حَرْقٍ، أوْ هَدْمٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿فَكَأنَّما أحْيا الناسَ جَمِيعًا﴾ جَعَلَ قَتْلَ (p-٤٤٤)الواحِدِ كَقَتْلِ الجَمِيعِ، وكَذَلِكَ الإحْياءُ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، لِأنَّ المُتَعَرِّضَ لِقَتْلِ النَفْسِ إذا تَصَوَّرَ أنَّ قَتْلَها كَقَتْلِ الناسِ جَمِيعًا عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَثَبَّطَهُ. وكَذا الَّذِي أرادَ إحْياءَها إذا تَصَوَّرَ أنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ إحْياءِ جَمِيعِ الناسِ، رَغِبَ في إحْيائِها ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ،

﴿رُسُلُنا﴾ (رُسْلُنا) أبُو عَمْرٍو ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالآياتِ الواضِحاتِ،

﴿ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ، أوْ بَعْدَ مَجِيءِ الرُسُلِ بِالآياتِ.

﴿فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ في القَتْلِ، لا يُبالُونَ بِعَظَمَتِهِ.

5:33Page 113

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣

Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: أوْلِياءَ اللهِ، في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ" »﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ مُفْسِدِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: لِلْفَسادِ، وخَبَرُ "جَزاءُ" ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وأفادَ التَشْدِيدُ الواحِدَ بَعْدَ الواحِدِ، ومَعْناهُ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾ مِن غَيْرِ صَلْبٍ إنْ أفْرَدُوا القَتْلَ ﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾ مَعَ القَتْلِ إنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ ﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ إنْ أخَذُوا المالَ ﴿مِن خِلافٍ﴾ حالٌ مِنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، أيْ: مُخْتَلِفَةً.

﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ بِالحَبْسِ إذا لَمْ يَزِيدُوا عَلى الإخافَةِ ﴿ذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ ﴿لَهم خِزْيٌ في الدُنْيا﴾ ذُلٌّ، وفَضِيحَةٌ ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

5:34Page 113

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤

Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَتَسْقُطُ عَنْهم هَذِهِ الحُدُودُ، (p-٤٤٥)لا ما هو حَقُّ العِبادِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لَهم بِالتَوْبَةِ، ويَرْحَمُهم فَلا يُعَذِّبُهم.

5:35Page 113

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥

O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ فَلا تُؤْذُوا عِبادَ اللهِ ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ هي كُلُّ ما يُتَوَسَّلُ بِهِ، أيْ: يُتَقَرَّبُ مِن قَرابَةٍ، أوْ صَنِيعَةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَتْ لِما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى اللهِ تَعالى مِن فِعْلِ الطاعاتِ، وتَرْكِ السَيِّئاتِ ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

5:36Page 113

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ وأنْفَقُوهُ ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ لِيَجْعَلُوهُ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ، و"لَوْ" مَعَ "ما" في حَيِّزِهِ خَبَرُ "إنَّ". ووُحِّدَ الراجِعُ في ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ وقَدْ ذُكِرَ شَيْئانِ، لِأنَّهُ أجْرى الضَمِيرَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَفْتَدُواْ بِذَلِكَ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَلا سَبِيلَ لَهم إلى النَجاةِ بِوَجْهٍ.

5:37Page 114

يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

﴿يُرِيدُونَ﴾ يَطْلُبُونَ، أوْ يَتَمَنَّوْنَ ﴿أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском