An-NasafiAl‑Ma'idah · 5:38–58

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:38–58

5:38Page 114

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨

[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they earned [i.e., committed] as a deterrent [punishment] from Allāh. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿والسارِقُ والسارِقَةُ﴾ ارْتَفَعا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "و" فِيما يُتْلى عَلَيْكم " السارِق والسارِقَة ". أوِ الخَبَرُ ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أيْ: يَدَيْهِما، والمُرادُ: اليَمِينانِ، بِدَلِيلِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِهِما مَعْنى الشَرْطِ، لِأنَّ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ، والَّتِي سَرَقَتْ ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ والِاسْمُ المَوْصُولُ يُضَمَّنُ مَعْنى الشَرْطِ، وبَدَأ بِالرَجُلِ لِأنَّ السَرِقَةَ مِنَ الجَراءَةِ، وهي في الرِجالِ أكْثَرُ، وأخَّرَ الزانِيَ، لِأنَّ الزِنا يَنْبَعِثُ مِنَ الشَهْوَةِ، وهي في النِساءِ أوْفَرُ، وقُطِعَتِ اليَدُ، لِأنَّها آلَةُ السَرِقَةِ، ولَمْ تُقْطَعْ آلَةُ الزِنا تَفادِيًا (p-٤٤٦)عَنْ قَطْعِ النَسْلِ ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿نَكالا مِنَ اللهِ﴾ أيْ: عُقُوبَةً مِنهُ، وهو بَدَلٌ مِن جَزاءٍ ﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ، لا يُعارَضُ في حُكْمِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما حَكَمَ مِن قَطْعِ يَدِ السارِقِ والسارِقَةِ.

5:39Page 114

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩

But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿فَمَن تابَ﴾ مِنَ السُرّاقِ ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ سَرِقَتِهِ ﴿وَأصْلَحَ﴾ بِرَدِّ المَسْرُوقِ ﴿فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ ذَنْبَهُ، ويَرْحَمُهُ.

5:40Page 114

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٠

Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allāh is over all things competent.

﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ يا مُحَمَّدُ، أوْ يا مُخاطَبُ ﴿أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ ﴿وَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لِمَن تابَ عَنِ الكُفْرِ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ التَعْذِيبِ، والمَغْفِرَةِ، وغَيْرِهِما.

﴿قَدِيرٌ﴾ قادِرٌ، وقَدَّمَ التَعْذِيبَ عَلى المَغْفِرَةِ هُنا لِتَقَدُّمِ السَرِقَةِ عَلى التَوْبَةِ.

5:41Page 114

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

﴿يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أيْ: لا تَهْتَمَّ، ولا تُبالِ بِمُسارَعَةِ المُنافِقِينَ في الكُفْرِ، أيْ: في إظْهارِهِ بِما يَلُوحُ مِنهم مَن آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ، ومِن مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، فَإنِّي ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ، وكافِيكَ شَرَّهم. يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَيْبُ، أيْ: وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا، فَكَذَلِكَ مُسارَعَتُهم في الكُفْرِ وُقُوعُهم فِيهِ أسْرَعَ شَيْءٍ، إذا وجَدُوا فُرْصَةً لَمْ يُخْطِئُوها ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾ تَبْيِينٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ ﴿آمَنّا﴾ مَفْعُولُ "قالُوا" ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "قالُوا" أيْ: قالُوا بِأفْواهِهِمْ: آمَنّا.

﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، ويَرْتَفِعُ ﴿سَمّاعُونَ (p-٤٤٧)لِلْكَذِبِ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم سَمّاعُونَ، والضَمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أوْ "سَمّاعُونَ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنَ الَّذِينَ هادَوْا ". وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى "قُلُوبِهِمْ" وعَلى الأوَّلِ عَلى "هادُوا"،

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يَسْمَعُونَ مِنكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ بِأنْ يَمْسَخُوا ما سَمِعُوا مِنكَ بِالزِيادَةِ، والنُقْصانِ، والتَبْدِيلِ، والتَغْيِيرِ.

﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أيْ: سَمّاعُونَ مِنكَ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ اليَهُودِ وجَّهُوهم عُيُونًا، لِيُبَلِّغُوهم ما سَمِعُوا مِنكَ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: يُزِيلُونَهُ، ويُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللهُ فِيها، فَيُهْمِلُونَهُ بِغَيْرِ مَواضِعَ بَعْدَ أنْ كانَ ذا مَوْضِعٍ.

﴿يُحَرِّفُونَ﴾ صِفَةٌ لِقَوْمٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم يُحَرِّفُونَ، والضَمِيرُ مَرْدُودٌ عَلى لَفْظِ الكَلِمِ ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾ المُحَرَّفَ المُزالَ عَنْ مَواضِعِهِ، و"يَقُولُونَ" مِثْلُ "يُحَرِّفُونَ". وجازَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يُحَرِّفُونَ".

﴿فَخُذُوهُ﴾ فاعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ، واعْمَلُوا بِهِ ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ وأفْتاكم مُحَمَّدٌ بِخِلافِهِ ﴿فاحْذَرُوا﴾ فَإيّاكم وإيّاهُ، فَهو الباطِلُ، رُوِيَ: «أنَّ شَرِيفًا زَنى بِشَرِيفَةٍ بِخَيْبَرَ، وهُما مُحْصَنانِ، وحَدُّهُما الرَجْمُ في التَوْراةِ، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَبَعَثُوا رَهْطًا مِنهم لِيَسْألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ والتَحْمِيمِ فاقْبَلُوا، وإنْ أمَرَكم بِالرَجْمِ فَلا تَقْبَلُوا، فَأمَرَهم بِالرَجْمِ، فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوا بِهِ »﴿وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ ضَلالَهُ. وهو حُجَّةٌ عَلى مَن يَقُولُ: يُرِيدُ اللهُ الإيمانَ، ولا يُرِيدُ الكُفْرَ.

﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ قَطَعَ رَجاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ عَنِ الكُفْرِ لِعِلْمِهِ مِنهُمُ اخْتِيارَ الكُفْرِ، وهو حُجَّةٌ لَنا عَلَيْهِمْ أيْضًا ﴿لَهم في الدُنْيا (p-٤٤٨)خِزْيٌ﴾ لِلْمُنافِقِينَ فَضِيحَةٌ، ولِلْيَهُودِ خِزْيَةٌ.

﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيِ: التَخْلِيدُ في النارِ.

5:42Page 115

سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: هم سَمّاعُونَ، ومِثْلُهُ: ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وهو كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ، وهو مَن سَحَتَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ، لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، وفي الحَدِيثِ هو « "الرِشْوَةُ في الحُكْمِ"، » وكانُوا يَأْخُذُونَ الرِشا عَلى الأحْكامِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ، وبِالتَثْقِيلِ مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، وعَلِيٌّ.

﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قِيلَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُخَيَّرًا إذا تَحاكَمَ إلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم وبَيْنَ ألّا يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وقِيلَ: نُسِخَ التَخْيِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ [المائِدَةُ: ٤٩] ﴿وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ فَلَنْ يَقْدِرُوا عَلى الإضْرارِ بِكَ، لِأنَّ اللهَ تَعالى يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴿وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ العادِلِينَ.

5:43Page 115

وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ لِمَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وبِكِتابِهِ، مَعَ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ في كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ.

﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ حالٌ مِنَ "التَوْراةِ"، وهي مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ "عِنْدَهُمْ".

﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُحَكِّمُونَكَ". أيْ: ثُمَّ يُعْرِضُونَ مِن بَعْدِ تَحْكِيمِكَ عَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لِما في كِتابِهِمْ، لا يَرْضَوْنَ بِهِ ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ بِكَ، أوْ بِكِتابِهِمْ كَما يَدَّعُونَ.

(p-٤٤٩)

5:44Page 115

إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.

﴿إنّا أنْـزَلْنا التَوْراةَ فِيها هُدًى﴾ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴿وَنُورٌ﴾ يُبَيِّنُ ما اسْتُبْهِمَ مِنَ الأحْكامِ ﴿يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ انْقادُوا لِحُكْمِ اللهِ في التَوْراةِ، وهو صِفَةٌ أُجْرِيَتْ لِلنَّبِيِّينَ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، وأُرِيدَ بِإجْرائِها التَعْرِيضُ بِاليَهُودِ، لِأنَّهم بُعَداءُ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ، الَّتِي هي دِينُ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ.

﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، واللامُ يَتَعَلَّقُ بِـ "يَحْكُمُ".

﴿والرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى "النَبِيُّونَ"، أيِ: الزُهّادُ والعُلَماءُ ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا﴾ اسْتُودِعُوا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " بِها" في ﴿يَحْكُمُ بِها﴾ ﴿مِن كِتابِ اللهِ﴾ مِنَ التَبْيِينِ، والضَمِيرُ في "اسْتُحْفِظُوا" لِلْأنْبِياءِ، والرَبّانِيِّينَ، والأحْبارِ جَمِيعًا، ويَكُونُ الِاسْتِحْفاظُ مِنَ اللهِ، أيْ: كَلَّفَهُمُ اللهُ حِفْظَهُ. أوْ لِـ "الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ" ويَكُونُ الِاسْتِحْفاظُ مِنَ الأنْبِياءِ ﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ رُقَباءَ لِئَلّا يُبَدَّلَ ﴿فَلا تَخْشَوُا الناسَ﴾ نَهْيٌ لِلْحُكّامِ عَنْ خَشْيَتِهِمْ غَيْرَ اللهِ في حُكُوماتِهِمْ، وإمْضائِها عَلى خِلافِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ العَدْلِ خَشْيَةَ سُلْطانٍ ظالِمٍ، أوْ خِيفَةَ أذِيَّةِ أحَدٍ.

﴿واخْشَوْنِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وبِالياءِ فِيهِما سَهْلٌ، وافَقَهُ أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا بِآياتِ اللهِ وأحْكامِهِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وهو الرِشْوَةُ، وابْتِغاءُ الجاهِ، ورِضا الناسِ ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ مُسْتَهِينًا بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: مَن لَمْ يَحْكم جاحِدًا فَهو كافِرٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جاحِدًا فَهو فاسِقٌ ظالِمٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: هو عامٌّ في اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ.

5:45Page 115

وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥

And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ وفَرَضْنا عَلى اليَهُودِ في التَوْراةِ ﴿أنَّ النَفْسَ﴾ (p-٤٥٠)مَأْخُوذَةٌ ﴿بِالنَفْسِ﴾ مَقْتُولَةٌ بِها إذا قَتَلَتْها بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿والعَيْنَ﴾ مَفْقُوءَةٌ ﴿بِالعَيْنِ والأنْفَ﴾ مَجْدُوعٌ ﴿بِالأنْفِ والأُذُنَ﴾ مَقْطُوعَةٌ ﴿بِالأُذُنِ والسِنَّ﴾ مَقْلُوعَةٌ ﴿بِالسِنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ أيْ: ذاتُ قِصاصٍ، وهو المُقاصَّةُ، ومَعْناهُ: ما يُمْكِنُ فِيهِ القِصاصَ، وإلّا فَحُكُومَةُ عَدْلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَجُلَ بِالمَرْأةِ، فَنَزَلَتْ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِمِّيِّ، والرَجُلُ بِالمَرْأةِ، والحُرُّ بِالعَبْدِ. نَصَبَ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ المَعْطُوفاتِ كُلَّها لِلْعَطْفِ عَلى ما عَمِلَتْ فِيهِ "أنَّ"، ورَفَعَها عَلِيٌّ لِلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ "أنَّ النَفْسَ"، لِأنَّ المَعْنى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ النَفْسُ بِالنَفْسِ إجْراءً لِكَتَبْنا مَجْرى قُلْنا، ونَصَبَ الباقُونَ الكُلَّ، ورَفَعُوا "الجُرُوحَ". و(الأُذْنَ) بِسُكُونِ الذالِ حَيْثُ كانَ نافِعٌ والباقُونَ بِضَمِّها. وهُما لُغَتانِ كالسُحْتِ، والسُحُتِ.

﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾ مِن أصْحابِ الحَقِّ ﴿بِهِ﴾ بِالقِصاصِ، وعَفا عَنْهُ ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ فالتَصَدُّقُ بِهِ كَفّارَةٌ لِلْمُتَصَدِّقِ بِإحْسانِهِ. قالَ ﷺ: « "مَن تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَما دُونَهُ كانَ كَفّارَةً لَهُ مِن يَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ" »﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ بِالِامْتِناعِ عَنْ ذَلِكَ.

5:46Page 116

وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦

And We sent, following in their footsteps,1 Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.

﴿وَقَفَّيْنا﴾ مَعْنى قَفَّيْتُ الشَيْءَ بِالشَيْءِ: جَعَلْتَهُ في أثَرِهِ كَأنَّهُ جُعِلَ في قَفاهُ يُقالُ: قَفاهُ يَقْفُوهُ: إذا تَبِعَهُ ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ عَلى آثارِ النَبِيِّينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا﴾ هو حالٌ مِن عِيسى ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ﴾ أيْ: ﴿وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ ثابِتًا ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا﴾ فَنَصْبُ "مُصَدِّقًا" بِالعَطْفِ عَلى ثابِتًا الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ "فِيهِ" وقامَ مَقامَهُ فِيهِ. وارْتَفَعَ "هُدًى ونُورٌ" بِـ "ثابِتًا" الَّذِي قامَ مَقامَهُ "فِيهِ" (p-٤٥١)﴿وَهُدًى ومَوْعِظَةً﴾ انْتَصَبا عَلى الحالِ، أيْ:هادِيًا واعِظًا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِأنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِهِ.

5:47Page 116

وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧

And let the People of the Gospel judge by what Allāh has revealed therein. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْـزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ وقُلْنا لَهُمُ: احْكُمُوا بِمُوجِبِهِ، فاللامُ لامُ الأمْرِ، وأصْلُهُ الكَسْرُ، وإنَّما سُكِّنَ اسْتِثْقالًا لِفَتْحَةٍ وكَسْرَةٍ وفَتْحَةٍ، (وَلِيَحْكُمَ) بِكَسْرِ اللامِ وفَتْحِ المِيمِ: حَمْزَةُ، عَلى أنَّها لامُ كَيْ، أيْ: وقَفَّيْنا لِيُؤْمِنُوا، ولِيَحْكُمَ ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الخارِجُونَ عَنِ الطاعَةِ.

قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الجُحُودِ في الثَلاثِ، فَيَكُونَ كافِرًا، ظالِمًا، فاسِقًا، لِأنَّ الفاسِقَ المُطْلَقَ، والظالِمَ المُطْلَقَ هو الكافِرُ. وقِيلَ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ فَهو كافِرٌ بِنِعْمَةِ اللهِ، ظالِمٌ في حُكْمِهِ، فاسِقٌ في فِعْلِهِ.

5:48Page 116

وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨

And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

﴿وَأنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القُرْآنَ. فَحَرْفُ التَعْرِيفِ فِيهِ لِلْعَهْدِ ﴿بِالحَقِّ﴾ بِسَبَبِ الحَقِّ، وإثْباتِهِ، وتَبْيِينِ الصَوابِ مِنَ الخَطَأِ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لِما تَقَدَّمَهُ نُزُولًا. وإنَّما قِيلَ لِما قَبْلَ الشَيْءِ: هو بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأنَّ ما تَأخَّرَ عَنْهُ يَكُونُ وراءَهُ وخَلْفَهُ، فَما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ يَكُونُ قُدّامَهُ، وبَيْنَ يَدَيْهِ.

﴿مِنَ الكِتابِ﴾ المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، لِأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ، فَكانَ حَرْفُ التَعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ. ومَعْنى تَصْدِيقِهِ الكُتُبَ: مُوافَقَتُها في التَوْحِيدِ والعِبادَةِ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءُ: ٢٥] ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ وشاهِدًا، لِأنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالصِحَّةِ، والثَباتِ.

﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ أيْ: بِما في القُرْآنِ ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ نَهى أنْ يَحْكُمَ بِما حَرَّفُوهُ، وبَدَّلُوهُ اعْتِمادًا عَلى قَوْلِهِمْ، ضُمِّنَ ﴿وَلا تَتَّبِعْ﴾ مَعْنى: ولا تَنْحَرِفْ، فَلِذا عُدِّيَ بِعْنَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (p-٤٥٢)وَلا تَنْحَرِفْ ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ مُتَّبِعًا أهْواءَهُمْ، أوِ التَقْدِيرُ: عادِلًا ﴿عَمّا جاءَكَ﴾ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ﴾ أيُّها الناسُ ﴿شِرْعَةً﴾ شَرِيعَةً ﴿وَمِنهاجًا﴾ وطَرِيقًا واضِحًا، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ شَرِيعَةَ مَن قَبْلْنا لا تَلْزَمُنا، ذَكَرَ اللهُ إنْزالَ التَوْراةِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ إنْزالَ الإنْجِيلِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لِلسَّماعِ فَحَسْبُ، بَلْ لِلْحُكْمِ بِهِ، فَقالَ في الأوَّلِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ﴾ وفي الثانِي: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ﴾ وفي الثالِثِ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ ﴿وَلَكِنْ﴾ أرادَ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَرائِعِ المُخْتَلِفَةِ، فَتَعَبَّدَ كُلَّ أُمَّةٍ بِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ فابْتَدِرُوها، وسابِقُوا نَحْوَها قَبْلَ الفَواتِ بِالوَفاةِ، والمُرادُ بِالخَيْراتِ: كُلُّ ما أمَرَ اللهُ تَعالى بِهِ ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَجْرُورِ، والعامِلُ: المَصْدَرُ المُضافُ، لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: إلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُخْبِرُكم بِما لا تَشُكُّونَ مَعَهُ مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ مُحِقِّكُمْ، ومُبْطِلِكُمْ، وعامِلِكُمْ، ومُفَرِّطِكم في العَمَلِ.

5:49Page 116

وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩

And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

﴿وَأنِ احْكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "بِالحَقِّ" أيْ: ﴿وَأنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ وبِأنِ احْكم ﴿بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أيْ: يَصْرِفُوكَ، وهو مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ، وإنَّما حَذَّرَهُ -وَهُوَ رَسُولٌ مَأْمُونٌ- لِقَطْعِ أطْماعِ القَوْمِ،

﴿عَنْ بَعْضِ ما أنْـزَلَ اللهُ إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللهُ إلَيْكَ، وأرادُوا غَيْرَهُ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِذَنْبِ التَوَلِّي عَنْ حُكْمِ اللهِ، وإرادَةِ خِلافِهِ، فَوَضَعَ ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ مَوْضِعَ ذَلِكَ، وهَذا الإبْهامُ لِتَعْظِيمِ التَوَلِّي، وفِيهِ تَعْظِيمُ الذُنُوبِ، فَإنَّ بَعْضَها مُهْلِكٌ، (p-٤٥٣)فَكَيْفَ بِكُلِّها؟! ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ﴾ لَخارِجُونَ عَنْ أمْرِ اللهِ.

5:50Page 116

أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].

﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يَطْلُبُونَ، وبِالتاءِ: شامِيٌّ، يُخاطِبُ بَنِي النَضِيرِ في تَفاضُلِهِمْ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وقَدْ قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَتْلى سَواءٌ"، فَقالَ بَنُو النَضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. » وسُئِلَ طاوُوسٌ عَنِ الرَجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وناصِبُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ﴾ "يَبْغُونَ" ﴿وَمَن أحْسَنُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وهو اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ ﴿مِنَ اللهِ حُكْمًا﴾ هو تَمْيِيزٌ.

﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ اللامُ لِلْبَيانِ، كاللامِ في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يُوسُفُ: ٢٣]. أيْ: هَذا الخِطابُ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَتَبَيَّنُونَ: أنْ لا أعْدَلَ مِنَ اللهِ، ولا أحْسَنَ حُكْمًا مِنهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى "لِقَوْمٍ": عِنْدَ قَوْمٍ، لِأنَّ اللامَ و"عِنْدَ" يَتَقارَبانِ في المَعْنى.

5:51Page 117

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.

وَنَزَلَ نَهْيًا عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ الدِينِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أوْلِياءَ﴾ أيْ: لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ تَنْصُرُونَهُمْ، وتَسْتَنْصِرُونَهُمْ، وتُؤاخُونَهُمْ، وتُعاشِرُونَهم مُعاشَرَةَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وكُلُّهم أعْداءُ المُؤْمِنِينَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ مِن جُمْلَتِهِمْ، وحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، وهَذا تَغْلِيظٌ مِنَ اللهِ وتَشْدِيدٌ في وُجُوبِ مُجانَبَةِ المُخالِفِ في الدِينِ ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ لا يُرْشِدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكَفَرَةِ.

5:52Page 117

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢

So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نِفاقٌ ﴿يُسارِعُونَ﴾ حالٌ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ "فَتَرى" مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، أوِ القَلْبِ.

﴿فِيهِمْ﴾ في (p-٤٥٤)مُعاوَنَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ، ومُوالاتِهِمْ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ: في أنْفُسِهِمْ، لِقَوْلِهِ: ﴿عَلى ما أسَرُّوا﴾ ﴿نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ أيْ: حادِثَةٌ تَدُورُ بِالحالِ، الَّتِي يَكُونُونَ عَلَيْها ﴿فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى أعْدائِهِ، وإظْهارِ المُسْلِمِينَ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ: يُؤْمَرُ النَبِيُّ ﷺ بِإظْهارِ إسْرارِ المُنافِقِينَ، وقَتْلِهِمْ ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ النِفاقِ ﴿نادِمِينَ﴾ خَبَرٌ ﴿فَيُصْبِحُوا﴾

5:53Page 117

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣

And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ ذَلِكَ. (وَيَقُولَ) بَصْرِيٌّ عَطْفًا عَلى ﴿أنْ يَأْتِيَ﴾ (يَقُولُ) بِغَيْرِ واوٍ شامِيٌّ، وحِجازِيٌّ، عَلى أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ، فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: " يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا " ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ أيْ: أقْسَمُوا لَكم بِأغْلاظِ الأيْمانِ أنَّهم أوْلِياؤُكُمْ، ومُعاضِدُوكم عَلى الكُفّارِ، و﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في تَقْدِيرِ الحالِ، أيْ: مُجْتَهِدِينَ في تَوْكِيدِ أيْمانِهِمْ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ ضاعَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها رِياءً وسُمْعَةً، لا إيمانًا وعَقِيدَةً، وهَذا مِن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ شَهادَةٌ لَهم بِحُبُوطِ الأعْمالِ، لَهم وتَعْجِيبًا مِن سُوءِ حالِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ في الدُنْيا، والعُقْبى لِفَواتِ المَعُونَةِ، ودَوامِ العُقُوبَةِ.

5:54Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ مِن يَرْجِعْ مِنكم عَنْ دِينِ الإسْلامِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ. (يَرْتَدِدْ): مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ.

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ يَرْضى عَنْهم أعْمالَهُمْ، ويُثْنِي عَلَيْهِمْ بِها، ويُطِيعُونَهُ، ويُؤْثِرُونَ رِضاهُ. وفِيهِ دَلِيلُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، حَيْثُ أخْبَرَهم بِما لَمْ يَكُنْ فَكانَ، وإثْباتُ خِلافَةِ الصِدِّيقِ، لِأنَّهُ جاهَدَ المُرْتَدِّينَ، وفي صِحَّةِ خِلافَتِهِ وخِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. «وَسُئِلَ النَبِيُّ ﷺ عَنْهُمْ، فَضَرَبَ عَلى عاتِقِ (p-٤٥٥)سَلْمانَ وقالَ: "هَذا وذَوُوهُ، لَوْ كانَ الإيمانُ مُعَلَقًّا بِالثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن أبْناءِ فارِسَ". » والراجِعُ مِنَ الجَزاءِ إلى الِاسْمِ المُتَضَمَّنِ لِمَعْنى الشَرْطِ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ﴾ مَكانَهم ﴿أذِلَّةٍ﴾ جَمْعُ ذَلِيلٍ، وأمّا ذَلُولٌ فَجَمْعُهُ: ذُلُلٌ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ مِنَ الذِلِ، الَّذِي هو ضِدُّ الصُعُوبَةِ، فَقَدْ سَها، لِأنَّ ذَلُولًا لا يُجْمَعُ عَلى أذِلَّةٍ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الذُلُّ ضِدُّ العِزِّ، ورَجُلٌ ذَلِيلٌ: بَيِّنُ الذُلِّ، وقَوْمٌ أذِلّاءُ، وأذِلَّةٌ. والذِلُّ بِالكَسْرِ-: اللِينُ، وهو ضِدُّ الصُعُوبَةِ، يُقالُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ، ودَوابُّ ذُلُلٌ.

﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِلْمُؤْمِنِينَ، لِتَضَمُّنِ الذُلِّ مَعْنى الحُنُوِّ والعَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عاطِفِينَ عَلَيْهِمْ، عَلى وجْهِ التَذَلُّلِ، والتَواضُعِ.

﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ أشِدّاءُ عَلَيْهِمْ، والعَزازُ: الأرْضُ الصُلْبَةُ، فَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ كالوَلَدِ لِوالِدِهِ، والعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، ومَعَ الكافِرِينَ كالسَبُعِ عَلى فَرِيسَتِهِ.

﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ يُقاتِلُونَ الكُفّارَ، وهو صِفَةٌ لِقَوْمٍ كَـ: يُحِبُّهُمْ، وأعِزَّةٍ، وأذِلَّةٍ.

﴿وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ الواوُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْحالِ، أيْ: يُجاهِدُونَ وحالُهم في المُجاهَدَةِ خِلافُ حالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا مُوالِينَ لِلْيَهُودِ، فَإذا خَرَجُوا في جَيْشِ المُؤْمِنِينَ خافُوا أوْلِياءَهُمُ اليَهُودَ، فَلا يَعْمَلُونَ شَيْئًا مِمّا يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَلْحَقُهم فِيهِ لَوْمٌ مِن جِهَتِهِمْ. وأمّا المُؤْمِنُونَ فَمُجاهَدَتُهم لِلَّهِ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ، أيْ: مِن صِفَتِهِمُ المُجاهِدَةُ في سَبِيلِ اللهِ، وهم صِلابٌ في دِينِهِمْ إذا شَرَعُوا في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِينِ، لا تَزَعُهم لَوْمَةُ لائِمٍ، واللَوْمَةُ: المَرَّةُ مِنَ اللَوْمِ، وفِيها وفي التَنْكِيرِ مُبالَغَتانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَخافُونَ شَيْئًا قَطُّ مِن لَوْمٍ واحِدٍ مِنَ اللُوّامِ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما وصَفَ بِهِ القَوْمَ مِنَ المَحَبَّةِ، والذِلَّةِ، والعِزَّةِ، والمُجاهَدَةِ، وانْتِفاءِ خَوْفَ اللَوْمَةِ ﴿فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ الفَواضِلِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَن هو مِن أهْلِها.

(p-٤٥٦)

5:55Page 117

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥

Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].

عَقِبَ النَهْيِ عَنْ مُوالاةِ مَن تَجِبُ مُعاداتِهِمْ، ذَكَرَ مَن تَجِبُ مُوالاتُهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ و"إنَّما" يُفِيدُ اخْتِصاصَهم بِالمُوالاةِ، ولَمْ يُجْمَعِ الوَلِيُّ -وَإنْ كانَ المَذْكُورُ جَماعَةً- تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ أصْلٌ، ولِغَيْرِهِ تَبَعٌ، ولَوْ قِيلَ: إنَّما أوْلِياؤُكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ أصْلٌ وتَبَعٌ، ومَحَلُّ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ﴾ الرَفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ "الَّذِينَ آمَنُوا"، أوْ عَلى "هُمُ الَّذِينَ"، أوِ النَصْبُ عَلى المَدْحِ.

﴿وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ والواوُ في ﴿وَهم راكِعُونَ﴾ لِلْحالِ، أيْ: يُؤْتُونَها في حالِ رُكُوعِهِمْ في الصَلاةِ، قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ في صِلاتِهِ، فَطَرَحَ لَهُ خاتَمَهُ، كَأنَّهُ كانَ مَرِجًا في خِنْصَرِهِ، فَلَمْ يَتَكَلَّفْ لِخَلْعِهِ كَثِيرَ عَمَلٍ يُفْسِدُ صِلاتِهِ. ووَرَدَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وإنْ كانَ السَبَبُ فِيهِ واحِدًا تَرْغِيبًا لِلنّاسِ في مِثْلِ فِعْلِهِ لِيَنالُوا مِثْلَ ثَوابِهِ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ الصَدَقَةِ في الصَلاةِ، وعَلى أنَّ الفِعْلَ القَلِيلَ لا يُفْسِدُ الصَلاةَ.

5:56Page 117

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦

And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.

﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَتَّخِذْهُ ولِيًّا، أوْ يَكُنْ ولِيًّا ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن إقامَةِ الظاهِرِ مَقامَ الضَمِيرِ، أيْ: فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، أوِ المُرادُ بِحِزْبِ اللهِ: الرَسُولُ والمُؤْمِنُونَ، أيْ: ومَن يَتَوَلَّهم فَقَدْ تَوَلّى حِزْبَ اللهِ، واعْتَضَدَ بِمَن لا يُغالَبُ، وأصْلُ الحِزْبِ: القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرِ حِزْبِهِمْ، أيْ: أصابَهم.

5:57Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.

وَرُوِيَ أنَّ رِفاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، وسُوَيْدَ بْنَ الحَرْثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ، ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَنَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ يَعْنِي: اتِّخاذُهم دِينَكم هُزُوًا ولِعَبًا لا يَصِحُّ أنْ يُقابَلَ بِاتِّخاذِكم إيّاهم أوْلِياءَ، بَلْ يُقابَلُ ذَلِكَ بِالبَغْضاءِ، والمُنابَذَةِ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا (p-٤٥٧)الكِتابَ﴾ "مِن" لِلْبَيانِ ﴿مِن قَبْلِكم والكُفّارَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ، وهو عَطْفٌ عَلى "الَّذِينَ" المَنصُوبَةِ، و(الكُفّارِ) بَصْرِيٌّ، وعَلِيٌّ، عَطْفٌ عَلى الَّذِينَ المَجْرُورَةِ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مَن قَبْلِكُمْ، ومِنَ الكُفّارِ ﴿أوْلِياءَ واتَّقُوا اللهَ﴾ في مُوالاةِ الكُفّارِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ حَقًّا، لِأنَّ الإيمانَ حَقًّا يَأْبى مُوالاةَ أعْداءِ الدِينِ.

5:58Page 118

وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَلاةِ اتَّخَذُوها﴾ أيِ: الصَلاةَ، أوِ المُناداةَ.

﴿هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ لَعِبَهم وهُزُؤُهم مِن أفْعالِ السُفَهاءِ والجَهَلَةِ، فَكَأنَّهم لا عَقْلَ لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصْبِ الكِتابِ، لا بِالمَنامِ وحْدَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском