An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:59–82
5:59Page 118
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩
Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي: هَلْ تَعِيبُونَ مِنّا، وتُنْكِرُونَ إلّا الإيمانَ بِاللهِ، وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كُلِّها؟! ﴿وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَجْرُورِ، أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللهِ، وما أُنْزِلَ، وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ. والمَعْنى: أعادَيْتُمُونا لِأنّا اعْتَقَدْنا تَوْحِيدَ اللهِ، وصِدْقَ أنْبِيائِهِ، وفِسْقَكم لِمُخالَفَتِكم لَنا في ذَلِكَ؟! ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللهِ، مَعَ أنَّكم فاسِقُونَ.
5:60Page 118
قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠
Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ﴾ أيْ: ثَوابًا، وهو نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، والمَثُوبَةُ وإنْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِالإحْسانِ، ولَكِنَّها وُضِعَتْ مَوْضِعَ العُقُوبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] وكانَ اليَهُودُ يَزْعُمُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعُقُوبَةِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللهُ﴾ شَرٌّ عُقُوبَةً في الحَقِيقَةِ مِن أهْلِ الإسْلامِ في زَعْمِكم. و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى المُتَقَدِّمِ، أيْ: (p-٤٥٨)الإيمانِ، أيْ: بِشَرٍّ مِمّا نَقَمْتُمْ مِن إيمانِنا ثَوابًا، أيْ: جَزاءً، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ قَبْلَهُ، أوْ قَبْلَ "مِن" تَقْدِيرُهُ: بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ، أوْ دِينِ مَن لَعَنَهُ اللهُ،
﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ﴾ يَعْنِي: أصْحابَ السَبْتِ ﴿والخَنازِيرَ﴾ أيْ: كُفّارَ أهْلِ مائِدَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أوْ كِلا المَسْخَيْنِ مِن أصْحابِ السَبْتِ، فَشُبّانُهم مُسِخُوا قِرَدَةً، ومَشايِخُهم مُسِخُوا خَنازِيرَ ﴿وَعَبَدَ الطاغُوتَ﴾ أيِ: العِجْلَ، أوِ الشَيْطانَ، لِأنَّ عِبادَتَهُمُ العَجَلَ بِتَزْيِينِ الشَيْطانِ، وهو عَطْفٌ عَلى صِلَةِ مَن، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطاغُوتَ (وَعَبِدَ الطاغُوتِ) حَمْزَةُ، جَعَلَهُ اسْمًا مَوْضُوعًا لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ حَذِرٌ، وفَطِنٌ، لِلْبَلِيغِ في الحَذَرِ، والفِطْنَةِ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، أيْ: جَعَلَ اللهُ مِنهم عَبِدَ الطاغُوتِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَمْسُوخُونَ، المَلْعُونُونَ.
﴿شَرٌّ مَكانًا﴾ جُعِلَتِ الشِرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ مُبالَغَةً.
﴿وَأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَبِيلِ﴾ عَنْ قَصْدِ الطَرِيقِ المُوصِلِ إلى الجَنَّةِ.
5:61Page 118
وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١
And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.
وَنَزَلَ في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَبِيِّ ﷺ، ويُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا: ﴿وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: دَخَلُوا كافِرِينَ، وخَرَجُوا كافِرِينَ، وتَقْدِيرُهُ: مُلْتَبِسِينَ بِالكُفْرِ، وكَذَلِكَ "قَدّ دَخَلُوا "،
﴿وَهم قَدْ خَرَجُوا﴾ ولِذا دَخَلَتْ "قَدْ" تَقْرِيبًا لِلْماضِي مِنَ الحالِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا آمَنّا، أيْ: قالُوا ذَلِكَ وهَذِهِ حالُهم ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ مِنَ النِفاقِ.
5:62Page 118
وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢
And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.
﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الكَذِبِ ﴿والعُدْوانِ﴾ الظُلْمِ، أوِ الإثْمُ: ما يُخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ: ما يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، والمُسارَعَةُ في الشَيْءِ: الشُرُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ ﴿وَأكْلِهِمُ السُحْتَ﴾ الحَرامَ ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا عَمِلُوهُ.
(p-٤٥٩)
5:63Page 118
لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣
Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.
﴿لَوْلا﴾ هَلّا، وهو تَحْضِيضٌ.
﴿يَنْهاهُمُ الرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ هَذا ذَمٌّ لِلْعُلَماءِ، والأوَّلُ لِلْعامَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: هي أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أُنْزِلَ تارِكُ النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَنزِلَةَ مُرْتَكِبِ المُنْكَرِ في الوَعِيدِ.
5:64Page 118
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤
And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ -لَعَنَهُمُ اللهُ- لَمّا كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كَفَّ اللهُ ما بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَعَةِ، وكانُوا مِن أكْثَرِ الناسِ مالًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فَنُحاصُ: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ، ورَضِيَ بِقَوْلِهِ الآخَرُونَ، فَأُشْرِكُوا فِيهِ. وغَلُّ اليَدِ وبَسْطُها: مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسْراءُ: ٢٩] ولا يَقْصِدُ المُتَكَلِّمُ بِهِ إثْباتَ يَدٍ، ولا غَلٍّ، ولا بَسْطٍ، حَتّى إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في مَلَكٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ بِالإشارَةِ مِن غَيْرِ اسْتِعْمالِ اليَدِ، ولَوْ أعْطى الأقْطَعُ إلى المَنكِبِ عَطاءً جَزْلًا لَقالُوا: ما أبْسَطَ يَدَهُ بِالنَوالِ! وقَدِ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ لا تَصِحُّ اليَدُ، يُقالُ: بَسَطَ البَأْسُ كَفَّيْهِ في صَدْرِي، فَجَعَلَ لِلْبَأْسِ -الَّذِي هو مِنَ المَعانِي- كَفّانِ. ومَن لَمْ يَنْظُرْ في عِلْمِ البَيانِ يَتَحَيَّرْ في تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، ومِن ثَمَّ كانُوا أبْخَلَ خَلْقِ اللهِ، أوْ تُغَلُّ في جَهَنَّمَ، فَهي كَأنَّها غُلَّتْ، وإنَّما ثُنِّيَتِ اليَدُ في ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ وهي مُفْرَدَةٌ في قَوْلِهِمْ: " يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ "، لِيَكُونَ رَدُّ قَوْلِهِمْ وإنْكارُهُ أبْلَغَ، وأدَلَّ عَلى إثْباتِ غايَةِ السَخاءِ لَهُ، ونَفْيِ البُخْلِ عَنْهُ، فَغايَةُ ما يَبْذُلُهُ السَخِيُّ أنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْوَصْفِ بِالسَخاءِ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ ﴿ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: يَزْدادُونَ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ لِحَسَدِهِمْ، تَمادِيًا في الجُحُودِ، وكُفْرًا بِآياتِ اللهِ، وهَذا مِن إضافَةِ الفِعْلِ إلى السَبَبِ، كَما (p-٤٦٠)قالَ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَوْبَةُ: ١٢٥] ﴿وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَكَلِمُهم أبَدًا مُخْتَلِفٌ، وقُلُوبُهم شَتّى، لا يَقَعُ بَيْنَهُمُ اتِّفاقٌ، ولا تَعاضُدٌ.
﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ﴾ كُلَّما أرادُوا مُحارَبَةَ أحَدٍ غُلِبُوا وقُهِرُوا، لَمْ يَقُمْ لَهم نَصْرٌ مِنَ اللهِ عَلى أحَدٍ قَطُّ، وقَدْ أتاهُمُ الإسْلامُ وهم في مِلْكِ المَجُوسِ. وقِيلَ: كُلَّما حارَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ نُصِرَ عَلَيْهِمْ. عَنْ قَتادَةَ: لا تَلْقى يَهُودِيًّا في بَلَدٍ إلّا وقَدْ وجَدْتَهُ مِن أذَلِّ الناسِ ﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ويَجْتَهِدُونَ في دَفْعِ الإسْلامِ، ومَحْوِ ذِكْرِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن كُتُبِهِمْ ﴿واللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾
5:65Page 119
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥
And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.
﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وبِما جاءَ بِهِ مَعَ ما عَدَّدْنا مِن سَيِّئَآتِهِمْ ﴿واتَّقَوْا﴾ أيْ: وقَرَنُوا إيمانَهم بِالتَقْوى ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها ﴿وَلأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ مَعَ المُسْلِمِينَ.
5:66Page 119
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦
And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.
﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: أقامُوا أحْكامَهُما، وحُدُودَهُما، وما فِيهِما مِن نَعْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ مِن سائِرِ كُتُبِ اللهِ، لِأنَّهم مُكَلَّفُونَ الإيمانَ بِجَمِيعِها، فَكَأنَّها أُنْزِلَتْ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي: الثِمارَ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ ﴿وَمِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ يَعْنِي: الزُرُوعَ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَوْسِعَةِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ في النِعْمَةِ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ بِطاعَةِ اللهِ تَعالى سَبَبٌ لِسَعَةِ الرِزْقِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافُ: ٦٦] ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَلاقُ: ٢- ٣] ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ الآياتُ (p-٤٦١)[نُوحٌ: ١٠ وما بَعْدَها] ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنُّ: ١٦] ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ طائِفَةٌ حالُها أمَمٌ في عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وقِيلَ: هي الطائِفَةُ المُؤْمِنَةُ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وأصْحابُهُ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَصارى ﴿وَكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى التَعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكَثِيرٌ مِنهم ما أسْوَأ عَمَلَهُمْ! وقِيلَ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ، وغَيْرُهم.
5:67Page 119
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧
O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.
﴿يا أيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وأيَّ شَيْءٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ غَيْرَ مُراقِبٍ في تَبْلِيغِهِ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ ﴿وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ وإنْ لَمْ تُبَلِّغْ جَمِيعَهُ كَما أمَرْتُكَ ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ (رِسالاتِهِ) مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ. أيْ: فَلَمْ تُبَلِّغْ إذًا ما كُلِّفْتَ مِن أداءِ الرِسالَةِ، ولَمْ تُؤَدِّ مِنها شَيْئًا قَطُّ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَها لَيْسَ بِأوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها، لِكَوْنِها في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ لِدُخُولِها تَحْتَ خِطابٍ واحِدٍ، والشَيْءُ الواحِدُ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ، مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ. قالَتِ المُلْحِدَةُ -لَعَنَهُمُ اللهُ تَعالى-: هَذا كَلامٌ لا يُفِيدُ، وهو كَقَوْلِكَ لِغُلامِكَ: كُلْ هَذا الطَعامَ، فَإنْ لَمْ تَأْكُلْهُ فَإنَّكَ ما أكَلْتَهُ. قُلْنا: هَذا أمْرٌ بِتَبْلِيغِ الرِسالَةِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ، أيْ: إنْ لَمْ تُبَلِّغِ الرِسالَةَ في المُسْتَقْبَلِ، فَكَأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِسالَةَ أصْلًا، أوْ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الآنَ، ولا تَنْتَظِرْ بِهِ كَثْرَةَ الشَوْكَةِ والعُدَّةِ، فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ كُنْتَ كَمَن لَمْ يُبَلِّغْ أصْلًا، أوْ بَلِّغْ ذَلِكَ غَيْرَ خائِفٍ أحَدًا، فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ عَلى هَذا الوَصْفِ، فَكَأنَّكَ لَمْ تُبَلِّغِ الرِسالَةَ أصْلًا، ثُمَّ قالَ مُشَجِّعًا لَهُ في التَبْلِيغِ: ﴿واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ﴾ يَحْفَظُكَ مِنهم قَتْلًا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وإنْ شُجَّ في وجْهِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، أوْ نَزَلَتْ بَعْدَما أصابَهُ ما أصابَهُ. (p-٤٦٢)والناسُ: الكُفّارُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ إنْزالَهُ بِكَ مِنَ الهَلاكِ.
5:68Page 119
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ عَلى دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، حَتّى يُسَمّى شَيْئًا لِبُطْلانِهِ ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ إضافَةُ زِيادَةِ الكُفْرِ والطُغْيانِ إلى القُرْآنِ بِطَرِيقِ التَسْبِيبِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَلا تَتَأسَّفْ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ يَعُودُ إلَيْهِمْ، لا إلَيْكَ.
5:69Page 119
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩
Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِألْسِنَتِهِمْ، وهُمُ المُنافِقُونَ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائِدَةُ: ٤١] ﴿والَّذِينَ هادُوا والصابِئُونَ والنَصارى﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّيِنَ: ارْتَفَعَ الصابِئُونَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والنِيَّةُ بِهِ التَأْخِيرُ عَمّا في حَيِّزِ "إنَّ" مِنِ اسْمِها وخَبَرِها، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادَوْا والنَصارى ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والصابِئُونَ كَذَلِكَ، أيْ: مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فَقَدَّمَهُ وحَذَفَ الخَبَرَ، كَقَوْلِهِ:
؎ فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
أيْ: فَإنِّي لَغَرِيبٌ، وقَيّارٌ كَذَلِكَ، ودَلَّ اللامُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، ولا يَرْتَفِعُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، لِأنَّ ذا لا يَصِحُّ قَبْلَ الفَراغِ مِنَ الخَبَرِ، (p-٤٦٣)لا تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو مُنْطَلِقانِ، وإنَّما يَجُوزُ: إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وعَمْرٌو. والصابِئُونَ مَعَ خَبَرِهِ المَحْذُوفِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" إلى آخِرِهِ. ولا مَحَلَّ لَها، كَما لا مَحَلَّ لِلَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها، وفائِدَةُ التَقْدِيمِ: التَنْبِيهُ عَلى أنَّ الصابِئِينَ -وَهم أبْيَنُ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ ضَلالًا، وأشُدُّهم غَيًّا- يُتابُ عَلَيْهِمْ إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ، فَما الظَنُّ بِغَيْرِهِمْ؟! ومَحَلُّ "مَن آمَنَ" الرَفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَرْطِ، ثُمَّ الجُمْلَةُ كَما هي خَبَرُ "إنَّ" والراجِعُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن آمَنَ مِنهم.
5:70Page 119
لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠
We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.
﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِالتَوْحِيدِ ﴿وَأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾ لِيَقِفُوهم عَلى ما يَأْتُونَ، وما يَذَرُونَ في دِينِهِمْ ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِرُسُلًا، والراجِعُ مَحْذُوفٌ، أيْ: رَسُولٌ مِنهم ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ بِما يُخالِفُ هَواهُمْ، ويُضادُّ شَهَواتِهِمْ مِن مَشاقِّ التَكْلِيفِ، والعَمَلِ بِالشَرائِعِ، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم ناصَبُوهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ جَوابٌ مُسْتَأْنَفٌ لِقائِلٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ: كَيْفَ فَعَلُوا بِرُسُلِهِمْ؟ وقالَ: "يَقْتُلُونَ" بِلَفْظِ المُضارِعِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، اسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَتْلَ مِن شَأْنِهِمْ، وانْتَصَبَ "فَرِيقًا"، و"فَرِيقًا" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ "كَذَّبُوا"، و َ"يَقْتُلُونَ". وقِيلَ: التَكْذِيبُ مُشْتَرَكَ بَيْنَ اليَهُودِ والنَصارى، والقَتْلُ مُخْتَصٌّ بِاليَهُودِ، فَهم قَتَلُوا زَكَرِيّا، ويَحْيى.
5:71Page 120
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (ألّا تَكُونُ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، عَلى أنَّ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، أصْلُهُ: أنَّهُ لا تَكُونُ، فَخُفِّفَتْ أنْ، وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَأْنِ، ونُزِّلَ حُسْبانُهم لِقُوَّتِهِ في صُدُورِهِمْ مَنزِلَةَ العِلْمِ، فَلِذا دَخَلَ فِعْلُ الحُسْبانِ عَلى أنِ الَّتِي هي لِلتَّحْقِيقِ ﴿فِتْنَةٌ﴾ بَلاءٌ وعَذابٌ، أيْ: وحَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم لا يُصِيبُهم مِنَ اللهِ عَذابٌ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ، وتَكْذِيبِ الرُسُلِ، وسَدَّ (p-٤٦٤)ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ صِلَةُ "أنْ"، و"أنْ" مِنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِما رَأوْا، ولا بِما سَمِعُوا، أوْ فَعَمُوا عَنِ الرُشْدِ، وصَمُّوا عَنِ الوَعْظِ ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ رَزَقَهُمُ التَوْبَةَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ، أيِ: الواوُ، وهو بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أُولَئِكَ كَثِيرٌ مِنهم ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ.
5:72Page 120
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ لَمْ يُفَرِّقْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلى النَصارى ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ في عِبادَتِهِ غَيْرَ اللهِ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الَّتِي هي دارُ المُوَحِّدِينَ، أيْ: حَرَمَهُ دُخُولَها، ومَنَعَهُ مِنهُ ﴿وَمَأْواهُ النارُ﴾ أيْ: مَرْجِعُهُ،
﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الكافِرِينَ ﴿مِن أنْصارٍ﴾ وهو مِن كَلامِ اللهِ، أوْ مِن كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.
5:73Page 120
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ: ثالِثُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، والإشْكالُ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائِدَةُ: ١٧] وقالَ في الثانِيَةِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ والجَوابُ: أنَّ بَعْضَ النَصارى كانُوا يَقُولُونَ: كانَ المَسِيحُ بِعَيْنِهِ هو اللهُ، لِأنَّ اللهَ رُبَّما يَتَجَلّى في بَعْضِ الأزْمانِ في شَخْصٍ، فَتَجَلّى في ذَلِكَ الوَقْتِ في شَخْصِ عِيسى، ولِهَذا كانَ يَظْهَرُ مِن شَخْصِ عِيسى أفْعالٌ (p-٤٦٥)لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللهُ، وبَعْضُهم ذَهَبُوا إلى آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ: اللهُ، ومَرْيَمُ، والمَسِيحُ، وأنَّهُ ولَدُ اللهِ مِن مَرْيَمَ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ﴾ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: وما إلَهٌ قَطُّ في الوُجُودِ إلّا إلَهٌ مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، لا ثانِيَ لَهُ، وهو اللهُ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ لِلْبَيانِ كالَّتِي في ﴿فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجُّ: ٣٠] ولَمْ يَقُلْ: لَيَمَسَّنَّهُمْ، لِأنَّ في إقامَةِ الظاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ تَكْرِيرًا لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ بَقُوا عَلى الكُفْرِ مِنهُمْ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنهم تابُوا عَنِ النَصْرانِيَّةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ نَوْعٌ شَدِيدُ الألَمِ مِنَ العَذابِ.
5:74Page 120
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ ألا يَتُوبُونَ -بَعْدَ هَذِهِ الشَهادَةِ المُكَرَّرَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وهَذا الوَعِيدِ الشَدِيدِ- مِمّا هم عَلَيْهِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لِهَؤُلاءِ إنْ تابُوا، ولِغَيْرِهِمْ.
5:75Page 120
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾ فِيهِ نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ عَنْهُ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ﴾ صِفَةُ الرَسُولِ، أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وإبْراؤُهُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وإحْياؤُهُ المَوْتى لَمْ يَكُنْ مِنهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ إلَهًا، بَلِ اللهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ، كَما أحْيا العَصا، وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى عَلى يَدِ مُوسى، وخَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ كَخَلْقِ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرِ وأُنْثى ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ: وما أمُّهُ أيْضًا إلّا كَبَعْضِ النِساءِ المُصَدِّقاتِ لِلْأنْبِياءِ المُؤْمِناتِ بِهِمْ، ووَقَعَ اسْمُ الصِدِّيقَةِ عَلَيْهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التَحْرِيمُ: ١٢]. ثُمَّ أبْعَدَهُما عَمّا نُسِبَ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَعامَ﴾ لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى الِاغْتِذاءِ بِالطَعامِ، (p-٤٦٦)وَما يَتْبَعُهُ مِنَ الهَضْمِ والنَفْضِ لَمْ يَكُنْ إلّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مِن لَحْمٍ، وعَظْمٍ، وعُرُوقٍ، وأعْصابٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَصْنُوعٌ مُؤَلَّفٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الأجْسامِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الأعْلامَ مِنَ الأدِلَّةِ الظاهِرَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وتَأمُّلِهِ بَعْدَ هَذا البَيانِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللهِ تَعالى في ذَهابِهِمْ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ الرَبِّ والمَرْبُوبِ.
5:76Page 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"
﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ هو عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: شَيْئًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَضُرَّكم بِمِثْلِ ما يَضُرُّكم بِهِ اللهُ مِنَ البَلاءِ، والمَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ، ولا أنْ يَنْفَعَكم بِمِثْلِ ما يَنْفَعُكم بِهِ مِن صِحَّةِ الأبْدانِ، والسَعَةِ، والخِصْبِ، لِأنَّ كُلَّ ما يَسْتَطِيعُهُ البَشَرُ مِنَ المَضارِّ والمَنافِعِ فَبِتَخْلِيقِهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ لا يَمْلِكُ مِنهُ شَيْئًا، وهَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ أمْرَهُ مُنافٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ حَيْثُ جَعَلَهُ لا يَسْتَطِيعُ ضَرًّا ولا نَفْعًا، وصِفَةُ الرَبِّ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ عَنْ قُدْرَتِهِ ﴿واللهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ: أتَعْبُدُونَ، أيْ: أتُشْرِكُونَ بِاللهِ، ولا تَخْشَوْنَهُ، وهو الَّذِي يَسْمَعُ ما تَقُولُونَهُ، ويَعْلَمُ ما تَعْتَقِدُونَهُ.
5:77Page 121
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧
Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ الغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، فَغُلُوُّ النَصارى: رَفْعُهُ فَوْقَ قَدْرِهِ بِاسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ، وغُلُوُّ اليَهُودِ: وضْعُهُ عَنِ اسْتِحْقاقِ النُبُوَّةِ ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ، يَعْنِي: غُلُوًّا باطِلًا ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: أسْلافِكِمْ (p-٤٦٧)وَأئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى الضَلالِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ ﴿وَأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ مِمَّنْ شايَعَهم ﴿وَضَلُّوا﴾ لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿عَنْ سَواءِ السَبِيلِ﴾ حِينَ كَذَّبُوهُ، وحَسَدُوهُ، وبَغَوْا عَلَيْهِ.
5:78Page 121
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨
Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قِيلَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَبْتِ، قالَ داوُدُ: اللهُمَّ العَنْهُمْ، واجْعَلْهم آيَةً، فَمُسِخُوا قِرَدَةً. ولَمّا كَفَرَ أصْحابُ عِيسى بَعْدَ المائِدَةِ، قالَ عِيسى: اللهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَ ما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَبْتِ، فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ. وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ذَلِكَ اللَعْنُ بِعِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ.
5:79Page 121
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩
They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.
ثُمَّ فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ﴾ لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ عَنْ قَبِيحٍ فَعَلُوهُ، ومَعْنى وصْفِ المُنْكَرِ بِفَعَلُوهُ -وَلا يَكُونُ النَهْيُ بَعْدَ الفِعْلِ- أنَّهم لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مِثْلِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ، أوِ المُرادُ: لا يَنْتَهُونَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، بَلْ يُصِرُّونَ عَلَيْهِ. يُقالُ: تَناهى عَنِ الأمْرِ، وانْتَهى عَنْهُ: إذا امْتَنَعَ مِنهُ، وتَرَكَهُ، ثُمَّ عَجِبَ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ بِالقَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَرْكَ النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ العَظائِمِ، فَيا حَسْرَةً عَلى المُسْلِمِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْهُ!.
5:80Page 121
تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠
You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.
﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُمُ مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يُوالُونَ المُشْرِكِينَ، ويُصافُونَهم ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ (p-٤٦٨)سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ سَخَطُ اللهِ عَلَيْهِمْ، أيْ: مُوجِبُ سَخَطِ اللهِ ﴿وَفِي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ أيْ: في جَهَنَّمَ.
5:81Page 121
وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١
And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.
﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ إيمانًا خالِصًا بِلا نِفاقٍ ﴿والنَبِيِّ﴾ أيْ: مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْهِ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ، يَعْنِي: أنَّ مُوالاةَ المُشْرِكِينَ تَدُلُّ عَلى نِفاقِهِمْ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ مُسْتَمِرُّونَ في كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، أوْ مَعْناهُ: ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وبِمُوسى وما أُنْزِلَ إلَيْهِ، يَعْنِي: التَوْراةَ، ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ، كَما لَمْ يُوالِهِمُ المُسْلِمُونَ، ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ، خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، فَلا دِينَ لَهم أصْلًا.
5:82Page 121
۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢
You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.
﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ الناسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَجِدَنَّ، و"عَداوَةً" تَمْيِيزٌ ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِمْ ﴿وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ اللامُ تَتَعَلَّقُ بِعَداوَةً ومَوَدَّةً. وصَفَ اليَهُودَ بِشِدَّةِ الشَكِيمَةِ، والنَصارى بِلِينِ العَرِيكَةِ. وجُلُّ اليَهُودِ قُرَناءُ المُشْرِكِينَ في شِدَّةِ العَداوَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ونَبَّهَ عَلى تَقَدُّمِ قِدَمِهِمْ فِيها بِتَقْدِيمِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ أيْ: عُلَماءَ وعُبّادًا ﴿وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَلَّلَ سُهُولَةَ مَأْخَذِ النَصارى، وقُرْبَ مَوَدَّتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، وأنَّ فِيهِمْ تَواضُعًا واسْتِكانَةً، واليَهُودُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِلْمَ أنْفَعُ شَيْءٍ، وأهْداهُ إلى الخَيْرِ، وإنْ كانَ عِلْمُ القِسِّيسِينَ، وكَذا عِلْمُ الآخِرَةِ وإنْ كانَ في راهِبٍ، والبَراءَةُ مِنَ الكِبْرِ وإنْ كانَتْ في نَصْرانِيٍّ.
(p-٤٦٩)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences