An-NasafiAl‑Ma'idah · 5:83–102

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:83–102

5:83Page 122

وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ وصَفَهم بِرِقَّةِ القُلُوبِ، وأنَّهم يَبْكُونَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ، كَما رُوِيَ عَنِ النَجاشِيِّ أنَّهُ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ -حِينَ اجْتَمَعَ في مَجْلِسِهِ المُهاجِرُونَ إلى الحَبَشَةِ والمُشْرِكُونَ وهم يَقْرَءُونَهُ عَلَيْهِمْ-: هَلْ في كِتابِكم ذِكْرُ مَرْيَمَ؟ قالَ جَعْفَرٌ: فِيهِ سُورَةٌ تُنْسَبُ إلى مَرْيَمَ، فَقَرَأها إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مَرْيَمُ: ٣٤] وقَرَأ سُورَةَ طَهَ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طَهَ: ٩] فَبَكى النَجاشِيُّ، وكَذَلِكَ فَعَلَ قَوْمُهُ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهم سَبْعُونَ رَجُلًا، حِينَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يَسْ فَبَكَوْا ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ﴾ تَمْتَلِئُ مِنَ الدَمْعِ حَتّى تَفِيضَ، لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ، أوْ غَيْرُهُ، حَتّى يَطْلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ، فَوُضِعَ الفَيْضُ الَّذِي هو مِنَ الِامْتِلاءِ مَوْضِعَ الِامْتِلاءِ، أوْ قُصِدَتِ المُبالَغَةُ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ، فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها، أيْ: تَسِيلُ مِن أجْلِ البُكاءِ، ومِن في ﴿مِمّا عَرَفُوا﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، عَلى أنَّ فَيْضَ الدَمْعِ ابْتَدَأ، ونَشَأ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ. و"مِن" في ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ لِتَبْيِينِ المَوْصُولِ الَّذِي هو "ما عَرَفُوا"، أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ، فَأبْكاهُمْ، فَكَيْفَ إذا عَرَفُوا كُلَّهُ، وقَرَءُوا القُرْآنَ، وأحاطُوا بِالسُنَّةِ؟! " يَقُولُونَ" حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "عَرَفُوا" ﴿رَبَّنا آمَنّا﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ: إنْشاءُ الإيمانِ، والدُخُولُ فِيهِ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ هم شُهَداءُ عَلى سائِرِ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٣] وقالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم وجَدُوا ذِكْرَهم في الإنْجِيلِ كَذَلِكَ.

5:84Page 122

وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤

And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ، مَعَ قِيامِ مُوجِبِهِ، وهو الطَمَعُ في إنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِصُحْبَةِ الصالِحِينَ، وقِيلَ: لَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ لامُوهُمْ، فَأجابُوهم بِذَلِكَ. و"ما لَنا" مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و"لا نُؤْمِنُ" حالٌ، أيْ: غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ: مالَكَ قائِمًا ؟ ﴿وَما جاءَنا﴾ وبِما جاءَنا ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ (p-٤٧٠)يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ والقُرْآنَ ﴿وَنَطْمَعُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "نُؤْمِنُ" والتَقْدِيرُ: ونَحْنُ نَطْمَعُ ﴿أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا﴾ الجَنَّةَ ﴿مَعَ القَوْمِ الصالِحِينَ﴾ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.

5:85Page 122

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥

So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

﴿فَأثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا﴾ أيْ: بِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا آمَنّا﴾ وتَصْدِيقِهِمْ لِذَلِكَ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإقْرارَ داخِلٌ في الإيمانِ، كَما هو مَذْهَبُ الفُقَهاءِ، وتَعَلَّقَتِ الكَرّامِيَّةُ في أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ القَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما قالُوا﴾ لَكِنَّ الثَناءَ بِفَيْضِ الدَمْعِ في السِياقِ، والإحْسانِ في السِياقِ، يَدْفَعُ ذَلِكَ. وأنّى يَكُونُ مُجَرَّدُ القَوْلِ إيمانًا؟، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةُ: ٨] نَفى الإيمانَ عَنْهم مَعَ قَوْلِهِمْ: " آمِنًا بِاللهِ " لِعَدَمِ التَصْدِيقِ بِالقَلْبِ، وقالَ أهْلُ المَعْرِفَةِ: المَوْجُودُ مِنهم ثَلاثَةُ أشْياءَ: البُكاءُ عَلى الجَفاءِ، والدُعاءُ عَلى العَطاءِ، والرِضا بِالقَضاءِ. فَمَنِ ادَّعى المَعْرِفَةَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الثَلاثَةُ، فَلَيْسَ بِصادِقٍ في دَعْواهُ.

5:86Page 122

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذا أثَرُ الرَدِّ في حَقِّ الأعْداءِ، والأوَّلُ أثَرُ القَبُولِ لِلْأوْلِياءِ ونَزَلَ في جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم حَلَفُوا أنْ يَتَرَهَّبُوا، ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَقُومُوا اللَيْلَ، ويَصُومُوا النَهارَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، ويَجَبُّوا مَذاكِيرَهُمْ، ولا يَأْكُلُوا اللَحْمَ والوَدَكَ، ولا يَقْرَبُوا النِساءَ والطِيبَ.

5:87Page 122

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ ما طابَ، ولَذَّ مِنَ الحَلالِ، ومَعْنى لا تُحَرِّمُوا: لا تَمْنَعُوها أنْفُسَكم كَمَنعِ التَحْرِيمِ، أوْ لا تَقُولُوا: حَرَّمْناها عَلى أنْفُسِنا، مُبالَغَةً مِنكم في العَزْمِ عَلى تَرْكِها تَزَهُّدًا (p-٤٧١)مِنكُمْ، وتَقَشُّفًا. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَأْكُلُ الدَجاجَ والفالُوذَ، وكانَ يُعْجِبُهُ الحَلْواءَ والعَسَلَ، » وقالَ: « "إنَّ المُؤْمِنَ حُلْوٌ يُحِبُّ الحَلاوَةَ" » وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ دُعِيَ إلى طَعامٍ ومَعَهُ فَرَقَدٌ السِنْجِيُّ وأصْحابُهُ، فَقَعَدُوا عَلى المائِدَةِ وعَلَيْها الألْوانُ مِنَ الدَجاجِ المُسَمَّنِ والفالُوذِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فاعْتَزَلَ فَرَقَدٌ ناحِيَةً، فَسَألَ الحَسَنُ: أهُوَ صائِمٌ؟ قالُوا: لا ولَكِنَّهُ يَكْرَهُ هَذِهِ الألْوانَ، فَأقْبَلَ الحَسَنُ عَلَيْهِ وقالَ: يا فُرَيْقِدُ، أتَرى لُعابَ النَحْلِ بِلُبابِ البُرِّ بِخالِصِ السَمْنِ يَعِيبُهُ مُسْلِمٌ؟ وعَنْهُ: أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فُلانٌ لا يَأْكُلُ الفالُوذَ، ويَقُولُ: لا أُؤَدِّي شُكْرَهُ، فَقالَ: أفَيَشْرَبُ الماءَ البارِدَ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: إنَّهُ جاهِلٌ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ في الماءِ البارِدِ أكْبَرُ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ في الفالُوذِ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ ولا تُجاوِزُوا الحَدَّ الَّذِي حُدَّ عَلَيْكم في تَحْلِيلٍ أوْ تَحْرِيمٍ، أوْ ولا تَتَعَدَّوْا حُدُودَ ما أُحِلَّ لَكم إلى ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، أوْ ولا تُسْرِفُوا في تَناوُلِ الطَيِّباتِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ حُدُودَهُ.

5:88Page 122

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨

And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.

﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ حالٌ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ تَوْكِيدٌ لِلتَّوْصِيَةِ بِما أمَرَ بِهِ، وزادَهُ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُوجِبُ التَقْوى فِيما أمَرَ بِهِ، ونَهى.

5:89Page 122

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩

Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَغْوُ في اليَمِينِ: الساقِطُ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وهو أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَرى أنَّهُ كَذَلِكَ ولَيْسَ كَما ظَنَّ، وكانُوا حَلَفُوا عَلى تَحْرِيمِ الطَيِّباتِ عَلى ظَنِّ أنَّهُ قُرْبَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالُوا: فَكَيْفَ بِأيْمانِنا؟ فَنَزَلَتْ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: ما يَجْرِي عَلى اللِسانِ بِلا قَصْدٍ ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ أيْ: بِتَعْقِيدِكُمُ الأيْمانَ، (p-٤٧٢)وَهُوَ تَوْثِيقُها. وبِالتَخْفِيفِ: كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ. والعَقْدُ: العَزْمُ عَلى الوَطْءِ، وذا لا يُتَصَوَّرُ في الماضِي، فَلا كَفّارَةَ في الغَمُوسِ، وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: القَصْدُ بِالقَلْبِ، ويَمِينُ الغَمُوسِ مَقْصُودَةٌ، فَكانَتْ مَعْقُودَةً، فَكانَتِ الكَفّارَةُ فِيها مَشْرُوعَةً. والمَعْنى: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنِثْتُمْ، فَحَذَفَ وقْتَ المُؤاخَذَةِ، لِأنَّهُ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم. أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحُذِفَ المُضافُ ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ أيْ: فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ، أوْ فَكَفّارَةُ مَعْقُودِ الأيْمانِ والكَفّارَةُ الفَعْلَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكَفِّرَ الخَطِيئَةَ، أيْ: تَسْتُرُها ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ هو أنْ يُغَدِّيَهم ويُعَشِّيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطِيَهم بِطَرِيقِ التَمْلِيكِ، وهو لِكُلِّ أحَدٍ نِصْفُ صاعٍ مَن بُرٍّ، أوْ صاعٌ مِن شَعِيرٍ، أوْ صاعٌ مَن تَمْرٍ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: مَدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ أيْ: غَداءً وعَشاءً مِن بُرٍّ: إذِ الأوْسَعُ، ثَلاثُ مَرّاتٍ مَعَ الإدامِ، والأدْنى: مَرَّةٌ مِن تَمْرٍ، أوْ شَعِيرٍ ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "إطْعامٌ" أوْ عَلى مَحَلِّ ﴿مِن أوْسَطِ﴾ ووَجْهُهُ أنْ ﴿مِن أوْسَطِ﴾ بَدَلٌ مِن "إطْعامٌ" والبَدَلُ هو المَقْصُودُ في الكَلامِ، وهو ثَوْبٌ يُغَطِّي العَوْرَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: إزارٌ، أوْ قَمِيصٌ، أوْ رِداءٌ.

﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مُؤْمِنَةٍ، أوْ كافِرَةٍ لِإطْلاقِ النَصِّ، وشَرْطُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ الإيمانَ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في كَفّارَةِ القَتْلِ. ومَعْنى "أوْ" التَخْيِيرُ، وإيجابُ إحْدى الكَفّاراتِ الثَلاثِ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ إحْداها ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ مُتَتابِعَةً، لِقِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ ﴿ذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ،

﴿كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ وحَنِثْتُمْ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الحَنَثِ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِأنَّ الكَفّارَةَ لا تَجِبُ بِنَفْسِ الحَلِفِ، ولِذا لَمْ يَجُزِ التَكْفِيرُ قَبْلَ الحَنَثِ ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ فَبِرُّوا فِيها، ولا تَحْنَثُوا إذا لَمْ يَكُنِ الحَنَثُ خَيْرًا، أوْ ولا تَحْلِفُوا أصْلًا (p-٤٧٣)﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ﴾ أعْلامَ شَرِيعَتِهِ، وأحْكامَهُ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ فِيما يُعَلِّمُكُمْ، ويُسَهِّلُ عَلَيْكُمُ المَخْرَجَ مِنهُ.

5:90Page 123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٩٠

O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allāh], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid1 it that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ أيِ: القِمارُ ﴿والأنْصابُ﴾ الأصْنامُ، لِأنَّها تُنْصَبُ فَتُعْبَدُ ﴿والأزْلامُ﴾ وهي القِداحُ الَّتِي مَرَّتْ ﴿رِجْسٌ﴾ نَجَسٌ، أوْ خَبِيثٌ مُسْتَقْذَرٌ ﴿مِن عَمَلِ الشَيْطانِ﴾ لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ عَمَلُهُ، والضَمِيرُ في ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ يَرْجِعُ إلى الرِجْسِ، أوْ إلى عَمَلِ الشَيْطانِ، أوْ إلى المَذْكُورِ، أوْ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما تَعاطِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ، ولِذا قالَ: "رِجْسٌ" ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أكَّدَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِن وُجُوهٍ، حَيْثُ صَدَّرَ الجُمْلَةَ بِإنَّما، وقَرَنَهُما بِعِبادَةِ الأصْنامِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ"، » وجَعَلَهُما رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَيْطانِ، ولا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَرُّ البَحْتُ، وأمَرَ بِالِاجْتِنابِ وجَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ، وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا كانَ الِارْتِكابُ خَسارًا.

5:91Page 123

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allāh and from prayer. So will you not desist?

﴿إنَّما يُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَلاةِ﴾ ذَكَرَ ما يَتَوَلَّدُ مِنهُما مِنَ الوَبالِ، وهو وُقُوعُ التَعادِي والتَباغُضِ بَيْنَ أصْحابِ الخَمْرِ والقِمارِ، وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الصَدِّ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وعَنْ مُراعاةِ أوْقاتِ الصَلاةِ. وخَصَّ الصَلاةَ مِن بَيْنِ الذِكْرِ لِزِيادَةِ دَرَجَتِها، كَأنَّهُ قالَ: وعَنِ الصَلاةِ خُصُوصًا، وإنَّما جَمَعَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ أوَّلًا، ثُمَّ أفْرَدَهُما آخِرًا، لِأنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وإنَّما نَهاهم عَمّا كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، واللَعِبِ بِالمَيْسِرِ، وذَكَرَ الأنْصابَ والأزْلامَ، لِتَأْكِيدِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وإظْهارِ أنَّ ذَلِكَ جَمِيعًا مِن أعْمالِ أهْلِ الشِرْكِ. فَكَأنَّهُ (p-٤٧٤)لا مُبايَنَةَ بَيْنَ عابِدِ الصَنَمِ وشارِبِ الخَمْرِ والمُقامِرِ، ثُمَّ أفْرَدَهُما بِالذِكْرِ لِيُعْلَمَ أنَّهُما المَقْصُودُ بِالذِكْرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ مِن أبْلَغِ ما يُنْتَهى بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيهِما مِنَ الصَوارِفِ والزَواجِرِ، فَهَلْ أنْتُمْ مَعَ هَذِهِ الصَوارِفِ مُنْتَهُونَ، أمْ أنْتُمْ عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كَأنْ لَمْ تُوعَظُوا، ولَمْ تُزْجَرُوا؟!.

5:92Page 123

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٩٢

And obey Allāh and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ واحْذَرُوا﴾ وكُونُوا حَذِرِينَ خاشِعِينَ، لِأنَّهم إذا حَذِرُوا دَعاهُمُ الحَذَرُ إلى اتِّقاءِ كُلِّ سَيِّئَةٍ، وعَمَلِ كُلِّ حَسَنَةٍ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنْ ذَلِكَ ﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا بِتَوَلِّيكُمُ الرَسُولَ، لِأنَّهُ ما كُلِّفَ إلّا البَلاغَ المُبِينَ بِالآياتِ، وإنَّما ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم حِينَ أعْرَضْتُمْ عَمّا كُلِّفْتُمُوهُ.

5:93Page 123

لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allāh and believe and do righteous deeds, and then fear Allāh and believe, and then fear Allāh and do good; and Allāh loves the doers of good.

وَنَزَلَ فِيمَن تَعاطى شَيْئًا مِنَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قَبْلَ التَحْرِيمِ ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ: شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ، وأكَلُوا مِن مالِ القِمارِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِما ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ الشِرْكَ ﴿وَآمَنُوا﴾ بِاللهِ ﴿وَعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ بَعْدَ الإيمانِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخَمْرَ والمَيْسِرَ بَعْدَ التَحْرِيمِ ﴿وَآمَنُوا﴾ بِتَحْرِيمِهِما.

﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ سائِرَ المُحَرَّماتِ. أوِ الأوَّلُ عَنِ الشِرْكِ، والثانِي: عَنِ المُحَرَّماتِ، والثالِثُ: عَنِ الشُبُهاتِ ﴿وَأحْسَنُوا﴾ إلى الناسِ ﴿واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

5:94Page 123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٤

O you who have believed, Allāh will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allāh may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

وَلَمّا ابْتَلاهُمُ اللهُ بِالصَيْدِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وهم مُحْرِمُونَ، وكَثُرَ عِنْدَهُمْ، حَتّى كانَ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ فَيَسْتَمْكِنُونَ مِن صَيْدِهِ أخْذًا بِأيْدِيهِمْ، وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ، نَزَلَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ ومَعْنى يَبْلُو: يَخْتَبِرُ، وهو مِنَ اللهِ لِإظْهارِ ما عَلِمَ مِنَ العَبْدِ عَلى ما عَلِمَ، لا لِعِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْ. و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، إذْ لا يُحَرَّمُ كُلُّ صَيْدٍ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ لِيَعْلَمَ اللهُ خَوْفَ الخائِفِ مِنهُ بِالِامْتِناعِ عَنِ (p-٤٧٥)الِاصْطِيادِ مَوْجُودًا، كَما كانَ يَعْلَمُ قَبْلَ وُجُودِهِ أنَّهُ يُوجَدُ لِيُثِيبَهُ عَلى عَمَلِهِ، لا عَلى عِلْمِهِ بِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ فَصادَ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الِابْتِلاءِ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قَلَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ. و"تَنالُهُ" صِفَةٌ لِشَيْءٍ.

5:95Page 123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of iḥrām.1 And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allāh] delivered to the Kaʿbah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his matter [i.e., deed]. Allāh has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allāh will take retribution from him. And Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.2

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَيْدَ﴾ أيِ: المَصِيدَ، إذِ القَتْلُ إنَّما يَكُونُ فِيهِ ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ: مُحْرِمُونَ، جَمْعُ حَرامٍ، كَرُدُحٍ في جَمْعِ رَداحٍ. في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "تَقْتُلُوا" ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ: ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، أوْ عالِمًا أنَّ ما يَقْتُلُهُ مِمّا يَحْرُمُ قَتْلُهُ عَلَيْهِ، فَإنْ قَتَلَهُ ناسِيًا لِإحْرامِهِ، أوْ رَمى صَيْدًا وهو يَظُنُّ أنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ فَهو مُخْطِئٌ. وإنَّما شَرَطَ التَعَمُّدَ في الآيَةِ -مَعَ أنَّ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ يَسْتَوِي فِيها العَمْدُ والخَطَأُ- لِأنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ فِيمَن تَعَمَّدَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَنَّ لَهم في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ حِمارُ وحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أبُو اليُسْرِ فَقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ قَتَلْتَ الصَيْدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ، فَنَزَلَتْ. ولِأنَّ الأصْلَ فِعْلُ المُتَعَمِّدِ، والخَطَأُ مُلْحَقٌ بِهِ لِلتَّغْلِيظِ. وعَنِ الزُهْرِيِّ: نَزَلَ الكِتابُ بِالعَمْدِ، ووَرَدَتِ السُنَّةِ بِالخَطَأِ (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ) كُوفِيٌّ. أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ يُماثِلُ ما قَتَلَ مِنَ الصَيْدِ، وهو قِيمَةُ الصَيْدِ، يُقَوَّمُ حَيْثُ صِيدَ، فَإنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَمَنَ هَدْيٍ خُيِّرَ بَيْنَ أنْ يَهْدِيَ مِنَ النَعَمِ ما قَيْمَتُهُ قِيمَةُ الصَيْدِ، وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ طَعامًا فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مَن بُرٍّ، أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا. وعِنْدَ مُحَمَّدٍ والشافِعِيِّ رَحِمَهُما اللهُ تَعالى مِثْلُهُ: نَظِيرُهُ مِنَ النَعَمِ. فَإنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَظِيرٌ مِنَ النَعَمِ فَكَما مَرَّ. "فَجَزاءُ مِثْلِ" عَلى الإضافَةِ، غَيْرُهم. وأصْلُهُ: فَجَزاءٌ مِثْلَ ما قَتَلَ، أيْ: فَعَلَيْهِ أنْ يَجْزِيَ مِثْلَ ما قَتَلَ، ثُمَّ أُضِيفَ، كَما تَقُولُ: عَجِبْتُ مَن ضَرْبٍ زَيْدًا، ثُمَّ مِن ضَرْبِ زَيْدٍ ﴿مِنَ النَعَمِ﴾ حالٌ مِنَ (p-٤٧٦)الضَمِيرِ في قَتَلَ، إذِ المَقْتُولُ يَكُونُ مِنَ النَعَمِ، أوْ صِفَةٌ لِجَزاءٌ ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ حَكَمانِ عادِلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المِثْلَ القِيمَةُ، لِأنَّ التَقْوِيمَ مِمّا يَحْتاجُ إلى النَظَرِ والِاجْتِهادِ دُونَ الأشْياءِ المُشاهَدَةِ، ولِأنَّ المِثْلَ المُطْلَقَ في الكِتابِ، والسُنَّةِ، والإجْماعِ مُقَيَّدٌ بِالصُورَةِ والمَعْنى. أوْ بِالمَعْنى لا بِالصُورَةِ، أوْ بِالصُورَةِ بِلا مَعْنًى. والقِيمَةُ أُرِيدَتْ فِيما لا مِثْلَ لَهُ صُورَةً إجْماعًا، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُها مُرادًا، إذْ لا عُمُومَ لِلْمُشْتَرِكِ. فَإنْ قُلْتَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَعَمِ﴾ يُنافِي تَفْسِيرَ المِثْلِ بِالقِيمَةِ، قُلْتُ: مَن أوْجَبَ القِيمَةَ خُيِّرَ بَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها هَدْيًا، أوْ طَعامًا، أوْ يَصُومَ كَما خَيَّرَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ، فَكانَ " مِنَ النَعَمِ" بَيانًا لِلْهَدْيِ المُشْتَرى بِالقِيمَةِ في أحَدِ وُجُوهِ التَخْيِيرِ، لِأنَّ مَن قَوَّمَ الصَيْدَ واشْتَرى بِالقِيمَةِ هَدْيًا فَأهْداهُ، فَقَدْ جَزى بِمِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَعَمِ، عَلى أنَّ التَخْيِيرَ الَّذِي في الآيَةِ بَيْنَ أنْ يَجْزِيَ بِالهَدْيِ، أوْ يُكَفِّرَ بِالطَعامِ، أوِ الصَوْمِ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا قَوَّمَ ونَظَرَ بَعْدَ التَقْوِيمِ أيَّ الثَلاثَةِ يَخْتارُ؟ فَأمّا إذا عَمَدَ إلى النَظِيرِ، وجَعَلَهُ الواجِبَ وحْدَهُ مِن غَيْرِ تَخْيِيرٍ، فَإذا كانَ شَيْئًا لا نَظِيرَ لَهُ قُوِّمَ حِينَئِذٍ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ الطَعامِ والصِيامِ، فَفِيهِ نُبُوٌّ عَمّا في الآيَةِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ كَيْفَ خَيَّرَ بَيْنَ الأشْياءِ الثَلاثَةِ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا بِالتَقْوِيمِ ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ في بِهِ، أيْ: يَحْكُمُ بِهِ في حالِ الهَدْيِ ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا، لِأنَّ إضافَتَهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ. ومَعْنى بُلُوغِهِ الكَعْبَةَ: أنْ يُذْبَحَ بِالحَرَمِ، فَأمّا التَصَدُّقُ بِهِ فَحَيْثُ شِئْتَ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: في الحَرَمِ.

﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "جَزاءٌ" "طَعامٌ" بَدَلٌ مِن كَفّارَةٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي طَعامٌ. (أوْ كَفّارَةُ طَعامٍ) عَلى الإضافَةِ مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. وهَذِهِ الإضافَةُ لِتَبْيِينِ المُضافِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ كَفارَّةٌ مِن طَعامِ ﴿مَساكِينَ﴾ كَما تَقُولُ: خاتَمُ فِضَّةٍ، أيْ: خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ.

﴿أوْ عَدْلُ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: العَدْلُ: ما عَدَلَ الشَيْءَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ كالصَوْمِ والإطْعامِ، والعِدْلُ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، ومِنهُ: عِدْلا الحَمْلِ. يُقالُ: عِنْدِي غُلامٌ عِدْلَ غُلامِكَ بِالكَسْرِ- إذا كانَ مِن جِنْسِهِ. فَإنْ أُرِيدَ أنَّ قِيمَتَهُ كَقِيمَتِهِ، ولَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ، قِيلَ: هو عَدْلُ غُلامِكَ (p-٤٧٧)-بِالفَتْحِ- ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الطَعامِ ﴿صِيامًا﴾ تَمْيِيزٌ، نَحْوُ: لِي مِثْلُهُ رَجُلًا. والخِيارُ في ذَلِكَ إلى القاتِلِ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ إلى الحَكَمَيْنِ ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ أنْ يُجازِيَ، أوْ يُكَفِّرَ، لِيَذُوقَ سُوءَ عِقابِ عاقِبَةِ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ، والوَبالُ: المَكْرُوهُ، والضَرَرُ الَّذِي يُنالُ في العاقِبَةِ مِن عَمَلِ سُوءٍ لِثِقَلِهِ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المُزَّمِّلُ: ١٦] أيْ: ثَقِيلًا شَدِيدًا، والطَعامُ الوَبِيلُ: الَّذِي يَثْقُلُ عَلى المَعِدَةِ فَلا يُسْتَمْرَأُ.

﴿عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ لَكم مِنَ الصَيْدِ قَبْلَ التَحْرِيمِ ﴿وَمَن عادَ﴾ إلى قَتْلِ الصَيْدِ بَعْدَ التَحْرِيمِ، أوْ في ذَلِكَ الإحْرامِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ﴾ بِالجَزاءِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَهو يَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ ﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ بِإلْزامِ الأحْكامِ.

﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لِمَن جاوَزَ حُدُودَ الإسْلامِ.

5:96Page 124

أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.

﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ مَصِيداتُ البَحْرِ مِمّا يُؤْكَلُ، ومِمّا لا يُؤْكَلُ.

﴿وَطَعامُهُ﴾ وما يُطْعَمُ مِن صَيْدِهِ، والمَعْنى: أُحِلَّ لَكُمُ الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلَّ لَكم أكْلُ المَأْكُولِ مِنهُ، وهو السَمَكُ وحْدَهُ.

﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ: أُحِلَّ لَكم تَمْتِيعًا لَكم ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ ولِلْمُسافِرِينَ، والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم طَعامُهُ تَمْتِيعًا لِتِنائِكم يَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا، ولِسَيّارَتِكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا، كَما تَزَوَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الحُوتَ في مَسِيرِهِ إلى الخَضِرِ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ ما صِيدَ فِيهِ. وهو ما يُفْرِخُ فِيهِ وإنْ كانَ يَعِيشُ في الماءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، كالبَطِّ، فَإنَّهُ يُرى، لِأنَّهُ يَتَوَلَّدُ في البَرِّ، والبَحْرُ لَهُ مَرْعًى، كَما لِلنّاسِ مَتْجَرٌ ﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ مُحْرِمِينَ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في الِاصْطِيادِ في الحَرَمِ، أوْ في الإحْرامِ ﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تُبْعَثُونَ فَيَجْزِيكم عَلى أعْمالِكم.

5:97Page 124

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٩٧

Allāh has made the Kaʿbah, the Sacred House, standing1 for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allāh knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allāh is Knowing of all things.

(p-٤٧٨)﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ﴾ أيْ: صَيَّرَ ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ بَدَلٌ، أوَعَطْفُ بَيانٍ ﴿قِيامًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ جَعَلَ بِمَعْنى خَلَقَ، وقِيامًا: حالٌ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيِ: انْتِعاشًا لَهم في أمْرِ دِينِهِمْ، ونُهُوضًا إلى أغْراضِهِمْ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، لِما يَتِمُّ لَهم مِن أمْرِ حَجِّهِمْ، وعُمْرَتِهِمْ، وأنْواعِ مَنافِعِهِمْ. قِيلَ: لَوْ تَرَكُوهُ عامًا لَمْ يُنْظَرُوا، ولَمْ يُؤَخِّرُوا.

﴿والشَهْرَ الحَرامَ﴾ والشَهْرُ الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ الحَجُّ، وهو ذُو الحِجَّةِ، لِأنَّ في اخْتِصاصِهِ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ بِإقامَةِ مَوْسِمِ الحَجِّ فِيهِ شَأْنًا قَدْ عَلِمَهُ اللهُ، أوْ أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وهِيَ: رَجَبٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ.

﴿والهُدى﴾ ما يُهْدى إلى مَكَّةَ ﴿والقَلائِدَ﴾ والمُقَلَّدُ مِنهُ خُصُوصًا، وهو البُدْنُ، فالثَوابُ فِيهِ أكْثَرُ، وبَهاءُ الحَجِّ مَعَهُ أظْهَرُ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَعْلِ الكَعْبَةِ قِيامًا، أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن حِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ بِتَرْكِ الصَيْدِ، وغَيْرِهِ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَصالِحَ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ، وكَيْفَ لا يَعْلَمُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؟!.

5:98Page 124

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨

Know that Allāh is severe in penalty and that Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَنِ اسْتَخَفَّ بِالحَرَمِ والإحْرامِ ﴿وَأنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لِآثامِ مَن عَظَّمَ المَشاعِرَ العِظامَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالجانِي المُلْتَجِئِ إلى البَلَدِ الحَرامِ.

5:99Page 124

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.

﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ﴾ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أُمِرَ بِهِ، وأنَّ الرَسُولَ قَدْ فَرَغَ مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَبْلِيغِ، وقامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، ولَزِمَتْكُمُ الطاعَةُ، فَلا عُذْرَ لَكم في التَفْرِيطِ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ نِفاقُكُمْ، ووِفاقُكم.

5:100Page 124

قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَيِّبُ﴾ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُبْدُونَ (p-٤٧٩)وَما يَكْتُمُونَ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَسْتَوِي خَبِيثُهم وطَيِّبُهُمْ، بَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَهُما فَيُعاقِبُ الخَبِيثَ، أيِ: الكافِرَ، ويُثِيبُ الطَيِّبَ، أيِ: المُسْلِمَ ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فاتَّقُوا اللهَ﴾ وآثِرُوا الطَيِّبَ -وَإنْ قَلَّ- عَلى الخَبِيثِ -وَإنْ كَثُرَ-. وقِيلَ: هو عامٌّ في حَلالِ المالِ وحَرامِهِ، وصالِحِ العَمَلِ وطالِحِهِ، وجَيِّدِ الناسِ ورَدِيئِهِمْ ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ: العُقُولِ الخالِصَةِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

5:101Page 124

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.

كانُوا يَسْألُونَ النَبِيَّ ﷺ عَنْ أشْياءَ امْتِحانًا، فَنَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ: أصْلُهُ: شَيْئاءُ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ، وهي فَعْلاءُ مِن لَفْظِ شَيْءٍ، وهَمْزَتُها الثانِيَةُ لِلتَّأْنِيثِ، ولِذا لَمْ تَنْصَرِفُ كَحَمْراءَ، وهي مُفْرَدَةٌ لَفْظًا، جَمْعٌ مَعْنًى، ولَمّا اسْتُثْقِلَتِ الهَمْزَتانِ المُجْتَمِعَتانِ قُدِّمَتِ الأُولى الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، فَجُعِلَتْ قَبْلَ الشِينِ، فَصارَ وزْنُها لَفْعاءَ، والجُمْلَةُ الشَرْطِيَّةُ والمَعْطُوفَةُ عَلَيْها، أيْ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ صِفَةٌ لِأشْياءَ، أيْ: وإنْ تَسْألُوا عَنْ هَذِهِ التَكالِيفِ الصَعْبَةِ في زَمانِ الوَحْيِ، وهو مادامَ الرَسُولُ بَيْنَ أظْهُرِكم تُبْدَ لَكم تِلْكَ التَكالِيفُ الَّتِي تَسُوؤُكُمْ، أيْ: تَغُمُّكُمْ، وتَشُقُّ عَلَيْكُمْ، تُؤْمَرُونَ بِتَحَمُّلِها فَتُعَرِّضُونَ أنْفُسَكم لِغَضَبِ اللهِ بِالتَفْرِيطِ فِيها ﴿عَفا اللهُ عَنْها﴾ عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكُمْ، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها ﴿واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاقِبُكم إلّا بَعْدَ الإنْذارِ.

5:102Page 124

قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1

والضَمِيرُ في ﴿قَدْ سَألَها﴾ لا يَرْجِعُ إلى أشْياءَ حَتّى يُعَدّى بِعْنَ، بَلْ يَرْجِعُ إلى المَسْألَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها "لا تَسْألُوا" أيْ: قَدْ سَألَ هَذِهِ المَسْألَةَ ﴿قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ الأوَّلِينَ ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾ صارُوا بِسَبَبِها ﴿كافِرِينَ﴾ كَما عُرِفَ في بَنِي إسْرائِيلَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском