An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
النجم
An-Najm
The Star · Meccan · 62 ayahs
(p-٣٨٩)سُورَةُ "اَلنَّجْمِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والنَجْمِ﴾، أقْسَمَ بِالثُرَيّا، أوْ بِجِنْسِ النُجُومِ،
﴿إذا هَوى﴾، إذا غَرَبَ، أوِ انْتَثَرَ يَوْمَ القِيامَةِ، وجَوابُ القَسَمِ:
53:2Page 526
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢
Your companion [i.e., Muḥammad] has not strayed, nor has he erred,
﴿ما ضَلَّ﴾، عَنْ قَصْدِ الحَقِّ،
﴿صاحِبُكُمْ﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ،
﴿وَما غَوى﴾، في اتِّباعِ الباطِلِ، وقِيلَ: "اَلضَّلالُ": نَقِيضُ الهُدى، و"اَلْغَيُّ": نَقِيضُ الرُشْدِ، أيْ: هو مُهْتَدٍ، راشِدٌ، ولَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ مِن نِسْبَتِكم إيّاهُ إلى الضَلالِ، والغَيِّ.
53:3–4Page 526
وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣
Nor does he speak from [his own] inclination.
إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤
It is not but a revelation revealed,
﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾، وما أتاكم بِهِ مِنَ القُرْآنِ لَيْسَ بِمَنطِقٍ يَصْدُرُ عَنْ هَواهُ ورَأْيِهِ، إنَّما هو وحْيٌ مِن عِنْدِ اللهِ، يُوحى إلَيْهِ، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن لا يَرى الِاجْتِهادَ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -، ويُجابُ بِأنَّ اللهَ (تَعالى) إذا سَوَّغَ لَهم الِاجْتِهادَ وقَرَّرَهم عَلَيْهِ كانَ كالوَحْيِ، لا نُطْقًا عَنِ الهَوى.
53:5Page 526
عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥
Taught to him by one intense in strength [i.e., Gabriel] -
﴿عَلَّمَهُ﴾، عَلَّمَ مُحَمَّدًا - ﷺ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾، مَلَكٌ شَدِيدٌ قُواهُ، والإضافَةُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، لِأنَّها إضافَةُ الصِفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، وهو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -، عِنْدَ الجُمْهُورِ، ومِن قُوَّتِهِ أنَّهُ اقْتَلَعَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الماءِ الأسْوَدِ، وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ، ورَفَعَها إلى السَماءِ، ثُمَّ قَلَبَها، وصاحَ صَيْحَةً بِثَمُودَ، فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ.
(p-٣٩٠)﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ ذُو مَنظَرٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -،
﴿فاسْتَوى﴾، فاسْتَقامَ عَلى صُورَةِ نَفْسِهِ الحَقِيقِيَّةِ، دُونَ الصُورَةِ الَّتِي كانَ يَتَمَثَّلُ بِها كُلَّما هَبَطَ بِالوَحْيِ، وكانَ يَنْزِلُ في صُورَةِ دِحْيَةَ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أحَبَّ أنْ يَراهُ في صُورَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها، فاسْتَوى لَهُ في الأُفُقِ الأعْلى، وهو أُفُقُ الشَمْسِ، فَمَلَأ الأُفُقَ، وقِيلَ: ما رَآهُ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - في صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ، مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً في السَماءِ.
﴿وَهُوَ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ﴿بِالأُفُقِ الأعْلى﴾، مَطْلَعِ الشَمْسِ.
﴿ثُمَّ دَنا﴾، جِبْرِيلُ، مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ،
﴿فَتَدَلّى﴾، فَزادَ في القُرْبِ، و"اَلتَّدَلِّي"، هو النُزُولُ بِقُرْبِ الشَيْءِ.
53:9Page 526
فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩
And was at a distance of two bow lengths or nearer.
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾، مِقْدارَ قَوْسَيْنِ عَرَبِيَّتَيْنِ، وقَدْ جاءَ التَقْدِيرُ بِالقَوْسِ، والرُمْحِ، والسَوْطِ، والذِراعِ، والباعِ، ومِنهُ: "لا صَلاةَ إلى أنْ تَرْتَفِعَ الشَمْسُ مِقْدارَ رُمْحَيْنِ"، وفي الحَدِيثِ: "لَقابُ قَوْسِ أحَدِكم مِنَ الجَنَّةِ، ومَوْضِعُ قَدِّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا وما فِيها"، و"اَلْقَدُّ": اَلسَّوْطُ، وتَقْدِيرُهُ: "فَكانَ مِقْدارُ مَسافَةِ قُرْبِهِ مِثْلَ قابِ قَوْسَيْنِ"، فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ،
﴿أوْ أدْنى﴾ أيْ: عَلى تَقْدِيرِكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وهَذا لِأنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ، ومِقْدارِ فَهْمِهِمْ، وهم يَقُولُونَ: "هَذا قَدْرُ رُمْحَيْنِ، أوْ أنْقَصُ"، وقِيلَ: "بَلْ أدْنى".
53:10Page 526
فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠
And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].
﴿فَأوْحى﴾، جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿إلى عَبْدِهِ﴾، إلى عَبْدِ اللهِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِاسْمِهِ ذِكْرٌ، لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ [فاطر: ٤٥] ﴿ما أوْحى﴾، تَفْخِيمٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، قِيلَ: « "أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى تَدْخُلَها، وعَلى الأُمَمِ حَتّى تَدْخُلَها أُمَّتُكَ" ».
﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾، فُؤادُ مُحَمَّدٍ،
﴿ما رَأى﴾، ما رَآهُ بِبَصَرِهِ مِن صُورَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، أيْ: ما قالَ فُؤادُهُ لَمّا رَآهُ: "لَمْ أعْرِفْكَ"، ولَوْ قالَ ذَلِكَ لَكانَ كاذِبًا، لِأنَّهُ عَرَفَهُ، يَعْنِي أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وعَرَفَهُ بِقَلْبِهِ، ولَمْ يَشُكَّ في أنَّ ما رَآهُ حَقٌّ، (p-٣٩١)وَقِيلَ: اَلْمَرْئِيُّ هو اللهُ - سُبْحانَهُ -، رَآهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ، وقِيلَ بِقَلْبِهِ،
﴿أفَتُمارُونَهُ﴾، أفَتُجادِلُونَهُ، مِن "اَلْمِراءُ"، وهو المُجادَلَةُ، واشْتِقاقُهُ مِن "مَرْيُ الناقَةِ"، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَجادِلَيْنِ يَمْرِي ما عِنْدَ صاحِبِهِ، "أفَتَمْرُونَهُ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ"، "أفَتَغْلِبُونَهُ في المِراءِ؟!"، مِن "مارَيْتُهُ فَمَرَيْتُهُ"، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى الغَلَبَةِ، قالَ: ﴿عَلى ما يَرى﴾، فَعَدّى بِـ "عَلى"، كَما تَقُولُ: "غَلَبْتُهُ عَلى كَذا"، وقِيلَ: "أفَتَمْرُونَهُ": أفَتَجْحَدُونَهُ؟! يُقالُ: "مَرَيْتُهُ حَقَّهُ"، إذا جَحَدْتَهُ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى"، لا تَصِحُّ إلّا عَلى مَذْهَبِ التَضْمِينِ.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾، رَأى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِما السَلامُ -،
﴿نَـزْلَةً أُخْرى﴾، مَرَّةً أُخْرى، مِن "اَلنُّزُولُ"، نُصِبَتِ النَزْلَةُ نَصْبَ الظَرْفِ الَّذِي هو "مَرَّةً"، لِأنَّ الفَعْلَةَ اسْمٌ لِلْمَرَّةِ، مِن "اَلْفَعْلُ"، فَكانَتْ في حُكْمِها، أيْ: نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - نَزْلَةً أُخْرى في صُورَةِ نَفْسِهِ، فَرَآهُ عَلَيْها، وذَلِكَ لَيْلَةَ المِعْراجِ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾، اَلْجُمْهُورُ عَلى أنَّها شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَماءِ السابِعَةِ، عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، و"اَلْمُنْتَهى"، بِمَعْنى: "مَوْضِعُ الِانْتِهاءِ"، أوْ "اَلِانْتِهاءُ"، كَأنَّها في مُنْتَهى الجَنَّةِ، وآخِرِها، وقِيلَ: لَمْ يُجاوِزْها أحَدٌ، وإلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ المَلائِكَةِ، وغَيْرُهُمْ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ ما وراءَها، وقِيلَ: تَنْتَهِي إلَيْها أرْواحُ الشُهَداءِ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ أيْ: اَلْجَنَّةُ الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها المُتَّقُونَ، وقِيلَ: تَأوِي إلَيْها أرْواحُ الشُهَداءِ.
53:16Page 526
إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ١٦
When there covered the Lote Tree that which covered [it].1
﴿إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى﴾ أيْ: رَآهُ إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى، وهو تَعْظِيمٌ، وتَكْثِيرٌ لِما يَغْشاها، فَقَدْ عُلِمَ بِهَذِهِ العِبارَةِ أنَّ ما يَغْشاها مِنَ الخَلائِقِ - الدالَّةِ عَلى عَظَمَةِ اللهِ (تَعالى)، وجَلالِهِ - أشْياءُ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقَدْ قِيلَ: يَغْشاها الجَمُّ الغَفِيرُ مِنَ المَلائِكَةِ، يَعْبُدُونَ اللهَ (تَعالى) عِنْدَها، وقِيلَ: يَغْشاها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ.
53:17Page 526
مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧
The sight [of the Prophet (ﷺ)] did not swerve, nor did it transgress [its limit].
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾، بَصَرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ما عَدَلَ عَنْ رُؤْيَةِ العَجائِبِ الَّتِي مَرَّ بِرُؤْيَتِها، ومُكِّنَ مِنها،
﴿وَما طَغى﴾، وما جاوَزَ ما أُمِرَ بِرُؤْيَتِهِ.
53:18Page 526
لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ ١٨
He certainly saw of the greatest signs of his Lord.
(p-٣٩٢)﴿لَقَدْ رَأى﴾، "واللهِ لَقَدْ رَأى"،
﴿مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾، اَلآياتِ الَّتِي هي كُبْراها وعُظْماها، يَعْنِي: حِينَ رُقِيَ بِهِ إلى السَماءِ، فَأُرِيَ عَجائِبَ المَلَكُوتِ.
53:19–20Page 526
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ١٩
So have you considered al-Lāt and al-ʿUzzā?
وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ٢٠
And Manāt, the third - the other one?1
﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ﴾ أيْ: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -، هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ؟! "اَللّاتُ"، و"اَلْعُزّى"، و"مَناةُ": أصْنامٌ لَهُمْ، وهي مُؤَنَّثاتٌ، فَـ "اَللّاتُ"، كانَ لِثَقِيفٍ، بِالطائِفِ، وقِيلَ: كانَتْ بِنَخْلَةٍ تَعْبُدُها قُرَيْشٌ، وهي "فَعْلَةٌ"، مِن "لَوى"، لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها، ويَعْكُفُونَ لِلْعِبادَةِ، و"اَلْعُزّى"، كانَتْ لِغَطَفانَ، وهي سَمُرَةٌ، وأصْلُها تَأْنِيثُ "اَلْأعَزُّ"، وقَطَعَها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، و"مَناةُ"، صَخْرَةٌ كانَتْ لِهُذَيْلٍ، وخُزاعَةَ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وكَأنَّها سُمِّيَتْ "مَناةَ"، لِأنَّ دِماءَ النَسائِكِ كانَتْ تُمْنى عِنْدَها، أيْ: تُراقُ، "وَمَناءَةَ"، "مَكِّيٌّ"، "مَفْعَلَةٌ"، مِن "اَلنَّوْءُ"، كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ، تَبَرُّكًا بِها،
﴿الأُخْرى﴾، هي صِفَةُ ذَمٍّ، أيْ: اَلْمُتَأخِّرَةَ، الوَضِيعَةَ المِقْدارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أيْ: وُضَعاؤُهم لِرُؤَسائِهِمْ، وأشْرافِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأوَّلِيَّةُ والتَقَدُّمُ عِنْدَهم لِلّاتِ، والعُزّى، كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ الأصْنامَ، بَناتُ اللهِ، وكانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللهِ، مَعَ وأْدِهِمُ البَناتِ، وكَراهَتِهِمْ لَهُنَّ، فَقِيلَ لَهُمْ:
53:21–22Page 526
أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ ٢١
Is the male for you and for Him the female?
تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ ٢٢
That, then, is an unjust division.1
﴿ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ: "جَعْلُكم لِلَّهِ البَناتِ، ولَكُمُ البَنِينَ، قِسْمَةٌ ضِيزى، أيْ: جائِرَةٌ، مِن "ضازَهُ، يَضِيزُهُ"، إذا أضامَهُ، و"ضِيزى"، "فُعْلى"، إذْ لا "فِعْلى"، في النُعُوتِ، فَكُسِرَتِ الضادُ لِلْياءِ، كَما قِيلَ: "بِيضٌ"، وهو "بُوضٌ"، مِثْلُ "حُمْرٌ"، و"سُودٌ"، "ضِئْزى"، بِالهَمْزِ، "مَكِّيٌّ"، مِن "ضَأزَهُ"، مِثْلُ "ضازَهُ".
53:23Page 526
إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣
They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.
﴿إنْ هِيَ﴾، ما الأصْنامُ،
﴿إلا أسْماءٌ﴾، لَيْسَ تَحْتَها في الحَقِيقَةِ مُسَمَّياتٌ، لِأنَّكم تَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِما هو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنها، وأشَدُّ مُنافاةً لَها،
﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ: سَمَّيْتُمْ بِها، يُقالُ: "سَمَّيْتُهُ زَيْدًا"، و"سَمَّيْتُهُ بِزَيْدٍ"،
﴿أنْتُمْ وآباؤُكم ما (p-٣٩٣)أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾، حُجَّةٍ،
﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ﴾، إلّا تَوَهُّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ،
﴿وَما تَهْوى الأنْفُسُ﴾، وما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهُمْ،
﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾، اَلرَّسُولُ، والكِتابُ، فَتَرَكُوهُ، ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.
﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾، هي "أمْ"، اَلْمُنْقَطِعَةُ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ، أيْ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ - يَعْنِي الكافِرَ - ما تَمَنّى، مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ، أوْ مِن قَوْلِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقِيلَ: هو تَمَنِّي بَعْضِهِمْ أنْ يَكُونَ هو النَبِيَّ.
53:25Page 526
فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥
Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].
﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ: هو مالِكُهُما، ولَهُ الحُكْمُ فِيهِما، يُعْطِي النُبُوَّةَ، والشَفاعَةَ مَن شاءَ وارْتَضى، لا مَن تَمَنّى.
53:26Page 526
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.
﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾، يَعْنِي أنَّ أمْرَ الشَفاعَةِ ضَيِّقٌ، فَإنَّ المَلائِكَةَ - مَعَ قُرْبَتِهِمْ، وكَثْرَتِهِمْ - لَوْ شَفَعُوا بِأجْمَعِهِمْ لِأحَدٍ لَمْ تُغْنِ شَفاعَتُهم شَيْئًا قَطُّ، ولَمْ تَنْفَعْ، إلّا إذا شَفَعُوا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لَهم في الشَفاعَةِ، لِمَن يَشاءُ الشَفاعَةَ لَهُ، ويَرْضاهُ، ويَراهُ أهْلًا لِأنْ يُشْفَعَ لَهُ، فَكَيْفَ تَشْفَعُ الأصْنامُ إلَيْهِ لَعَبَدَتِهِمْ؟!
53:27Page 527
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ،
﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾، لِأنَّهم إذا قالُوا: اَلْمَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَقَدْ سَمَّوْا كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِنْتًا، وهي تَسْمِيَةُ الأُنْثى.
53:28Page 527
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.
﴿وَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: بِما يَقُولُونَ، وقُرِئَ بِها، أيْ: بِالمَلائِكَةِ، أوِ التَسْمِيَةِ،
﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ﴾، هو تَقْلِيدُ الآباءِ،
﴿وَإنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: إنَّما يُعْرَفُ الحَقُّ - الَّذِي هو حَقِيقَةُ الشَيْءِ، وما هو عَلَيْهِ - بِالعِلْمِ، والتَيَقُّنِ، لا بِالظَنِّ، والتَوَهُّمِ.
53:29Page 527
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.
﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾، فَأعْرِضْ عَمَّنْ رَأيْتَهُ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ (p-٣٩٤)اللهِ، أيْ: اَلْقُرْآنِ،
﴿وَلَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُنْيا﴾
53:30Page 527
ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠
That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: اِخْتِيارُهُمُ الدُنْيا، والرِضا بِها،
﴿مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾، مُنْتَهى عِلْمِهِمْ،
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ: هو أعْلَمُ بِالضالِّ، والمُهْتَدِي، ومَجازِيهِما.
53:31Page 527
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -
﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾، بِعِقابِ ما عَمِلُوا مِنَ السُوءِ، أوْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ السُوءِ،
﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾، بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، أوْ بِسَبَبِ الأعْمالِ الحُسْنى، والمَعْنى أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّما خَلَقَ العالَمَ وسَوّى هَذِهِ المَلَكُوتَ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ مِنَ المُكَلِّفِينَ، والمُسِيءَ مِنهُمْ، إذِ المَلِكُ أهْلٌ لِنَصْرِ الأوْلِياءِ، وقَهْرِ الأعْداءِ.
53:32Page 527
ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢
Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.
﴿الَّذِينَ﴾، بَدَلٌ أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى المَدْحِ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ،
﴿يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: اَلْكَبائِرَ مِنَ الإثْمِ، لِأنَّ الإثْمَ جِنْسٌ يَشْتَمِلُ عَلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، و"اَلْكَبائِرُ": اَلذُّنُوبُ الَّتِي يَكْبُرُ عِقابُها، "كَبِيرَ"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، أيْ: اَلنَّوْعَ الكَبِيرَ مِنهُ،
﴿والفَواحِشَ﴾، ما فَحُشَ مِنَ الكَبائِرِ، كَأنَّهُ قالَ: "والفَواحِشَ مِنها خاصَّةً"، قِيلَ: "اَلْكَبائِرُ": ما أوْعَدَ اللهُ عَلَيْهِ النارَ، و"اَلْفَواحِشُ": ما شَرَعَ فِيها الحَدَّ،
﴿إلا اللَمَمَ﴾ أيْ: اَلصَّغائِرَ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكَبائِرِ، والفَواحِشِ، وهو كالنَظْرَةِ، والقُبْلَةِ، واللَمْسَةِ، والغَمْزَةِ،
﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾، فَيَغْفِرُ ما شاءَ مِنَ الذُنُوبِ، مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ،
﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكُمْ﴾ أيْ: أباكُمْ،
﴿مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾، جَمْعُ "جَنِينٌ"،
﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾، فَلا تَنْسُبُوها إلى زَكاءِ العَمَلِ، وزِيادَةِ الخَيْرِ والطاعاتِ، أوْ إلى الزَكاةِ، والطَهارَةِ مِنَ المَعاصِي، ولا تُثْنُوا عَلَيْها، واهْضِمُوها، فَقَدْ عَلِمَ اللهُ الزَكِيَّ مِنكُمْ، والتَقِيَّ، أوَّلًا وآخِرًا، قَبْلَ أنْ يُخْرِجَكم مِن صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، وقَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ، وقِيلَ: كانَ ناسٌ يَعْمَلُونَ أعْمالًا حَسَنَةً ثُمَّ يَقُولُونَ: "صَلاتُنا، وصِيامُنا، وحَجُّنا"، فَنَزَلَتْ، وهَذا إذا كانَ عَلى سَبِيلِ الإعْجابِ أوِ الرِياءِ، لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِرافِ بِالنِعْمَةِ، فَإنَّهُ جائِزٌ، لِأنَّ المَسَرَّةَ بِالطاعَةِ طاعَةٌ، وذِكْرُها شُكْرٌ، (p-٣٩٥)﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾، فاكْتَفُوا بِعِلْمِهِ عَنْ عِلْمِ الناسِ، وبِجَزائِهِ عَنْ ثَناءِ الناسِ.
﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾، أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ.
﴿وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾، قَطَعَ عَطِيَّتَهُ، وأمْسَكَ، وأصْلُهُ "إكْداءُ الحافِرِ"، وهو أنْ تَلْقاهُ كُدْيَةً، وهي صَلابَةٌ، كالصَخْرَةِ، فَيُمْسِكُ عَنِ الحَفْرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "فِيمَن كَفَرَ بَعْدَ الإسْلامِ"، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكانَ قَدِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَعَيَّرَهُ بَعْضُ الكافِرِينَ، وقالَ لَهُ: تَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ، وزَعَمْتَ أنَّهم في النارِ؟! قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللهِ، فَضَمِنَ لَهُ إنْ هو أعْطاهُ شَيْئًا مِن مالِهِ، ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ، أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللهِ، فَفَعَلَ، وأعْطى الَّذِي عاتَبَهُ بَعْضَ ما كانَ ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ بِهِ، ومَنَعَهُ.
53:35Page 527
أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥
Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1
﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾، فَهو يَعْلَمُ أنَّ ما ضَمِنَهُ مِن عَذابِ اللهِ حَقٌّ؟!
53:36Page 527
أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦
Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses
﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾، يُخْبَرْ،
﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ أيْ: اَلتَّوْراةِ.
﴿وَإبْراهِيمَ﴾ أيْ: وفي صُحُفِ إبْراهِيمَ،
﴿الَّذِي وفّى﴾ أيْ: وفَّرَ، وأتَمَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وإطْلاقُهُ لِيَتَناوَلَ كُلَّ وفاءٍ وتَوْفِيَةٍ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا، والتَشْدِيدُ مُبالَغَةٌ في الوَفاءِ، وعَنِ الحَسَنِ: "ما أمَرَهُ اللهُ بِشَيْءٍ إلّا وفّى بِهِ"، وعَنْ عَطاءِ بْنِ السائِبِ: "عَهِدَ ألّا يَسْألَ مَخْلُوقًا، فَلَمّا قُذِفَ في النارِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: "ألَكَ حاجَةٌ؟"، فَقالَ: "أمّا إلَيْكَ فَلا"، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "وَفّى عَمَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ، بِأرْبَعِ رَكْعاتٍ في صَدْرِ النَهارِ، وهي صَلاةُ الضُحى"، » ورُوِيَ: « "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللهَ خَلِيلَهُ "اَلَّذِي وفّى؟ كانَ يَقُولُ إذا أصْبَحَ، وإذا أمْسى: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧]، إلى ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] "، » وقِيلَ: "وَفّى سِهامَ الإسْلامِ، وهي ثَلاثُونَ، عَشَرَةٌ في "اَلتَّوْبَةِ": "اَلتّائِبُونَ... "، وعَشَرَةٌ في "اَلْأحْزابِ": "إنَّ المُسْلِمِينَ... "، وعَشَرَةٌ في "اَلْمُؤْمِنُونَ": "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ... "، (p-٣٩٦)ثُمَّ أعْلَمَ بِما في صُحُفِ مُوسى، وإبْراهِيمَ، فَقالَ:
53:38Page 527
أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨
That no bearer of burdens will bear the burden of another
﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، "تَزِرُ"، مِن "وَزَرَ، يَزِرُ"، إذا اكْتَسَبَ وِزْرًا، وهو الإثْمُ، و"أنْ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، والمَعْنى: "أنَّهُ لا تَزِرُ"، والضَمِيرُ ضَمِيرُ الشَأْنِ، ومَحَلُّ "أنْ"، وما بَعْدَها الجَرُّ، بَدَلًا مِن "ما في صُحُفِ مُوسى"، أوِ الرَفْعُ، عَلى "هُوَ أنْ لا تَزِرُ"، كَأنَّ قائِلًا قالَ: "وَما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ؟"، فَقِيلَ: "أنْ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى"، أيْ: "أنْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ ذَنْبَ نَفْسٍ".
53:39Page 527
وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩
And that there is not for man except that [good] for which he strives
﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾، إلّا سَعْيُهُ، وهَذِهِ أيْضًا مِمّا في صُحُفِ إبْراهِيمَ، ومُوسى، وأمّا ما صَحَّ في الأخْبارِ مِنَ الصَدَقَةِ عَنِ المَيْتِ، والحَجِّ عَنْهُ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ، لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُ إلّا مَبْنِيًّا عَلى سَعْيِ نَفْسِهِ، وهو أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، كانَ سَعْيُ غَيْرِهِ كَأنَّهُ سَعْيُ نَفْسِهِ، لِكَوْنِهِ تابِعًا لَهُ، وقائِمًا بِقِيامِهِ، ولِأنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لا يَنْفَعُهُ إذا عَمِلَهُ لِنَفْسِهِ، ولَكِنْ إذا نَواهُ بِهِ، فَهو بِحُكْمِ الشَرْعِ كالنائِبِ عَنْهُ، والوَكِيلِ القائِمِ مَقامَهُ.
﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ: يَرى هو سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في مِيزانِهِ.
53:41Page 527
ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١
Then he will be recompensed for it with the fullest recompense -
﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾، ثُمَّ يُجْزى العَبْدُ سَعْيَهُ، يُقالُ: "جَزاهُ اللهُ عَمَلَهُ"، و"جَزاهُ عَلى عَمَلِهِ"، بِحَذْفِ الجارِّ، وإيصالِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْجَزاءِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾، أوْ أبْدَلَهُ عَنْهُ.
﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾، هَذا كُلُّهُ في الصُحُفِ الأُولى، و"اَلْمُنْتَهى": مَصْدَرٌ بِمَعْنى "اَلِانْتِهاءُ"، أيْ: يَنْتَهِي إلَيْهِ الخَلْقُ، ويُرْجَعُونَ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢]
﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾، خَلَقَ الضَحِكَ والبُكاءَ، وقِيلَ: خَلَقَ الفَرَحَ والحُزْنَ، وقِيلَ: أضْحَكَ المُؤْمِنِينَ في العُقْبى بِالمَواهِبِ، وأبْكاهم في الدُنْيا بِالنَوائِبِ.
﴿وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾، قِيلَ: أماتَ الآباءَ، وأحْيا الأبْناءَ، أوْ أماتَ بِالكُفْرِ، وأحْيا بِالإيمانِ، أوْ أماتَ هُنا، وأحْيا ثَمَّةَ.
53:45Page 528
وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥
And that He creates the two mates - the male and female -
No commentary for this ayah
﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾، إذا تُدْفَقُ في الرَحِمِ، (p-٣٩٧)يُقالُ: "مَنى"، و"أمْنى".
53:47Page 528
وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧
And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.
﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَشْأةَ الأُخْرى﴾، اَلْإحْياءَ بَعْدَ المَوْتِ.
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾، وأعْطى القِنْيَةَ، وهي المالُ الَّذِي تَأثَّلْتَهُ وعَزَمْتَ ألّا تُخْرِجَهُ مِن يَدِكَ.
﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِعْرى﴾، هو كَوْكَبٌ يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَتْ خُزاعَةُ تَعْبُدُها، فَأعْلَمَ اللهُ أنَّهُ رَبُّ مَعْبُودِهِمْ هَذا.
53:50Page 528
وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠
And that He destroyed the first [people of] ʿAad
﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾، هم قَوْمُ هُودٍ، وعادٌ الأُخْرى: إرَمُ، "عادَ اللُولى"، "مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ غَيْرَ سَهْلٍ"، بِإدْغامِ التَنْوِينِ في اللامِ، وطَرْحِ هَمْزَةِ "أُولى"، ونَقْلِ ضَمَّتِها إلى لامِ التَعْرِيفِ.
﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾، "حَمْزَةُ وعاصِمٌ"، اَلْباقُونَ: "وَثَمُودًا"، وهو مَعْطُوفٌ عَلى "عادًا"، ولا يُنْصَبُ بِـ "فَما أبْقى"، لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، لا تَقُولُ: "زَيْدًا فَضَرَبْتُ"، وكَذا ما بَعْدَ النَفْيِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، والمَعْنى: "وَأهْلَكَ ثَمُودَ فَما أبْقاهُمْ".
53:52Page 528
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢
And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ: وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ،
﴿مِن قَبْلُ﴾، مِن قَبْلِ عادٍ، وثَمُودَ،
﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾، مِن عادٍ، وثَمُودَ، لِأنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتّى لا يَكُونُ بِهِ حَراكٌ، ويُنَفِّرُونَ عَنْهُ، حَتّى كانُوا يُحَذِّرُونَ صِبْيانَهم أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences