An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الحديد
Al-Hadid
The Iron · Medinan · 29 ayahs
57:1Page 537
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
(p-٤٣٢)سُورَةُ "اَلْحَدِيدِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، جاءَ في بَعْضِ الفَواتِحِ "سَبَّحَ"، بِلَفْظِ الماضِي، وفي بَعْضِها بِلَفْظِ المُضارِعِ، وفي "بَنِي إسْرائِيلَ "، بِلَفْظِ المَصْدَرِ، وفي "اَلْأعْلى"، بِلَفْظِ الأمْرِ، اسْتِيعابًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ مِن جَمِيعِ جِهاتِها، وهي أرْبَعٌ: اَلْمَصْدَرُ، والماضِي، والمُضارِعُ، والأمْرُ، وهَذا الفِعْلُ قَدْ عُدِّيَ بِاللامِ تارَةً، وبِنَفْسِهِ أُخْرى، في قَوْلِهِ: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، وأصْلُهُ التَعَدِّي بِنَفْسِهِ، لِأنَّ مَعْنى "سَبَّحْتُهُ"، بَعَّدْتُهُ مِنَ السُوءِ، مَنقُولٌ مِن "سَبَحَ"، إذا ذَهَبَ وبَعُدَ، فاللامُ إمّا أنْ تَكُونَ مِثْلَ اللامِ في "نَصَحْتُهُ"، و"نَصَحْتُ لَهُ"، وإمّا أنْ يُرادَ بِـ "سَبَّحَ لِلَّهِ": اِكْتَسَبَ التَسْبِيحَ لِأجْلِ اللهِ، ولِوَجْهِهِ خالِصًا،
﴿ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾، ما يَتَأتّى مِنهُ التَسْبِيحُ، ويَصِحُّ،
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾، اَلْمُنْتَقِمُ مِن مُكَلَّفٍ لَمْ يُسَبِّحْ لَهُ عِنادًا،
﴿الحَكِيمُ﴾، في مُجازاةِ مَن سَبَّحَ لَهُ انْقِيادًا.
57:2Page 537
لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢
His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.
﴿لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، لا لِغَيْرِهِ، ومَوْضِعُ ﴿يُحْيِي﴾ [الأعراف: ١٥٨] رَفْعٌ، أيْ: هو يُحْيِي المَوْتى،
﴿وَيُمِيتُ﴾، اَلْأحْياءَ، أوْ نَصْبٌ، أيْ: لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ مُحْيِيًا، ومُمِيتًا،
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
57:3Page 537
هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣
He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.
﴿هُوَ الأوَّلُ﴾، هو القَدِيمُ، الَّذِي كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ،
﴿والآخِرُ﴾، اَلَّذِي يَبْقى (p-٤٣٣)بَعْدَ هَلاكِ كُلِّ شَيْءٍ،
﴿والظاهِرُ﴾، بِالأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلَيْهِ،
﴿والباطِنُ﴾، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالحَواسِّ، وإنْ كانَ مَرْئِيًّا، والواوُ الأُولى مَعْناها الدَلالَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الصِفَتَيْنِ، الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ، والثالِثَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الظُهُورِ والخَفاءِ، وأمّا الوُسْطى، فَعَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ومَجْمُوعِ الصِفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، فَهو المُسْتَمِرُّ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، الماضِيَةِ، والآتِيَةِ، وهو في جَمِيعِها ظاهِرٌ، وباطِنٌ، وقِيلَ: "اَلظّاهِرُ": اَلْعالِي عَلى كُلِّ شَيْءِ، الغالِبُ لَهُ، مِن "ظَهَرَ عَلَيْهِ"، إذا عَلاهُ وغَلَبَهُ، و"اَلْباطِنُ": اَلَّذِي بَطَنَ كُلَّ شَيْءِ، أيْ: عَلَمَ باطِنَهُ،
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
57:4Page 538
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤
It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾، عَنِ الحَسَنِ: "مِن أيّامِ الدُنْيا"، ولَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في طَرْفَةِ عَيْنٍ لَفَعَلَ، ولَكِنْ جَعَلَ السِتَّةَ أصْلًا، لِيَكُونَ عَلَيْها المَدارُ،
﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾، اِسْتَوْلى،
﴿عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾، ما يَدْخُلُ في الأرْضِ مِنَ البَذْرِ، والقَطْرِ، والكُنُوزِ، والمَوْتى،
﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾، مِنَ النَباتِ، وغَيْرِهِ،
﴿وَما يَنْـزِلُ مِنَ السَماءِ﴾، مِنَ المَلائِكَةِ، والأمْطارِ،
﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾، مِنَ الأعْمالِ، والدَعَواتِ،
﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾، بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ عُمُومًا، وبِالفَضْلِ والرَحْمَةِ خُصُوصًا،
﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ أعْمالِكم.
57:5Page 538
لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥
His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.
No commentary for this ayah
57:6Page 538
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦
He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
﴿يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ﴾، يُدْخِلُ اللَيْلَ في النَهارِ، بِأنْ يَنْقُصَ مِنَ اللَيْلِ، ويَزِيدَ مِنَ النَهارِ،
﴿وَيُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾
57:7Page 538
ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧
Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.
﴿آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾، يَحْتَمِلُ الزَكاةَ، والإنْفاقَ في سَبِيلِ اللهِ،
﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾، يَعْنِي أنَّ الأمْوالَ الَّتِي في أيْدِيكم إنَّما هي أمْوالُ اللهِ، (p-٤٣٤)بِخَلْقِهِ، وإنْشائِهِ لَها، وإنَّما مَوَّلَكم إيّاها لِلِاسْتِمْتاعِ بِها، وجَعَلَكم خُلَفاءَ في التَصَرُّفِ فِيها، فَلَيْسَتْ هي بِأمْوالِكم في الحَقِيقَةِ، وما أنْتُمْ فِيها إلّا بِمَنزِلَةِ الوُكَلاءِ، والنُوّابِ، فَأنْفِقُوا مِنها في حُقُوقِ اللهِ (تَعالى)، ولْيَهُنْ عَلَيْكُمُ الإنْفاقُ مِنها كَما يَهُونُ عَلى الرَجُلِ الإنْفاقُ مِن مالِ غَيْرِهِ إذا أذِنَ لَهُ فِيهِ، أوْ جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم فِيما في أيْدِيكُمْ، بِتَوْرِيثِهِ إيّاكُمْ، وسَيُنْقَلُ مِنكم إلى مَن بَعْدَكُمْ، فاعْتَبِرُوا بِحالِهِمْ، ولا تَبْخَلُوا بِهِ،
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا﴾، بِاللهِ ورَسُولِهِ،
﴿مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾
57:8Page 538
وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?
﴿وَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، هو حالٌ مِن مَعْنى الفِعْلِ في "ما لَكُمْ"، كَما تَقُولُ: "ما لَكَ قائِمًا؟!"، بِمَعْنى: "ما تَصْنَعُ قائِمًا؟!"، أيْ: "وَما لَكم كافِرِينَ بِاللهِ؟!"، والواوُ في ﴿والرَسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾، واوُ الحالِ، فَهُما حالانِ مُتَداخِلَتانِ، والمَعْنى: "وَأيُّ عُذْرٍ لَكم في تَرْكِ الإيمانِ، والرَسُولُ يَدْعُوكُمْ؟!"،
﴿لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾، وقَبْلَ ذَلِكَ قَدْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَكم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أوْ بِما رَكَّبَ فِيكم مِنَ العُقُولِ، ومَكَّنَكم مِنَ النَظَرِ في الأدِلَّةِ، فَإذا لَمْ تَبْقَ لَكم عِلَّةٌ بَعْدَ أدِلَّةِ العُقُولِ، وتَنْبِيهِ الرَسُولِ، فَما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ؟! ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، لِمُوجِبٍ ما، فَإنَّ هَذا المُوجِبَ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، "أُخِذَ مِيثاقُكُمْ"، "أبُو عَمْرٍو".
57:9Page 538
هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩
It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.
﴿هُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ عَلى عَبْدِهِ﴾، مُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، يَعْنِي القُرْآنَ،
﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾، اَللَّهُ (تَعالى)، أوْ مُحَمَّدٌ، بِدَعْوَتِهِ،
﴿مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾، مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ، إلى نُورِ الإيمانِ،
﴿وَإنَّ اللهَ بِكم لَرَءُوفٌ﴾، بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، "حِجازِيٌّ وشامِيٌّ وحَفْصٌ "،
﴿رَحِيمٌ﴾، "اَلرَّأْفَةُ"، أشَدُّ الرَحْمَةِ.
57:10Page 538
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠
And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.
﴿وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا﴾، في ألّا تُنْفِقُوا،
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، يَرِثُ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِما، لا يَبْقى مِنهُ باقٍ لِأحَدٍ، مِن مالٍ، وغَيْرِهِ، يَعْنِي: وأيُّ (p-٤٣٥)غَرَضٍ لَكم في تَرْكِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، والجِهادِ مَعَ رَسُولِهِ، واللهُ مُهْلِكُكُمْ، فَوارِثُ أمْوالِكُمْ؟! وهو مِن أبْلَغِ البَعْثِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ بَيَّنَ التَفاوُتَ بَيْنَ المُنْفِقِينَ مِنهُمْ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ أيْ: فَتْحِ مَكَّةَ، قَبْلَ عِزِّ الإسْلامِ، وقُوَّةِ أهْلِهِ، ودُخُولِ الناسِ في دِينِ اللهِ أفْواجًا، ومَن أنْفَقَ مِن بَعْدِ الفَتْحِ، فَحُذِفَ لِأنَّ قَوْلَهُ: "مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ"، يَدُلُّ عَلَيْهِ،
﴿أُولَئِكَ﴾، اَلَّذِينَ أنْفَقُوا قَبْلَ الفَتْحِ، وهُمُ السابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَبِيُّ ﷺ: « "لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ، ولا نَصِيفَهُ" »،
﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ،
﴿وَعَدَ اللهُ الحُسْنى﴾ أيْ: اَلْمَثُوبَةَ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، مَعَ تَفاوُتِ الدَرَجاتِ، و"كُلًّا"، مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "وَعَدَ"، و"اَلْحُسْنى"، مَفْعُولٌ ثانٍ، "وَكُلٌّ"، شامِيٌّ، أيْ: "وَكُلٌّ وعَدَهُ اللهُ الحُسْنى"، نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن أسْلَمَ، وأوَّلُ مَن أنْفَقَ في سَبِيلِ اللهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِهِ، وتَقَدُّمِهِ،
﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عَلى قَدْرِ أعْمالِكم.
57:11Page 538
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?
﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، بِطِيبِ نَفْسِهِ، والمُرادُ الإنْفاقُ في سَبِيلِهِ، واسْتُعِيرَ لَفْظُ القَرْضِ، لِيَدُلَّ عَلى التِزامِ الجَزاءِ،
﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ أيْ: يُعْطِيَهُ أجْرَهُ عَلى إنْفاقِهِ مُضاعَفًا أضْعافًا، مِن فَضْلِهِ،
﴿وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: وذَلِكَ الأجْرُ المَضْمُومُ إلَيْهِ الأضْعافُ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، "فَيُضَعِّفُهُ"، "مَكِّيٌّ"، "فَيُضَعِّفَهُ"، "شامِيٌّ"، "فَيُضاعِفَهُ"، " عاصِمٌ وسَهْلٌ "، "فَيُضاعِفُهُ"، غَيْرُهُمْ، فالنَصْبُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، والرَفْعُ عَلى "فَهُوَ يُضاعِفُهُ"، أوْ عَطْفٌ عَلى "يُقْرِضُ".
57:12Page 539
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾، ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: "وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ"، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "اُذْكُرْ"، تَعْظِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ،
﴿يَسْعى﴾، يَمْضِي،
﴿نُورُهُمْ﴾، نُورُ (p-٤٣٦)التَوْحِيدِ، والطاعاتِ، وإنَّما قالَ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾، لِأنَّ السُعَداءَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، كَما أنَّ الأشْقِياءَ يُؤْتَوْنَها مِن شَمائِلِهِمْ، ووَراءِ ظُهُورِهِمْ، فَيُجْعَلُ النُورُ في الجِهَتَيْنِ شِعارًا لَهُمْ، وآيَةً لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ بِحَسَناتِهِمْ سُعِدُوا، أوْ بِصَحائِفِهِمُ البِيضِ أفْلَحُوا، فَإذا ذُهِبَ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ، ومَرُّوا عَلى الصِراطِ، يَسْعَوْنَ، سَعى بِسَعْيِهِمْ ذَلِكَ النُورُ، وتَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾ أيْ: دُخُولُ جَنّاتٍ، لِأنَّ البِشارَةَ تَقَعُ بِالأجْداثِ، دُونَ الجُثَثِ،
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
57:13Page 539
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، هو بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَرى،
﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا﴾ أيْ: اِنْتَظِرُونا، لِأنَّهُ يُسْرَعُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ كالبُرُوقِ الخاطِفَةِ، "أنْظِرُونا"، " حَمْزَةُ "، مِن "اَلنَّظْرَةُ"، وهي الإمْهالُ، جَعِلَ اتِّئادُهم في المُضِيِّ إلى أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ إنْظارًا لَهُمْ،
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾، نُصِبْ مِنهُ، وذَلِكَ أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَيَسْتَنِيرُوا بِهِ،
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾، طَرْدٌ لَهُمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، أيْ: تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ - أوِ المُؤْمِنُونَ -: اِرْجِعُوا إلى المَوْقِفِ، حَيْثُ أُعْطِينا هَذا النُورَ، فالتَمِسُوهُ هُنالِكَ، فَمِن ثَمَّ يُقْتَبَسُ، أوْ: اِرْجِعُوا إلى الدُنْيا، فالتَمِسُوا بِتَحْصِيلِ سَبَبِهِ، وهو الإيمانُ،
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾، بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ،
﴿بِسُورٍ﴾، بِحائِطٍ، حائِلٍ بَيْنَ شِقِّ الجَنَّةِ، وشِقِّ النارِ، قِيلَ: هو الأعْرافُ،
﴿لَهُ﴾، لِذَلِكَ السُورِ،
﴿بابٌ﴾، لِأهْلِ الجَنَّةِ، يَدْخُلُونَ مِنهُ،
﴿باطِنُهُ﴾، باطِنُ السُورِ، أوِ البابِ، وهو الشِقُّ الَّذِي يَلِي الجَنَّةَ،
﴿فِيهِ الرَحْمَةُ﴾ أيْ: اَلنُّورُ، أوِ الجَنَّةُ،
﴿وَظاهِرُهُ﴾، ما ظَهَرَ لِأهْلِ النارِ،
﴿مِن قِبَلِهِ﴾، مِن عِنْدِهِ، ومِن جِهَتِهِ،
﴿العَذابُ﴾ أيْ: اَلظُّلْمَةُ، أوِ النارُ.
57:14Page 539
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
﴿يُنادُونَهُمْ﴾ أيْ: يُنادِي المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ،
﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، يُرِيدُونَ مُرافَقَتَهم في الظاهِرِ،
﴿قالُوا﴾ أيْ: المُؤْمِنُونَ،
﴿بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾، مَحَنْتُمُوها بِالنِفاقِ، وأهْلَكْتُمُوها،
﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾، بِالمُؤْمِنِينَ الدَوائِرَ،
﴿وارْتَبْتُمْ﴾، وشَكَكْتُمْ في (p-٤٣٧)التَوْحِيدِ،
﴿وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾، طُولُ الآمالِ، والطَمَعُ في امْتِدادِ الأعْمارِ،
﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ﴾ أيْ: اَلْمَوْتُ،
﴿وَغَرَّكم بِاللهِ الغَرُورُ﴾، وغَرَّكُمُ الشَيْطانُ بِأنَّ اللهَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ، لا يُعَذِّبُكُمْ، أوْ بِأنَّهُ لا بَعْثَ، ولا حِسابَ.
57:15Page 539
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ﴾، وبِالتاءِ "شامِيٌّ"،
﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ،
﴿فِدْيَةٌ﴾، ما يُفْتَدى بِهِ،
﴿وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النارُ﴾، مَرْجِعُكُمْ،
﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾، هي أوْلى بِكُمْ، وحَقِيقَةُ "مَوْلاكُمْ": مَحْراكُمْ، أيْ: مَكانُكُمُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ: هو أوْلى بِكُمْ، كَما يُقالُ: "هُوَ مَئِنَّةٌ لِلْكَرَمِ"، أيْ: مَكانٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ لَكَرِيمٌ،
﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾، اَلنّارُ.
57:16Page 539
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
﴿ألَمْ يَأْنِ﴾، مِن "أنى الأمْرُ، يَأْنى"، إذا جاءَ إناهُ، أيْ: وقْتُهُ، قِيلَ: كانُوا مُجْدِبِينَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرُوا أصابُوا الرِزْقَ، والنِعْمَةَ، فَفَتَرُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عُوتِبْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ"، وعَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وعِنْدَهُ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ، فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا، فَنَظَرَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: "هَكَذا كُنّا حَتّى قَسَتِ القُلُوبُ"،
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وما نَـزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾، اَلْقُرْآنِ، لِأنَّهُ جامِعٌ لِلْأمْرَيْنِ، لِلذِّكْرِ، والمَوْعِظَةِ، وأنَّهُ حَقٌّ، نازِلٌ مِنَ السَماءِ، "وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ"، اَلْقِراءَةُ بِالياءِ، عَطْفٌ عَلى "تَخْشَعَ"، وبِالتاءِ "وَرْشٌ"، عَلى الِالتِفاتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا لَهم عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، بَعْدَ أنْ وُبِّخُوا، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ شَهَواتِهِمْ، وإذا سَمِعُوا التَوْراةَ (p-٤٣٨)والإنْجِيلَ خَشَعُوا لِلَّهِ، ورَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الزَمانُ غَلَبَهُمُ الجَفاءُ، والقَسْوَةُ، واخْتَلَفُوا، وأحْدَثُوا ما أحْدَثُوا مِنَ التَحْرِيفِ، وغَيْرِهِ،
﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾، اَلْأجَلُ والزَمانُ،
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، بِاتِّباعِ الشَهَواتِ،
﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾، خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، رافِضُونَ لِما في الكِتابَيْنِ، أيْ: وقَلِيلٌ مِنهم مُؤْمِنُونَ.
57:17Page 539
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، قِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِأثَرِ الذِكْرِ في القُلُوبِ، وأنَّهُ يُحْيِيها كَما يُحْيِي الغَيْثُ الأرْضَ.
57:18Page 539
إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨
Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.
"إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ"، بِتَشْدِيدِ الدالِ وحْدَهُ، "مَكِّيٌّ وأبُو بَكْرٍ "، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن "صَدَّقَ"، وهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ ورَسُولَهُ، يَعْنِي المُؤْمِنِينَ، الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الصادِ والدالِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن "تَصَدَّقَ"، فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الصادِ، وقُرِئَ عَلى الأصْلِ،
﴿وَأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، هو عَطْفٌ عَلى مَعْنى الفِعْلِ في "اَلْمُصَدِّقِينَ"، لِأنَّ اللامَ بِمَعْنى "اَلَّذِينَ"، واسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى الفِعْلِ، وهو "اِصَّدَّقُوا"، كَأنَّهُ قِيلَ: "إنَّ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا وأقْرَضُوا"، و"اَلْقَرْضُ الحَسَنُ": أنْ يَتَصَدَّقَ مِنَ الطَيِّبِ، عَنْ طِيبَةِ النَفْسِ، وصِحَّةِ النِيَّةِ، عَلى المُسْتَحِقِّ لِلصَّدَقَةِ،
﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾، "يَضَعَّفُ"، "مَكِّيٌ وشامِيٌّ"،
﴿وَلَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: اَلْجَنَّةُ.
57:19Page 540
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩
And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ والشُهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، يُرِيدُ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ، ورُسُلِهِ، هم عِنْدَ اللهِ بِمَنزِلَةِ الصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ، وهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى التَصْدِيقِ، واسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ،
﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أجْرِ الصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ، ومِثْلُ نُورِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "والشُهَداءُ"، مُبْتَدَأً، و"لَهم (p-٤٣٩)أجْرُهُمْ"، خَبَرَهُ،
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
57:20Page 540
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠
Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.
﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ﴾، كَلَعِبِ الصِبْيانِ،
﴿وَلَهْوٌ﴾، كَلَهْوِ الفِتْيانِ،
﴿وَزِينَةٌ﴾، كَزِينَةِ النِسْوانِ،
﴿وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾، كَتَفاخُرِ الأقْرانِ،
﴿وَتَكاثُرٌ﴾، كَتَكاثُرِ الدِهْقانِ،
﴿فِي الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ أيْ: مُباهاةٌ بِهِما، و"اَلتَّكاثُرُ": اِدِّعاءُ الِاسْتِكْثارِ،
﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾، بَعْدَ خُضْرَتِهِ،
﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾، مُتَفَتِّتًا، شَبَّهَ حالَ الدُنْيا، وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، مَعَ قِلَّةِ جَدْواها، بِنَباتٍ أنْبَتَهُ الغَيْثُ، فاسْتَوى، وقَوِيَ، وأُعْجِبَ بِهِ الكُفّارُ، الجاحِدُونَ لِنِعْمَةِ اللهِ فِيما رَزَقَهم مِنَ الغَيْثِ والنَباتِ، فَبَعَثَ عَلَيْهِ العاهَةَ، فَهاجَ، واصْفَرَّ، وصارَ حُطامًا، عُقُوبَةً لَهم عَلى جُحُودِهِمْ، كَما فَعَلَ بِأصْحابِ الجَنَّةِ، وصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ، وقِيلَ: "اَلْكُفّارُ": اَلزُّرّاعُ،
﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾
﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾، لِلْكُفّارِ،
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ﴾، لِلْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي أنَّ الدُنْيا وما فِيها لَيْسَتْ إلّا مِن مُحَقَّراتِ الأُمُورِ، وهي اللَعِبُ، واللهْوُ والزِينَةُ، والتَفاخُرُ، والتَكاثُرُ، وأمّا الآخِرَةُ فَما هي إلّا أُمُورٌ عِظامٌ، وهي العَذابُ الشَدِيدُ، والمَغْفِرَةُ والرِضْوانُ مِنَ اللهِ الحَمِيدِ، والكافُ في "كَمَثَلِ غَيْثٍ"، في مَحَلِّ رَفْعٍ، عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ: اَلْحَياةُ الدُنْيا مِثْلُ غَيْثٍ،
﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾، إنْ رُكِنَ إلَيْها، واعْتُمِدَ عَلَيْها، قالَ ذُو النُونِ: "يا مَعْشَرَ المُرِيدِينَ، لا تَطْلُبُوا الدُنْيا، وإنْ طَلَبْتُمُوها فَلا تُحِبُّوها، فَإنَّ الزادَ مِنها، والمَقِيلَ في غَيْرِها"، ولَمّا حَقَّرَ الدُنْيا، وصَغَّرَ أمْرَها، وعَظَّمَ أمْرَ الآخِرَةِ، بَعَثَ عِبادَهُ عَلى المُسارَعَةِ إلى نَيْلِ ما وعَدَ مِن ذَلِكَ، وهي المَغْفِرَةُ، المُنْجِيَةُ مِنَ العَذابِ الشَدِيدِ، والفَوْزُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، بِقَوْلِهِ:
57:21Page 540
سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١
Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
﴿سابِقُوا﴾ أيْ: بِالأعْمالِ الصالِحَةِ،
﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، وقِيلَ: سارِعُوا مُسارَعَةَ السابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ،
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ﴾، قالَ السُدِّيُّ: "كَعَرْضِ سَبْعِ السَماواتِ، وسَبْعِ الأرْضِينَ، (p-٤٤٠)وَذَكَرَ العَرْضَ، دُونَ الطُولِ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ عَرْضٌ وطُولٌ فَإنَّ عَرْضَهُ أقَلُّ مِن طُولِهِ، فَإذا وُصِفَ عَرْضُهُ بِالبَسْطَةِ، عُرِفَ أنَّ طُولَهُ أبْسَطُ، أوْ أُرِيدَ بِالعَرْضِ البَسْطَةُ، وهَذا يَنْفِي قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ الجَنَّةَ في السَماءِ الرابِعَةِ، لِأنَّ الَّتِي في إحْدى السَماواتِ لا تَكُونُ في عَرْضِ السَماواتِ والأرْضِ،
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ،
﴿ذَلِكَ﴾، اَلْمَوْعُودُ، مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ،
﴿فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِفَضْلِ اللهِ،
﴿واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ كائِنٍ بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، بِقَوْلِهِ:
57:22Page 540
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢
No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾، مِنَ الجَدْبِ، وآفاتِ الزُرُوعِ، والثِمارِ، وقَوْلُهُ: "فِي الأرْضِ"، في مَوْضِعِ الجَرِّ، أيْ: ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ ثابِتَةٍ في الأرْضِ،
﴿وَلا في أنْفُسِكُمْ﴾، مِنَ الأمْراضِ، والأوْصابِ، ومَوْتِ الأوْلادِ،
﴿إلا في كِتابٍ﴾، في اللَوْحِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: "إلّا مَكْتُوبًا في اللَوْحِ"،
﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾، مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَ الأنْفُسَ،
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾، إنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ، وإثْباتَهُ في كِتابٍ،
﴿عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾، وإنْ كانَ عَسِيرًا عَلى العِبادِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ، وبَيَّنَ الحِكْمَةِ فِيهِ، بِقَوْلِهِ:
57:23Page 540
لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣
In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾، تَحْزَنُوا حُزْنًا يُطْغِيكُمْ،
﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾، مِنَ الدُنْيا، وسَعَتِها، أوْ مِنَ العافِيَةِ وصِحَّتِها،
﴿وَلا تَفْرَحُوا﴾، فَرَحَ المُخْتالِ الفَخُورِ،
﴿بِما آتاكُمْ﴾، أعْطاكم مِن "اَلْإيتاءُ"، " أبُو عَمْرٍو ": "أتاكُمْ"، أيْ: جاءَكُمْ، مِن "اَلْإتْيانُ"، يَعْنِي: إنَّكم إذا عَلِمْتُمْ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّرٌ، مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللهِ، قَلَّ أساكم عَلى الفائِتِ، وفَرَحُكم عَلى الآتِي، لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ ما عِنْدَهُ مَفْقُودٌ لا مَحالَةَ، لَمْ يَتَفاقَمْ جَزَعُهُ عِنْدَ فَقْدِهِ، لِأنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ مَن عَلِمَ أنَّ بَعْضَ الخَيْرِ واصِلٌ إلَيْهِ، وأنَّ وُصُولَهُ لا يَفُوتُهُ بِحالٍ، لَمْ يَعْظُمْ فَرَحُهُ عِنْدَ نَيْلِهِ، ولَيْسَ أحَدٌ إلّا وهو يَفْرَحُ عِنْدَ مَنفَعَةٍ (p-٤٤١)تُصِيبُهُ، ويَحْزَنُ عِنْدَ مَضَرَّةٍ تَنْزِلُ بِهِ، ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الفَرَحُ شُكْرًا، والحُزْنُ صَبْرًا، وإنَّما يُذَمُّ مِنَ الحُزْنِ الجَزَعُ المُنافِي لِلصَّبْرِ، ومِنَ الفَرَحِ الأشَرُ المُطْغِي المُلْهِي عَنِ الشُكْرِ،
﴿واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾، لِأنَّ مَن فَرِحَ بِحَظٍّ مِنَ الدُنْيا، وعَظُمَ في نَفْسِهِ، اخْتالَ، وافْتَخَرَ، وتَكَبَّرَ عَلى الناسِ.
57:24Page 540
ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤
[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن "كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ"، كَأنَّهُ قالَ: "لا يُحِبُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ"، يُرِيدُ: اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ الفَرَحَ المُطْغِي، إذا رُزِقُوا مالًا، وحَظًّا مِنَ الدُنْيا، فَلِحُبِّهِمْ لَهُ، وعِزَّتِهِ عِنْدَهُمْ، يَزْوُونَهُ عَنْ حُقُوقِ اللهِ، ويَبْخَلُونَ بِهِ،
﴿وَيَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ﴾، ويَحُضُّونَ غَيْرَهم عَلى البُخْلِ، ويُرَغِّبُونَهم في الإمْساكِ،
﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾، يُعْرِضْ عَنِ الإنْفاقِ، أوْ عَنْ أوامِرِ اللهِ، ونَواهِيهِ، ولَمْ يَنْتَهِ عَمّا نَهى عَنْهُ، مِنَ الأسى عَلى الفائِتِ، والفَرَحِ بِالآتِي،
﴿فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ﴾، عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَكَيْفَ عَنْهُ؟! ﴿الحَمِيدُ﴾، في أفْعالِهِ، "فَإنَّ اللهَ الغَنِيُّ"، بِتَرْكِ "هُوَ"، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ".
57:25Page 541
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥
We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾، يَعْنِي: أرْسَلْنا المَلائِكَةَ إلى الأنْبِياءِ،
﴿بِالبَيِّناتِ﴾، بِالحُجَجِ، والمُعْجِزاتِ،
﴿وَأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: اَلْوَحْيَ، وقِيلَ: اَلرُّسُلُ، الأنْبِياءُ، والأوَّلُ أوْلى، لِقَوْلِهِ: "مَعَهُمْ"، لِأنَّ الأنْبِياءَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الكِتابُ،
﴿والمِيزانَ﴾، رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِالمِيزانِ، فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ، وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ،
﴿لِيَقُومَ الناسُ﴾، لِيَتَعامَلُوا بَيْنَهم إيفاءً، واسْتِيفاءً،
﴿بِالقِسْطِ﴾، بِالعَدْلِ، ولا يَظْلِمَ أحَدٌ أحَدًا،
﴿وَأنْـزَلْنا الحَدِيدَ﴾، قِيلَ: نَزَلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِن حَدِيدٍ: اَلسَّنَدانُ، والكَلْبَتانِ، والمِيقَعَةُ، والمِطْرَقَةُ، والإبْرَةُ، ورُوِيَ: ومَعَهُ المَرُّ، والمِسْحاقُ، وعَنِ الحَسَنِ: " ﴿وَأنْـزَلْنا الحَدِيدَ﴾ ": "خَلَقْناهُ"،
﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، وهو القِتالُ بِهِ،
﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، في مَصالِحِهِمْ، ومَعايِشِهِمْ، وصَنائِعِهِمْ، فَما مِن صِناعَةٍ إلّا والحَدِيدُ آلَةٌ فِيها، أوْ ما يُعْمَلُ بِالحَدِيدِ،
﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾، (p-٤٤٢)بِاسْتِعْمالِ السُيُوفِ والرِماحِ وسائِرِ السِلاحِ، في مُجاهَدَةِ أعْداءِ الدِينِ، وقالَ الزَجّاجُ: لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يُقاتِلُ مَعَ رَسُولِهِ في سَبِيلِهِ بِالغَيْبِ، غائِبًا عَنْهُمْ،
﴿إنَّ اللهَ قَوِيٌّ﴾، يَدْفَعُ بِقُوَّتِهِ بَأْسَ مَن يُعْرِضُ عَنْ مِلَّتِهِ،
﴿عَزِيزٌ﴾، يَرْبِطُ بِعِزَّتِهِ جَأْشَ مَن يَتَعَرَّضُ لِنُصْرَتِهِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ الثَلاثَةِ أنَّ الكِتابَ قانُونُ الشَرِيعَةِ، ودُسْتُورُ الأحْكامِ والحُدُودِ، ويَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، ويَنْهى عَنِ البَغْيِ والطُغْيانِ، واسْتِعْمالُ العَدْلِ والِاجْتِنابُ عَنِ الظُلْمِ، إنَّما يَقَعُ بِآلَةٍ يَقَعُ بِها التَعامُلُ، ويَحْصُلُ بِها التَساوِي والتَعادُلُ، وهي المِيزانُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الكِتابَ الجامِعَ لِلْأوامِرِ الإلَهِيَّةِ، والآلَةَ المَوْضُوعَةَ لِلتَّعامُلِ بِالسَوِيَّةِ، إنَّما تُحْفَظُ العامَّةُ عَلى اتِّباعِهِما بِالسَيْفِ، الَّذِي هو حُجَّةُ اللهِ عَلى مَن جَحَدَ، وعَنَدَ، ونَزَعَ عَنْ صَفْقَةِ الجَماعَةِ اليَدَ، وهو الحَدِيدُ، الَّذِي وُصِفَ بِالبَأْسِ الشَدِيدِ.
57:26Page 541
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦
And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ﴾، خُصًّا بِالذِكْرِ، لِأنَّهُما أبَوانِ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -،
﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما﴾، أوْلادِهِما،
﴿النُبُوَّةَ والكِتابَ﴾، اَلْوَحْيَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "اَلْخَطَّ بِالقَلَمِ"، يُقالُ "كَتَبَ كِتابًا، وكِتابَةً"،
﴿فَمِنهُمْ﴾، فَمِنَ الذُرِّيَّةِ، أوْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الإرْسالِ والمُرْسَلِينَ،
﴿مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾، هَذا تَفْصِيلٌ لِحالِهِمْ، أيْ: فَمِنهم مَنِ اهْتَدى بِاتِّباعِ الرُسُلِ، ومِنهم مَن فَسَقَ، أيْ: خَرَجَ عَنِ الطاعَةِ، والغَلَبَةُ لِلْفُسّاقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences