An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
المجادلة
Al-Mujadila
The Pleading Woman · Medinan · 22 ayahs
58:1Page 542
قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١
Certainly has Allāh heard the speech of the one who argues [i.e., pleads] with you, [O Muḥammad], concerning her husband and directs her complaint to Allāh. And Allāh hears your dialogue; indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
(p-٤٤٤)سُورَةُ "اَلْمُجادَلَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ﴾، تُحاوِرُكَ، وقُرِئَ بِها، وهي «خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، امْرَأةُ أوْسِ بْنِ الصامِتِ، أخِي عُبادَةَ، رَآها وهي تُصَلِّي، وكانَتْ حَسَنَةَ الجِسْمِ، فَلَمّا سَلَّمَتْ راوَدَها، فَأبَتْ، فَغَضِبَ، فَظاهَرَ مِنها، فَأتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالَتْ: إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ، مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمّا خَلا سِنِّي، ونَثَرَتْ بَطْنِي، أيْ: كَثُرَ ولَدِي، جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ، ورُوِيَ أنَّها قالَتْ: إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، فَقالَ ﷺ: "ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ"، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَها: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، ما ذَكَرَ طَلاقًا، وإنَّما هو أبُو ولَدِي، وأحَبُّ الناسِ إلَيَّ، فَقالَ: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللهِ فاقَتِي ووَجْدِي، كُلَّما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ"، هَتَفَتْ، وشَكَتْ، فَنَزَلَتْ، »﴿فِي زَوْجِها﴾، في شَأْنِهِ، ومَعْناهُ: ﴿وَتَشْتَكِي إلى اللهِ﴾، تُظْهِرُ ما بِها مِنَ المَكْرُوهِ،
﴿واللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾، (p-٤٤٥)مُراجَعَتَكُما الكَلامَ، مِن "حارَ"، إذا رَجَعَ،
﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾، يَسْمَعُ شَكْوى المُضْطَرِّ،
﴿بَصِيرٌ﴾، بِحالِهِ.
58:2Page 542
ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢
Those who pronounce ẓihār1 among you [to separate] from their wives - they are not [consequently] their mothers. Their mothers are none but those who gave birth to them. And indeed, they are saying an objectionable statement and a falsehood. But indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.
﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾، " عاصِمٌ "، "يُظَهِّرُونَ"، "حِجازِيٌّ وبَصْرِيٌّ"، غَيْرُهُمْ: "يَظّاهَرُونَ"، وفي ﴿مِنكُمْ﴾، تَوْبِيخٌ لِلْعَرَبِ، لِأنَّهُ كانَ مِن أيْمانِ أهْلِ جاهِلِيَّتِهِمْ خاصَّةً، دُونَ سائِرِ الأُمَمِ،
﴿مِن نِسائِهِمْ﴾، زَوْجاتِهِمْ،
﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾، "أُمَّهاتُهُمْ"، "اَلْمُفَضَّلُ"، اَلْأوَّلُ "حِجازِيٌّ"، والثانِي "تَمِيمِيٌّ"،
﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾، يُرِيدُ أنَّ الأُمَّهاتِ عَلى الحَقِيقَةِ: اَلْوالِداتُ، والمُرْضِعاتُ مُلْحَقاتٌ بِالوالِداتِ، بِواسِطَةِ الرَضاعِ، وكَذا أزْواجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِزِيادَةِ حُرْمَتِهِنَّ، وأمّا الزَوْجاتُ فَأبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُومَةِ، فَلِذا قالَ: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾، تُنْكِرُهُ الحَقِيقَةُ، والأحْكامُ الشَرْعِيَّةُ،
﴿وَزُورًا﴾، وكَذِبًا، باطِلًا، مُنْحَرِفًا عَنِ الحَقِّ،
﴿وَإنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، لِما سَلَفَ مِنهم.
58:3Page 542
وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣
And those who pronounce ẓihār from their wives and then [wish to] go back on what they said - then [there must be] the freeing of a slave before they touch one another. That is what you are admonished thereby; and Allāh is Aware of what you do.
﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾، بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ ذَلِكَ مِن قائِلِهِ مُنْكَرٌ، وزُورٌ، وبَيَّنَ في الثانِيَةِ حُكْمَ الظِهارِ،
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾، "اَلْعَوْدُ": اَلصَّيْرُورَةُ ابْتِداءً، أوْ بِناءً، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، ومِنَ الثانِي: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: "عُدْتُهُ"، إذا أتَيْتَهُ، وصِرْتَ إلَيْهِ، وبِحَرْفِ الجَرِّ، بِـ "إلى"، و"عَلى"، و"فِي"، واللامِ، كَقَوْلِهِ:﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ومِنهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أيْ: يَعُودُونَ لِنَقْضٍ ما قالُوا، أوْ لِتَدارُكِهِ، عَلى حَذْفِ المُضافِ، وعَنْ ثَعْلَبَةَ: "يَعُودُونَ لِتَحْلِيلِ ما حَرَّمُوا"، عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْضًا، غَيْرَ أنَّهُ أرادَ بِـ "ما قالُوا": ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، بِلَفْظِ الظِهارِ، تَنْزِيلًا لِلْقَوْلِ مَنزِلَةَ المَقُولِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أرادَ المَقُولَ فِيهِ، وهو المالُ، والوَلَدُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّ النَقْضَ بِماذا يَحْصُلُ، فَعِنْدَنا: بِالعَزْمِ عَلى الوَطْءِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -، والحَسَنِ وقَتادَةَ، وعِنْدَ الشافِعِيِّ: بِمُجَرَّدِ الإمْساكِ، وهو ألّا يُطَلِّقَها عُقَيْبَ (p-٤٤٦)الظِهارِ،
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فَعَلَيْهِ إعْتاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، أوْ كافِرَةٍ، ولَمْ يَجُزِ المُدَبِّرُ، وأُمُّ الوَلَدِ، والمُكاتَبُ الَّذِي أدّى شَيْئًا،
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، اَلضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ المُظاهِرِ، والمَظاهَرِ مِنها، و"اَلْمُماسَّةُ": اَلِاسْتِمْتاعُ بِها، مِن جِماعٍ، أوْ لَمْسٍ بِشَهْوَةٍ، أوْ نَظَرٍ إلى فَرْجِها بِشَهْوَةٍ،
﴿ذَلِكُمْ﴾، اَلْحُكْمُ،
﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾، لِأنَّ الحُكْمَ بِالكَفّارَةِ دَلِيلٌ عَلى ارْتِكابِ الجِنايَةِ، فَيَجِبُ أنْ تَتَّعِظُوا بِهَذا الحُكْمِ، حَتّى لا تَعُودُوا إلى الظِهارِ، وتَخافُوا عِقابَ اللهِ عَلَيْهِ،
﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والظِهارُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ لِامْرَأتِهِ: "أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي"، وإذا وضَعَ مَوْضِعَ "أنْتِ"، عُضْوًا مِنها، يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الجُمْلَةِ، أوْ مَكانَ الظَهْرِ عُضْوًا آخَرَ يَحْرُمُ النَظَرُ إلَيْهِ مِنَ الأُمِّ، كالبَطْنِ، والفَخْذِ، أوْ مَكانَ "اَلْأُمِّ"، ذاتَ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنهُ، بِنَسَبٍ، أوْ رِضاعٍ، أوْ صَهْرٍ، أوْ جِماعٍ، نَحْوَ أنْ يَقُولَ: "أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي مِنَ الرِضاعِ"، أوْ "عَمَّتِي مِنَ النَسَبِ"، أوْ "اِمْرَأةِ ابْنِي"، أوْ "أمِّ امْرَأتِي"، أوْ "اِبْنَتِها"، فَهو مُظاهِرٌ، وإذا امْتَنَعَ المُظاهِرُ مِنَ الكَفّارَةِ، فَلِلْمَرْأةِ أنْ تُرافِعَهُ، وعَلى القاضِي أنْ يُجْبِرَهُ عَلى أنْ يُكَفِّرَ، وأنْ يَحْبِسَهُ، ولا شَيْءَ مِنَ الكَفّاراتِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ ويُحْبَسُ إلّا كَفّارَةُ الظِهارِ، لِأنَّهُ يَضُرُّ بِها في تَرْكِ التَكْفِيرِ، والِامْتِناعِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، فَإنْ مَسَّ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، اسْتَغْفَرَ اللهَ، ولا يَعُودُ حَتّى يُكَفِّرَ، وإنْ أعْتَقَ بَعْضَ الرَقَبَةِ، ثُمَّ مَسَّ، فَعَلَيْهِ أنْ يَسْتَأْنِفَ، عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ.
58:4Page 542
فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤
And he who does not find [a slave] - then a fast for two months consecutively1 before they touch one another; and he who is unable - then the feeding of sixty poor persons. That is for you to believe [completely] in Allāh and His Messenger; and those are the limits [set by] Allāh. And for the disbelievers is a painful punishment.
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾، اَلرَّقَبَةَ،
﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾، فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ،
﴿مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾، اَلصِّيامَ،
﴿فَإطْعامُ﴾، فَعَلَيْهِ إطْعامُ،
﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ، أوْ صاعٌ مِن غَيْرِهِ، ويَجِبُ أنْ يُقَدِّمَهُ عَلى المَسِيسِ، ولَكِنْ لا يَسْتَأْنِفُ إنْ جامَعَ في خِلالِ الإطْعامِ،
﴿ذَلِكَ﴾، اَلْبَيانُ، والتَعْلِيمُ لِلْأحْكامِ،
﴿لِتُؤْمِنُوا﴾، لِتُصَدِّقُوا،
﴿بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾، في العَمَلِ بِشَرائِعِهِ الَّتِي شَرَعَها، مِنَ الظِهارِ، وغَيْرِهِ، ورَفْضِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكُمْ،
﴿وَتِلْكَ﴾ أيْ: اَلْأحْكامُ الَّتِي (p-٤٤٧)وَصَفْنا في الظِهارِ، والكَفّارَةِ،
﴿حُدُودُ اللهِ﴾، اَلَّتِي لا يَجُوزُ تَعَدِّيها،
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾، اَلَّذِينَ لا يَتَّبِعُونَها،
﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾، مُؤْلِمٌ.
58:5Page 542
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥
Indeed, those who oppose Allāh and His Messenger are abased as those before them were abased. And We have certainly sent down verses of clear evidence. And for the disbelievers is a humiliating punishment
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾، يُعادُونَ، ويُشاقُّونَ،
﴿كُبِتُوا﴾، أُخْزُوا، وأُهْلِكُوا،
﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، مِن أعْداءِ الرُسُلِ،
﴿وَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَسُولِ، وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ،
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾، بِهَذِهِ الآياتِ،
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾، يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ، وكِبْرِهِمْ.
58:6Page 542
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦
On the Day when Allāh will resurrect them all and inform them of what they did. Allāh had enumerated it, while they forgot it; and Allāh is, over all things, Witness.1
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾، مَنصُوبٌ بِـ "مُهِينٌ"، أوْ بِإضْمارِ "اُذْكُرْ"، تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ،
﴿اللهُ جَمِيعًا﴾، كُلَّهُمْ، لا يَتْرُكُ مِنهم أحَدًا غَيْرَ مَبْعُوثٍ، أوْ مُجْتَمِعِينَ في حالٍ واحِدَةٍ،
﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾، تَخْجِيلًا لَهُمْ، وتَوْبِيخًا، وتَشْهِيرًا بِحالِهِمْ، يَتَمَنَّوْنَ عِنْدَهُ المُسارَعَةَ بِهِمْ إلى النارِ، لِما يَلْحَقُهم مِنَ الخِزْيِ عَلى رءوس الأشْهادِ،
﴿أحْصاهُ اللهُ﴾، أحاطَ بِهِ عَدَدًا، لَمْ يَفُتْهُ مِنهُ شَيْءٌ،
﴿وَنَسُوهُ﴾، لِأنَّهم تَهاوَنُوا بِهِ حِينَ ارْتَكَبُوهُ، وإنَّما تُحْفَظُ مُعَظَّماتُ الأُمُورِ،
﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ.
58:7Page 543
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧
Have you not considered that Allāh knows what is in the heavens and what is on the earth? There are not three in a private conversation but that He is the fourth of them,1 nor are there five but that He is the sixth of them - and no less than that and no more except that He is with them [in knowledge] wherever they are. Then He will inform them of what they did on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ﴾، مِن "كانَ"، اَلتّامَّةِ، أيْ: "ما يَقَعُ"،
﴿مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾، "اَلنَّجْوى": اَلتَّناجِي، وقَدْ أُضِيفَتْ إلى "ثَلاثَةٍ"، أيْ: "مِن نَجْوى ثَلاثَةِ نَفَرٍ"،
﴿إلا هُوَ﴾ أيْ: اَللَّهُ،
﴿رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى﴾، ولا أقَلَّ،
﴿مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾، يَعْلَمُ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ ما هم فِيهِ، وقَدْ تَعالى عَنِ المَكانِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وتَخْصِيصُ الثَلاثَةِ، والخَمْسَةِ، لِأنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وكانُوا يَتَحَلَّقُونَ لِلتَّناجِي، مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، عَلى هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ، وقِيلَ: ما يَتَناجى مِنهم ثَلاثَةٌ ولا خَمْسَةٌ ولا أدْنى مِن عَدَدَيْهِمْ ولا أكْثَرُ، إلّا واللهُ مَعَهُمْ، يَسْمَعُ (p-٤٤٨)ما يَقُولُونَ، ولِأنَّ أهْلَ التَناجِي في العادَةِ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الرَأْيِ، والتَجارِبِ، وأوَّلُ عَدَدِهِمْ الِاثْنانِ، فَصاعِدًا، إلى خَمْسَةٍ، إلى سِتَّةٍ، إلى ما اقْتَضَتْهُ الحالُ، فَذَكَرَ - عَزَّ وعَلا - الثَلاثَةَ، والخَمْسَةَ، وقالَ: "وَلا أدْنى مِن ذَلِكَ"، فَدَلَّ عَلى الِاثْنَيْنِ، والأرْبَعَةِ، وقالَ: "وَلا أكْثَرَ"، فَدَلَّ عَلى ما يُقارِبُ هَذا العَدَدَ،
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾، فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ،
﴿إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
58:8Page 543
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨
Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ﴾، كانَتِ اليَهُودُ، والمُنافِقُونَ، يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهُمْ، ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ، ويُرِيدُونَ أنْ يَغِيظُوهُمْ، ويُوهِمُوهم في نَجْواهم وتَغامُزِهِمْ أنَّ غُزاتِهِمْ غُلِبُوا، وأنَّ أقارِبَهم قُتِلُوا، فَنَهاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَعادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ، وكانَ تَناجِيهِمْ بِما هو إثْمٌ، وعُدْوانٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَواصٍ بِمَعْصِيَةِ الرَسُولِ، ومُخالَفَتِهِ، "وَيَتَنَجَّوْنَ"، " حَمْزَةُ "، وهو بِمَعْنى الأوَّلِ،
﴿وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾، يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في تَحِيَّتِكَ: اَلسّامُ عَلَيْكَ، و"اَلسّامُ": اَلْمَوْتُ، واللهُ (تَعالى) يَقُولُ: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩]، " يا أيُّها الرَسُولُ "، و" يا أيُّها النَبِيُّ "،
﴿وَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ أيْ: يَقُولُونَ فِيما بَيْنَهُمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَعاقَبَنا اللهُ بِما نَقُولُهُ، فَقالَ اللهُ (تَعالى): ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾، عَذابًا،
﴿يَصْلَوْنَها﴾، حالٌ، أيْ: يَدْخُلُونَها،
﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾، اَلْمَرْجِعُ، جَهَنَّمُ.
58:9Page 543
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩
O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، بِألْسِنَتِهِمْ، وهو خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والظاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ،
﴿إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ﴾ أيْ: إذا تَناجَيْتُمْ، فَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ، والمُنافِقِينَ، في تَناجِيهِمْ بِالشَرِّ،
﴿وَتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾، بِأداءِ الفَرائِضِ والطاعاتِ،
﴿والتَقْوى﴾، وتَرْكِ المَعاصِي،
﴿واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، (p-٤٤٩)لِلْحِسابِ، فَيُجازِيكم بِما تَتَناجَوْنَ بِهِ مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ.
58:10Page 543
إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠
Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
﴿إنَّما النَجْوى﴾، بِالإثْمِ والعُدْوانِ،
﴿مِنَ الشَيْطانِ﴾، مِن تَزْيِينِهِ،
﴿لِيَحْزُنَ﴾ أيْ: اَلشَّيْطانُ، وبِضَمِّ الياءِ، " نافِعٌ "،
﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ﴾، اَلشَّيْطانُ، أوِ الحُزْنُ،
﴿بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللهِ﴾، بِعِلْمِهِ، وقَضائِهِ، وقَدَرِهِ،
﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يَكِلُونَ أمْرَهم إلى اللهِ، ويَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الشَيْطانِ.
58:11Page 543
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١
O you who have believed, when you are told, "Space yourselves" in assemblies, then make space; Allāh will make space for you.1 And when you are told, "Arise,"2 then arise; Allāh will raise those who have believed among you and those who were given knowledge, by degrees. And Allāh is Aware of what you do.
" ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ "، تَوَسَّعُوا فِيهِ، "فِي المَجالِسِ"، " عاصِمٌ ونافِعٌ "، والمُرادُ مَجْلِسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانُوا يَتَضامُّونَ فِيهِ، تَنافُسًا عَلى القُرْبِ مِنهُ، وحِرْصًا عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ، وقِيلَ: هو المَجْلِسُ مِن مَجالِسِ القِتالِ، وهي مَراكِزُ الغُزاةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، "مُقاتِلٌ": في صَلاةِ الجُمُعَةِ،
﴿فافْسَحُوا﴾، فَوَسِّعُوا،
﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾، مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَبْتَغِي الناسُ الفُسْحَةَ فِيهِ مِنَ المَكانِ، والرِزْقِ، والصَدْرِ، والقَبْرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾، اِنْهَضُوا، لِلتَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِينَ، أوْ: اِنْهَضُوا عَنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذا أُمِرْتُمْ بِالنُهُوضِ عَنْهُ، أوْ: اِنْهَضُوا إلى الصَلاةِ، والجِهادِ، وأعْمالِ الخَيْرِ،
﴿فانْشُزُوا﴾، بِالضَمِّ فِيهِما، "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وعاصِمٌ غَيْرَ حَمّادٍ "،
﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾، بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، وأوامِرِ رَسُولِهِ،
﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾، والعالِمِينَ مِنهم خاصَّةً،
﴿دَرَجاتٍ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وفي الدَرَجاتِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: في الدُنْيا، في المَرْتَبَةِ، والشَرَفِ، والآخَرُ: في الآخِرَةِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: "يا أيُّها الناسُ افْهَمُوا هَذِهِ الآيَةَ، ولْتُرَغِّبْكم في العِلْمِ"، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ"، » وعَنْهُ ﷺ: " «عِبادَةُ العالِمِ يَوْمًا واحِدًا تَعْدِلُ عِبادَةَ العابِدِ أرْبَعِينَ (p-٤٥٠)سَنَةً" »، وعَنْهُ ﷺ: " «يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: اَلْأنْبِياءُ، ثُمَّ العُلَماءُ، ثُمَّ الشُهَداءُ » "، فَأعْظِمْ بِمَرْتَبَةٍ هي واسِطَةٌ بَيْنَ النُبُوَّةِ والشَهادَةِ! بِشَهادَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "خُيِّرَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بَيْنَ العِلْمِ والمالِ والمُلْكِ، فاخْتارَ العِلْمَ، فَأُعْطِي المالَ والمُلْكَ مَعَهُ"، وقالَ ﷺ: " «أوْحى اللهُ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: (يا إبْراهِيمُ، إنِّي عَلِيمٌ، أُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ)" »، وعَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ: "لَيْتَ شِعْرِي، أيَّ شَيْءٍ أدْرَكَ مَن فاتَهُ العِلْمُ، وأيُّ شَيْءٍ فاتَ مَن أدْرَكَ العِلْمَ"، وعَنِ الزُبَيْرِيِّ: "اَلْعِلْمُ ذَكَرٌ، فَلا يُحِبُّهُ إلّا ذُكُورَةُ الرِجالِ"، والعُلُومُ أنْواعٌ، فَأشْرَفُها أشْرَفُها مَعْلُومًا.
58:12Page 544
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢
O you who have believed, when you [wish to] privately consult the Messenger, present before your consultation a charity. That is better for you and purer. But if you find not [the means] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَسُولَ﴾، إذا أرَدْتُمْ مُناجاتَهُ،
﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ أيْ: قَبْلَ نَجْواكُمْ، هي اسْتِعارَةٌ مِمَّنْ لَهُ يَدانِ، كَقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "مِن أفْضَلِ ما أُوتِيَتِ العَرَبُ الشِعْرُ، يُقَدِّمُهُ الرَجُلُ أمامَ حاجَتِهِ، فَيَسْتَمْطِرُ بِهِ الكَرِيمَ، ويَسْتَنْزِلُّ بِهِ اللَئِيمَ"، يُرِيدُ: "قَبْلَ حاجَتِهِ "،
﴿ذَلِكَ﴾، اَلتَّقْدِيمُ،
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، في دِينِكُمْ،
﴿وَأطْهَرُ﴾، لِأنَّ الصَدَقَةَ طُهْرَةٌ،
﴿وَأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا﴾، ما تَتَصَدَّقُونَ بِهِ،
﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، في تَرْخِيصِ المُناجاةِ مِن غَيْرِ صَدَقَةٍ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ، ثُمَّ نُسِخَ، وقِيلَ: ما كانَ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، ثُمَّ نُسِخَ، «وَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: هَذِهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللهِ ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي، كانَ لِي دِينارٌ فَصَرَفْتُهُ، فَكُنْتُ إذا ناجَيْتُهُ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ، وسَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشْرَ مَسائِلَ، فَأجابَنِي عَنْها، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما الوَفاءُ؟ قالَ: "اَلتَّوْحِيدُ، وشَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، قُلْتُ: وما الفَسادُ؟ قالَ: "اَلْكُفْرُ، والشِرْكُ بِاللهِ"، قُلْتُ: وما الحَقُّ؟ قالَ: "اَلْإسْلامُ، والقُرْآنُ، والوَلايَةُ إذا انْتَهَتْ إلَيْكَ"، قُلْتُ: وما الحِيلَةُ: قالَ: "تَرْكُ الحِيلَةِ"، قُلْتُ: وما عَلَيَّ؟ قالَ: "طاعَةُ اللهِ، وطاعَةُ رَسُولِهِ"، قُلْتُ: وكَيْفَ أدْعُو اللهَ (تَعالى)؟ قالَ: "بِالصِدْقِ، واليَقِينِ"، قُلْتُ: وماذا (p-٤٥١)أسْألُ اللهَ؟ قالَ: "اَلْعافِيَةَ"، قُلْتُ: وما أصْنَعُ لِنَجاةِ نَفْسِي؟ قالَ: "كُلْ حَلالًا، وقُلْ صِدْقًا"، قُلْتُ: وما السُرُورُ؟ قالَ: "اَلْجَنَّةُ"، قُلْتُ: وما الراحَةُ؟ قالَ: "لِقاءُ اللهِ"، فَلَمّا فَرَغْتُ مِنها نَزَلَ نَسْخُها ».
58:13Page 544
ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣
Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.
﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾، أخِفْتُمْ تَقْدِيمَ الصَدَقاتِ، لِما فِيهِ مِنَ الإنْفاقِ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ؟! ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾، ما أُمِرْتُمْ بِهِ، وشَقَّ عَلَيْكُمْ،
﴿وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: خَفَّفَ عَنْكُمْ، وأزالَ عَنْكُمُ المُؤاخَذَةَ بِتَرْكِ تَقْدِيمِ الصَدَقَةِ عَلى المُناجاةِ، كَما أزالَ المُؤاخَذَةَ بِالذَنْبِ عَنِ التائِبِ عَنْهُ،
﴿فَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: فَلا تُفَرِّطُوا في الصَلاةِ، والزَكاةِ، وسائِرِ الطاعاتِ،
﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾، وهَذا وعْدٌ، ووَعِيدٌ.
58:14Page 544
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤
Have you not considered those who make allies of a people with whom Allāh has become angry? They are neither of you nor of them, and they swear to untruth while they know [they are lying].
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، كانَ المُنافِقُونَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، وهُمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ،
﴿ما هم مِنكُمْ﴾، يا مُسْلِمُونَ،
﴿وَلا مِنهُمْ﴾، ولا مِنَ اليَهُودِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: واللهِ إنّا لَمُسْلِمُونَ، لا مُنافِقُونَ،
﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾، أنَّهم كاذِبُونَ، مُنافِقُونَ.
58:15Page 544
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥
Allāh has prepared for them a severe punishment. Indeed, it was evil that they were doing.
﴿أعَدَّ اللهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾، نَوْعًا مِنَ العَذابِ، مُتَفاقِمًا،
﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كانُوا في الزَمانِ الماضِي مُصِرِّينَ عَلى سُوءِ العَمَلِ، وهي حِكايَةُ ما يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ.
58:16Page 544
ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦
They took their [false] oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh, and for them is a humiliating punishment.
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾، اَلْكاذِبَةَ،
﴿جُنَّةً﴾، وِقايَةً دُونَ دِمائِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، (p-٤٥٢)﴿فَصَدُّوا﴾، اَلنّاسَ في خِلالِ أمْنِهِمْ، وسَلامَتِهِمْ،
﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾، عَنْ طاعَتِهِ، والإيمانِ بِهِ،
﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾، وعَدَهُمُ العَذابَ المُخْزِيَ لِكُفْرِهِمْ، وصَدِّهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]
58:17Page 544
لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧
Never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللهِ﴾، مِن عَذابِ اللهِ،
﴿شَيْئًا﴾، قَلِيلًا، مِن "اَلْإغْناءُ"،
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
58:18Page 544
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨
On the Day Allāh will resurrect them all, and they will swear to Him as they swear to you and think that they are [standing] on something.1 Unquestionably, it is they who are the liars.
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ، في الآخِرَةِ، أنَّهم كانُوا مُخْلِصِينَ في الدُنْيا، غَيْرَ مُنافِقِينَ،
﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾، في الدُنْيا عَلى ذَلِكَ،
﴿وَيَحْسَبُونَ أنَّهُمْ﴾، في الدُنْيا،
﴿عَلى شَيْءٍ﴾، مِنَ النَفْعِ، أوْ يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ مِنَ النَفْعِ بِأيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ، كَما انْتَفَعُوا هَهُنا،
﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾، حَيْثُ اسْتَوَتْ حالُهم في الدُنْيا، والآخِرَةِ.
58:19Page 544
ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩
Satan has overcome them and made them forget the remembrance of Allāh. Those are the party of Satan. Unquestionably, the party of Satan - they will be the losers.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ﴾، اِسْتَوْلى عَلَيْهِمْ،
﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللهِ﴾، قالَ شاهُ الكِرْمانِيُّ: "عَلامَةُ اسْتِحْواذِ الشَيْطانِ عَلى العَبْدِ أنْ يَشْغَلَهُ بِعِمارَةٍ ظاهِرِهِ، مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ، والمَلابِسِ، ويَشْغَلُ قَلْبَهُ عَنِ التَفَكُّرِ في آلاءِ اللهِ ونَعْمائِهِ، والقِيامِ بِشُكْرِها، ويَشْغَلُ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، بِالكَذِبِ، والغِيبَةِ، والبُهْتانِ، ويَشْغَلُ لُبَّهُ عَنِ التَفَكُّرِ والمُراقَبَةِ بِتَدْبِيرِ الدُنْيا وجَمْعِها"،
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَيْطانِ﴾، جُنْدُهُ،
﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
58:20Page 544
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠
Indeed, the ones who oppose Allāh and His Messenger - those will be among the most humbled.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾، في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِ اللهِ (تَعالى)، لا تَرى أحَدًا أذَلَّ مِنهم.
58:21Page 544
كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١
Allāh has written [i.e., decreed], "I will surely overcome, I and My messengers." Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
﴿كَتَبَ اللهُ﴾، في اللَوْحِ،
﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، بِالحُجَّةِ والسَيْفِ، أوْ بِأحَدِهِما،
﴿إنَّ اللهَ قَوِيٌّ﴾، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ،
﴿عَزِيزٌ﴾، غالِبٌ، غَيْرُ مَغْلُوبٍ.
58:22Page 545
لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٢٢
You will not find a people who believe in Allāh and the Last Day having affection for those who oppose Allāh and His Messenger, even if they were their fathers or their sons or their brothers or their kindred. Those - He has decreed within their hearts faith and supported them with spirit1 from Him. And We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Allāh is pleased with them, and they are pleased with Him - those are the party of Allāh. Unquestionably, the party of Allāh - they are the successful.
(p-٤٥٣)﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ﴾، هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "تَجِدُ"، أوْ حالٌ، أوْ صِفَةٌ لِـ "قَوْمًا"، "تَجِدُ"، بِمَعْنى: تَصادِفُ عَلى هَذا،
﴿مَن حادَّ اللهَ﴾، خالَفَهُ، وعاداهُ،
﴿وَرَسُولَهُ﴾ أيْ: مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ تَجِدَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ يُوالُونَ المُشْرِكِينَ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وحَقُّهُ أنْ يُمْتَنَعَ، ولا يُوجَدَ بِحالٍ، مُبالَغَةً في الزَجْرِ عَنْ مُجانَبَةِ أعْداءِ اللهِ، ومُباعَدَتِهِمْ، والِاحْتِرازِ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، ومُعاشَرَتِهِمْ، وزادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وتَشْدِيدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، وبِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ أيْ: وأثْبَتَهُ فِيها، وبِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: "أُولَئِكَ حِزْبُ الشَيْطانِ"، بِقَوْلِهِ: "أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ"،
﴿وَأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ أيْ: بِكِتابٍ أنْزَلَهُ، فِيهِ حَياةٌ لَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْإيمانِ، أيْ: بِرُوحٍ مِنَ الإيمانِ، عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ رُوحٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِهِ، وعَنِ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: "كانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن يَصْحَبُ السُلْطانَ"، وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ أنَّهُ لَقِيَهُ المَنصُورُ، فَلَمّا عَرَفَهُ هَرَبَ مِنهُ، وتَلاها، وقالَ سَهْلٌ: "مَن صَحَّحَ إيمانَهُ، وأخْلَصَ تَوْحِيدَهُ، فَإنَّهُ لا يَأْنَسُ بِمُبْتَدِعٍ، ولا يُجالِسُهُ، ويُظْهِرُ لَهُ مِن نَفْسِهِ العَداوَةَ، ومَن داهَنَ مُبْتَدِعًا سَلَبَهُ اللهُ حَلاوَةَ السُنَنِ، ومَن أجابَ مُبْتَدِعًا لِطَلَبِ عِزِّ الدُنْيا، أوْ غِناها، أذَلَّهُ اللهُ بِذَلِكَ العِزِّ، وأفْقَرَهُ بِذَلِكَ الغِنى، ومَن ضَحِكَ إلى مُبْتَدِعٍ نَزَعَ اللهُ نُورَ الإيمانِ مِن قَلْبِهِ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيُجَرِّبْ"،
﴿وَيُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾، بِتَوْحِيدِهِمُ الخالِصِ، وطاعَتِهِمْ،
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾، بِثَوابِهِ الجَسِيمِ في الآخِرَةِ، أوْ بِما قَضى عَلَيْهِمْ في الدُنْيا،
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾، أنْصارُ حَقِّهِ، ورُعاةُ خَلْقِهِ،
﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، اَلْباقُونَ في النَعِيمِ المُقِيمِ، الفائِزُونَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، الآمِنُونَ مِن كُلِّ مَرْهُوبٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences