An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الحشر
Al-Hashr
The Exile · Medinan · 24 ayahs
59:1Page 545
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
(p-٤٥٤)سُورَةُ "اَلْحَشْرِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، رُوِيَ أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ بِأسْرِها في بَنِي النَضِيرِ، وذَلِكَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ صالَحَ بَنُو النَضِيرِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلى ألّا يَكُونُوا عَلَيْهِ، ولا لَهُ، فَلَمّا ظَهَرَ يَوْمَ " بَدْرٍ "، قالُوا: هو النَبِيُّ الَّذِي نَعْتُهُ في التَوْراةِ، فَلَمّا هُزِمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ " أُحُدٍ "، اِرْتابُوا، ونَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في أرْبَعِينَ راكِبًا إلى مَكَّةَ، فَحالَفَ أبا سُفْيانَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَأمَرَ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ، فَقَتَلَ كَعْبًا غِيلَةً، ثُمَّ خَرَجَ ﷺ مَعَ الجَيْشِ إلَيْهِمْ، فَحاصَرَهم إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وأمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ، فَلَمّا قَذَفَ اللهُ الرُعْبَ في قُلُوبِهِمْ، طَلَبُوا الصُلْحَ، فَأبى عَلَيْهِمْ إلّا الجَلاءَ، عَلى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاثَةِ أبْياتٍ عَلى بَعِيرٍ ما شاؤُوا مِن مَتاعِهِمْ، فَجَلَوْا إلى الشامِ، إلى أرِيحاءَ، وأذْرِعاتٍ ».
59:2Page 545
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢
It is He who expelled the ones who disbelieved among the People of the Scripture1 from their homes at the first gathering.2 You did not think they would leave, and they thought that their fortresses would protect them from Allāh; but [the decree of] Allāh came upon them from where they had not expected, and He cast terror into their hearts [so] they destroyed their houses by their [own] hands and the hands of the believers. So take warning, O people of vision.
﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، يَعْنِي يَهُودَ بَنِي النَضِيرِ،
﴿مِن دِيارِهِمْ﴾، بِالمَدِينَةِ، واللامُ في ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾، تَتَعَلَّقُ بِـ "أخْرَجَ"، وهي اللامُ في (p-٤٥٥)قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤]، وقَوْلِهِ: "جِئْتُهُ لِوَقْتِ كَذا"، أيْ: أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ أوَّلِ الحَشْرِ، ومَعْنى "أوَّلِ الحَشْرِ": أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ إلى الشامِ، وكانُوا مِن سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهم جَلاءٌ قَطُّ، وهم أوَّلُ مَن أُخْرِجَ مِن أهْلِ الكِتابِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، إلى الشامِ، أوْ: هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ، وآخِرُ حَشْرِهِمْ إجْلاءُ عُمَرَ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلى الشامِ، وآخِرُ حَشْرِهِمْ حَشْرُ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ بِالشامِ، فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ، فَهُمُ الحَشْرُ الأوَّلُ، وسائِرُ الناسِ الحَشْرُ الثانِي"، وقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمّا خَرَجُوا: « "اِمْضُوا، فَإنَّكم أوَّلُ الحَشْرِ، » ونَحْنُ عَلى الأثَرِ"، قَتادَةُ: "إذا كانَ آخِرُ الزَمانِ جاءَتْ نارٌ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، فَحَشَرَتِ الناسَ إلى أرْضِ الشامِ، وبِها تَقُومُ عَلَيْهِمُ القِيامَةُ"، وقِيلَ: مَعْناهُ: أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ ما حُشِرَ، لِقِتالِهِمْ، لِأنَّهُ أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ،
﴿ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾، لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ، ومَنعَتِهِمْ، ووَثاقَةِ حُصُونِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وعُدَّتِهِمْ،
﴿وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللهِ﴾ أيْ: ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِن بَأْسِ اللهِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَرْكِيبِ، وبَيْنَ النَظْمِ الَّذِي جاءَ عَلَيْهِ، أنَّ في تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَإ دَلِيلًا عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها، ومَنعِها إيّاهُمْ، وفي تَصْيِيرِ ضَمِيرِهِمُ اسْمًا، لِأنَّ في إسْنادِ الجُمْلَةِ إلَيْهِ دَلِيلًا عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنعَةٍ، لا يُبالى مَعَها بِأحَدٍ يَتَعَرَّضُ لَهُمْ، أوْ يَطْمَعُ في مُغازَّتِهِمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ في قَوْلِكَ: "وَظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهُمْ"،
﴿فَأتاهُمُ اللهُ﴾ أيْ: أمْرُ اللهِ، وعِقابُهُ، وفي الشَواذِّ: "فَآتاهُمُ اللهُ"، أيْ: فَآتاهُمُ الهَلاكَ،
﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، مِن حَيْثُ لَمْ يَظُنُّوا، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ، وهو قَتْلُ رَئِيسِهِمْ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، غِرَّةً، عَلى يَدِ أخِيهِ رَضاعًا،
﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ﴾، اَلْخَوْفَ،
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، "يُخَرِّبُونَ"، " أبُو عَمْرٍو "، و"اَلتَّخْرِيبُ"، و"اَلْإخْرابُ": اَلْإفْسادُ بِالنَقْضِ، والهَدْمِ، و"اَلْخَرْبَةُ": اَلْفَسادُ، كانُوا (p-٤٥٦)يُخْرِبُونَ بَواطِنَها، والمُسْلِمُونَ ظَواهِرَها، لِما أرادَ اللهُ مِنَ اسْتِئْصالِ شَأْنِهِمْ، وأنْ لا تَبْقى لَهم بِالمَدِينَةِ دارٌ، ولا مِنهم دَيّارٌ، والَّذِي دَعاهم إلى التَخْرِيبِ حاجَتُهم إلى الخَشَبِ، والحِجارَةِ، لِيَسُدُّوا بِها أفْواهَ الأزِقَّةِ، وألّا يَتَحَسَّرُوا، بَعْدَ جَلائِهِمْ، عَلى بَقائِها مَساكِنَ لِلْمُسْلِمِينَ، وأنْ يَنْقُلُوا مَعَهم ما كانَ في أبْنِيَتِهِمْ، مِن جَيِّدِ الخَشَبِ، والساجِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَداعِيهِمْ إلى التَخْرِيبِ إزالَةُ مُتَحَصَّنِهِمْ، وأنْ يَتَّسِعَ لَهم مَجالُ الحَرْبِ، ومَعْنى تَخْرِيبِهِمْ لَها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ أنَّهم لَمّا عَرَّضُوهم بِنَكْثِ العَهْدِ لِذَلِكَ، وكانُوا السَبَبَ فِيهِ، فَكَأنَّهم أمَرُوهم بِهِ، وكَلَّفُوهم إيّاهُ،
﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ أيْ: فَتَأمَّلُوا فِيما نَزَلَ بِهَؤُلاءِ، والسَبَبِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ، فاحْذَرُوا أنْ تَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ، فَتُعاقَبُوا بِمِثْلِ عُقُوبَتِهِمْ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ القِياسِ.
59:3Page 545
وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣
And if not that Allāh had decreed for them evacuation, He would have punished them in [this] world, and for them in the Hereafter is the punishment of the Fire.
﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾، اَلْخُرُوجَ مِنَ الوَطَنِ، مَعَ الأهْلِ، والوَلَدِ،
﴿لَعَذَّبَهم في الدُنْيا﴾، بِالقَتْلِ، والسَبْيِ، كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ،
﴿وَلَهُمْ﴾، سَواءٌ أُجْلُوا، أوْ قُتِلُوا،
﴿فِي الآخِرَةِ عَذابُ النارِ﴾، اَلَّذِي لا أشَدَّ مِنهُ.
59:4Page 546
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤
That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh - then indeed, Allāh is severe in penalty.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: إنَّما أصابَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿شاقُّوا اللهَ﴾، خالَفُوهُ،
﴿وَرَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللهَ﴾، ورَسُولَهُ،
﴿فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
59:5Page 546
مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥
Whatever you have cut down of [their] palm trees or left standing on their trunks - it was by permission of Allāh and so He would disgrace the defiantly disobedient.
﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾، هو بَيانٌ لِـ "ما قَطَعْتُمْ"، ومَحَلُّ "ما"، نَصْبٌ بِـ "قَطَعْتُمْ"، كَأنَّهُ قِيلَ: "أيَّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ؟"، وأنَّثَ الضَمِيرَ الراجِعَ إلى "ما"، في قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾، لِأنَّهُ في مَعْنى: "اَللِّينَةُ"، و"اَللِّينَةُ"، مِن "اَلْألْوانُ"، وياؤُها عَنْ واوٍ، قُلِبَتْ لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: "اَللِّينَةُ": اَلنَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ، كَأنَّهُمُ اشْتَقُّوها مِن "اَللِّينُ"،
﴿قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللهِ﴾، فَقَطْعُها، وتَرْكُها بِإذْنِ اللهِ،
﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾، ولِيُذِلَّ اليَهُودَ، ويَغِيظَهُمْ، أذِنَ في قَطْعِها.
59:6Page 546
وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦
And what Allāh restored [of property] to His Messenger from them - you did not spur for it [in an expedition] any horses or camels,1 but Allāh gives His messengers power over whom He wills, and Allāh is over all things competent.
﴿وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾، جَعَلَهُ فَيْئًا لَهُ خاصَّةً،
﴿مِنهُمْ﴾، مِن بَنِي النَضِيرِ، (p-٤٥٧)﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِإيجافِ خَيْلٍ أوْ رِكابٍ مِنكم عَلى ذَلِكَ، و"اَلرِّكابُ": اَلْإبِلُ، والمَعْنى: فَما أوْجَفْتُمْ عَلى تَحْصِيلِهِ وتَغْنِيمِهِ خَيْلًا، ولا رِكابًا، ولا تَعِبْتُمْ في القِتالِ عَلَيْهِ، وإنَّما مَشَيْتُمْ إلَيْهِ عَلى أرْجُلِكُمْ، لِأنَّهُ عَلى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ، وكانَ ﷺ عَلى حِمارٍ، فَحَسْبُ،
﴿وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾، يَعْنِي أنَّ ما خَوَّلَ اللهُ رَسُولَهُ مِن أمْوالِ بَنِي النَضِيرِ شَيْءٌ لَمْ تُحَصِّلُوهُ بِالقِتالِ، والغَلَبَةِ، ولَكِنْ سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وعَلى ما في أيْدِيهِمْ، كَما كانَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، فالأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ولا يُقَسِّمُهُ قِسْمَةَ الغَنائِمِ الَّتِي قُوتِلَ عَلَيْها، وأُخِذَتْ عَنْوَةً وقَهْرًا، فَقَسَّمَها بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ إلّا ثَلاثَةً مِنهُمْ، لِفَقْرِهِمْ،
﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
59:7Page 546
مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٧
And what Allāh restored to His Messenger from the people of the towns - it is for Allāh and for the Messenger and for [his] near relatives1 and orphans and the needy and the [stranded] traveler2 - so that it will not be a perpetual distribution among the rich from among you. And whatever the Messenger has given you - take; and what he has forbidden you - refrain from. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.
﴿ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ﴾، وإنَّما لَمْ يَدْخُلِ العاطِفُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ لِأنَّها بَيانٌ لِلْأُولى، فَهي مِنها، غَيْرُ أجْنَبِيَّةٍ عَنْها، بَيَّنَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ما يَصْنَعُ بِما أفاءَ اللهُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يَضَعَهُ حَيْثُ يَضَعُ الخُمْسَ مِنَ الغَنائِمِ مَقْسُومَةً عَلى الأقْسامِ الخَمْسَةِ، وزَيَّفَ هَذا القَوْلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ: اَلْآيَةُ الأُولى نَزَلَتْ في أمْوالِ بَنِي النَضِيرِ، وقَدْ جَعَلَها اللهُ لِرَسُولِهِ خاصَّةً، وهَذِهِ الآيَةُ في غَنائِمِ كُلِّ قَرْيَةٍ، تُؤْخَذُ بِقُوَّةِ الغَزاةِ، وفي الآيَةِ بَيانُ مَصْرِفِ خُمْسِها، فَهي مُبْتَدَأةٌ،
﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾، "تَكُونُ دُولَةٌ"، "يَزِيدُ"، عَلى "كانَ"، اَلتّامَّةِ، و"اَلدُّولَةُ"، و"اَلدَّوْلَةُ": ما يَدُولُ لِلْإنْسانِ، أيْ: يَدُورُ مِنَ الجِدِّ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾، كَيْ لا يَكُونَ الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُعْطى الفُقَراءَ لِيَكُونَ لَهم بُلْغَةً يَعِيشُونَ بِها، جَدًّا بَيْنَ الأغْنِياءِ، يَتَكاثَرُونَ بِهِ،
﴿وَما آتاكُمُ الرَسُولُ﴾ أيْ: ما أعْطاكم مِن قِسْمَةِ غَنِيمَةٍ، أوْ فَيْءٍ،
﴿فَخُذُوهُ﴾، فاقْبَلُوهُ،
﴿وَما نَهاكم عَنْهُ﴾، عَنْ أخْذِهِ مِنها،
﴿فانْتَهُوا﴾، عَنْهُ، ولا تَطْلُبُوهُ،
﴿واتَّقُوا اللهَ﴾، أنْ تُخالِفُوهُ، وتَتَهاوَنُوا بِأوامِرِهِ، ونَواهِيهِ،
﴿إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾، لِمَن خالَفَ رَسُولَ اللهِ (p-٤٥٨)ﷺ، والأجْوَدُ أنَّهُ يَكُونُ عامًّا في كُلِّ ما آتى رَسُولُهُ ﷺ، ونَهى عَنْهُ، وأمْرُ الفَيْءِ داخِلٌ في عُمُومِهِ.
59:8Page 546
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨
For the poor emigrants who were expelled from their homes and their properties, seeking bounty from Allāh and [His] approval and supporting [the cause of] Allāh and His Messenger, [there is also a share]. Those are the truthful.
﴿لِلْفُقَراءِ﴾، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "وَلِذِي القُرْبى"، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والَّذِي مَنَعَ الإبْدالَ مِنَ "لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ" - وإنْ كانَ المَعْنى لِرَسُولِ اللهِ - أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أخْرَجَ رَسُولَهُ مِنَ الفُقَراءِ، في قَوْلِهِ: "وَيَنْصُرُونَ اللهَ ورَسُولَهُ"، وأنَّهُ يَتَرَفَّعُ بِرَسُولِ اللهِ عَنِ التَسْمِيَةِ بِالفَقِيرِ، وأنَّ الإبْدالَ عَلى ظاهِرِ اللَفْظِ مِن خِلافِ الواجِبِ في تَعْظِيمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -،
﴿المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾، بِمَكَّةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَمْلِكُونَ بِالِاسْتِيلاءِ أمْوالَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ اللهَ (تَعالى) سَمّى المُهاجِرِينَ "فُقَراءَ"، مَعَ أنَّهُ كانَتْ لَهم دِيارٌ وأمْوالٌ،
﴿يَبْتَغُونَ﴾، حالٌ،
﴿فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ الجَنَّةَ، ورِضْوانَ اللهِ،
﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يَنْصُرُونَ دِينَ اللهِ، ويُعِينُونَ رَسُولَهُ،
﴿أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ﴾، في إيمانِهِمْ، وجِهادِهِمْ.
59:9Page 546
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩
And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
﴿والَّذِينَ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى "اَلْمُهاجِرِينَ"، وهُمُ الأنْصارُ،
﴿تَبَوَّءُوا الدارَ﴾، تَوَطَّنُوا المَدِينَةَ،
﴿والإيمانَ﴾، وأخْلَصُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ:
؎ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا......................
أوْ: وجَعَلُوا الإيمانَ مُسْتَقَرًّا، ومُتَوَطَّنًا لَهُمْ، لِتَمَكُّنِهِمْ، واسْتِقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، كَما جَعَلُوا المَدِينَةَ كَذَلِكَ، أوْ أرادَ دارَ الهِجْرَةِ، فَأقامَ لامَ التَعْرِيفِ في "اَلدّارَ"، مَقامَ المُضافِ إلَيْهِ، وحَذَفَ المُضافَ مِن "دارَ الإيمانِ"، ووَضَعَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ،
﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾، مِن قَبْلِ المُهاجِرِينَ، لِأنَّهم سَبَقُوهم في تَبَوُّءِ دارِ الهِجْرَةِ، والإيمانِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ هِجْرَتِهِمْ،
﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾، حَتّى شاطَرُوهم أمْوالَهُمْ، وأنْزَلُوهم مَنازِلَهُمْ، ونَزَلَ مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ عَنْ إحْداهُما، حَتّى تَزَوَّجَ بِها رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ،
﴿وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾، ولا يَعْلَمُونَ في أنْفُسِهِمْ طَلَبَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ، وغَيْرِهِ، (p-٤٥٩)وَ"اَلْمُحْتاجُ إلَيْهِ"، يُسَمّى "حاجَةً"، يَعْنِي أنَّ نُفُوسَهم لَمْ تَتْبَعْ ما أعْطَوْا، ولَمْ تَطْمَحْ إلى شَيْءٍ مِنهُ تَحْتاجُ إلَيْهِ، وقِيلَ: "حاجَةً": حَسَدًا مِمّا أُعْطِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ، حَيْثُ خَصَّهُمُ النَبِيُّ ﷺ بِهِ، وقِيلَ: "لا يَجِدُّونَ في صُدُورِهِمْ مِن حاجَةٍ مِن فَقْدِ ما أُوتُوا"، فَحُذِفَ المُضافانِ،
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾، فَقْرٌ، وأصْلُها: "خِصاصُ البَيْتِ"، وهي فُرُوجُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مَفْرُوضَةً خَصاصَتُهُمْ، رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنهم ضَيْفٌ، فَنَوَّمَ الصِبْيَةَ، وقَرَّبَ الطَعامَ، وأطْفَأ المِصْباحَ، لِيُشْبِعَ ضَيْفَهُ، ولا يَأْكُلَ هُوَ، وعَنْ أنَسٍ: "أُهْدِيَ لِبَعْضِهِمْ رَأْسٌ مَشْوِيٌّ، وهو مَجْهُودٌ، فَوَجَّهَهُ إلى جارِهِ، فَتَداوَلَتْهُ تِسْعَةُ أنْفُسٍ حَتّى عادَ إلى الأوَّلِ"، أبُو زَيْدٍ: "قالَ لِي شابٌّ مِن أهْلِ بَلْخٍ: ما الزُهْدُ عِنْدَكُمْ؟ قُلْتُ: إذا وجَدْنا أكَلْنا، وإذا فَقَدْنا صَبَرْنا، فَقالَ: هَكَذا عِنْدَنا كِلابُ بَلْخٍ، بَلْ إذا فَقَدْنا صَبَرْنا، وإذا وجَدْنا آثَرْنا"،
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، اَلظّافِرُونَ بِما أرادُوا، و"اَلشُّحُّ": اَللُّؤْمُ، وأنْ تَكُونَ نَفْسُ الرَجُلِ كَزَّةً، حَرِيصَةً عَلى المَنعِ، وأمّا البُخْلُ، فَهو المَنعُ نَفْسُهُ، وقِيلَ: "اَلشُّحُّ": أكْلُ مالِ أخِيكَ ظُلْمًا، و"اَلْبُخْلُ": مَنعُ مالِكَ، وعَنْ كِسْرى: اَلشُّحُّ أضَرُّ مِنَ الفَقْرِ، لِأنَّ الفَقِيرَ يَتَّسِعُ إذا وجَدَ، بِخِلافِ الشَحِيحِ.
59:10Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، عَطْفٌ أيْضًا عَلى "اَلْمُهاجِرِينَ"، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدُ، وقِيلَ: اَلتّابِعُونَ بِإحْسانٍ، وقِيلَ: مَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "دَخَلَ في هَذا الفَيْءِ كُلُّ مَن هو مَوْلُودٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في الإسْلامِ"، فَجُعِلَ الواوُ لِلْعَطْفِ فِيهِما، وقُرِئَ: "لِلَّذِينَ"، فِيهِما،
﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا﴾، قِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ، (p-٤٦٠)والأنْصارُ، عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "أُمِرُوا بِأنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَسَبُّوهُمْ"،
﴿بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا﴾، حِقْدًا،
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، يَعْنِي الصَحابَةَ،
﴿رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: ما تَقُولُ في عُثْمانَ، وطَلْحَةَ، والزُبَيْرِ؟ قالَ: "أقُولُ ما قَوَّلَنِيهِ اللهُ"، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ:
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ أيْ: ألَمْ تَرَ يا مُحَمَّدُ، إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأشْياعِهِ،
﴿يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، يَعْنِي بَنِي النَضِيرِ، والمُرادُ أُخُوَّةُ الكُفْرِ،
﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾، مِن دِيارِكُمْ،
﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ دَسُّوا إلى بَنِي النَضِيرِ، حِينَ حاصَرَهُمُ النَبِيُّ ﷺ: لا تَخْرُجُوا مِنَ الحِصْنِ، فَإنْ قاتَلُوكم فَنَحْنُ مَعَكُمْ، لا نَخْذُلُكُمْ، ولَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ،
﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾، في قِتالِكُمْ،
﴿أحَدًا أبَدًا﴾، مِن رَسُولِ اللهِ، والمُسْلِمِينَ، إنْ حَمَلْنا عَلَيْهِ، أوْ في خِذْلانِكُمْ، وإخْلافِ ما وعَدْناكم مِنَ النُصْرَةِ،
﴿وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، في مَواعِيدِهِمْ لِلْيَهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ النُبُوَّةِ، لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ.
59:12Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾، وإنَّما قالَ: "وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ"، بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّهم لا يَنْصُرُونَهُمْ، عَلى الفَرْضِ، والتَقْدِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكَما يَعْلَمُ ما يَكُونُ، فَهو يَعْلَمُ ما لا يَكُونُ، لَوْ كانَ، كَيْفَ يَكُونُ، والمَعْنى: "وَلَئِنْ نَصَرَ المُنافِقُونَ اليَهُودَ لَيُهْزَمَنَّ المُنافِقُونَ، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ"، أيْ: يُهْلِكُهُمُ اللهُ، ولا يَنْفَعُهم نِفاقُهُمْ، لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ، أوْ: لَيُهْزَمَنَّ اليَهُودُ، ثُمَّ لا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المُنافِقِينَ.
59:13Page 547
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
(p-٤٦١)﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً﴾ أيْ: أشَدُّ مَرْهُوبِيَّةً، مَصْدَرُ "رُهِبَ"، اَلْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾، دَلالَةٌ عَلى نِفاقِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم يُظْهِرُونَ لَكم في العَلانِيَةِ خَوْفَ اللهِ، وأنْتُمْ أهْيَبُ في صُدُورِهِمْ،
﴿مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾، لا يَعْلَمُونَ اللهَ، وعَظَمَتَهُ، حَتّى يَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ.
59:14Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾، لا يَقْدِرُونَ عَلى مُقاتَلَتِكُمْ،
﴿جَمِيعًا﴾، مُجْتَمِعِينَ، يَعْنِي اليَهُودَ، والمُنافِقِينَ،
﴿إلا﴾، كائِنِينَ،
﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾، بِالخَنادِقِ، والدُرُوبِ،
﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾، "جِدارٍ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو "،
﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾، يَعْنِي أنَّ البَأْسَ الشَدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ، إنَّما هو بَيْنَهُمْ، إذا اقْتَتَلُوا، ولَوْ قاتَلُوكم لَمْ يَبْقَ لَهم ذَلِكَ البَأْسُ، والشِدَّةُ، لِأنَّ الشُجاعَ يَجْبُنُ عِنْدَ مُحارَبَةِ اللهِ، ورَسُولِهِ،
﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ أيْ: اَلْيَهُودَ والمُنافِقِينَ،
﴿جَمِيعًا﴾، مُجْتَمِعِينَ، ذَوِي أُلْفَةٍ واتِّحادٍ،
﴿وَقُلُوبُهم شَتّى﴾، مُتَفَرِّقَةٌ، لا أُلْفَةَ بَيْنَها، يَعْنِي أنْ بَيْنَهم إحَنًا وعَداواتٍ، فَلا يَتَعاضَدُونَ حَقَّ التَعاضُدٍ، وهَذا تَجْسِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَشْجِيعٌ لِقُلُوبِهِمْ عَلى قِتالِهِمْ،
﴿ذَلِكَ﴾، اَلتَّفَرُّقُ،
﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾، أنَّ تَشَتُّتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهُمْ، ويُعِينُ عَلى أرْواحِهِمْ.
59:15Page 547
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَثَلُهم كَمَثَلِ أهْلِ "بَدْرٍ "، فَحَذَفَ المُبْتَدَأ،
﴿قَرِيبًا﴾ أيْ: اِسْتَقَرُّوا مِن قَبْلِهِمْ زَمَنًا قَرِيبًا،
﴿ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾، سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ، وعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، مِن قَوْلِهِمْ: "كَلَأٌ وبِيلٌ": وخِيمٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ، يَعْنِي: ذاقُوا عَذابَ القَتْلِ في الدُنْيا،
﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: ولَهم مَعَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ عَذابُ النارِ.
59:16Page 547
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."
﴿كَمَثَلِ الشَيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي (p-٤٦٢)أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَثَلُ المُنافِقِينَ في إغْرائِهِمُ اليَهُودَ عَلى القِتالِ، ووَعْدِهِمْ إيّاهُمُ النَصْرَ، ثُمَّ مُتارَكَتِهِمْ لَهُمْ، وإخْلافِهِمْ، كَمَثَلِ الشَيْطانِ إذا اسْتَغْوى الإنْسانَ بِكَيْدِهِ، ثُمَّ تَبَرَّأ مِنهُ في العاقِبَةِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ اسْتِغْواؤُهُ قُرَيْشًا يَوْمَ "بَدْرٍ "، وقَوْلُهُ لَهُمْ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ الناسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]
59:17Page 548
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧
So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.
﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما﴾، عاقِبَةَ الإنْسانِ الكافِرِ، والشَيْطانِ،
﴿أنَّهُما في النارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾، "عاقِبَتَهُما"، خَبَرُ "كانَ"، مُقَدَّمٌ، و"أنَّ"، مَعَ اسْمِها، وخَبَرِها - أيْ: "فِي النارِ" - في مَوْضِعِ الرَفْعِ، عَلى الِاسْمِ، و"خالِدَيْنِ"، حالٌ،
﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ﴾
59:18Page 548
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨
O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾، في أوامِرِهِ، فَلا تُخالِفُوها،
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾، نَكَّرَ النَفْسَ تَقْلِيلًا لِلْأنْفُسِ النَواظِرِ فِيما قَدَّمَتْ لِلْآخِرَةِ،
﴿ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، سَمّاهُ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، تَقْرِيبًا لَهُ، أوْ عَبَّرَ عَنِ الآخِرَةِ بِالغَدِ، كَأنَّ الدُنْيا والآخِرَةَ نَهارانِ: يَوْمٌ، وغَدٌ، وتَنْكِيرُهُ لِتَعْظِيمِ أمْرِهِ، أيْ أنَّهُ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ، وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: "مَكْتُوبٌ عَلى بابِ الجَنَّةِ: (وَجَدْنا ما عَمِلْنا، رَبِحْنا ما قَدَّمْنا، خَسِرْنا ما خَلَّفْنا)".
﴿واتَّقُوا اللهَ﴾، كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَقْوى تَأْكِيدًا، أوْ: واتَّقُوا اللهَ في أداءِ الواجِباتِ، لِأنَّهُ قُرِنَ بِما هو عَمَلٌ، واتَّقُوا اللهَ في تَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّهُ قُرِنَ بِما يُجْرى مُجْرى الوَعِيدِ، وهُوَ: ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾، وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى المُراقَبَةِ، لِأنَّ مَن عَلِمَ وقْتَ فِعْلِهِ أنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلى ما يَرْتَكِبُ مِنَ الذُنُوبِ، يَمْتَنِعُ عَنْهُ.
59:19Page 548
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩
And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.
﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللهَ﴾، تَرَكُوا ذِكْرَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وما أمَرَهم بِهِ، (p-٤٦٣)﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾، فَتَرَكَهم مِن ذِكْرِهِ بِالرَحْمَةِ والتَوْفِيقِ،
﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، اَلْخارِجُونَ عَنْ طاعَةِ اللهِ.
59:20Page 548
لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾، هَذا تَنْبِيهٌ لِلنّاسِ، وإيذانٌ بِأنَّهم لِفَرْطِ غَفْلَتِهِمْ، وقِلَّةِ فِكْرِهِمْ في العاقِبَةِ، وتَهالُكِهِمْ عَلى إيثارِ العاجِلَةِ، واتِّباعِ الشَهَواتِ، كَأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، والبَوْنَ العَظِيمَ بَيْنَ أصْحابِهِما، وأنَّ الفَوْزَ العَظِيمَ مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ، والعَذابَ الألِيمَ مَعَ أصْحابِ النارِ، فَمِن حَقِّهِمْ أنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، ويُنَبِّهُوا عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ لِمَن يَعُقُّ أباهُ: "هُوَ أبُوكَ"، تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَعْرِفُهُ، فَتُنَبِّهُهُ بِذَلِكَ عَلى حَقِّ الأُبُوَّةِ الَّذِي يَقْتَضِي البِرَّ، والتَعَطُّفَ، وقَدِ اسْتَدَلَّتِ الشافِعِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالكافِرِ، وأنَّ الكافِرَ لا يَمْلِكُ مالَ المُسْلِمِ بِالِاسْتِيلاءِ، وقَدْ أجَبْنا عَنْ مِثْلِ هَذا في "أُصُولُ الفِقْهِ"، و"اَلْكافِي"،
59:21Page 548
لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.
﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللهِ﴾ أيْ: مِن شَأْنِ القُرْآنِ وعَظَمَتِهِ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ في الجَبَلِ تَمْيِيزٌ، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَخَشَعَ، أيْ: لَخَضَعَ، وتَطَأْطَأ، وتَصَدَّعَ، أيْ: تَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا تَمْثِيلًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، وهي إشارَةٌ إلى هَذا المَثَلِ، وإلى أمْثالِهِ في مَواضِعَ مِنَ التَنْزِيلِ، والمُرادُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ، وقِلَّةِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، وتَدَبُّرِ قَوارِعِهِ، وزَواجِرِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى مَن أشْرَكَ، وشَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ، فَقالَ:
59:22Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢
He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ﴾ أيْ: اَلسِّرِّ، والعَلانِيَةِ، أوْ: اَلدُّنْيا، والآخِرَةِ، أوْ: اَلْمَعْدُومِ، والمَوْجُودِ،
﴿هُوَ الرَحْمَنُ الرَحِيمُ﴾
59:23Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣
He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
(p-٤٦٤)﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ﴾، اَلَّذِي لا يَزُولُ مُلْكُهُ،
﴿القُدُّوسُ﴾، اَلْمُنَزَّهُ عَنِ القَبائِحِ، وفي تَسْبِيحِ المَلائِكَةِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُوحِ"،
﴿السَلامُ﴾، اَلَّذِي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ، عَنِ الزَجّاجِ،
﴿المُؤْمِنُ﴾، واهِبُ الأمْنِ، وعَنِ الزَجّاجِ: اَلَّذِي آمَنَ الخَلْقَ مِن ظُلْمِهِ، أوْ: اَلْمُؤْمِنُ مِن عَذابِهِ مَن أطاعَهُ،
﴿المُهَيْمِنُ﴾، اَلرَّقِيبُ عَلى كُلِّ شَيْءِ، الحافِظُ لَهُ، "مُفَيْعِلٌ"، مِن "اَلْأمْنُ"، إلّا أنَّ هَمْزَتَهُ قُلِبَتْ هاءً،
﴿العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ، غَيْرُ المَغْلُوبِ،
﴿الجَبّارُ﴾، اَلْعالِي، العَظِيمُ، الَّذِي يَذِلُّ لَهُ مَن دُونَهُ، أوْ: اَلْعَظِيمُ الشَأْنِ في القُدْرَةِ والسُلْطانِ، أوْ: اَلْقَهّارُ ذُو الجَبَرُوتِ،
﴿المُتَكَبِّرُ﴾، اَلْبَلِيغُ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ،
﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، نَزَّهَ ذاتَهُ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
59:24Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤
He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5
﴿هُوَ اللهُ الخالِقُ﴾، اَلْمُقَدِّرُ لِما يُوجِدُهُ،
﴿البارِئُ﴾، اَلْمُوجِدُ،
﴿المُصَوِّرُ﴾، في الأرْحامِ،
﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾، اَلدّالَّةُ عَلى الصِفاتِ العُلا،
﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، خَتَمَ السُورَةَ بِما بَدَأ بِهِ.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: «سَألْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ الِاسْمِ الأعْظَمِ، فَقالَ: "عَلَيْكَ بِآخِرِ الحَشْرِ، فَأكْثِرْ قِراءَتَهُ"، فَأعَدْتُ عَلَيْهِ، فَأعادَ عَلَيَّ، فَأعَدْتُ عَلَيْهِ، فَأعادَ عَلَيَّ ».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences