An-NasafiAl‑An'am · 6:1–30

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

الأنعام

Al-An'am

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

6:1Page 128

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

(p-٤٨٩)سُورَةُ الأنْعامِ

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْلِيمُ اللَفْظِ والمَعْنى مَعَ تَعْرِيضِ الِاسْتِغْناءِ، أيِ: الحَمْدُ لَهُ وإنْ لَمْ تَحْمَدُوهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ﴾ جَمَعَ السَمَواتِ، لِأنَّها طِباقٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والأرْضُ وإنْ كانَتْ سَبْعَةً عِنْدَ الجُمْهُورِ، فَلَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، بَلْ بَعْضُها مُوالٍ لِبَعْضٍ. جَعَلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا كانَ بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ الظُلُماتِ والنُورَ﴾ وإلى مَفْعُولَيْنِ إنْ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُخْرُفُ: ١٩]. وفِيهِ رَدُّ قَوْلِ الثَنَوِيَّةِ بِقِدَمِ النُورِ والظُلْمَةِ، وأفْرَدَ النُورَ لِإرادَةِ الجِنْسِ، ولِأنَّ ظُلْمَةَ كُلِّ شَيْءٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ ذَلِكَ الشَيْءِ، نَظِيرُهُ: ظُلْمَةُ اللَيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ المَوْضِعِ المُظْلِمِ، يُخالِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها صاحِبَهُ. والنُورُ: ضَرْبٌ واحِدٌ، لا يَخْتَلِفُ كَما تَخْتَلِفُ الظُلُماتُ. وقَدَّمَ الظُلُماتِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "خَلَقَ اللهُ خَلْقَهُ في ظُلْمَةٍ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ، فَمَن أصابَهُ ذَلِكَ النُورُ اهْتَدى، ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ". »﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يُساوُونَ بِهِ الأوْثانَ، تَقُولُ: عَدَلْتُ هَذا بِذا، أيْ: ساوَيْتُهُ بِهِ. والباءُ في "بِرَبِّهِمْ" صِلَةٌ لِلْعَدْلِ، لا لِلْكُفْرِ. أوْ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ (p-٤٩٠)يَعْدِلُونَ﴾ عَنْهُ، أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْهُ، فَتَكُونُ الباءُ صِلَةً لِلْكُفْرِ، وصِلَةُ "يَعْدِلُونَ" أيْ: عَنْهُ: مَحْذُوفَةٌ. وعَطَفَ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى " الحَمْد لِلَّهِ " عَلى مَعْنى: أنَّ اللهَ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَ، لِأنَّهُ ما خَلَقَهُ إلّا نِعْمَةً، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ، فَيَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ. أوْ عَلى " خلق السماوات " عَلى مَعْنى: أنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، ومَعْنى "ثُمَّ" اسْتِبْعادُ أنْ يَعْدِلُوا بِهِ بَعْدَ وُضُوحِ آياتِ قُدْرَتِهِ.

6:2Page 128

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢

It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيِ: ابْتَدَأ خَلْقَ أصْلِكُمْ، يَعْنِي: آدَمَ مِنهُ ﴿ثُمَّ قَضى أجَلا﴾ أيْ: حَكَمَ أجْلَ المَوْتِ ﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أجْلُ القِيامَةِ. أوِ الأوَّلُ: ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثانِي: ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. أوِ الأوَّلُ: النَوْمُ، والثانِي: المَوْتُ. أوِ الثانِي هو الأوَّلُ، وتَقْدِيرُهُ: "وَ" هو " أجَل مُسَمّى " أيْ: مَعْلُومٌ، و" أجْل مُّسَمًّى " مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ "عِنْدَهُ". وقَدَّمَ المُبْتَدَأ - وإنْ كانَ نَكِرَةً والخَبَرُ ظَرْفًا- وحَقُّهُ التَأْخِيرُ، لِأنَّهُ تَخَصَّصَ بِالصِفَةِ، فَقارَبَ المَعْرِفَةَ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ تَشُكُّونَ، مَنَ المِرْيَةُ، أوْ تُجادِلُونَ، مِنَ المِراءِ. ومَعْنى "ثُمَّ": اسْتِبْعادُ أنْ يَمْتَرُوا فِيهِ بَعْدَ ما ثَبَتَ أنَّهُ مُحْيِيهِمْ، ومُمِيتُهُمْ، وباعِثُهم.

6:3Page 128

وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣

And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

﴿وَهُوَ اللهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿فِي السَماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى اسْمِ اللهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزُخْرُفُ: ٨٤]، أوْ هو المَعْرُوفُ بِالإلَهِيَّةِ فِيهِما، أوْ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللهُ فِيهِما، والأوَّلُ تَفْرِيعٌ عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ، وغَيْرُهُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ،

﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، أيْ: هو ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، ويُثِيبُ عَلَيْهِ، ويُعاقِبُ.

6:4Page 128

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾

٤ و"مِن" في ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ لِلِاسْتِغْراقِ، وفي ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: وما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَظَرُ، (p-٤٩١)والِاعْتِبارُ ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ تارِكِينَ لِلنَّظَرِ، لا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، لِقِلَّةِ خَوْفِهِمْ، وتَدَبُّرِهِمْ في العَواقِبِ.

6:5Page 128

فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ مَرْدُودٌ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ ﴿بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: بِما هو أعْظَمُ آيَةٍ وأكْبَرُها، هو القُرْآنُ، الَّذِي تَحَدُّوا بِهِ، فَعَجَزُوا عَنْهُ.

﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أنْباءَ الشَيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ، وهو القُرْآنُ، أيْ: أخْبارُهُ وأحْوالُهُ، يَعْنِي: سَيَعْلَمُونَ بِأيِّ شَيْءٍ اسْتَهْزَءُوا، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ، وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ.

6:6Page 128

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ هو مُدَّةُ انْقِضاءِ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، وهو ثَمانُونَ سَنَةً، أوْ سَبْعُونَ ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِـ "قَرْنٍ"، وجُمِعَ عَلى المَعْنى ﴿فِي الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ التَمْكِينُ في البِلادِ: إعْطاءُ المُكْنَةِ، والمَعْنى: لَمْ نُعْطِ أهْلَ مَكَّةَ نَحْوَ ما أعْطَيْنا عادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ والسَعَةِ، في الأمْوالِ، والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُنْيا ﴿وَأرْسَلْنا السَماءَ﴾ المَطَرَ.

﴿عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ كَثِيرًا، وهو حالٌ مِنَ السَماءِ ﴿وَجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ، والمَعْنى: عاشُوا في الخِصْبِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِمارِ، وسُقْيا الغَيْثِ المِدْرارِ ﴿فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ ولَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا ﴿وَأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ بَدَلًا مِنهم.

6:7Page 128

وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

﴿وَلَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا﴾ مَكْتُوبًا ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ في ورَقٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ هو لِلتَّأْكِيدِ لِئَلّا يَقُولُوا: ﴿سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحَجَرُ: ١٥]. ومِنَ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمِ: العُمْيُ.

﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا لِلْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ.

6:8Page 128

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.

(p-٤٩٢)﴿وَقالُوا لَوْلا﴾ هَلّا ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ﴾ عَلى النَبِيِّ ﷺ ﴿مَلَكٌ﴾ يُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ، فَقالَ اللهُ: ﴿وَلَوْ أنْـزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقُضِيَ أمْرُ هَلاكِهِمْ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَلِكًا في صُورَتِهِ زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَ. ومَعْنى "ثُمَّ" بُعْدُ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ: قَضاءِ الأمْرِ، وعَدَمِ الإنْظارِ، جَعَلَ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدَّ مِن قَضاءِ الأمْرِ، لِأنَّ مُفاجَأةُ الشِدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِدَّةِ.

6:9Page 129

وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩

And if We had made him [i.e., the messenger] an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves [i.e., confusion and doubt].

﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا﴾ ولَوْ جَعَلْنا الرَسُولَ مَلَكًا كَما اقْتَرَحُوا، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ تارَةً: لَوْلا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مَلَكٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، ولَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ لَأرْسَلْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ، كَما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في أعَمِّ الأحْوالِ في صُورَةِ دِحْيَةَ، لِأنَّهم لا يَبْقَوْنَ مَعَ رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ في صُوَرِهِمْ ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ ولَخَلَطْنا، وأشْكَلْنا عَلَيْهِمْ مِن أمْرِهِ إذا كانَ سَبِيلُهُ كَسَبِيلِكَ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّهم يَقُولُونَ إذا رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ الإنْسانِ: هَذا إنْسانٌ، ولَيْسَ بِمَلَكٍ، يُقالُ: لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ، وألْبَسْتُهُ: إذا أشْبَهْتَهُ، وأشْكَلْتَهُ عَلَيْهِمْ.

6:10Page 129

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ عَلى ما أصابَهُ مِنِ اسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَأحاطَ بِهِمُ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِ، وهو الحَقُّ، حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ. و"مِنهُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِـ "سَخِرُوا"، كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ [التَوْبَةُ: ٧٩]. والضَمِيرُ لِلرُّسُلِ، والدالُ مَكْسُورَةٌ عِنْدَ أبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وضَمَّها غَيْرُهُما إتْباعًا لِضَمِّ التاءِ.

6:11Page 129

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والفَرْقُ (p-٤٩٣)بَيْنَ "فانْظُرُوا" وبَيْنَ ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ أنَّ النَظَرَ جُعِلَ مُسَبَّبًا عَنِ السَيْرِ في "فانْظُرُوا" فَكَأنَّهُ قِيلَ: سِيرُوا لِأجْلِ النَظَرِ، ولا تَسِيرُوا سَيْرَ الغافِلِينَ. ومَعْنى﴿سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ إباحَةُ السَيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، وإيجابُ النَظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ونَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِـ "ثُمَّ" لِتَباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ.

6:12Page 129

قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allāh." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

﴿قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ "مَن" اسْتِفْهامٌ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي في مَوْضِعِ الرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، و"لِمَن" خَبَرُهُ،

﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُمْ، أيْ: هو لِلَّهِ لا خِلافَ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ولا تَقْدِرُونَ أنْ تُضِيفُوا مِنهُ شَيْئًا إلى غَيْرِهِ.

﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ﴾ أصْلُ كَتَبَ: أوْجَبَ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ الإجْراءُ عَلى ظاهِرِهِ، إذْ لا يَجِبُ عَلى اللهِ شَيْءٌ لِلْعَبْدِ، فالمُرادُ بِهِ: أنَّهُ وعَدَ ذَلِكَ وعْدًا مُؤَكِّدًا، وهو مُنْجِزُهُ لا مَحالَةَ، وذَكَرَ النَفْسَ لِلِاخْتِصاصِ، ورَفْعِ الوَسائِطِ، ثُمَّ أوْعَدَهم عَلى إغْفالِهِمُ النَظَرَ، وإشْراكِهِمْ بِهِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَيُجازِيكم عَلى إشْراكِكم.

﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليَوْمِ، أوْ في الجَمْعِ.

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ نَصْبٌ عَلى الذَمِّ، أيْ: أُرِيدُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقالَ الأخْفَشُ: "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِن "كُمْ" في "لَيَجْمَعَنَّكُمْ" أيْ: لِيَجْمَعَنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ، لِأنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: لا يَجُوزُ مَرَرْتَ بِيَ المِسْكِينِ، ولا بِكَ المِسْكِينِ، فَتَجْعَلُ المِسْكِينَ بَدَلًا مِنَ الياءِ، أوِ الكافِ، لِأنَّهُما في غايَةِ الوُضُوحِ، فَلا يَحْتاجانِ إلى البَدَلِ والتَفْسِيرِ.

6:13Page 129

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

﴿وَلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى "لِلَّهِ" ﴿ما سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ﴾ مِنَ السُكْنى، حَتّى يَتَناوَلَ الساكِنَ والمُتَحَرِّكَ، أوْ مِنَ السُكُونِ، ومَعْناهُ: ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ فِيهِما، فاكْتَفى بِأحَدِ الضِدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَحْلُ: ٨١] أيِ: الحَرُّ والبَرْدُ. وذَكَرَ السُكُونَ، لِأنَّهُ أكْثَرُ مِنَ الحَرَكَةِ، وهو احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا أنَّهُ خالِقُ الكُلِّ، ومُدَبِّرُهُ ﴿وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ (p-٤٩٤)كُلَّ مَسْمُوعٍ، ويَعْلَمُ كُلَّ مَعْلُومٍ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ المَلَوانِ.

6:14Page 129

قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤

Say, "Is it other than Allāh I should take as a protector, Creator of the heavens and earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allāh] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.'"

﴿قُلْ أغَيْرَ اللهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ ناصِرًا ومَعْبُودًا، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "أتَّخِذُ". والأوَّلُ "غَيْرَ". وإنَّما أدْخَلَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى مَفْعُولِ "أتَّخِذُ" لا عَلَيْهِ، لِأنَّ الإنْكارَ في اتِّخاذِ غَيْرِ اللهِ ولِيًّا، لا في اتِّخاذِ الوَلِيِّ، فَكانَ أحَقَّ بِالتَقْدِيمِ.

﴿فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ﴾ بِالجَرِّ، صِفَةٌ لِلَّهِ، أيْ: مُخْتَرِعُهُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ما عَرَفْتُ مَعْنى الفاطِرِ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعَرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، أيِ: ابْتَدَأْتُها.

﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ وهو يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، أيِ: المَنافِعُ كُلُّها مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ لِأنَّ النَبِيَّ سابِقٌ أُمَّتَهُ في الإسْلامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنْعامُ: ١٦٣] ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ لِي: " لا تَكُونُنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ". ولَوْ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ لَفْظًا لَقِيلَ: وألّا أكُونَ، والمَعْنى: أُمِرْتُ بِالإسْلامِ، ونُهِيتُ عَنِ الشِرْكِ.

6:15Page 129

قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: إنِّي أخافُ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وهو القِيامَةُ، إنْ عَصَيْتُ رَبِّي، فالشَرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ، مَحْذُوفُ الجَوابِ.

6:16Page 129

مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦

He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ العَذابُ ﴿يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ اللهُ الرَحْمَةَ العُظْمى، وهي النَجاةُ الظاهِرَةُ. (مَن يَصْرِفْ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ، أيْ: مَن يَصْرِفِ اللهُ عَنْهُ العَذابَ ﴿وَذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾

6:17Page 129

وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ مِن مَرَضٍ، أوْ فَقْرٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن بَلاياهُ (p-٤٩٥)﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾ فَلا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ إلّا هو ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن غِنًى، أوْ صِحَّةٍ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو قادِرٌ عَلى إدامَتِهِ، وإزالَتِهِ.

6:18Page 129

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2

﴿وَهُوَ القاهِرُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ: الغالِبُ المُقْتَدِرُ ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ: عالٍ عَلَيْهِمْ بِالقُدْرَةِ، والقَهْرُ: بُلُوغُ المُرادِ بِمَنعِ غَيْرِهِ عَنْ بُلُوغِهِ ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في تَنْفِيذِ مُرادِهِ ﴿الخَبِيرُ﴾ بِأهْلِ القَهْرِ مِن عِبادِهِ.

6:19Page 130

قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ١٩

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allāh is witness between me and you. And this Qur’ān was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches.1 Do you [truly] testify that with Allāh there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ "أيُّ شَيْءٍ" مُبْتَدَأٌ، و"أكْبَرُ" خَبَرُهُ، و"شَهادَةً" تَمْيِيزٌ، و"أيُّ" كَلِمَةٌ يُرادُ بِها بَعْضُ ما تُضافُ إلَيْهِ، فَإذا كانَتِ اسْتِفْهامًا كانَ جَوابُها مُسَمّى بِاسْمِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللهُ﴾ جَوابٌ، أيِ: اللهُ أكْبَرُ شَهادَةً، فَـ "اللهُ" مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ اسْمِ الشَيْءِ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا لِأنَّ الشَيْءَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ، ولا يُطْلَقُ عَلى المَعْدُومِ، واللهُ تَعالى مَوْجُودٌ فَيَكُونُ شَيْئًا، ولِذا نَقُولُ: اللهُ تَعالى شَيْءٌ لا كالأشْياءِ، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: هو ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ ﴿اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ لِأنَّهُ إذا كانَ اللهُ شَهِيدًا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَأكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً شَهِيدٌ لَهُ ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ أيْ: ومَن بَلَغَهُ القُرْآنُ إلى قِيامِ الساعَةِ، في الحَدِيثِ: « "مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى مُحَمَّدًا ﷺ". » و"مَن" في مَحَلِّ النَصْبِ بِالعَطْفِ عَلى "كُمْ". والمُرادُ بِهِ: أهْلُ مَكَّةَ، والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَن بَلَغَهُ، وفاعِلُ بَلَغَ ضَمِيرُ القُرْآنِ.

﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، وتَبْكِيتٍ ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ بِما تَشْهَدُونَ. وكَرَّرَ ﴿قُلْ﴾ تَوْكِيدًا ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ "ما": كافَّةٌ لِـ "أنَّ" عَنِ العَمَلِ، و"هُوَ" مُبْتَدَأٌ، و"إلَهٌ" خَبَرُهُ، و"واحِدٌ" صِفَةٌ، أوْ بِمَعْنى "الَّذِي" في مَحَلِّ النَصْبِ بِـ (p-٤٩٦)"إنَّ"، و"هُوَ" مُبْتَدَأٌ، و"إلَهٌ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ الَّذِي، و"واحِدٌ" خَبَرُ إنَّ، وهَذا الوَجْهُ أوْقَعُ ﴿وَإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ بِهِ.

6:20Page 130

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠

Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ والنَصارى. والكِتابُ: التَوْراةُ، والإنْجِيلُ.

﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ: رَسُولَ اللهِ ﷺ بِحِلْيَتِهِ، ونَعْتِهِ الثابِتِ في الكِتابَيْنِ.

﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بِحِلاهُمْ، ونُعُوتِهِمْ، وهَذا اسْتِشْهادٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِمَعْرِفَةِ أهْلِ الكِتابِ بِهِ، وبِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ، ومِن أهْلِ الكِتابِ الجاحِدِينَ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ.

6:21Page 130

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

﴿وَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ مَعْنى النَفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ لِنَفْسِهِ، والظُلْمُ: وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأشْنَعُهُ: اتِّخاذُ المَخْلُوقِ مَعْبُودًا.

﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ اخْتَلَقَ،

﴿عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ فَيَصِفُهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ بِالقُرْآنِ، والمُعْجِزاتِ.

﴿إنَّهُ﴾ إنَّ الأمْرَ، والشَأْنَ ﴿لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ باطِلَيْنِ، فَكَذَبُوا عَلى اللهِ ما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وكَذَّبُوا بِما ثَبَتَ بِالحُجَّةِ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، وسَمَّوُا القُرْآنَ والمُعْجِزاتِ: سِحْرًا.

6:22Page 130

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ هو مَفْعُولٌ بِهِ، والتَقْدِيرُ: "وَ" اذْكُرْ " يَوْم نَحْشُرُهم ".

﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ، تَوْبِيخًا، وبِالياءِ فِيهِما: يَعْقُوبُ.

﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ اللهِ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ.

6:23Page 130

ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ وبِالياءِ، حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ كُفْرُهم ﴿إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِينَ لَزِمُوهُ أعْمارَهُمْ، وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا جُحُودَهُ، والتَبَرُّؤَ مِنهُ، والحَلِفَ عَلى الِانْتِفاءِ مِنَ التَدَيُّنِ بِهِ، أوْ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا أنْ قالُوا، فَسُمِّيَ فِتْنَةً لِأنَّهُ كَذِبٌ، وبِرَفْعِ الفِتْنَةِ: مَكِّيٌّ، (p-٤٩٧)وَشامِيٌّ، وحَفْصٌ، فَمَن قَرَأ: (تَكُنْ) بِالتاءِ، ورَفْعِ الفِتْنَةِ، فَقَدْ جَعَلَ الفِتْنَةَ اسْمَ تَكُنْ، و" أنّ قالُوا " الخَبَرُ، أيْ: لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا قَوْلَهُمْ، ومَن قَرَأ بِالياءِ ونَصْبِ الفِتْنَةِ حَمَلَ عَلى المَقالَةِ. (رَبَّنا) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، عَلى النِداءِ، أيْ: يا رَبَّنا، وغَيْرُهُما بِالجَرِّ عَلى النَعْتِ مِنِ اسْمِ اللهِ.

6:24Page 130

ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

﴿انْظُرْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِقَوْلِهِمْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ.قالَ مُجاهِدٌ: إذا جَمَعَ اللهُ الخَلائِقَ، ورَأى المُشْرِكُونَ سَعَةَ رَحْمَةِ اللهِ، وشَفاعَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: تَعالَوْا نَكْتُمِ الشِرْكَ لَعَلَّنا نَنْجُو مَعَ أهْلِ التَوْحِيدِ، فَإذا قالَ اللهُ لَهُمْ: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنْعامُ: ٢٢]. قالُوا: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامُ: ٢٣]. فَيَخْتِمُ اللهُ عَلى أفْواهِهِمْ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم.

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وغابَ عَنْهم ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ إلَهِيَّتَهُ، وشَفاعَتَهُ.

6:25Page 130

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥

And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ، رُوِيَ «أنَّهُ اجْتَمَعَ أبُو سُفْيانَ، والوَلِيدُ، والنَضْرُ، وأضْرابُهم يَسْتَمِعُونَ تِلاوَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ؟ فَقالَ: واللهِ ما أدْرِي ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ إلّا أنَّهُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ، ويَقُولُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما حَدَّثْتُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأراهُ حَقًّا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا، فَنَزَلَتْ ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ » أغْطِيَةً، جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِطاءُ، مِثْلُ عِنانٍ وأعِنَّةٍ.

﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كَراهَةَ ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ ثِقْلًا يَمْنَعُ مِنَ السَمْعِ، ووُحِّدَ الوَقْرُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو عَطْفٌ عَلى أكِنَّةٍ، وهو حُجَّةٌ لَنا في الأصْلَحِ عَلى المُعْتَزِلَةِ.

﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "حَتّى" هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، والجُمْلَةُ قَوْلُهُ: ( إذا جاءُوكَ... يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ). و﴿يُجادِلُونَكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ (p-٤٩٨)أنْ تَكُونَ جارَّةً، ويَكُونُ ﴿إذا جاءُوكَ﴾ في مَوْضِعِ الجَرِّ بِمَعْنى حَتّى وقَتِ مَجِيئِهِمْ. و﴿يُجادِلُونَكَ﴾ حالٌ، و﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ. والمَعْنى: أنَّهُ بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ إلى أنَّهم يُجادِلُونَكَ ويُناكِرُونَكَ، وفَسَّرَ مُجادَلَتَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ هَذا﴾ ما القُرْآنُ ﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ فَيَجْعَلُونَ كَلامَ اللهِ أكاذِيبَ، وواحِدُ الأساطِيرِ: أُسْطُورَةٌ.

6:26Page 130

وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

﴿وَهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يَنْهَوْنَ الناسَ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنِ الرَسُولِ، وأتْباعِهِ، والإيمانِ بِهِ ﴿وَيَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ ويَبْعُدُونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ، فَيَضِلُّونَ ويُضِلُّونَ.

﴿وَإنْ يُهْلِكُونَ﴾ بِذَلِكَ ﴿إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا يَتَعَدّاهُمُ الضَرَرُ إلى غَيْرِهِمْ، وإنْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم يَضُرُّونَ رَسُولَ اللهِ. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ أبُو طالِبٍ، لِأنَّهُ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنِ التَعَرُّضِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ويَنْأى عَنْهُ فَلا يُؤْمِنُ بِهِ، والأوَّلُ أشْبَهُ.

6:27Page 130

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

﴿وَلَوْ تَرى﴾ حُذِفَ جَوابُهُ، أيْ: ولَوْ تَرى لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا ﴿إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ﴾ أُرُوها حَتّى يُعايِنُوها، أوْ حُبِسُوا عَلى الصِراطِ فَوْقَ النارِ ﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ إلى الدُنْيا، تَمَنَّوُا الرَدَّ إلى الدُنْيا لِيُؤْمِنُوا، وتَمَّ تَمَنِّيهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَءُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ واعِدِينَ الإيمانَ، كَأنَّهم قالُوا: ونَحْنُ لا نُكَذِّبُ، ونُؤْمِنُ. (وَلا نُكَذِّبَ، ونَكُونَ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وحَفْصٌ، عَلى جَوابِ التَمَنِّي بِالواوِ، وبِإضْمارِ أنْ، ومَعْناهُ: إنْ رُدِدْنا لَمْ نُكَذِّبْ، ونَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وافَقَهُما في (وَنَكُونَ) شامِيٌّ.

6:28Page 131

بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

﴿بَلْ﴾ لِلْإضْرابِ عَنِ الوَفاءِ بِما تَمَنَّوْا ﴿بَدا لَهُمْ﴾ ظَهَرَ لَهم ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ مِنَ الناسِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ في الدُنْيا مِن قَبائِحِهِمْ، وفَضائِحِهِمْ في صُحُفِهِمْ.

وَقِيلَ: هو في المُنافِقِينَ، وأنَّهُ يَظْهَرُ نِفاقُهُمُ الَّذِي كانُوا يُسِرُّونَهُ، أوْ في أهْلِ الكِتابِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لَهم ما كانُوا يُخْفُونَهُ مِن صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿وَلَوْ (p-٤٩٩)رُدُّوا﴾ إلى الدُنْيا بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى النارِ ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما وعَدُوا مِن أنْفُسِهِمْ، لا يُوفُونَ بِهِ.

6:29Page 131

وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

﴿وَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "لَعادُوا" أيْ: ولَوْ رُدُّوا لَكَفَرُوا، ولَقالُوا: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ كَما كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مُعايَنَةِ القِيامَةِ [أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: وإنَّهم لَقَوْمٌ كاذِبُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ ]. و"هِيَ" كِنايَةٌ عَنِ الحَياةِ، أوْ هو ضَمِيرُ القِصَّةِ ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

6:30Page 131

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."

﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ لِلتَّوْبِيخِ والسُؤالِ، كَما يُوقَفُ العَبْدُ الجانِي بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ لِيُعاقِبَهُ، أوْ وُقِفُوا عَلى جَزاءِ رَبِّهِمْ ﴿قالَ﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم رَبُّهم إذْ وُقِفُوا عَلَيْهِ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿ألَيْسَ هَذا﴾ أيِ: البَعْثُ ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالكائِنِ المَوْجُودِ، وهَذا تَعْيِيرٌ لَهم عَلى التَكْذِيبِ لِلْبَعْثِ، وقَوْلِهِمْ لِما كانُوا يَسْمَعُونَ مِن حَدِيثِ البَعْثِ: ما هو بِحَقٍّ ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ أقَرُّوا، وأكَّدُوا الإقْرارَ بِاليَمِينِ ﴿قالَ﴾ اللهُ تَعالى ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِكُفْرِكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском