An-NasafiAl‑An'am · 6:60–91

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:60–91

6:60Page 135

وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠

And it is He who takes your souls by night1 and knows what you have committed by day. Then He revives you therein [i.e., by day] that a specified term2 may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.

ثُمَّ خاطَبَ الكَفَرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ﴾ أيْ: يَقْبِضُ أنْفُسَكم عَنِ التَصَرُّفِ بِالتَمامِ في المَنامِ ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَهارِ﴾ كَسَبْتُمْ فِيهِ مِنَ الآثامِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ ثُمَّ يُوقِظُكم في النَهارِ، أوِ التَقْدِيرُ: ثُمَّ يَبْعَثُكم في النَهارِ، ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ فِيهِ، فَقَدَّمَ الكَسْبَ، لِأنَّهُ أهَمُّ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ لا يَعْلَمُ ما جَرَحْنا بِاللَيْلِ، ولا أنَّهُ لا يَتَوَفّانا بِالنَهارِ، فَدَلَّ أنَّ تَخْصِيصَ الشَيْءِ بِالذِكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ لَتُوَفّى الآجالُ عَلى الِاسْتِكْمالِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في لَيْلِكم ونَهارِكم. قالَ بَعْضُ أهْلِ الكَلامِ: إنَّ لِكُلِّ حاسَّةٍ مِن هَذِهِ الحَواسِّ رُوحًا تُقْبَضُ عِنْدَ النَوْمِ، ثُمَّ تُرَدُّ إلَيْها إذا ذَهَبَ النَوْمُ فَأمّا الرُوحُ الَّتِي تَحْيا بِها النَفْسُ، فَإنَّها لا تُقْبَضُ إلّا عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ. والمُرادُ بِالأرْواحِ: المَعانِي والقُوى الَّتِي تَقُومُ بِالحَواسِّ، ويَكُونُ بِها السَمْعُ، والبَصَرُ، والأخْذُ، والمَشْيُ، والشَمُّ. ومَعْنى ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ أيْ: يُوقِظُكُمْ، ويَرُدُّ إلَيْكم أرْواحَ الحَواسِّ. فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، لِأنَّهُ بِالنَوْمِ يُذْهِبُ أرْواحَ هَذِهِ الحَواسِّ، ثُمَّ يَرُدُّها إلَيْها، فَكَذا يُحْيِي الأنْفُسَ بَعْدَ مَوْتِها.

6:61Page 135

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].

﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ مَلائِكَةً حافِظِينَ لِأعْمالِكُمْ، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أزْجَرَ لِلْعِبادِ عَنِ ارْتِكابِ الفَسادِ (p-٥١١)إذا تَفَكَّرُوا أنْ صَحائِفَهم تُقْرَأُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ "حَتّى" لِغايَةِ حِفْظِ الأعْمالِ، أيْ: وذَلِكَ دَأْبُ المَلائِكَةِ مَعَ المُكَلَّفِ مُدَّةَ الحَياةِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ المَماتُ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أيِ: اسْتَوْفَتْ رُوحَهُ، وهُمْ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، (تَوَفِّيهُ واسْتَوْفِيهُ) بِالإمالَةِ حَمْزَةُ. (رُسْلُنا) أبُو عَمْرٍو ﴿وَهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ لا يَتَوانَوْنَ، ولا يُؤَخِّرُونَ.

6:62Page 135

ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢

Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ﴾ إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ، أيْ: رُدَّ المُتَوَفَّوْنَ بَرْدِّ المَلائِكَةِ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ مالِكُهُمُ الَّذِي يَلِي عَلَيْهِمْ أُمُورُهم ﴿الحَقِّ﴾ العَدْلِ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وهُما صِفَتانِ لِلَّهِ ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ يَوْمَئِذٍ، لا حُكْمَ فِيهِ لِغَيْرِهِ.

﴿وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ، يُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلْقِ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ، وقِيلَ: الرَدُّ إلى مَن رَبّاكَ خَيْرٌ مِنَ البَقاءِ مَعَ مَن آذاكَ.

6:63Page 135

قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ (يُنْجِيكُمْ) ابْنُ عَبّاسٍ ﴿مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مَجازٌ عَنْ مَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما، أوْ ظُلُماتُ البَرِّ: الصَواعِقُ، والبَحْرُ: الأمْواجُ، وكِلاهُما في الغَيْمِ واللَيْلِ ﴿تَدْعُونَهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في " يُنَجِّيكم " ﴿تَضَرُّعًا﴾ مُعْلِنِينَ الضَراعَةَ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. وكَذا ﴿وَخُفْيَةً﴾ أيْ: مُسِرِّينَ في أنْفُسِكم. (خِفْيَةً) حَيْثُ كانَ: أبُو بَكْرٍ، وهُما لُغَتانِ. (لَّئِنْ أنْجانا) عاصِمٌ. وبِالإمالَةِ: حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. الباقُونَ: (أنْجَيْتَنا). والمَعْنى: يَقُولُونَ لَئِنْ خَلَّصْتَنا.

﴿مِن هَذِهِ﴾ الظُلُماتِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ لِلَّهِ تَعالى.

6:64Page 135

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤

Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾

٦٤ (قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ) بِالتَشْدِيدِ: كُوفِيٌّ.

﴿مِنها﴾ مِنَ الظُلُماتِ ﴿وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ وغَمٍّ، وحُزْنٍ.

﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ولا تَشْكُرُونَ.

6:65Page 135

قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

﴿قُلْ هو القادِرُ﴾ هو الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ قادِرًا، أوْ هو الكامِلُ القُدْرَةِ، فاللامُ يَحْتَمِلُ العَهْدَ والجِنْسَ.

﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ كَما أمْطَرَ عَلى قَوْمِ (p-٥١٢)لُوطٍ، وعَلى أصْحابِ الفِيلِ الحِجارَةَ.

﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ كَما غَرَّقَ فِرْعَوْنَ، وخَسَفَ بِقارُونَ. أوْ مِن قِبَلِ سَلاطِينِكم وسَفِلَتِكُمْ، أوْ هو حَبْسُ المَطَرِ، والنَباتِ.

﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ أوْ يَخْلِطَكم فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنكم مُشايِعَةٌ لِإمامٍ. ومَعْنى خَلْطِهِمْ: أنْ يَنْشِبَ القِتالُ بَيْنَهُمْ، فَيَخْتَلِطُوا، ويَشْتَبِكُوا في مَلاحِمِ القِتالِ.

﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا. والبَأْسُ: السَيْفُ، وعَنْهُ ﷺ: « "سَألْتُ اللهَ تَعالى أنْ لا يَبْعَثَ عَلى أُمَّتِي عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ، أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، فَأعْطانِي ذَلِكَ، وسَألْتُهُ ألّا يَجْعَلَ بَأْسَهم بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِي، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ: أنَّ فَناءَ أُمَّتِي بِالسَيْفِ" »﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾

6:66Page 135

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."

﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ، أوْ بِالعَذابِ ﴿قَوْمُكَ﴾ قُرَيْشٌ ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾ أيِ: الصِدْقُ، أوْ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ بِحَفِيظٍ وُكِّلَ إلَيَّ أمْرُكُمْ، إنَّما أنا مُنْذِرٌ.

6:67Page 135

لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧

For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ لِكُلِّ شَيْءٍ يُنْبَأُ بِهِ، يَعْنِي: إنْباءَهم بِأنَّهم يُعَذَّبُونَ، وإيعادَهم بِهِ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقْتُ اسْتِقْرارٍ وحُصُولٍ لا بُدَّ مِنهُ ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ.

6:68Page 135

وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨

And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ أيِ: القُرْآنِ، يَعْنِي: يَخُوضُونَ في الِاسْتِهْزاءِ بِها، والطَعْنِ فِيها، وكانَتْ قُرَيْشٌ في أنْدِيَتِهِمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.

﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُجالِسْهُمْ، وقُمْ عَنْهُمْ،

﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ غَيْرِ القُرْآنِ مِمّا يَحِلُّ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ تُجالِسَهم ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَيْطانُ﴾ ما نُهِيتَ عَنْهُ. (يُنَسِيَنَّكَ) (p-٥١٣)شامِيٌّ. نَسّى وأنْسى واحِدٌ.

﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِكْرى﴾ بَعْدَ أنْ تَذْكُرَ ﴿مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾

6:69Page 136

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩

And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ﴾ مِن حِسابِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في القُرْآنِ تَكْذِيبًا، واسْتِهْزاءً ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وما يَلْزَمُ المُتَّقِينَ الَّذِينَ يُجالِسُونَهم شَيْءٌ مِمّا يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ مِن ذُنُوبِهِمْ.

﴿وَلَكِنْ﴾ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم " ذِكْرِي " إذا سَمِعُوهم يَخُوضُونَ، بِالقِيامِ عَنْهُمْ، وإظْهارِ الكَراهَةِ لَهُمْ، ومَوْعِظَتِهِمْ. ومَحَلُّ "ذِكْرى" نَصْبٌ، أيْ: ولَكِنْ يُذَكِّرُونَهم "ذِكْرى"، أيْ: تَذْكِيرًا، أوْ رَفْعٌ، والتَقْدِيرُ: ولَكِنْ عَلَيْهِمْ ذِكْرى، فَذِكْرى: مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: مَحْذُوفٌ.

﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ لَعَلَّهم يَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَياءً، أوْ كَراهَةً لِمَساءَتِهِمْ.

6:70Page 136

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with it [i.e., the Qur’ān], lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allāh no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it [i.e., that soul]. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الَّذِي كُلِّفُوهُ، ودُعُوا إلَيْهِ، وهُوَ: دِينُ الإسْلامِ.

﴿لَعِبًا ولَهْوًا﴾ سَخِرُوا بِهِ، واسْتَهْزَءُوا، ومَعْنى ذَرْهُمْ: أعْرِضْ عَنْهُمْ، ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، واسْتِهْزائِهِمْ. واللهْوُ: ما يَشْغَلُ الإنْسانَ مِن هَوًى، أوْ طَرَبٍ.

﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وذَكِّرْ بِهِ﴾ وعِظْ بِالقُرْآنِ ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ مَخافَةَ أنْ تُسْلَمَ إلى الهَلَكَةِ والعَذابِ، وتُرْتَهَنَ بِسُوءٍ كَسْبِها، وأصْلُ الإبْسالِ: المَنعُ.

﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ ولِيٌّ﴾ يَنْصُرُها بِالقُوَّةِ ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ يَدْفَعُ عَنْها بِالمَسْألَةِ، ولا وقْفَ عَلى "كَسَبَتْ" في الصَحِيحِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ لَها﴾ صِفَةٌ لِنَفْسٍ، والمَعْنى: وذَكِّرْ بِالقُرْآنِ كَراهَةَ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ، عادِمَةً ولِيًّا، وشَفِيعًا بِكَسْبِها.

﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وإنْ تَفِدْ كُلَّ فِداءٍ، والعَدْلُ: الفِدْيَةُ، لِأنَّ الفادِيَ يَعْدِلُ المَفْدِيَّ بِمِثْلِهِ، وفاعِلُ ﴿لا يُؤْخَذْ﴾ " مِنها " لا ضَمِيرُ العَدْلِ، لِأنَّ العَدْلَ هُنا مَصْدَرٌ، فَلا يُسْنَدُ إلَيْهِ الأخْذُ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البَقَرَةُ: ٤٨] فَبِمَعْنى المَفْدِيِّ بِهِ، فَصَحَّ إسْنادُهُ إلَيْهِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُتَّخِذِينَ مِن دِينِهِمْ لَعِبًا ولَهْوًا، وهو مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: (p-٥١٤)﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: ماءٌ سَخِينٌ حارٌّ. خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ، والتَقْدِيرُ: أُولَئِكَ المُبْسَلُونَ ثابِتٌ لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وَعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بِكُفْرِهِمْ.

6:71Page 136

قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧١

Say, "Shall we invoke1 instead of Allāh that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allāh has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.'"2 Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

﴿قُلْ﴾ لِأبِي بَكْرٍ، يَقُلْ لِابْنِهِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وكانَ يَدْعُو أباهُ إلى عِبادَةِ الأوْثانِ "أنَدْعُو" أنَعْبُدُ ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ الضارِّ النافِعِ ﴿ما لا يَنْفَعُنا﴾ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا إنْ دَعَوْناهُ ﴿وَلا يَضُرُّنا﴾ إنْ تَرَكْناهُ ﴿وَنُرَدُّ﴾ وأنُرَدُّ ﴿عَلى أعْقابِنا﴾ راجِعِينَ إلى الشِرْكِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللهُ﴾ لِلْإسْلامِ، وأنْقَذَنا مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ﴾ كالَّذِي ذَهَبَتْ بِهِ الغِيلانُ، ومَرَدَةُ الجِنِّ. والكافُ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في " نُرَدُّ عَلى أعْقابِنا " أيْ: أنَنْكِصُ مُشْبِهِينَ مَنِ اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ، وهو اسْتِفْعالٌ مِن: هَوى في الأرْضِ: إذا ذَهَبَ فِيها، كَأنَّ مَعْناهُ: طَلَبَتْ هُوِيَّهُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ في المَهْمَهِ ﴿حَيْرانَ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ اسْتَهْوَتْهُ، أيْ: تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ، لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ ﴿لَهُ﴾ لِهَذا المُسْتَهْوِي ﴿أصْحابٌ﴾ رُفْقَةٌ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ إلى أنْ يَهْدُوهُ الطَرِيقَ، سُمِّيَ الطَرِيقُ المُسْتَقِيمُ: بِالهُدى، يَقُولُونَ لَهُ: ﴿ائْتِنا﴾ وقَدِ اعْتَسَفَ المَهْمَهَ تابِعًا لِلْجِنِّ لا يُجِيبُهُمْ، ولا يَأْتِيهِمْ. وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما يُقالُ: إنَّ الجِنَّ تَسْتَهْوِي الإنْسانَ، والغِيلانَ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ. فَشُبِّهَ بِهِ الضالُّ عَنْ طَرِيقِ الإسْلامِ، التابِعُ لِخُطُواتِ الشَيْطانِ، والمُسْلِمُونَ يَدْعُونَهُ إلَيْهِ، فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللهِ﴾ وهو الإسْلامُ ﴿هُوَ الهُدى﴾ وحْدَهُ، وما وراءَهُ ضَلالٌ ﴿وَأُمِرْنا﴾ مَحَلُّهُ (p-٥١٥)النَصْبِ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ ﴿إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى﴾ عَلى أنَّهُما مَقُولانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ هَذا القَوْلَ، وقُلْ: أُمِرْنا.

﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

6:72Page 136

وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٢

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَلاةَ﴾ والتَقْدِيرُ: وأُمِرْنا لِأنْ نُسْلِمَ، ولِأنْ أقِيمُوا، أيْ: لِلْإسْلامِ ولِإقامَةِ الصَلاةِ.

﴿واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.

6:73Page 136

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ وَيَوۡمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُۚ قَوۡلُهُ ٱلۡحَقُّۚ وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٧٣

And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day [i.e., whenever] He says, "Be," and it is, His word is the truth.1 And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen2 and the witnessed;3 and He is the Wise, the Aware.

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ بِالحِكْمَةِ، أوْ مُحِقًّا،

﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ عَلى الخَبَرِ دُونَ الجَوابِ ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ خَبَرُهُ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: يَوْمَ الجُمْعَةِ قَوْلُكَ الصِدْقَ، أيْ: قَوْلُكَ الصِدْقَ كانَ يَوْمَ الجُمْعَةِ. واليَوْمُ بِمَعْنى الحِينِ، والمَعْنى: أنَّهُ خَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ والحِكْمَةِ، وحِينَ يَقُولُ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ: كُنْ فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَيْءُ قَوْلُهُ الحَقُّ والحِكْمَةُ، أيْ: لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ السَمَواتِ والأرْضِ وسائِرِ المُكَوَّناتِ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ.

﴿وَلَهُ المُلْكُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ المُلْكُ﴾ ﴿فِي الصُورِ﴾ هو القَرْنُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، أوْ جَمْعُ صُورَةٍ،

﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ هو عالِمُ الغَيْبِ ﴿والشَهادَةِ﴾ أيِ: السِرِّ والعَلانِيَةِ ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في الإفْناءِ والإحْياءِ ﴿الخَبِيرُ﴾ بِالحِسابِ والجَزاءِ.

6:74Page 137

۞ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٧٤

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father Āzar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ هو اسْمُ أبِيهِ، أوْ لَقَبُهُ، لِأنَّهُ خِلافٌ بَيْنَ النَسّابِينَ أنَّ اسْمَ أبِيهِ تارِحُ، وهو عَطْفُ بَيانٍ لِأبِيهِ، وزْنُهُ فاعِلٌ ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، أيْ: أتَتِّخِذُها آلِهَةً، وهي لا تَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

(p-٥١٦)

6:75Page 137

وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith].

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: وكَما أرَيْناهُ قُبْحَ الشِرْكِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: نُرِي بَصِيرَتَهُ لَطائِفَ خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ. و"نُرِي" حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والمَلَكُوتُ أبْلَغُ مِنَ المُلْكِ، لِأنَّ الواوَ والتاءَ تُزادانِ لِلْمُبالَغَةِ. قالَ مُجاهِدٌ: فُرِجَتْ لَهُ السَمَواتُ السَبْعُ، فَنَظَرَ إلى ما فِيهِنَّ، حَتّى انْتَهى نَظَرُهُ إلى العَرْشِ، وفُرِجَتْ لَهُ الأرَضُونَ السَبْعُ، حَتّى نَظَرَ إلى ما فِيهِنَّ ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ، أوْ لِيَسْتَدِلَّ ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ عِيانًا، كَما أيْقَنَ بَيانًا.

6:76Page 137

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord."1 But when it set, he said, "I like not those that set [i.e., disappear]."

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَيْلُ﴾ أيْ: أظْلَمَ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أيِ: الزُهْرَةَ، أوِ المُشْتَرِي. وكانَ أبُوهُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، والشَمْسَ، والقَمَرَ، والكَواكِبَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ في دِينِهِمْ، وأنْ يُرْشِدَهم إلى طَرِيقِ النَظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويُعَرِّفَهُمْ: أنَّ النَظَرَ الصَحِيحَ مُؤَدٍّ إلى أنَّ شَيْئًا مِنها لَيْسَ بِإلَهٍ لِقِيامِ دَلِيلِ الحُدُوثِ فِيها، ولِأنَّ لَها مُحْدِثًا أحْدَثَها، ومُدَبِّرًا دَبَّرَ طُلُوعَها، وأُفُولَها، وانْتِقالَها، ومَسِيرَها، وسائِرَ أحْوالِها. فَلَمّا رَأى الكَوْكَبَ الَّذِي كانُوا يَعْبُدُونَهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ أيْ: قالَ لَهُمْ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ في زَعْمِكُمْ، أوِ المُرادُ أهَذا؟ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإنْكارًا عَلَيْهِمْ. والعَرَبُ تَكْتَفِي عَنْ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ بِنَغْمَةِ الصَوْتِ، والصَحِيحُ أنَّ هَذا قَوْلُ مَن يُنْصِفُ خَصْمَهُ، مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ مُبْطِلٌ، فَيَحْكِي قَوْلَهُ كَما هو غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبِهِ، لِأنَّهُ أدْعى إلى الحَقِّ، وأنْجى مِنَ الشَغَبِ، ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِ بَعْدَ حِكايَتِهِ، فَيُبْطِلُهُ بِالحُجَّةِ ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ غابَ ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أيْ: لا أُحِبُّ عِبادَةَ الأرْبابِ المُتَغَيِّرِينَ عَنْ حالٍ إلى حالٍ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ.

6:77Page 137

فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ مُبْتَدِئًا في الطُلُوعِ ﴿قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ (p-٥١٧)يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضالِّينَ﴾ نَبَّهَ قَوْمَهُ عَلى أنَّ مَنِ اتَّخَذَ القَمَرَ إلَهًا فَهو ضالٌّ، وإنَّما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالأُفُولِ دُونَ البُزُوغِ، وكِلاهُما انْتِقالٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، لِأنَّ الِاحْتِجاجَ بِهِ أظْهَرُ، لِأنَّهُ انْتِقالٌ مَعَ خَفاءٍ، واحْتِجابٍ.

6:78Page 137

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٧٨

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allāh.

﴿فَلَمّا رَأى الشَمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ وإنَّما ذَكَّرَهُ، لِأنَّهُ أرادَ: الطالِعَ، أوْ لِأنَّهُ جَعَلَ المُبْتَدَأ مِثْلَ الخَبَرِ، لِأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ مَعْنًى، وفِيهِ صِيانَةُ الرَبِّ عَنْ شُبْهَةِ التَأْنِيثِ، ولِهَذا قالُوا في صِفاتِ اللهِ تَعالى: عَلّامٌ، ولَمْ يَقُولُوا: عَلّامَةٌ، وإنْ كانَ الثانِي أبْلَغَ، تَفادِيًا مِن عَلامَةِ التَأْنِيثِ ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ مِن بابِ اسْتِعْمالِ الصِفَةِ أيْضًا مَعَ خُصُومِهِ ﴿فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِخالِقِها. وقِيلَ: هَذا كانَ نَظَرَهُ واسْتِدْلالَهُ في نَفْسِهِ، فَحَكاهُ اللهُ تَعالى، والأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾

6:79Page 137

إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩

Indeed, I have turned my face [i.e., self] toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allāh."

﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: لِلَّذِي دَلَّتْ هَذِهِ المُحْدَثاتِ عَلى أنَّهُ مُنْشِئُها ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ، أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ كُلِّها إلّا الإسْلامَ ﴿وَما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بِاللهِ شَيْئًا مِن خَلْقِهِ.

6:80Page 137

وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allāh while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى، ونَفْيِ الشُرَكاءِ عَنْهُ ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللهِ﴾ في تَوْحِيدِهِ (أتُحاجُّونِي) مَدَنِيٌّ، وابْنُ ذَكْوانَ ﴿وَقَدْ هَدانِي﴾ إلى التَوْحِيدِ، والياءُ في الوَصْلِ: أبُو عَمْرٍو. ولَمّا خَوَّفُوهُ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تُصِيبُهُ بِسُوءٍ قالَ: ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ: لا أخافُ مَعْبُوداتِكم في وقْتٍ قَطُّ، لِأنَّها لا تَقْدِرُ عَلى مَنفَعَةٍ ولا مَضَرَّةٍ إلّا إذا شاءَ رَبِّي أنْ يُصِيبَنِي مِنها بِضُرٍّ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ فِيما شاءَ نَفْعًا، وفِيما شاءَ ضَرًّا، لا الأصْنامُ (p-٥١٨)﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَلا يُصِيبُ عَبْدًا شَيْءٌ مِن ضُرٍّ أوْ نَفْعٍ إلّا بِعِلْمِهِ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فَتَمَيَّزُوا بَيْنَ القادِرِ والعاجِزِ.

6:81Page 137

وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allāh that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?"

﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ مَعْبُوداتِكُمْ، وهي مَأْمُونَةُ الخَوْفِ ﴿وَلا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ بِإشْراكِهِ ﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ حُجَّةً، إذِ الإشْراكُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ. والمَعْنى: وما لَكم تُنْكِرُونَ عَلَيَّ الأمْنَ في مَوْضِعِ الأمْنِ، ولا تُنْكِرُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الأمْنَ في مَوْضِعِ الخَوْفِ ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيْ: فَرِيقَيِ المُوَحِّدِينَ والمُشْرِكِينَ ﴿أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَأيُّنا، احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنِ السُؤالِ بِقَوْلِهِ:

6:82Page 138

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢

They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ، عَنِ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ تَمَّ كَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ.

6:83Page 138

وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى قَوْمِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَيْلُ﴾ إلى ﴿وَهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. وبِالتَنْوِينِ: كُوفِيٌّ. وفِيهِ نَقْضُ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في الأصْلَحِ.

﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ بِالرَفْعِ.

﴿عَلِيمٌ﴾ بِالأهْلِ.

6:84Page 138

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤

And We gave to him [i.e., Abraham] Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.

﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ لِإبْراهِيمَ،

﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا﴾ أيْ: (p-٥١٩)كُلَّهُمْ، وانْتَصَبَ كُلًّا بِهَدَيْنا ﴿وَنُوحًا هَدَيْنا﴾ أيْ: وهَدَيْنا نُوحًا ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَمِيرُ لِنُوحٍ، أوْ لِإبْراهِيمَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَمْ يَكُونا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ﴾ والتَقْدِيرُ: وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ هَؤُلاءِ ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ونَجْزِي المُحْسِنِينَ جَزاءً مِثْلَ ذَلِكَ، فالكافُ في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.

6:85Page 138

وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥

And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.

﴿وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّهم ﴿مِنَ الصالِحِينَ﴾ وذِكْرُ عِيسى مَعَهم دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَسَبَ يَثْبُتُ مِن قِبَلِ الأُمِّ أيْضًا، لِأنَّهُ جَعَلَهُ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وهو لا يَتَّصِلُ بِهِ إلّا بِالأُمِّ، وبِذا أُجِيبَ الحَجّاجُ حِينَ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ بَنُو فاطِمَةَ أوْلادَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ.

6:86Page 138

وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦

And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.

﴿وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ (واللَيْسَعَ) حَيْثُ كانَ بِلامَيْنِ: حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

﴿وَيُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ بِالنُبُوَّةِ، والرِسالَةِ.

6:87Page 138

وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٨٧

And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.

﴿وَمِن آبائِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ عَطْفًا عَلى "كُلًّا" أيْ: وفَضَّلَنا بَعْضَ آبائِهِمْ ﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

6:88Page 138

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨

That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما دانَ بِهِ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ.

﴿هُدى اللهِ﴾ دِينُ اللهِ ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ فِيهِ نَقْضُ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللهَ شاءَ هِدايَةَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ، لَكِنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا.

﴿وَلَوْ أشْرَكُوا﴾ مَعَ فَضْلِهِمْ، وتَقَدُّمِهِمْ، وما رَفَعَ لَهم مِنَ الدَرَجاتِ العُلى ﴿لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَبَطَلَتْ أعْمالُهُمْ، كَما قالَ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُمَرُ: ٦٥].

6:89Page 138

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ: الجِنْسَ ﴿والحُكْمَ﴾ والحِكْمَةَ، أوْ (p-٥٢٠)فَهْمَ الكِتابِ ﴿والنُبُوَّةَ﴾ وهي أعْلى مَراتِبِ البَشَرِ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ بِالكِتابِ، والحُكْمِ، والنُبُوَّةِ، أوْ بِآياتِ القُرْآنِ ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ.

﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ هُمُ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ، ومَن تابَعَهُمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أوْ أصْحابُ النَبِيُّ ﷺ، أوْ كُلُّ مَن آمَنَ بِهِ، أوِ العَجَمُ. ومَعْنى تَوْكِيلِهِمْ بِها: أنَّهم وُفِّقُوا لِلْإيمانِ بِها، والقِيامِ بِحُقُوقِها، كَما يُوكَلُ الرَجُلُ بِالشَيْءِ لِيَقُومَ بِهِ، ويَتَعَهَّدَهُ، ويُحافِظَ عَلَيْهِ. والباءُ في ﴿لَيْسُوا بِها﴾ صِلَةُ كافِرِينَ، وفي ﴿بِكافِرِينَ﴾ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ.

6:90Page 138

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠

Those are the ones whom Allāh has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for it [i.e., this message] no payment. It is not but a reminder for the worlds."

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ﴾ أيِ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ مَرَّ ذِكْرُهم ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فاخْتَصَّ هُداهم بِالِاقْتِداءِ، ولا تَقْتَدِ إلّا بِهِمْ، وهَذا مَعْنى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ، والمُرادُ بِهُداهُمْ: طَرِيقَتُهم في الإيمانِ بِاللهِ، وتَوْحِيدِهِ، وأُصُولِ الدِينِ دُونَ الشَرائِعِ، فَهي مُخْتَلِفَةٌ. والهاءُ في "اقْتَدِهْ" لِلْوَقْفِ، تَسْقُطُ في الوَصْلِ، واسْتَحْسَنَ إيثارَ الوَقْفِ لِثَباتِ الهاءِ في المُصْحَفِ، ويَحْذِفُها حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ في الوَصْلِ. ويَخْتَلِسُها شامِيٌّ،

﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ عَلى الوَحْيِ، أوْ عَلى تَبْلِيغِ الرِسالَةِ، والدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ.

﴿أجْرًا﴾ جُعْلًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أخْذَ الأجْرِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ، ورِوايَةِ الحَدِيثِ لا يَجُوزُ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ ما القُرْآنُ إلّا عِظَةٌ لِلْجِنِّ والإنْسِ.

6:91Page 139

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ ٩١

And they did not appraise Allāh with true appraisal1 when they said, "Allāh did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you2 were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allāh [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْـزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في الرَحْمَةِ عَلى عِبادِهِ حِينَ أنْكَرُوا بَعْثَةَ الرُسُلِ، والوَحْيَ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ رَحْمَتِهِ ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءُ: ١٠٧]. رُوِيَ «أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ مِنهم مالِكُ بْنُ الصَيْفِ، كانُوا يُجادِلُونَ النَبِيَّ ﷺ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "ألَيْسَ في التَوْراةِ أنَّ اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَمِينَ؟" قالَ: نَعَمْ. قالَ: (p-٥٢١)"فَأنْتَ الحَبْرُ السَمِينُ". فَغَضِبَ، وقالَ: ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، » و﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ مَنصُوبٌ نَصْبَ المَصْدَرِ ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ" أوْ مِنَ "الكِتابِ" ﴿وَهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مِمّا فِيهِ نَعْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أيْ: بَعَضُّوهُ، وجَعَلُوهُ قَراطِيسَ مُقَطَّعَةً، ووَرَقاتٍ مُفَرَّقَةً، لِيَسْتَمْكِنُوا مِمّا رامُوا مِنَ الإبْداءِ والإخْفاءِ، بِالياءِ في الثَلاثَةِ: مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو.

﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ يا أهْلَ الكِتابِ بِالكِتابِ ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ مِن أُمُورِ دِينِكُمْ، ودُنْياكم ﴿قُلِ اللهُ﴾ جَوابٌ، أيْ: أنْزَلَهُ اللهُ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يُناكِرُوكَ ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ في باطِلِهِمُ الَّذِي يَخُوضُونَ فِيهِ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِن "ذَرْهُمْ" أوْ مِن "خَوْضِهِمْ".

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском