An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:92–116
6:92Page 139
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩٢
And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it.1 Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.
﴿وَهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ﴾ عَلى نَبِيِّنا ﷺ ﴿مُبارَكٌ﴾ كَثِيرُ المَنافِعِ، والفَوائِدِ ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ ﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ وبِالياءِ أبُو بَكْرٍ، أيِ: الكِتابُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ صِفَةُ الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ، وتَصْدِيقِ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، ولِإنْذارِ ﴿أُمَّ القُرى﴾ مَكَّةَ، وسُمِّيَتْ أُمَّ القُرى، لِأنَّها سُرَّةُ الأرْضِ، وقِبْلَةُ أهْلِ القُرى، وأعْظَمُها شَأْنًا، ولِأنَّ الناسَ يَؤُمُّونَها ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ أهْلَ الشَرْقِ والغَرْبِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يُصَدِّقُونَ بِالعاقِبَةِ، ويَخافُونَها ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بِهَذا الكِتابِ، فَأصْلُ الدِينِ: خَوْفُ العاقِبَةِ، فَمَن خافَها لَمْ يَزَلْ بِهِ الخَوْفُ حَتّى يُؤْمِنَ ﴿وَهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ خُصَّتِ الصَلاةُ بِالذِكْرِ، لِأنَّها عَلَمُ الإيمانِ، وعِمادُ الدِينِ، فَمَن حافَظَ عَلَيْها يُحافِظُ عَلى أخَواتِها ظاهِرًا.
6:93Page 139
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٩٣
And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allāh revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands,1 [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allāh other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ هو مالِكُ بْنُ الصَيْفِ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ (p-٥٢٢)إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ هو مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ ﴿وَمَن قالَ﴾ في مَوْضِعِ جَرِّ عَطْفٍ عَلى ﴿مَنِ افْتَرى﴾ أيْ: ومِمَّنْ قالَ: ﴿سَأُنْـزِلُ مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللهُ﴾ أيْ: سَأقُولُ وأُمْلِي، هو عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كاتِبُ الوَحْيِ، وقَدْ أمْلى النَبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلى ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ فَجَرى عَلى لِسانِهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ: "اكْتُبْها فَكَذَلِكَ نَزَلَتْ"، فَشَكَّ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَقَدْ أُوحِي إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ، فارْتَدَّ ولَحِقَ بِمَكَّةَ، أوِ النَضْرُ بْنُ الحارِثِ، كانَ يَقُولُ: والطاحِناتِ طَحْنًا، فالعاجِناتِ عَجْنًا، فالخابِزاتِ خَبْزًا، كَأنَّهُ يُعارِضُ،
﴿وَلَوْ تَرى﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا.
﴿إذِ الظالِمُونَ﴾ يُرِيدُ: الَّذِينَ ذَكَرَهم مِنَ اليَهُودِ والمُتَنَبِّئَةِ، فَتَكُونُ اللامُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ لِاشْتِمالِهِ ﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ شَدائِدِهِ، وسَكَراتِهِ.
﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ: يَبْسُطُونَ إلَيْهِمْ أيْدِيَهم يَقُولُونَ: هاتُوا أرْواحَكُمْ، أخْرِجُوها إلَيْنا مِن أجْسادِكُمْ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَشْدِيدِ في الإزْهاقِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ، وإمْهالٍ ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أرادُوا وقْتَ الإماتَةِ، وما يُعَذَّبُونَ بِهِ مِن شِدَّةِ النَزْعِ. والهُونُ: الهَوانُ الشَدِيدُ. وإضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: رَجُلُ سُوءٍ. يُرِيدُ: العَراقَةَ في الهَوانِ، والتَمَكُّنَ فِيهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ مِن أنَّ لَهُ شَرِيكًا، وصاحِبَةً، ووَلَدًا. و" غَيْر الحَقِّ " مَفْعُولُ ﴿تَقُولُونَ﴾ أوْ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قَوْلًا غَيْرَ الحَقِّ ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها.
6:94Page 139
وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤
[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone [i.e., individually] as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allāh]. It has [all] been severed between you,1 and lost from you is what you used to claim."
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ لِلْحِسابِ، والجَزاءِ ﴿فُرادى﴾ مُنْفَرِدِينَ بِلا مالٍ، ولا مُعِينٍ. وهو جَمْعُ: فَرِيدٍ، كَأسِيرٍ وأُسارى.
﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ في مَحَلِّ النَصْبِ (p-٥٢٣)صِفَةٌ لِمَصْدَرِ جِئْتُمُونا، أيْ: مَجِيئًا مِثْلَ ما خَلَقْناكم ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عَلى الهَيْئاتِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ مَلَّكْناكم ﴿وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ولَمْ تَحْتَمِلُوا مِنهُ نَقِيرًا ﴿وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ في اسْتِعْبادِكم ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (بَيْنُكُمْ) وصْلُكم عَنِ الزَجّاجِ، والبَيْنُ: الوَصْلُ والهَجْرُ، قالَ:
؎ فَواللهِ لَوْلا البَيْنُ لَمْ يَكُنِ الهَوى ∗∗∗ ولَوْلا الهَوى ما حَنَّ لِلْبَيْنِ آلِفُ
(بَيْنَكُمْ) مَدَنِيٌّ، وعَلِيٌّ، وحَفْصٌ، أيْ: وقَعَ التَقَطُّعُ بَيْنَكم ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ وضاعَ، وبَطَلَ ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّها شُفَعاؤُكم عِنْدَ اللهِ.
6:95Page 140
۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥
Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?
﴿إنَّ اللهَ فالِقُ الحَبِّ والنَوى﴾ بِالنَباتِ والشَجَرِ، أيْ: فَلَقَ الحَبَّ عَنِ السُنْبُلَةِ، والنَواةَ عَنِ النَخْلَةِ، والفَلْقُ: الشَقُّ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أرادَ الشَقَّيْنِ اللَذَيْنِ في النَواةِ، والحِنْطَةِ.
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ النَباتَ الغَضَّ النامِيَ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ الحَبِّ اليابِسِ مِنَ النَباتِ النامِي، أوِ الإنْسانِ مِنَ النُطْفَةِ، والنُطْفَةِ مِنَ الإنْسانِ، أوِ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ، والكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ. فاحْتَجَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِما يُشاهِدُونَهُ مِن خَلْقِهِ، لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ، فَهو يَقْدِرُ عَلى بَعْثِهِمْ. وإنَّما قالَ: ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ﴾ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فالِقِ الحَبِّ، لا عَلى الفِعْلِ. و﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُبَيِّنَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَوى﴾ لِأنَّ فَلْقَ الحَبِّ والنَوى بِالنَباتِ والشَجَرِ النامِيَيْنِ مِن جِنْسِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، لِأنَّ النامِيَ في حُكْمِ الحَيَوانِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللهُ﴾ ذَلِكُمُ المُحْيِي والمُمِيتُ هو اللهُ، الَّذِي تَحِقُّ لَهُ الرُبُوبِيَّةُ، لا الأصْنامُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْهُ، وعَنْ تَوَلِّيهِ إلى غَيْرِهِ بَعْدَ وُضُوحِ الأمْرِ بِما ذَكَرْنا.
6:96Page 140
فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦
[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ هو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الصُبْحُ، أيْ: شاقُّ عَمُودِ الصُبْحِ (p-٥٢٤)عَنْ سَوادِ اللَيْلِ، أوْ خالِقُ نُورِ النَهارِ (وَجَعَلَ اللَيْلَ) كُوفِيٌّ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ الَّذِي قَبْلَهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، فَلَمّا كانَ فالِقٌ بِمَعْنى فَلَقَ عَطَفَ عَلَيْهِ جَعَلَ لِتَوافُقِهِما مَعْنًى ﴿سَكَنًا﴾ مَسْكُونًا فِيهِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يُونُسُ: ٦٧]. أيْ: لِيَسْكُنَ فِيهِ الخَلْقُ عَنْ كَدِّ المَعِيشَةِ إلى نَوْمِ الغَفْلَةِ، أوْ عَنْ وحْشَةِ الخَلْقِ إلى الأُنْسِ بِالحَقِّ.
﴿والشَمْسَ والقَمَرَ﴾ انْتَصَبا بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "جاعِلُ اللَيْلِ" أيْ: وجَعَلَ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ: جَعَلَهُما عَلى حُسْبانٍ، لِأنَّ حِسابَ الأوْقاتِ يُعْلَمُ بِدَوْرِهِما وسَيْرِهِما، والحُسْبانُ بِالضَمِّ- مَصْدَرُ حَسَبَ، كَما أنَّ الحِسْبانَ بِالكَسْرِ- مَصْدَرُ حَسِبَ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما حُسْبانًا، أيْ: ذَلِكَ التَسْيِيرُ بِالحِسابِ المَعْلُومِ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الَّذِي قَهَرَهُما، وسَخَّرَهُما ﴿العَلِيمِ﴾ بِتَدْبِيرِهِما، وتَدْوِيرِهِما.
6:97Page 140
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٩٧
And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ﴾ خَلَقَها ﴿لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: في ظُلُماتِ اللَيْلِ بِالبَرِّ والبَحْرِ، وأضافَها إلَيْهِما لِمُلابَسَتِها لَهُما، أوْ شَبَّهَ مُشْتَبِهاتِ الطُرُقِ بِالظُلُماتِ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ الدالَّةَ عَلى التَوْحِيدِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
6:98Page 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨
And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage.1 We have detailed the signs for a people who understand.
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هي آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ (فَمُسْتَقِرٌّ) بِالكَسْرِ- مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، فَمَن فَتَحَ القافَ كانَ المُسْتَوْدَعُ اسْمَ مَكانٍ مِثْلَهُ، ومَن كَسَرَها كانَ اسْمَ فاعِلٍ، والمُسْتَوْدَعُ اسْمُ مَفْعُولٍ، يَعْنِي: فَلَكم مُسْتَقَرٌّ في الرَحِمِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الصُلْبِ، أوْ مُسْتَقَرٌّ فَوْقَ الأرْضِ، ومُسْتَوْدَعٌ تَحْتَها. أوْ فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ (p-٥٢٥)لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ وإنَّما قِيلَ: يَعْلَمُونَ ثُمَّ، ويَفْقَهُونَ هُنا، لِأنَّ الدَلالَةَ ثَمَّ أظْهَرُ، وهُنا أدَقُّ، لِأنَّ إنْشاءَ الإنْسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وتَصْرِيفَهم بَيْنَ أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ أدَقُّ، فَكانَ ذِكْرُ الفِقْهِ الدالِّ عَلى تَدْقِيقِ النَظَرِ أوْفَقَ.
6:99Page 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٩٩
And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾ مِنَ السَحابِ مَطْرًا ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ بِالماءِ ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ نَبْتَ كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النامِي، أيِ: السَبَبُ، وهو الماءُ واحِدٌ، والمُسَبَّباتُ صُنُوفٌ مُخْتَلِفَةٌ ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ مِنَ النَباتِ،
﴿خَضِرًا﴾ أيْ: شَيْئًا غَضًّا أخْضَرَ يُقالُ: أخْضَرُ وخَضِرٌ، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ مِنَ الخَضِرِ ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ وهو السُنْبُلُ الَّذِي تَراكَبَ حُبُّهُ ﴿وَمِنَ النَخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ﴾ وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ و" مِنَ النَخْلِ " خَبَرُهُ. و﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَخْلِ قِنْوانٌ. وهو جَمْعُ قِنْوٍ، وهو العِذْقُ، نَظِيرُهُ: صِنْوٌ، وصِنْوانٌ.
﴿دانِيَةٌ﴾ مِنَ المُجْتَنى لِانْحِنائِها بِثِقَلِ حِمْلِها، أوْ لِقِصَرِ ساقِها، وفِيهِ اكْتِفاءٌ، أيْ، وغَيْرُ دانِيَةٍ لِطُولِها كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَحْلُ: ٨١] ﴿وَجَنّاتٍ﴾ بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ أيْ: مَعَ النَخْلِ وكَذا: ﴿والزَيْتُونَ والرُمّانَ﴾ (وَجَنّاتٌ) بِالرَفْعِ: الأعْشى، أيْ: وثَمَّ جَنّاتٌ مِن أعْنابٍ، أيْ: مَعَ النَخْلِ ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ يُقالُ: اشْتَبَهَ الشَيْئانِ وتَشابَها، نَحْوُ: اسْتَوَيا وتَساوَيا، والِافْتِعالُ والتَفاعُلُ يَشْتَرِكانِ كَثِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: والزَيْتُونَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ، والرُمّانُ كَذَلِكَ، يَعْنِي: بَعْضُهُ مُتَشابِهٌ، وبَعْضُهُ غَيْرُ مُتَشابِهٍ في القَدْرِ، واللَوْنِ، والطَعْمِ.
﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُخْرِجُهُ ضَعِيفًا، لا يُنْتَفَعُ بِهِ ﴿وَيَنْعِهِ﴾ ونُضْجِهِ، أيِ: انْظُرُوا إلى نُضْجِهِ كَيْفَ يَعُودُ شَيْئًا جامِعًا لِمَنافِعَ، نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِدْلالٍ عَلى قُدْرَةِ مُقَدِّرِهِ، ومُدَبِّرِهِ، وناقِلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ ﴿إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (ثُمُرِهِ) وكَذا ما بَعْدَهُ: حَمْزَةُ، (p-٥٢٦)وَعَلِيٌّ، جَمْعُ ثِمارٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، يُقالُ: ثَمَرَةٌ، وثَمَرٌ، وثِمارٌ، وثُمُرٌ.
6:100Page 140
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠
But they have attributed to Allāh partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters without knowledge. Exalted is He and high above what they describe.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ إنْ جَعَلْتَ ﴿لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ مَفْعُولَيْ جَعَلُوا، كانَ "الجِنَّ" بَدَلًا مِن شُرَكاءَ، وإلّا كانَ ﴿شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ مَفْعُولَيْنِ قُدِّمَ ثانِيهِما عَلى الأوَّلِ، وفائِدَةُ التَقْدِيمِ: اسْتِعْظامُ أنْ يُتَخَّذَ لِلَّهِ شَرِيكٌ مَن كانَ مَلَكًا، أوْ جِنِّيًّا، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوا الجِنَّ فِيما سَوَّلَتْ لَهم مِن شِرْكِهِمْ، فَجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ أيْ: وقَدْ خَلَقَ الجِنَّ، فَكَيْفَ يَكُونُ المَخْلُوقُ شَرِيكًا لِخالِقِهِ؟! والجُمْلَةُ حالٌ، أوْ وخَلَقَ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟! ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ أيِ: اخْتَلَقُوا، يُقالُ: خَلَقَ الإفْكَ، وخَرَقَهُ، واخْتَلَقَهُ، واخْتَرَقَهُ بِمَعْنًى، أوْ هو مِن خَرَقَ الثَوْبَ: إذا شَقَّهُ، أيِ: اشْتَقُّوا لَهُ ﴿بَنِينَ﴾ كَقَوْلِ أهْلِ الكِتابَيْنِ في المَسِيحِ وعُزَيْرٍ ﴿وَبَناتٍ﴾ كَقَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ في المَلائِكَةِ، (وَخَرَّقُوا) بِالتَشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ: مَدَنِيٌّ، لِقَوْلِهِ: ﴿بَنِينَ وبَناتٍ﴾ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما قالُوا مَن خَطَأٍ أوْ صَوابٍ، ولَكِنْ رَمْيًا بِقَوْلٍ عَنْ جَهالَةٍ. وهو حالٌ مِن فاعِلِ "خَرَقُوا" أيْ: جاهِلِينَ بِما قالُوا ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِنَ الشَرِيكِ والوَلَدِ.
6:101Page 140
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١
[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion [i.e., wife] and He created all things? And He is, of all things, Knowing.
﴿بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ يُقالُ: بَدُعَ الشَيْءُ فَهو بَدِيعٌ، وهو مِن إضافَةِ الصِفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، يَعْنِي: بَدِيعُ سَمَواتِهِ وأرْضِهِ، أوْ هو بِمَعْنى المُبْدِعِ، أيْ: مُبْدِعُها، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ أوْ هو فاعِلُ " تَعالى" ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ؟ والوَلَدُ لا يَكُونُ إلّا مِن صاحِبَةٍ ولا صاحِبَةَ لَهُ؟! أيْ: إنَّ الوِلادَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، ومُخْتَرِعُ الأجْسامِ لا يَكُونُ جِسْمًا حَتّى يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو خالِقُهُ وعالِمُهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، والوَلَدُ إنَّما يَطْلُبُهُ المُحْتاجُ.
6:102Page 141
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢
That is Allāh, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِفاتِ. وهو (p-٥٢٧)مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ، وهي ﴿اللهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أيْ: مَنِ اسْتُجْمِعَتْ لَهُ هَذِهِ الصِفاتُ كانَ هو الحَقِيقَ بِالعِبادَةِ، فاعْبُدُوهُ، ولا تَعْبُدُوا مَن دُونَهُ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ أيْ: هو مَعَ تِلْكَ الصِفاتِ مالِكٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ، والآجالِ، رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.
6:103Page 141
لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣
Vision perceives Him not,1 but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,2 the Aware.3
﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ لا تُحِيطُ بِهِ، أوْ أبْصارُ مَن سَبَقَ ذِكْرُهُمْ، وتَشَبُّثُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لا يَسْتَتِبُّ، لِأنَّ المَنفِيَّ هو الإدْراكُ لا الرُؤْيَةُ، والإدْراكُ: هو الوُقُوفُ عَلى جَوانِبِ المَرْئِيِّ وحُدُودِهِ، وما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الحُدُودُ والجِهاتُ يَسْتَحِيلُ إدْراكُهُ لا رُؤْيَتُهُ، فَنُزِّلَ الإدْراكُ مِنَ الرُؤْيَةِ مَنزِلَةَ الإحاطَةِ مِنَ العِلْمِ، ونَفْيُ الإحاطَةِ الَّتِي تَقْتَضِي الوُقُوفَ عَلى الجَوانِبِ والحُدُودِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ العِلْمِ بِهِ، فَهَكَذا هَذا، عَلى أنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ، وهو التَمَدُّحُ، يُوجِبُ ثُبُوتَ الرُؤْيَةِ، إذْ نَفْيُ إدْراكِ ما تَسْتَحِيلُ رُؤْيَتُهُ لا تَمَدُّحَ فِيهِ، لِأنَّ كُلَّ ما لا يُرى لا يُدْرَكُ، وإنَّما التَمَدُّحُ بِنَفْيِ الإدْراكِ مَعَ تَحْقِيقِ الرُؤْيَةِ، إذِ انْتِفاؤُهُ مَعَ تَحَقُّقِ الرُؤْيَةِ دَلِيلُ ارْتِفاعِ نَقِيصَةِ التَناهِي والحُدُودِ عَنِ الذاتِ، فَكانَتِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ، ولَوْ أنْعَمُوا النَظَرَ فِيها لاغْتَنَمُوا التَقَصِّيَ عَنْ عُهْدَتِها، ومَن يَنْفِي الرُؤْيَةَ يَلْزَمُهُ نَفْيُ أنَّهُ مَعْلُومٌ مَوْجُودٌ، وإلّا فَكَما يُعْلَمُ مَوْجُودًا بِلا كَيْفِيَّةٍ وجِهَةٍ بِخِلافِ كُلِّ مَوْجُودٍ، لِمَ لَمْ يَجُزْ أنْ يُرى بِلا كَيْفِيَّةٍ وجِهَةٍ بِخِلافِ كُلِّ مَرْئِيٍّ؟ وهَذا لِأنَّ الرُؤْيَةَ تَحَقُّقُ الشَيْءِ بِالبَصَرِ كَما هُوَ، فَإنْ كانَ المَرْئِيُّ في الجِهَةِ يُرى فِيها، وإنْ كانَ لا في الجِهَةِ يُرى لا فِيها ﴿وَهُوَ﴾ لِلُطْفِ إدْراكِهِ ﴿يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَطِيفُ﴾ أيِ: العالِمُ بِدَقائِقِ الأُمُورِ، ومُشْكِلاتِها.
﴿الخَبِيرُ﴾ العَلِيمُ بِظَواهِرِ الأشْياءِ، وخَفِيّاتِها، وهو مِن قَبِيلِ اللَفِّ والنَشْرِ.
(p-٥٢٨)
6:104Page 141
قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤
There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1
﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ البَصِيرَةُ: نُورُ القَلْبِ الَّذِي بِهِ يَسْتَبْصِرُ القَلْبُ، كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ، أيْ: جاءَكم مِنَ الوَحْيِ، والتَنْبِيهِ ما هو لِلْقُلُوبِ كالبَصائِرِ ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ الحَقَّ، وآمَنَ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أبْصَرَ، وإيّاها نَفَعَ ﴿وَمَن عَمِيَ﴾ عَنْهُ وضَلَّ ﴿فَعَلَيْها﴾ فَعَلى نَفْسِهِ عَمِيَ، وإيّاها ضَرَّ بِالعَمى ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُ أعْمالَكُمْ، وأُجازِيكم عَلَيْها. إنَّما أنا مُنْذِرٌ، واللهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْكم.
6:105Page 141
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥
And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.
الكافُ في ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةُ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ: نُصَرِّفُ الآياتِ تَصْرِيفًا مِثْلَ ما تَلَوْنا عَلَيْكَ ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولِيَقُولُوا: ﴿دَرَسْتَ﴾ نُصَرِّفُها، ومَعْنى ﴿دَرَسْتَ﴾ قَرَأْتَ كُتُبَ أهْلِ الكِتابِ. (دارَسَتْ) مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، أيْ: دارَسَتْ أهْلَ الكِتابِ. (دَرَسَتْ) شامِيٌّ، أيْ: قُدِّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومَضَتْ كَما قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ،
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، أوِ الآياتُ، لِأنَّها في مَعْنى القُرْآنِ، قِيلَ: اللامُ الثانِيَةُ حَقِيقَةٌ، والأُولى لامُ العاقِبَةِ والصَيْرُورَةِ، أيْ: لِتَصِيرَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ إلى أنْ يَقُولُوا دَرَسْتَ، وهو كَقَوْلِكَ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصُ: ٨] وهم لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِلْعَداوَةِ، وإنَّما التَقَطُوهُ لِيَصِيرَ لَهم قُرَّةَ عَيْنٍ، ولَكِنْ صارَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ إلى العَداوَةِ، فَكَذَلِكَ الآياتُ صُرِّفَتْ لِلتَّبْيِينِ، ولَمْ تُصَرَّفْ لِيَقُولُوا: دَرَسْتَ، ولَكِنْ حَصَلَ هَذا القَوْلُ بِتَصْرِيفِ الآياتِ، كَما حَصَلَ التَبْيِينُ فَشُبِّهَ بِهِ، وقِيلَ: "لِيَقُولُوا" كَما قِيلَ "لِنُبَيِّنَهُ". وعِنْدَنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِما عُرِفَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ.
6:106Page 141
ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦
Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.
﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ اتِّباعُ الوَحْيِ، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، أوْ حالٌ مِن رَبِّكم مُؤَكِّدَةٌ،
﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ في الحالِ إلى أنْ يَرِدَ الأمْرُ بِالقِتالِ.
(p-٥٢٩)
6:107Page 141
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧
But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ أيْ: إيمانَهُمْ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
﴿ما أشْرَكُوا﴾ بَيَّنَ أنَّهم لا يُشْرِكُونَ عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ اللهِ، ولَوْ عَلِمَ مِنهُمُ اخْتِيارَ الإيمانِ لَهَداهم إلَيْهِ ولَكِنْ عَلِمَ مِنهُمُ اخْتِيارَ الشِرْكِ، فَشاءَ شِرْكَهُمْ، فَأشْرَكُوا بِمَشِيئَتِهِ ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ مُراعِيًا لِأعْمالِهِمْ، مَأْخُوذًا بِإجْرامِهِمْ ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ.
6:108Page 141
وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨
And do not insult those they invoke other than Allāh, lest they insult Allāh in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.
وَكانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ آلِهَتَهم فَنُهُوا لِئَلّا يَكُونَ سَبُّهم سَبَبًا لِسَبِّ اللهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَهْيِ ﴿عَدْوًا﴾ ظُلْمًا، وعُدْوانًا ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عَلى جَهالَةٍ بِاللهِ، وبِما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ التَزْيِينِ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِن أُمَمِ الكُفّارِ ﴿عَمَلَهُمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطِرٌ: ٨]. وهو حُجَّةٌ لَنا في الأصْلَحِ.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ مَصِيرُهم ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَيُخْبِرُهم بِما عَمِلُوا، ويَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ.
6:109Page 141
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩
And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.
﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ جَهْدَ: مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، أيْ: جاهِدِينَ في الإتْيانِ بِأوْكَدِ الأيْمانِ ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ وهو قادِرٌ عَلَيْها لا عِنْدِي، فَكَيْفَ آتِيكم بِها؟! ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ وما يُدْرِيكم ﴿أنَّها﴾ أنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِها. يَعْنِي: أنا أعْلَمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ. وكانَ المُؤْمِنُونَ يَطْمَعُونَ في إيمانِهِمْ إذا جاءَتْ تِلْكَ الآيَةُ، ويَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها، فَقالَ اللهُ تَعالى: وما يُدْرِيكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَلى مَعْنى: إنَّكم لا تَدْرُونَ ما سَبَقَ عِلْمِي مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. (إنَّها) بِالكَسْرَةِ- مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ، عَلى أنَّ (p-٥٣٠)الكَلامَ تَمَّ قَبْلَهُ، أيْ: وما يُشْعِرُكم ما يَكُونُ مِنهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِعِلْمِهِ فِيهِمْ، فَقالَ: إنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، ومِنهم مَن جَعَلَ "لا" مَزِيدَةً في قِراءَةِ الفَتْحِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنْبِياءُ: ٩٥] (لا تُؤْمِنُونَ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ.
6:110Page 141
وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠
And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.
﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ﴿وَأبْصارَهُمْ﴾ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، فَلا يُؤْمِنُونَ بِها. قِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ داخِلٌ في حُكْمِ: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيْ: وما يُشْعِرُكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ، فَلا يَفْقَهُونَ، ولا يُبْصِرُونَ الحَقَّ،
﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كَما كانُوا عِنْدَ نُزُولِ آياتِنا أوَّلًا لا يُؤْمِنُونَ بِها ﴿وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قِيلَ: وما يُشْعِرُكم أنّا نَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ؟!
6:111Page 142
۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١
And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.
﴿وَلَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ كَما قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴿وَكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ كَما قالُوا: فَأْتُوا بِآبائِنا.
﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ جَمَعْنا ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ كُفَلاءَ بِصِحَّةِ ما بَشَّرْنا بِهِ، وأنْذَرْنا. جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الكَفِيلُ. (قُبُلًا) مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، أيْ: عِيانًا. وكِلاهُما نَصْبٌ عَلى الحالِ.
﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ إيمانَهُمْ، فَيُؤْمِنُوا. وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ: لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ بِنُزُولِ الآيَةِ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْهُمُ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ.
6:112Page 142
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢
And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ وكَما جَعَلْنا لَكَ أعْداءً مِنَ المُشْرِكِينَ، جَعَلْنا لِمَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ أعْداءً، لِما فِيهِ مِنَ الِابْتِلاءِ الَّذِي هو سَبَبُ ظُهُورِ الثَباتِ، والصَبْرِ، وكَثْرَةِ الثَوابِ والأجْرِ، وانْتَصَبَ ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ عَلى البَدَلِ مِن "عَدُوًّا" أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ، و"عَدُوًّا" مَفْعُولٌ ثانٍ (p-٥٣١)﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ يُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، وكَذَلِكَ بَعْضُ الجِنِّ إلى بَعْضٍ، وبَعْضُ الإنْسِ إلى بَعْضٍ. وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: إنَّ شَيْطانَ الإنْسِ أشَدُّ عَلَيَّ مِن شَيْطانِ الجِنِّ، لِأنِّي إذا تَعَوَّذْتُ بِاللهِ ذَهَبَ شَيْطانُ الجِنِّ عَنِّي، وشَيْطانُ الإنْسِ يَجِيئُنِي، فَيَجُرُّنِي إلى المَعاصِي عِيانًا، وقالَ ﷺ: « "قُرَناءُ السُوءِ شَرٌّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ". »﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ ما زَيَّنُوهُ مِنَ القَوْلِ، والوَسْوَسَةِ، والإغْراءِ عَلى المَعاصِي ﴿غُرُورًا﴾ خِداعًا وأخْذًا عَلى غِرَّةٍ، وهو مَفْعُولٌ لَهُ ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ أيِ: الإيحاءَ، يَعْنِي: ولَوْ شاءَ اللهُ لَمَنَعَ الشَياطِينَ مِنَ الوَسْوَسَةِ، ولَكِنَّهُ امْتَحَنَ بِما يَعْلَمُ أنَّهُ أجْزَلُ في الثَوابِ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ عَلَيْكَ وعَلى اللهِ، فَإنَّ اللهَ يُخْزِيهِمْ، ويَنْصُرُكَ، ويَجْزِيهِمْ.
6:113Page 142
وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣
And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.
﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ ولِتَمِيلَ إلى زُخْرُفِ القَوْلِ قُلُوبُ الكُفّارِ. وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى "غُرُورًا" أيْ: لِيَغُرُّوهُ ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ﴾ ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ.
6:114Page 142
أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤
[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.
﴿أفَغَيْرَ اللهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ، أفَغَيْرَ اللهِ أطْلُبُ حاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ المُعْجِزَ ﴿مُفَصَّلا﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أيْ: مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَهادَةِ لِي بِالصِدْقِ، وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، ثُمَّ عَضَّدَ الدَلالَةَ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ، لِتَصْدِيقِهِ ما عِنْدَهُمْ، ومُوافَقَتِهِ لَهُ.
﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. (يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ) شامِيٌّ، وحَفْصٌ.
﴿مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّينَ فِيهِ أيُّها السامِعُ، (p-٥٣٢)أوْ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ بِالحَقِّ، ولا يَرِبْكَ جَحُودُ أكْثَرِهِمْ، وكُفْرُهم بِهِ.
6:115Page 142
وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥
And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ما تَكَلَّمَ بِهِ. (كَلِماتُ رَبِّكَ) حِجازِيٌّ، وشامِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. أيْ: تَمَّ كُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ، وأمَرَ، ونَهى، ووَعَدَ، وأوْعَدَ.
﴿صِدْقًا﴾ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ ﴿وَعَدْلا﴾ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وانْتَصَبا عَلى التَمْيِيزِ، أوْ عَلى الحالِ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿وَهُوَ السَمِيعُ﴾ لِإقْرارِ مَن أقَرَّ ﴿العَلِيمُ﴾ بِإصْرارِ مَن أصَرَّ، أوِ السَمِيعُ لِما يَقُولُونَ، العَلِيمُ بِما يُضْمِرُونَ.
6:116Page 142
وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦
And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allāh. They follow not except assumption, and they are not but misjudging.1
﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيِ: الكُفّارَ، لِأنَّهُمُ الأكْثَرُونَ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دِينِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ﴾ وهو ظَنُّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ، فَهم يُقَلِّدُونَهم ﴿وَإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في أنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كَذا، وأحَلَّ لَهم كَذا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences