An-NasafiAl‑Mumtahanah · 60:1–13

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

الممتحنة

Al-Mumtahanah

She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs

60:1Page 549

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١

O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.

(p-٤٦٥)سُورَةُ "اَلْمُمْتَحِنَةِ"

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

رُوِيَ «أنَّ مَوْلاةً لِأبِي عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمٍ، يُقالُ لَها: "سارَةُ "، أتَتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وهو يَتَجَهَّزُ لِلْفَتْحِ، فَقالَ لَها: "أمُسْلِمَةً جِئْتِ؟"، قالَتْ: لا، قالَ: أفَمُهاجِرَةً جِئْتِ؟"، قالَتْ: لا، قالَ: "فَما جاءَ بِكِ؟!"، قالَتْ: اِحْتَجْتُ حاجَةً شَدِيدَةً، فَحَثَّ عَلَيْها بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَكَسَوْها، وحَمَلُوها، وزَوَّدُوها، فَأتاها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وأعْطاها عَشَرَةَ دَنانِيرَ، وكَساها بُرْدًا، واسْتَحْمَلَها كِتابًا إلى أهْلِ مَكَّةَ، نُسْخَتُهُ: مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، اعْلَمُوا أنَّ رَسُولَ اللهِ يُرِيدُكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَخَرَجَتْ سارَةُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِالخَبَرِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا، وعَمّارًا، وعُمَرَ، وطَلْحَةَ، والزُبَيْرَ، والمِقْدادَ، وأبا مَرْثَدٍ، وكانُوا فُرْسانًا، وقالَ: "اِنْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخَ، فَإنَّ بِها ظَعِينَةً، مَعَها كِتابٌ مِن حاطِبٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَخُذُوهُ مِنها، وخَلُّوها، فَإنْ أبَتْ فاضْرِبُوا عُنُقَها"، فَأدْرَكُوها، فَجَحَدَتْ، وحَلَفَتْ، فَهَمُّوا بِالرُجُوعِ، فَقالَ عَلِيٌّ: "واللهِ ما كُذِبْنا، ولا كُذِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ"، وسَلَّ سَيْفَهُ، وقالَ: "أخْرِجِي الكِتابَ، أوْ تَضَعِي رَأْسَكِ"، فَأخْرَجَتْهُ مِن مَقاصِّ شَعْرِها، » ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَّنَ جَمِيعَ الناسِ يَوْمَ الفَتْحِ، إلّا أرْبَعَةً، هي أحَدُهُمْ، فاسْتَحْضَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حاطِبًا، وقالَ: "ما حَمَلَكَ (p-٤٦٦)عَلَيْهِ؟!"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا غَشَشْتُكَ مُنْذُ نَصَحْتُكَ، ولا أحْبَبْتُهم مُنْذُ فارَقْتُهُمْ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، وكُلُّ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قَراباتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ أهالِيَهُمْ، وأمْوالَهُمْ، غَيْرِي، فَخَشِيتُ عَلى أهْلِي، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ يُنْزِلُ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُ، وأنَّ كِتابِي لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ، وقَبِلَ عُذْرَهُ، فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ"، فَقالَ ﷺ: "ما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ (بَدْرٍ) فَقالَ لَهُمْ: (اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)؟"، فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، فَنَزَلَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ »، عُدِّيَ "اِتَّخَذَ"، إلى مَفْعُولَيْهِ - وهُما: "عَدُوِّي"، و"أوْلِياءَ" -، و"اَلْعَدُوُّ": "فَعُولٌ"، مِن "عَدا"، كَـ "عَفُوٌّ"، مِن "عَفا"، ولَكِنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ، أُوقِعَ عَلى الجَمْعِ إيقاعَهُ عَلى الواحِدِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكَبِيرَةَ لا تَسْلُبُ اسْمَ الإيمانِ،

﴿تُلْقُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لا تَتَّخِذُوا"، اَلتَّقْدِيرُ: "لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، مُلْقِينَ إلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ"، أوْ مُتْسَأْنَفٌ بَعْدَ وقْفٍ، عَلى التَوْبِيخِ، والإلْقاءُ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ المَوَدَّةِ، والإفْضاءِ بِها إلَيْهِمْ، والباءُ في "بِالمَوَدَّةِ"، زائِدَةٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّعَدِّي، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أوْ ثابِتَةٌ عَلى أنَّ مَفْعُولَ "تُلْقُونَ"، مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: "تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِسَبَبِ المَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ،

﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾، حالٌ مِن "لا تَتَّخِذُوا"، أوْ مِن "تُلْقُونَ"، أيْ: "لا تَتَوَلَّوْهُمْ، أوْ تُوادُّوهم وهَذِهِ حالُهُمْ"،

﴿بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾، دِينِ الإسْلامِ، والقُرْآنِ،

﴿يُخْرِجُونَ الرَسُولَ وإيّاكُمْ﴾، اِسْتِئْنافٌ كالتَفْسِيرِ لِكُفْرِهِمْ، وعُتُوِّهِمْ، أوْ حالٌ مِن "كَفَرُوا"،

﴿أنْ تُؤْمِنُوا﴾، تَعْلِيلٌ لِـ "يُخْرِجُونِ"، أيْ: يُخْرِجُونَكم مِن مَكَّةَ لِإيمانِكُمْ،

﴿بِاللهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾، مُتَعَلِّقُ بِـ "لا تَتَّخِذُوا"، أيْ: لا تَتَوَلَّوْا أعْدائِي إنْ كُنْتُمْ (p-٤٦٧)أوْلِيائِي، وقَوْلُ النَحْوِيِّينَ في مِثْلِهِ: هو شَرْطٌ، جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ،

﴿جِهادًا في سَبِيلِي﴾، مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ مُجاهِدِينَ في سَبِيلِي،

﴿وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾، ومُبْتَغِينَ مَرْضاتِي،

﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ أيْ:، تُفْضُونَ إلَيْهِمْ بِمَوَدَّتِكم سِرًّا، أوْ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِسَبَبِ المَوَدَّةِ، وهو اسْتِئْنافٌ،

﴿وَأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ﴾، والمَعْنى: "أيُّ طائِلٍ لَكم في إسْرارِكُمْ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الإخْفاءَ والإعْلانَ سِيّانِ في عِلْمِي، وأنِّي مُطْلِعٌ رَسُولِي عَلى ما تُسِرُّونَ؟!"،

﴿وَمَن يَفْعَلْهُ﴾ أيْ: هَذا الإسْرارَ،

﴿مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾، فَقَدْ أخْطَأ طَرِيقَ الحَقِّ والصَوابِ.

60:2Page 549

إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢

If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.

﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾، إنْ يَظْفَرُوا بِكُمْ، ويَتَمَكَّنُوا مِنكُمْ،

﴿يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾، خالِصِي العَداوَةِ، ولا يَكُونُوا لَكم أوْلِياءَ، كَما أنْتُمْ،

﴿وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ﴾، بِالقَتْلِ، والشَتْمِ،

﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، وتَمَنَّوْا لَوْ تَرْتَدُونَ عَنْ دِينِكُمْ، فَإذًا مُوادَّةُ أمْثالِهِمْ خَطَأٌ عَظِيمٌ مِنكُمْ، والماضِي - وإنْ كانَ يُجْرى في بابِ الشَرْطِ مُجْرى المُضارِعِ - فَفِيهِ نُكْتَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ودُّوا قَبْلَ كُلِّ شَيْءِ كُفْرَكُمْ، وارْتِدادَكُمْ، يَعْنِي أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِكم مَضارَّ الدُنْيا، والدِينِ، مِن قَتْلِ الأنْفُسِ، وتَمْزِيقِ الأعْراضِ، أوْ: رَدُّكم كُفّارًا أسْبَقُ المَضارِّ عِنْدَهُمْ، وأوَّلُها، لِعِلْمِهِمْ أنَّ الدِينَ أعَزَّ عَلَيْكم مِن أرْواحِكُمْ، لِأنَّكم بَذّالُونَ لَها دُونَهُ، والعَدُوُّ أهَمُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ أنْ يَقْصِدَ أهَمَّ شَيْءٍ عِنْدَ صاحِبِهِ.

60:3Page 549

لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣

Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.

﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾، قَراباتُكُمْ،

﴿وَلا أوْلادُكُمْ﴾، اَلَّذِينَ تُوالُونَ الكُفّارَ مِن أجْلِهِمْ، وتَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِمْ مُحاماةً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾، وبَيْنَ أقارِبِكُمْ، وأوْلادِكُمْ،

﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤]، اَلْآيَةَ، فَما لَكم (p-٤٦٨)تَرْفُضُونَ حَقَّ اللهِ مُراعاةً لِحَقِّ مَن يَفِرُّ مِنكم غَدًا؟ "يَفْصِلُ"، " عاصِمٌ "، "يُفَصِّلُ"، " حَمْزَةُ وعَلِيٌّ "، والقائِلُ هو اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -، "يُفَصَّلُ"، " اِبْنُ ذَكْوانَ "، غَيْرُهُمْ: "يُفْصَلُ"،

﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم.

60:4Page 549

قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤

There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.

﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ﴾، قُدْوَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الأهْلِ،

﴿حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ أيْ: في أقْوالِهِ، ولِهَذا اسْتَثْنى مِنهُ "إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ "،

﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾، مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: كانُوا أنْبِياءَ،

﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾، جَمْعُ "بَرِيءٌ"، كَـ "ظَرِيفٌ"، و"ظُرَفاءُ"،

﴿وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ﴾، بِالأفْعالِ،

﴿والبَغْضاءُ﴾، بِالقُلُوبِ،

﴿أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ﴾، فَحِينَئِذٍ نَتْرُكُ عَداوَتَكُمْ،

﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، وذَلِكَ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ، أيْ: اِقْتَدُوا بِهِ في أقْوالِهِ، ولا تَأْتَسُوا بِهِ في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ الكافِرِ،

﴿وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن هِدايَةٍ، ومَغْفِرَةٍ، وتَوْفِيقٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَلِيقُ بِالِاسْتِثْناءِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١]، ولَكِنَّ المُرادَ اسْتِثْناءُ جُمْلَةِ قَوْلِهِ لِأبِيهِ، والقَصْدُ إلى مَوْعِدِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ، وما بَعْدَهُ تابِعٌ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: "أسْتَغْفِرُ لَكَ وما في طاقَتِي إلّا الِاسْتِغْفارُ"،

﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، وهو مِن جُمْلَةِ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: "قُولُوا: رَبَّنا"، فَهو ابْتِداءُ أمْرٍ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوهُ،

﴿وَإلَيْكَ أنَبْنا﴾، أقْبَلْنا،

﴿وَإلَيْكَ المَصِيرُ﴾، اَلْمَرْجِعُ.

60:5Page 549

رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥

Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا بِعَذابٍ،

﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ: اَلْغالِبُ الحاكِمُ.

60:6Page 550

لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦

There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

(p-٤٦٩)﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾، ثُمَّ كَرَّرَ الحَثَّ عَلى الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، وقَوْمِهِ، تَقْرِيرًا، وتَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، ولِذا جاءَ بِهِ مُصَدَّرًا بِالقَسَمِ، لِأنَّهُ الغايَةُ في التَأْكِيدِ، وأبْدَلَ مِن قَوْلِهِ: "لَكُمْ"، قَوْلَهُ: " ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ﴾ "، أيْ: ثَوابَهُ، أيْ: يَخْشى اللهَ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾، يُعْرِضْ عَنْ أمْرِنا، ويُوالِ الكُفّارَ،

﴿فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ﴾، عَنِ الخَلْقِ،

﴿الحَمِيدُ﴾، اَلْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ، فَلَمْ يَتْرُكْ نَوْعًا مِنَ التَأْكِيدِ إلّا جاءَ بِهِ، ولَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآياتُ، وتَشَدَّدَ المُؤْمِنُونَ في عَداوَةِ آبائِهِمْ، وأبْنائِهِمْ، وجَمِيعِ أقْرِبائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، أطْمَعَهم في تَحَوُّلِ الحالِ إلى خِلافِهِ، فَقالَ:

60:7Page 550

۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧

Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿عَسى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ، مِن أقْرِبائِكُمْ،

﴿مَوَدَّةً﴾، بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ، فَلَمّا يُسِّرَ فَتْحُ مَكَّةَ، أظْفَرَهُمُ اللهُ بِأُمْنِيَّتِهِمْ، فَأسْلَمَ قَوْمُهُمْ، وتَمَّ بَيْنَهُمُ التَحابُّ، و"عَسى"، وعْدٌ مِنَ اللهِ، عَلى عاداتِ المُلُوكِ، حَيْثُ يَقُولُونَ في بَعْضِ الحَوائِجِ: "عَسى"، أوْ "لَعَلَّ"، فَلا تَبْقى شُبْهَةٌ لِلْمُحْتاجِ في تَمامِ ذَلِكَ، وأُرِيدَ بِهِ إطْماعُ المُؤْمِنِينَ،

﴿واللهُ قَدِيرٌ﴾، عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ، وتَحْوِيلِ الأحْوالِ، وتَسْهِيلِ أسْبابِ المَوَدَّةِ،

﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لِمَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ.

60:8Page 550

لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨

Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.

﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، تُكْرِمُوهُمْ، وتُحْسِنُوا إلَيْهِمْ، قَوْلًا، وفِعْلًا، ومَحَلُّ "أنْ تَبَرُّوهُمْ"، جَرٌّ، عَلى البَدَلِ مِن "اَلَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، والتَقْدِيرُ: "عَنْ بِرِّ الَّذِينَ... "،

﴿وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾، وتَقْضُوا إلَيْهِمْ بِالقِسْطِ، ولا تَظْلِمُوهُمْ، وإذا نَهى عَنِ الظُلْمِ في حَقِّ المُشْرِكِ، فَكَيْفَ في حَقِّ المُسْلِمِ؟! ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾

60:9Page 550

إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩

Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.

﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم (p-٤٧٠)أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾، هو بَدَلٌ مِن "اَلَّذِينَ قاتَلُوكُمْ"، لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ،

﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ﴾، مِنكُمْ،

﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾، حَيْثُ وضَعُوا التَوَلِّي غَيْرَ مَوْضِعِهِ.

60:10Page 550

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠

O you who have believed, when the believing women come to you as emigrants, examine [i.e., test] them. Allāh is most knowing as to their faith. And if you know them to be believers, then do not return them to the disbelievers; they are not lawful [wives] for them, nor are they lawful [husbands] for them. But give them [i.e., the disbelievers] what they have spent.1 And there is no blame upon you if you marry them when you have given them their due compensation [i.e., mahr]. And hold not to marriage bonds with disbelieving women, but ask for what you have spent and let them [i.e., the disbelievers] ask for what they have spent.2 That is the judgement of Allāh; He judges between you. And Allāh is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾، سَمّاهُنَّ "مُؤْمِناتٍ"، لِنُطْقِهِنَّ بِكَلِمَةِ الشَهادَةِ، أوْ لِأنَّهُنَّ مُشارِفاتٌ لِثَباتِ إيمانِهِنَّ بِالِامْتِحانِ،

﴿مُهاجِراتٍ﴾، نُصِبَ عَلى الحالِ،

﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾، فابْتَلُوهُنَّ بِالنَظَرِ في الأماراتِ، لِيَغْلِبَ عَلى ظُنُونِكم صِدْقُ إيمانِهِنَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "اِمْتِحانُها أنْ تَقُولَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"،

﴿اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾، مِنكُمْ، فَإنَّكم - وإنْ رُزْتُمْ أحْوالَهُنَّ - لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً، وعِنْدَ اللهِ حَقِيقَةُ العِلْمِ بِهِ،

﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾، اَلْعِلْمَ الَّذِي تَبْلُغُهُ طاقَتُكُمْ، وهو الظَنُّ الغالِبُ بِظُهُورِ الأماراتِ، وتَسْمِيَةُ الظَنِّ "عِلْمًا"، تُؤْذِنُ بِأنَّ الظَنَّ الغالِبَ، وما يُفْضِي إلَيْهِ القِياسُ، جارٍ مُجْرى العِلْمِ، وصاحِبُهُ غَيْرُ داخِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، فَلا تَرُدُّوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ المُشْرِكِينَ،

﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أيْ: لا حِلَّ بَيْنَ المُؤْمِنَةِ والمُشْرِكِ، لِوُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُما، بِخُرُوجِها مُسْلِمَةً،

﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾، وأعْطُوا أزْواجَهُنَّ مِثْلَ ما دَفَعُوا إلَيْهِنَّ مِنَ المُهُورِ، نَزَلَتِ الآيَةُ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ الصُلْحُ قَدْ وقَعَ عَلى أنَّ يُرَدَّ عَلى أهْلِ مَكَّةَ مَن جاءَ مُؤْمِنًا مِنهُمْ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ بَيانًا أنَّ ذَلِكَ في الرِجالِ، لا في النِساءِ، لِأنَّ المُسْلِمَةَ لا تَحِلُّ لِلْكافِرِ، وقِيلَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ الحُكْمَ الأوَّلَ،

﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الجُناحَ في تَزَوُّجِ هَؤُلاءِ المُهاجِراتِ،

﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، لِأنَّ المَهْرَ أجْرُ البُضْعِ، وبِهِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - عَلى أنْ لا عِدَّةَ عَلى المُهاجِرَةِ،

﴿وَلا تُمْسِكُوا﴾، "بَصْرِيٌّ"،

﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، اَلْعِصْمَةُ: ما يُعْتَصَمُ بِهِ، مِن عِقْدٍ، وسَبَبٍ، "اَلْكَوافِرُ": جَمْعُ "كافِرَةٌ"، وهي الَّتِي بَقِيَتْ (p-٤٧١)فِي دارِ الحَرْبِ، أوْ لَحِقَتْ بِدارِ الحَرْبِ مُرْتَدَّةً، أيْ: لا يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ عِصْمَةٌ، ولا عَلَقَةٌ زَوْجِيَّةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "مَن كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ بِمَكَّةَ، فَلا تَعْتَدَنَّ بِها مِن نِسائِهِ، لِأنَّ اخْتِلافَ الدارَيْنِ قَطَعَ عِصْمَتَها مِنهُ"،

﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾، مِن مُهُورِ أزْواجِكُمُ اللاحِقاتِ بِالكُفّارِ، مِمَّنْ تَزَوَّجَها،

﴿وَلْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾، مِن مُهُورِ نِسائِهِمُ المُهاجِراتِ، مِمَّنْ تَزَوَّجَها مِنّا،

﴿ذَلِكم حُكْمُ اللهِ﴾ أيْ: جَمِيعُ ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ،

﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ حالٌ مِن "حُكْمُ اللهِ"، عَلى حَذْفِ الضَمِيرِ، أيْ: "يَحْكُمُ اللهُ"، أوْ "جَعَلَ الحُكْمَ حاكِمًا"، عَلى المُبالَغَةِ، وهو مَنسُوخٌ، فَلَمْ يَبْقَ سُؤالُ المَهْرِ، لا مِنّا، ولا مِنهُمْ،

﴿واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

60:11Page 550

وَإِن فَاتَكُمۡ شَيۡءٞ مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَٰجُهُم مِّثۡلَ مَآ أَنفَقُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١

And if you have lost any of your wives to the disbelievers and you subsequently obtain [something],1 then give those whose wives have gone the equivalent of what they had spent. And fear Allāh, in whom you are believers.

﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾، وإنِ انْفَلَتَ أحَدٌ مِنهُنَّ إلى الكُفّارِ، وهو في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ (تَعالى) عَنْهُ -: "أحَدٌ"،

﴿فَعاقَبْتُمْ﴾، فَأصَبْتُمُوهم في القِتالِ بِعُقُوبَةٍ، حَتّى غَنِمْتُمْ، عَنِ الزَجّاجِ،

﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾، فَأعْطُوا المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ارْتَدَّتْ زَوْجاتُهُمْ، وأُلْحِقْنَ بِدارِ الحَرْبِ، مُهُورَ زَوْجاتِهِمْ، مِن هَذِهِ الغَنِيمَةِ،

﴿واتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾، وقِيلَ: هَذا الحُكْمُ مَنسُوخٌ أيْضًا.

60:12Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢

O Prophet, when the believing women come to you pledging to you that they will not associate anything with Allāh, nor will they steal, nor will they commit unlawful sexual intercourse, nor will they kill their children, nor will they bring forth a slander they have invented between their arms and legs,1 nor will they disobey you in what is right - then accept their pledge and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها النَبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾، هو حالٌ،

﴿عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾، يُرِيدُ وأْدَ البَناتِ،

﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾، كانَتِ المَرْأةُ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ، فَتَقُولُ لِزَوْجِها هو ولَدِي مِنكَ، كَنّى بِالبُهْتانِ المُفْتَرى بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها عَنِ الوَلَدِ الَّذِي تُلْصِقُهُ بِزَوْجِها كَذِبًا، لِأنَّ بَطْنَها الَّذِي تَحْمِلُهُ فِيهِ بَيْنَ اليَدَيْنِ، وفَرْجَها الَّذِي تَلِدُ بِهِ بَيْنَ الرِجْلَيْنِ، (p-٤٧٢)﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾، طاعَةِ اللهِ ورَسُولِهِ،

﴿فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾، عَمّا مَضى،

﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾، بِتَمْحِيقِ ما سَلَفَ،

﴿رَحِيمٌ﴾، بِتَوْفِيقِ ما ائْتُنِفَ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا فَرَغَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِن بَيْعَةِ الرِجالِ، أخَذَ في بَيْعَةِ النِساءِ، وهو عَلى الصَفا، وعُمَرُ قاعِدٌ أسْفَلَ مِنهُ، يُبايِعُهُنَّ عَنْهُ، بِأمْرِهِ، ويُبَلِّغُهُنَّ عَنْهُ، وهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأةُ أبِي سُفْيانَ مُتَقَنِّعَةٌ مُتَنَكِّرَةٌ، خَوْفًا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يَعْرِفَها، لِما صَنَعَتْ بِحَمْزَةَ، فَقالَ ﷺ: "أُبايِعُكُنَّ عَلى ألّا تُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا"، فَبايَعَ عُمَرُ النِساءِ عَلى ألّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا"، فَقالَ ﷺ: "وَلا يَسْرِقْنَ"، فَقالَتْ هِنْدُ: إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وإنِّي أصَبْتُ مِن مالِهِ هَناتٍ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وعَرَفَها، فَقالَ لَها: "إنَّكِ لِهِنْدُ"، قالَتْ: نَعَمْ، فاعْفُ عَمّا سَلَفَ يا نَبِيَّ اللهِ، عَفا اللهُ عَنْكَ، فَقالَ: "وَلا يَزْنِينَ"، فَقالَتْ: أوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟! فَقالَ: "وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ"، فَقالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا، وقَتَلْتَهم كِبارًا، فَأنْتُمْ وهم أعْلَمُ، وكانَ ابْنُها حَنْظَلَةُ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ " بَدْرٍ "، فَضَحِكَ عُمَرُ حَتّى اسْتَلْقى، وتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقالَ: "وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ"، فَقالَتْ: واللهِ إنَّ البُهْتانَ لِأمْرٌ قَبِيحٌ، وما تَأْمُرُنا إلّا بِالرُشْدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فَقالَ: "وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ"، فَقالَتْ: واللهِ ما جَلَسْنا مَجْلِسَنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ في شَيْءٍ. »

وَهُوَ يُشِيرُ إلى أنَّ طاعَةَ الوُلاةِ لا تَجِبُ في المُنْكَرِ.

60:13Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣

O you who have believed, do not make allies of a people with whom Allāh has become angry. They have despaired of [reward in] the Hereafter just as the disbelievers have despaired of [meeting] the companions [i.e., inhabitants] of the graves.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، خَتَمَ السُورَةَ بِما بَدَأ بِهِ، قِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ،

﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾، مِن ثَوابِها، لِأنَّهم يُنْكِرُونَ البَعْثَ، (p-٤٧٣)﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾ أيْ: يَئِسُوا، إلّا أنَّهُ وضَعَ الظاهِرَ مَوْضِعَ الضَمِيرِ،

﴿مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ، أوْ كَما يَئِسَ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ هم في القُبُورِ مِنَ الآخِرَةِ، أيْ: هَؤُلاءِ كَسَلَفِهِمْ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، أيْ: لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ، قَدْ يَئِسُوا مِن أنْ يَكُونَ لَهم حَظٌّ في الآخِرَةِ لِعِنادِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الرَسُولُ، في التَوْراةِ، كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن مَوْتاهم أنْ يُبْعَثُوا ويَرْجِعُوا أحْياءً، وقِيلَ: "مِن أصْحابِ القُبُورِ"، بَيانٌ لِلْكُفّارِ، أيْ: كَما يَئِسَ الكُفّارُ الَّذِينَ قُبِرُوا مِن خَيْرِ الآخِرَةِ، لِأنَّهم تَبَيَّنُوا قُبْحَ حالِهِمْ، وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском