An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
التحريم
At-Tahrim
The Prohibition · Medinan · 12 ayahs
66:1Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١
O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.
(p-٥٠٣)سُورَةُ "اَلتَّحْرِيمِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿يا أيُّها النَبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَلا بِمارِيَةَ في يَوْمِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -، وعَلِمَتْ بِذَلِكَ حَفْصَةُ، فَقالَ لَها: "اُكْتُمِي عَلَيَّ"، وقَدْ حَرَّمْتُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِي، وأُبَشِّرُكِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ بَعْدِي أمْرَ أُمَّتِي"، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ، وكانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ، وقِيلَ: خَلا بِها في يَوْمِ حَفْصَةَ، فَأرْضاها بِذَلِكَ، واسْتَكْتَمَها، فَلَمْ تَكْتُمْ، فَطَلَّقَها، واعْتَزَلَ نِساءَهُ، ومَكَثَ تِسْعًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً في بَيْتِ مارِيَةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - وقالَ: "راجِعْها فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ، وإنَّها لَمِن نِسائِكَ في الجَنَّةِ" »، ورُوِيَ «أنَّهُ شَرِبَ عَسَلًا في بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَتَواطَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ، وقالَتا لَهُ: "إنّا نَشُمُّ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ"، وكانَ يَكْرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ التَفْلَ، فَحَرَّمَ العَسَلَ، » فَمَعْناهُ: "لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لَكَ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، (p-٥٠٤)أوْ مِنَ العَسَلِ؟"،
﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾، تَفْسِيرٌ لِـ "تُحَرِّمُ"، أوْ حالٌ، أوِ اسْتِئْنافٌ، وكانَ هَذا زَلَّةً مِنهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما أحَلَّ اللهُ،
﴿واللهُ غَفُورٌ﴾، قَدْ غَفَرَ لَكَ ما زَلَلْتَ فِيهِ،
﴿رَحِيمٌ﴾، قَدْ رَحِمَكَ، فَلَمْ يُؤاخِذْكَ بِهِ.
66:2Page 560
قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.
﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾، قَدْ قَدَّرَ اللهُ لَكم ما تُحَلِّلُونَ بِهِ أيْمانَكُمْ، وهي الكَفّارَةُ، أوْ: قَدْ شَرَعَ لَكم تَحْلِيلَها بِالكَفّارَةِ، أوْ شَرَعَ اللهُ لَكم الِاسْتِثْناءَ في أيْمانِكُمْ، مِن قَوْلِكَ: "حَلَّلَ فُلانٌ في يَمِينِهِ"، إذا اسْتَثْنى فِيها، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ: "إنْ شاءَ اللهُ"، عُقَيْبَها، حَتّى لا يَحْنَثَ، وتَحْرِيمُ الحَلالِ يَمِينٌ عِنْدَنا، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ، » وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ، لِأنَّهُ كانَ مَغْفُورًا لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وإنَّما هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ،
﴿واللهُ مَوْلاكُمْ﴾، سَيِّدُكُمْ، ومُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ، وقِيلَ: "مَوْلاكُمْ": أوْلى بِكم مِن أنْفُسِكُمْ، فَكانَتْ نَصِيحَتُهُ أنْفَعَ لَكم مِن نَصائِحِكم أنْفُسَكُمْ،
﴿وَهُوَ العَلِيمُ﴾، بِما يُصْلِحُكُمْ، فَيَشْرَعُهُ لَكُمْ،
﴿الحَكِيمُ﴾، فِيما أحَلَّ، وحَرَّمَ.
66:3Page 560
وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣
And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."
﴿وَإذْ أسَرَّ النَبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ﴾، يَعْنِي حَفْصَةَ،
﴿حَدِيثًا﴾، حَدِيثَ مارِيَةَ، وإمامَةِ الشَيْخَيْنِ،
﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾، أفْشَتْهُ إلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -،
﴿وَأظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ﴾، وأطْلَعَ النَبِيَّ ﷺ عَلى إفْشائِها الحَدِيثَ، عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -،
﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾، أعْلَمَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ،
﴿وَأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فَلَمْ يُخْبِرْ بِهِ، تَكَرُّمًا، قالَ سُفْيانُ - رَحِمَهُ اللهُ -: "ما زالَ التَغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ"، "عَرَفَ"، بِالتَخْفِيفِ، "عَلِيٌّ"، أيْ: جازى عَلَيْهِ، مِن قَوْلِكَ لِلْمُسِيءِ: "لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ"، وقِيلَ: اَلْمُعَرَّفُ حَدِيثُ الإمامَةِ، والمُعْرَضُ عَنْهُ حَدِيثُ مارِيَةَ، ورُوِيَ أنَّهُ «قالَ لَها: "ألَمْ أقُلْ لَكِ: اُكْتُمِي عَلَيَّ؟"، قالَتْ: "والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما مَلَكْتُ نَفْسِي"، فَرَحًا بِالكَرامَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِها أباها،
﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ﴾، نَبَّأ النَبِيُّ حَفْصَةَ بِما أفْشَتْ مِنَ السِرِّ إلى عائِشَةَ - رَضِي (p-٥٠٥)اللهُ عَنْهُما -،
﴿قالَتْ﴾، حَفْصَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ،
﴿مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ﴾، بِالسَرائِرِ،
﴿الخَبِيرُ﴾ »، بِالضَمائِرِ.
66:4Page 560
إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤
If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.
﴿إنْ تَتُوبا إلى اللهِ﴾، خِطابٌ لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ، عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في مُعاتَبَتِهِما، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: "إنْ تَتُوبا إلى اللهِ فَهو الواجِبُ"، ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾، مالَتْ،
﴿قُلُوبُكُما﴾، عَنِ الواجِبِ في مُخالَصَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِن حُبِّ ما يُحِبُّهُ، وكَراهَةِ ما يَكْرَهُهُ،
﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾، بِالتَخْفِيفِ، "كُوفِيٌّ"، وإنْ تَعاوَنا عَلَيْهِ بِما يَسُوؤُهُ مِنَ الإفْراطِ في الغَيْرَةِ، وإفْشاءِ سِرِّهِ،
﴿فَإنَّ اللهَ هو مَوْلاهُ﴾، ولِيُّهُ، وناصِرُهُ، وزِيادَةُ "هُوَ"، إيذانٌ بِأنَّهُ يَتَوَلّى ذَلِكَ بِذاتِهِ،
﴿وَجِبْرِيلُ﴾ أيْضًا ولِيُّهُ،
﴿وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾، ومَن صَلُحَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: كُلُّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، وقِيلَ: مَن بُرِّئَ مِنَ النِفاقِ، وقِيلَ: اَلصَّحابَةُ، وهو واحِدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ، كَقَوْلِكَ: "لا يَفْعَلُ هَذا الصالِحُ مِنَ الناسِ"، تُرِيدُ الجِنْسَ، وقِيلَ: أصْلُهُ: "صالِحُو المُؤْمِنِينَ"، فَحُذِفَتِ الواوُ مِنَ الخَطِّ، مُوافَقَةً لِلَّفْظِ،
﴿والمَلائِكَةُ﴾، عَلى تَكاثُرِ عَدَدِهِمْ،
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، بَعْدَ نُصْرَةِ اللهِ، وجِبْرِيلَ،
﴿وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ظَهِيرٌ﴾، فَوْجٌ مُظاهِرٌ لَهُ، فَما يَبْلُغُ تَظاهُرُ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ؟! ولَمّا كانَتْ مُظاهَرَةُ المَلائِكَةِ مِن جُمْلَةِ نُصْرَةِ اللهِ، قالَ: "بَعْدَ ذَلِكَ"، تَعْظِيمًا لِنُصْرَتِهِمْ، ومُظاهَرَتِهِمْ.
66:5Page 560
عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥
Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ﴾ "يُبَدِّلَهُ"، "مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو "، فالتَشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ،
﴿أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَكُونُ المُبْدَلاتِ خَيْرًا مِنهُنَّ، ولَمْ يَكُنْ عَلى وجْهِ الأرْضِ نِساءٌ خَيْرًا مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ؟! قُلْتُ: إذا طَلَّقَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِإيذائِهِنَّ إيّاهُ، لَمْ يَبْقَيْنَ عَلى تِلْكَ الصِفَةِ، وكانَ غَيْرُهُنَّ مِنَ المَوْصُوفاتِ بِهَذِهِ الأوْصافِ خَيْرًا مِنهُنَّ،
﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾، مُقِرّاتٍ مُخْلِصاتٍ، (p-٥٠٦)﴿قانِتاتٍ﴾، مُطِيعاتٍ، فالقُنُوتُ هو القِيامُ بِطاعَةِ اللهِ، وطاعَةُ اللهِ في طاعَةِ رَسُولِهِ،
﴿تائِباتٍ﴾، مِنَ الذُنُوبِ، أوْ راجِعاتٍ إلى اللهِ، وإلى أمْرِ رَسُولِهِ،
﴿عابِداتٍ﴾، لِلَّهِ،
﴿سائِحاتٍ﴾، مُهاجِراتٍ، أوْ صائِماتٍ، وقِيلَ لِلصّائِمِ: "سائِحٌ"، لِأنَّ السائِحَ لا زادَ مَعَهُ، فَلا يَزالُ مُمْسِكًا إلى أنْ يَجِدَ ما يُطْعِمُهُ، فَشُبِّهَ بِهِ الصائِمُ في إمْساكِهِ، إلى أنْ يَجِيءَ وقْتُ إفْطارِهِ،
﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾، إنَّما وسَّطَ العاطِفَ بَيْنَ الثَيِّباتِ، والأبْكارِ دُونَ سائِرِ الصِفاتِ، لِأنَّهُما صِفَتانِ مُتَنافِيَتانِ، بِخِلافِ سائِرِ الصِفاتِ.
66:6Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦
O you who have believed, protect yourselves and your families from a Fire whose fuel is people and stones, over which are [appointed] angels, harsh and severe; they do not disobey Allāh in what He commands them but do what they are commanded.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ﴾، بِتَرْكِ المَعاصِي، وفِعْلِ الطاعاتِ،
﴿وَأهْلِيكُمْ﴾، بِأنْ تَأْخُذُوهم بِما تَأْخُذُونَ بِهِ أنْفُسَكُمْ،
﴿نارًا وقُودُها الناسُ﴾، نَوْعًا مِنَ النارِ، لا تَتَّقِدُ إلّا بِالناسِ، والحِجارَةِ، كَما يَتَّقِدُ غَيْرُها مِنَ النِيرانِ بِالحَطَبِ،
﴿عَلَيْها﴾، يَلِي أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها،
﴿مَلائِكَةٌ﴾، يَعْنِي الزَبانِيَةَ التِسْعَةَ عَشَرَ، وأعْوانَهُمْ،
﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾، في أجْرامِهِمْ غِلْظَةٌ، وشِدَّةٌ، أوْ غِلاظُ الأقْوالِ، شِدادُ الأفْعالِ،
﴿لا يَعْصُونَ اللهَ﴾، في مَوْضِعِ الرَفْعِ، عَلى النَعْتِ،
﴿ما أمَرَهُمْ﴾، في مَحَلِّ النَصْبِ، عَلى البَدَلِ، أيْ: لا يَعْصُونَ ما أمَرَ اللهُ، أيْ: أمْرَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، أوْ لا يَعْصُونَهُ فِيما أمَرَهُمْ،
﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، ولَيْسَتِ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ، إذْ مَعْنى الأُولى أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ، ويَلْتَزِمُونَها، ومَعْنى الثانِيَةِ أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، ولا يَتَثاقَلُونَ عَلَيْهِ، ولا يَتَوانَوْنَ فِيهِ.
66:7Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧
O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، في الدُنْيا، أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ، لا تَعْتَذِرُوا، لِأنَّهُ لا عُذْرَ لَكُمْ، أوْ لِأنَّهُ لا يَنْفَعُكم الِاعْتِذارُ.
66:8Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨
O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، صادِقَةً، عَنِ الأخْفَشِ - رَحِمَهُ اللهُ -، وقِيلَ: خالِصَةً، يُقالُ: "عَسَلٌ ناصِحٌ"، إذا خَلَصَ مِنَ الشَمْعِ"، وقِيلَ: "نَصُوحًا"، مِن "نَصاحَةُ الثَوْبِ"، أيْ: تَوْبَةً تَرْفُو خَرُوقَكَ في دِينِكِ، وتَرُمُّ (p-٥٠٧)خَلَلَكَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَوْبَةٌ تَنْصَحُ الناسَ، أيْ: تَدْعُوهم إلى مِثْلِها، لِظُهُورِ أثَرِها في صاحِبِها، واسْتِعْمالِهِ الجِدَّ والعَزِيمَةَ في العَمَلِ عَلى مُقْتَضَياتِها، وبِضَمِّ النُونِ "حَمّادٌ ويَحْيى"، وهو مَصْدَرٌ، أيْ: "ذاتُ نَصُوحٍ"، أوْ "تَنْصَحُ نَصُوحًا"، وجاءَ - مَرْفُوعًا - أنَّ التَوْبَةَ النَصُوحَ أنْ يَتُوبَ ثُمَّ لا يَعُودَ إلى الذَنْبِ، إلى أنْ يَعُودَ اللَبَنُ في الضَرْعِ، وعَنْ حُذَيْفَةَ: "بِحَسْبِ الرَجُلِ مِنَ الشَرِّ أنْ يَتُوبَ عَنِ الذَنْبِ ثُمَّ يَعُودُ فِيهِ"، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "هِيَ الِاسْتِغْفارُ بِاللِسانِ، والنَدَمُ بِالجَنانِ، والإقْلاعُ بِالأرْكانِ "،
﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾، هَذا عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ المُلُوكِ، مِنَ الإجابَةِ بِـ "عَسى"، و"لَعَلَّ"، ووُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم مَوْقِعَ القَطْعِ والبَتِّ،
﴿وَيُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، ونُصِبَ،
﴿يَوْمَ﴾، بِـ "يُدْخِلَكُمْ"،
﴿لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، فِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ،
﴿نُورُهُمْ﴾، مُبْتَدَأٌ،
﴿يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾، في مَوْضِعِ الخَبَرِ،
﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا انْطَفَأ نُورُ المُنافِقِينَ،
﴿واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
66:9Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩
O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
﴿يا أيُّها النَبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾، بِالسَيْفِ،
﴿والمُنافِقِينَ﴾، بِالقَوْلِ الغَلِيظِ، والوَعْظِ البَلِيغِ، وقِيلَ: بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ،
﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، عَلى الفَرِيقَيْنِ، فِيما تُجاهِدُهُما بِهِ، مِنَ القِتالِ، والمُحاجَّةِ بِاللِسانِ،
﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
66:10Page 561
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠
Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ (p-٥٠٨)مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِن اللهُ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النارَ مَعَ الداخِلِينَ﴾، مَثَّلَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - حالَ الكُفّارِ في أنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، وعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِلا مُحاباةٍ، ولا يَنَفْعُهم - مَعَ عَداوَتِهِمْ لَهم - ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ النَسَبِ والمُصاهَرَةِ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الكافِرُ نَبِيًّا، بِحالِ امْرَأةِ نُوحٍ، وامْرَأةِ لُوطٍ، لَمّا نافَقَتا، وخانَتا الرَسُولَيْنِ، بِإفْشاءِ أسْرارِهِما، فَلَمْ يُغْنِ الرَسُولانِ عَنْهُما، أيْ: عَنِ المَرْأتَيْنِ، بِحَقِّ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَواجِ، إغْناءً ما، مِن عَذابِ اللهِ، وقِيلَ لَهُما عِنْدَ مَوْتِهِما - أوْ يَوْمَ القِيامَةِ -: اُدْخُلا النارَ مَعَ سائِرِ الداخِلِينَ، الَّذِينَ لا وُصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَعَ داخِلِيها مِن إخْوانِكُما مِن قَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ.
66:11Page 561
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١١
And Allāh presents an example of those who believed: the wife of Pharaoh, when she said, "My Lord, build for me near You a house in Paradise and save me from Pharaoh and his deeds and save me from the wrongdoing people."
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾، هي آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، آمَنَتْ بِمُوسى، فَعَذَّبَها فِرْعَوْنُ بِالأوْتادِ الأرْبَعَةِ،
﴿إذْ قالَتْ﴾، وهي تُعَذَّبُ،
﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾، فَكَأنَّها أرادَتِ الدَرَجَةَ العالِيَةَ، لِأنَّهُ (تَعالى) مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ، فَعَبَّرَتْ عَنْها بِقَوْلِها: "عِنْدَكَ"،
﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ﴾ أيْ: مِن عَمَلِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِن نَفْسِ فِرْعَوْنَ الخَبِيثَةِ، وخُصُوصًا مِن عَمَلِهِ، وهو الكُفْرُ، والظُلْمُ، والتَعْذِيبُ بِغَيْرِ جُرْمٍ،
﴿وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾، مِنَ القِبْطِ كُلِّهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللهِ، والِالتِجاءَ إلَيْهِ، ومَسْألَةَ الخَلاصِ عِنْدَ المِحَنِ والنَوازِلِ، مِن سِيَرِ الصالِحِينَ.
66:12Page 561
وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢
And [the example of] Mary, the daughter of ʿImrān, who guarded her chastity, so We blew into [her garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and she believed in the words of her Lord and His scriptures and was of the devoutly obedient.
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾، مِنَ الرِجالِ،
﴿فَنَفَخْنا﴾، فَنَفَخَ جِبْرِيلُ بِأمْرِنا،
﴿فِيهِ﴾، في الفَرْجِ،
﴿مِن رُوحِنا﴾، اَلْمَخْلُوقَةِ لَنا،
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ (p-٥٠٩)رَبِّها﴾ أيْ: بِصُحُفِهِ، الَّتِي أنْزَلَها عَلى إدْرِيسَ، وغَيْرِهِ،
﴿وَكُتُبِهِ﴾، "بَصْرِيٌّ وحَفْصٌ "، يَعْنِي الكُتُبَ الأرْبَعَةَ،
﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾، لَمّا كانَ القُنُوتُ صِفَةً تَشْمَلُ مَن قَنَتَ مِنَ القَبِيلَيْنِ، غَلَّبَ ذُكُورَهُ عَلى إناثِهِ، و"مِن"، لِلتَّبْعِيضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، عَلى أنَّها وُلِدَتْ مِنَ القانِتِينَ، لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ، أخِي مُوسى - عَلَيْهِما السَلامُ.
وَمَثَّلَ حالَ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وُصْلَةَ الكافِرِينَ لا تَضُرُّهُمْ، ولا تَنْقُصُ شَيْئًا مِن ثَوابِهِمْ، وزُلْفاهم عِنْدَ اللهِ، بِحالِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَنزِلَتِها عِنْدَ اللهِ، مَعَ كَوْنِها زَوْجَةَ أعْدى أعْداءِ اللهِ، ومَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ، وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُنْيا والآخِرَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا.
وَفِي طَيِّ هَذَيْنِ التَمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمّىِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ، إشارَةً إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ يَكُونا في الإخْلاصِ كَهاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وألّا يَتَّكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجا رَسُولِ اللهِ - ﷺ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences