An-NasafiAl‑A'raf · 7:153–177

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:153–177

7:153Page 169

وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣

But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ﴾ مِنَ الكُفْرِ، والمَعاصِي.

﴿ثُمَّ تابُوا﴾ رَجَعُوا إلى اللهِ ﴿مِن بَعْدِها وآمَنُوا﴾ وأخْلَصُوا الإيمانَ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيِ: السَيِّئاتِ، أوِ التَوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لَسَتُورٌ عَلَيْهِمْ، مَحّاءٌ لِما كانَ مِنهم ﴿رَحِيمٌ﴾ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وإنَّ مَعَ اسْمِها وخَبَرِها خَبَرُ "الَّذِينَ" وهَذا حُكْمٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ مُتَّخِذُو العِجْلِ وغَيْرُهُمْ، عَظَّمَ جِنايَتَهم أوَّلًا، ثُمَّ أرْدَفَها بِعِظَمِ رَحْمَتِهِ، لِيُعْلَمَ أنَّ الذُنُوبَ وإنْ عَظُمَتْ فَعَفْوُهُ أعْظَمُ.

7:154Page 169

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

وَلَمّا كانَ الغَضَبُ لِشِدَّتِهِ كَأنَّهُ هو الآمِرُ لِمُوسى بِما فَعَلَ قِيلَ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: سَكَنَ، وقُرِئَ بِهِ ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ الَّتِي ألْقاها ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ وفِيما نُسِخَ مِنها، أيْ: كُتِبَ، فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالخُطْبَةِ ﴿هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ دَخَلَتِ اللامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ، وضَعْفِ عَمَلِ الفِعْلِ فِيهِ بِاعْتِبارِهِ.

7:155Page 169

وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment.1 And when the earthquake seized them,2 he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ، فَحَذَفَ الجارَّ، وأوْصَلَ الفِعْلَ ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ قِيلَ: اخْتارَ مَنِ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا مَن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً، فَبَلَغُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، فَقالَ: لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ، فَقَعَدَ كالِبٌ، ويُوشَعُ.

﴿لِمِيقاتِنا﴾ لِاعْتِضارِهِمْ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ.

﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ﴾ الزَلْزَلَةُ (p-٦٠٩)الشَدِيدَةُ.

﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ﴾ بِما كانَ مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ،

﴿وَإيّايَ﴾ لِقَتْلِي القِبْطِيَّ.

﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا﴾ أتُهْلِكُنا عُقُوبَةً بِما فَعَلَ الجُهّالُ مِنّا، وهم أصْحابُ العِجْلِ.

﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ ابْتِلاؤُكَ، وهو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طَهَ: ٨٥]. فَقالَ مُوسى: هي تِلْكَ الفِتْنَةُ الَّتِي أخْبَرْتَنِي بِها، أوْ هي ابْتِلاءُ اللهِ تَعالى عِبادَهُ بِما شاءَ: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنْبِياءُ: ٣٥] ﴿تُضِلُّ بِها﴾ بِالفِتْنَةِ،

﴿مَن تَشاءُ﴾ مَن عَلِمْتَ مِنهُمُ اخْتِيارَ الضَلالَةِ.

﴿وَتَهْدِي﴾ بِها ﴿مَن تَشاءُ﴾ مَن عَلِمْتَ مِنهُمُ اخْتِيارَ الهُدى ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ مَوْلانا القائِمُ بِأُمُورِنا.

﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾

7:156Page 170

۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-

﴿واكْتُبْ لَنا﴾ وأثْبِتْ لَنا، واقْسِمْ ﴿فِي هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةً﴾ عافِيَةً، وحَياةً طَيِّبَةً، وتَوْفِيقًا في الطاعَةِ ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ الجَنَّةَ،

﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ تُبْنا إلَيْكَ، وهادَ إلَيْهِ، يَهُودُ: إذا رَجَعَ، وتابَ، والهُودُ: جَمْعُ هائِدٍ، وهو التائِبُ.

﴿قالَ عَذابِي﴾ مِن صِفَتِهِ أنِّي ﴿أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ أيْ: لا أعْفُو عَنْهُ.

﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن صِفَةِ رَحْمَتِي أنَّها واسِعَةٌ تَبْلُغُ كُلَّ شَيْءٍ، ما مِن مُسْلِمٍ ولا كافِرٍ إلّا وعَلَيْهِ أثَرُ رَحْمَتِي في الدُنْيا ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ أيْ: هَذِهِ الرَحْمَةَ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشِرْكَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا﴾ بِجَمِيعِ كُتُبِنا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لا يَكْفُرُونَ بِشَيْءٍ مِنها.

7:157Page 170

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧

Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written [i.e., described] in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and prohibits them from what is wrong and makes lawful for them what is good and forbids them from what is evil and relieves them of their burden1 and the shackles which were upon them.2 So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَسُولَ﴾ الَّذِي نُوحِي إلَيْهِ كِتابًا مُخْتَصًّا بِهِ، وهو القُرْآنُ.

﴿النَبِيَّ﴾ صاحِبَ المُعْجِزاتِ ﴿الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ أيْ: يَجِدُ نَعْتَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم (p-٦١٠)بِالمَعْرُوفِ﴾ يَخْلَعُ الأنْدادَ، وإنْصافِ العِبادِ ﴿وَيَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ عِبادَةِ الأصْنامِ، وقَطِيعَةِ الأرْحامِ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَيِّباتِ﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأشْياءِ الطَيِّبَةِ، كالشُحُومِ وغَيْرِها، أوْ ما طابَ في الشَرِيعَةِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ مِنَ الذَبائِحِ، وما خَلا كَسْبُهُ مِنَ السُحْتِ ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ ما يُسْتَخْبَثُ، كالدَمِ، والمَيْتَةِ، ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، وما أُهِّلَ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، أوْ ما خَبُثَ في الحُكْمِ، كالرِبا، والرِشْوَةِ، ونَحْوِهِما مِنَ المَكاسِبِ الخَبِيثَةِ.

﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ هو الثِقْلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ: يَحْبِسُهُ عَنِ الحِراكِ لِثِقْلِهِ، والمُرادُ: التَكالِيفُ الصَعْبَةُ، كَقَتْلِ النَفْسِ في تَوْبَتِهِمْ، وقَطْعِ الأعْضاءِ الخاطِئَةِ. (آصارَهُمْ) شامِيٌّ عَلى الجَمْعِ ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ هي الأحْكامُ الشاقَّةُ، نَحْوُ: بَتُّ القَضاءِ بِالقِصاصِ عَمْدًا كانَ، أوْ خَطَأً مِن غَيْرِ شَرْعِ الدِيَةِ، وقَرْضِ مَوْضِعِ النَجاسَةِ مِنَ الجِلْدِ والثَوْبِ، وإحْراقِ الغَنائِمِ، وظُهُورِ الذُنُوبِ عَلى أبْوابِ البُيُوتِ، وشُبِّهَتْ بِالغُلِّ لِلُزُومِها لُزُومَ الغُلِّ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ وعَظَّمُوهُ، أوْ مَنَعُوهُ مِنَ العَدُوِّ حَتّى لا يَقْوى عَلَيْهِ عَدُوٌّ، وأصْلُ العَزْرِ: المَنعُ، ومِنهُ التَعْزِيرُ، لِأنَّهُ مَنعٌ عَنْ مُعاوَدَةِ القَبِيحِ كالحَدِّ، فَهو المَنعُ ﴿وَنَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ، و"مَعَ" مُتَعَلِّقٌ بِـ "اتَّبَعُوا"، أيْ: واتَّبَعُوا القُرْآنَ المُنَزَّلَ مَعَ اتِّباعِ النَبِيِّ، والعَمَلِ بِسُنَّتِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ، والناجُونَ مِن كُلِّ شَرٍّ.

7:158Page 170

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨

Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.

﴿قُلْ يا أيُّها الناسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ﴾ بُعِثَ كُلُّ رَسُولٍ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، وبُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى كافَّةِ الإنْسِ وكافَّةِ الجِنِّ ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن "إلَيْكُمْ" ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ في مَحَلِّ النَصْبِ بِإضْمارِ أعْنِي، وهو نَصْبٌ عَلى المَدْحِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِلَةِ، وهي " لَهُ مُلْكَ السماوات (p-٦١١)والأرْضِ " وكَذَلِكَ " يُحْيِي ويُمِيتُ ". وفي " لا إلَهَ إلّا هو " بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ مِن مَلَكَ العالَمَ كانَ هو الإلَهَ عَلى الحَقِيقَةِ، وفي ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِهِ بِالإلَهِيَّةِ، إذْ لا يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ غَيْرُهُ ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ النَبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ﴾ أيِ: الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَآمِنُوا بِاللهِ وبِي بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ﴾ لِتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِفاتُ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ، ولِما في الِالتِفاتِ مِن مَزِيَّةِ البَلاغَةِ، ولِيُعْلِمَ أنَّ الَّذِي وجَبَ الإيمانُ بِهِ هو هَذا الشَخْصُ المَوْصُوفُ بِأنَّهُ النَبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِهِ كائِنًا مَن كانَ، أنا أوْ غَيْرِي، إظْهارًا لِلنَّصَفَةِ، وتَفادِيًا مِنَ العَصَبِيَّةِ لِنَفْسِهِ.

7:159Page 170

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩

And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.

﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَهْدُونَ الناسَ مُحِقِّينَ، أوْ بِسَبَبِ الحَقِّ الَّذِي هم عَلَيْهِ ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وبِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَهم في الحُكْمِ لا يَجُورُونَ. قِيلَ: هم قَوْمٌ وراءَ الصِينِ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ، أوْ هم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وأضْرابُهُ.

7:160Page 171

وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠

And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾ وصَيَّرْناهم قِطَعًا، أيْ: فِرَقًا، ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ كَقَوْلِكَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، والأسْباطُ: أوْلادُ الوَلَدِ، جَمْعُ سِبْطٍ وكانُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا مَن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، نَعَمْ، مُمَيِّزُ ما عَدا العَشْرَةَ مُفْرَدٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، لَكِنَّ المُرادَ: وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، وكُلُّ قَبِيلَةٍ أسْباطٌ لا سِبْطٌ، فَوُضِعَ أسْباطٌ مَوْضِعَ قَبِيلَةٍ ﴿أُمَمًا﴾ بَدَلٌ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، أيْ: وقَطَّعْناهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ أسْباطٍ كانَتْ أُمَّةً عَظِيمَةً، وكُلَّ واحِدَةٍ كانَتْ تَؤُمُّ خِلافَ ما تَؤُمُّهُ الأُخْرى ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ فَضَرَبَ (p-٦١٢)﴿فانْبَجَسَتْ﴾ فانْفَجَرَتْ ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ هو اسْمُ جَمْعٍ غَيْرُ تَكْسِيرٍ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ وجَعَلْناهُ ظَلِيلًا عَلَيْهِمْ في التِيهِ ﴿وَأنْـزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى﴾ وقُلْنا لَهُمْ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا﴾ أيْ: وما رَجَعَ إلَيْنا ضَرَرُ ظُلْمِهِمْ بِكُفْرانِهِمُ النِعَمَ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ولَكِنْ كانُوا يَضُرُّونَ أنْفُسَهُمْ، ويَرْجِعُ وبالُ ظُلْمِهِمْ إلَيْهِمْ.

7:161Page 171

وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١

And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

﴿وَإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ واذْكُرْ ﴿إذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ بَيْتَ المَقْدِسِ ﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ (تُغْفَرُ لَكُمْ): مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، (خَطِيئاتُكُمْ) مَدَنِيٌّ، (خَطاياكُمْ) أبُو عَمْرٍو، (خَطِيئَتُكُمْ) شامِيٌّ ﴿سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾

7:162Page 171

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ لا تَناقُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها﴾ في هَذِهِ السُورَةِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا﴾ [البَقَرَةُ: ٥٨] لِوُجُودِ الدُخُولِ والسُكْنى. وسَواءٌ قَدَّمُوا الحِطَّةَ عَلى دُخُولِ البابِ، أوْ أخَّرُوها، فَهم جامِعُونَ بَيْنَهُما. وتَرْكُ ذِكْرِ الرَغَدِ لا يُناقِضُ إثْباتَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ مَوْعِدٌ بِشَيْئَيْنِ: بِالغُفْرانِ وبِالزِيادَةِ. وطَرْحُ الواوِ لا يُخِلُّ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِ القائِلِ وماذا بَعْدَ الغُفْرانِ؟ فَقِيلَ لَهُ: ﴿سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ وكَذَلِكَ (p-٦١٣)زِيادَةُ "مِنهُمْ" زِيادَةُ بَيانٍ. و"أرْسَلْنا" و"أنْزَلْنا" و"يَظْلِمُونَ" و"يَفْسُقُونَ" مِن وادٍ واحِدٍ.

7:163Page 171

وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

﴿واسْألْهُمْ﴾ واسْألِ اليَهُودَ ﴿عَنِ القَرْيَةِ﴾ أيْلَةَ، أوْ مَدْيَنٍ. وهَذا السُؤالُ لِلتَّقْرِيعِ بِقَدِيمِ كُفْرِهِمْ،

﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قَرِيبَةً مِنهُ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَبْتِ﴾ إذْ يَتَجاوَزُونَ حَدَّ اللهِ فِيهِ، وهو اصْطِيادُهم في يَوْمِ السَبْتِ، وقَدْ نُهُوا عَنْهُ.

﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها. كَأنَّهُ قِيلَ: واسْألْهم مَن أهْلُ القَرْيَةِ وقْتَ عُدْوانِهِمْ في السَبْتِ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِـ "يَعْدُونَ"، أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ.

﴿حِيتانُهُمْ﴾ جَمْعُ حُوتٍ، أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ ظاهِرَةٌ عَلى وجْهِ الماءِ، جَمْعُ شارِعٍ. حالٌ مِنَ الحِيتانِ. والسَبْتُ: مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ: إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها بِتَرْكِ الصَيْدِ، والِاشْتِغالِ بِالتَعَبُّدِ. والمَعْنى: ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ في تَعْظِيمِ هَذا اليَوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ مَعْناهُ: يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ أمْرَ السَبْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ و"يَوْمَ" ظَرْفٌ ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ الشَدِيدِ نَبْلُوهم بِفِسْقِهِمْ.

7:164Page 172

وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

﴿وَإذْ قالَتْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ وحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ في الإعْرابِ ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ الَّذِينَ أيِسُوا مَن وعْظِهِمْ بَعْدَ ما رَكِبُوا الصَعْبَ والذَلُولَ في مَوْعِظَتِهِمْ لِآخَرِينَ لا يُقْلِعُونَ عَنْ وعْظِهِمْ.

﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ الوَعْظَ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مَوْعِظَتُنا إبْلاءُ عُذْرٍ إلى اللهِ، لِئَلّا نُنْسَبَ في (p-٦١٤)النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إلى التَفْرِيطِ. (مَعْذِرَةً) حَفْصٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: وعَظْناهم لِلْمَعْذِرَةِ،

﴿وَلَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولِطَمَعِنا في أنْ يَتَّقُوا.

7:165Page 172

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ أيْ: أهْلُ القَرْيَةِ لَمّا تَرَكُوا ﴿ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصالِحُونَ تَرْكَ الناسِي لِما يَنْساهُ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ﴾ مِنَ العَذابِ الشَدِيدِ ﴿وَأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الراكِبِينَ لِلْمُنْكَرِ، والَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ مِنَ الناجِينَ. فَعَنِ الحَسَنِ: نَجَتْ فِرْقَتانِ، وهَلَكَتْ فِرْقَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ.

﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شَدِيدٍ، يُقالُ: بَؤُسَ يَبْؤُسُ بَأْسًا: إذا اشْتَدَّ، فَهو بَئِيسٌ، (بَئِسٍ) شامِيٌّ، (بِيسٍ) مَدَنِيٌّ، (بَيْئِسٍ) عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ: أبُو بَكْرٍ غَيْرَ حَمّادٍ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

7:166Page 172

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ عَنْ تَرْكِ ما نُهُوا عَنْهُ ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ: جَعَلْناهم قِرَدَةً، أذِلّاءَ، مُبْعَدِينَ. وقِيلَ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ والعَذابُ البَئِيسُ هُوَ: المَسْخُ، قِيلَ: صارَ الشُبّانُ قِرَدَةً، والشُيُوخُ خَنازِيرَ، وكانُوا يَعْرِفُونَ أقارِبَهُمْ، ويَبْكُونَ، ولا يَتَكَلَّمُونَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها ماتَتْ بَعْدَ ثَلاثٍ، وقِيلَ: بَقِيَتْ، وتَناسَلَتْ.

7:167Page 172

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أيْ: أعْلَمَ، وأُجْرِي مُجْرى فِعْلِ القَسَمِ، ولِذا أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ لِيُسَلِّطَنَّ عَلى اليَهُودِ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾ مِن يُولِيِهِمْ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ فَكانُوا يُؤَدُّونَ الجِزْيَةَ إلى المَجُوسِ إلى أنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَضَرَبَها عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ إلى آخِرِ الدَهْرِ،

﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لِلْكُفّارِ ﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ.

7:168Page 172

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ﴾ وفَرَّقْناهم فِيها، فَلا تَخْلُو بَلَدٌ مِن فِرْقَةٍ. (p-٦١٥)﴿أُمَمًا مِنهُمُ الصالِحُونَ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم بِالمَدِينَةِ، أوِ الَّذِينَ وراءَ الصِينِ ﴿وَمِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ ومِنهم ناسٌ دُونَ ذَلِكَ الوَصْفِ مُنْحَطُّونَ عَنْهُ، وهُمُ الفَسَقَةُ، ومَحَلُّ ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ الرَفْعُ، وهو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ومِنهم ناسٌ مُنْحَطُّونَ عَنِ الصَلاحِ.

﴿وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَيِّئاتِ﴾ بِالنِعَمِ والنِقَمِ، والخِصْبِ والجَدْبِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ يَنْتَهُونَ فَيُثابُونَ.

7:169Page 172

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ المَذْكُورِينَ ﴿خَلْفٌ﴾ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. والخَلْفُ: البَدَلُ السُوءُ، بِخِلافِ الخَلَفِ فَهو الصالِحُ.

﴿وَرِثُوا الكِتابَ﴾ التَوْراةَ، ووَقَفُوا عَلى ما فِيها مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، والتَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ، ولَمْ يَعْمَلُوا بِها.

﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ هو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "وَرِثُوا"، والعَرَضُ: المَتاعُ، أيْ: حُطامَ هَذا الشَيْءِ الأدْنى، يُرِيدُ: الدُنْيا، وما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنها، وهو مِنَ الدُنُوِّ، بِمَعْنى القَرِيبِ، لِأنَّهُ عاجِلٌ قَرِيبٌ، والمُرادُ: ما كانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِشا في الأحْكامِ عَلى تَحْرِيفِ الكَلِمِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذا الأدْنى﴾ تَخْسِيسٌ، وتَحْقِيرٌ.

﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ لا يُؤاخِذُنا اللهُ بِما أخَذْنا، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الأخْذِ، أوْ إلى الجارِ والمَجْرُورِ، أيْ: "لَنا" ﴿وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ: يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ، وهم مُصِرُّونَ، عائِدُونَ إلى مِثْلِ فِعْلِهِمْ، غَيْرُ تائِبِينَ.

﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ: المِيثاقُ المَذْكُورُ في الكِتابِ ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ﴾ أيْ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ في كِتابِهِمْ ألّا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلّا الصِدْقَ، وهو عَطْفُ بَيانٍ لِمِيثاقِ الكِتابِ ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ وقَرَءُوا ما في الكِتابِ، هو عَطْفٌ عَلى ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ﴾ لِأنَّهُ تَقْرِيرٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ، ودَرَسُوا ما فِيهِ ﴿والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ مِن ذَلِكَ العَرْضِ الخَسِيسِ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الرِشا، والمَحارِمَ ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿أفَلا (p-٦١٦)يَعْقِلُونَ﴾ أنَّهُ كَذَلِكَ، وبِالتاءِ: مَدَنِيٌّ، وحَفْصٌ.

7:170Page 172

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ (يُمْسِكُونَ) أبُو بَكْرٍ، والإمْساكُ والتَمْسِيكُ والتَمَسُّكُ: الِاعْتِصامُ، والتَعَلُّقُ بِشَيْءٍ.

﴿وَأقامُوا الصَلاةَ﴾ خَصَّ الصَلاةَ مَعَ أنَّ التَمَسُّكَ بِالكِتابِ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ، لِأنَّها عِمادُ الدِينِ، و"الَّذِينَ" مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ أيْ: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهُمْ، وجازَ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ. و" إنّا لا نُضِيعُ " اعْتِراضٌ.

7:171Page 173

۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."

﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ واذْكُرْ إذْ قَلَعْناهُ ورَفَعْناهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ﴾ [النِساءُ: ١٥٤].

﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ هي كُلُّ ما أظَلَّكَ مِن سَقِيفَةٍ، أوْ سَحابٍ.

﴿وَظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ وعَلِمُوا أنَّهُ ساقِطٌ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا أحْكامَ التَوْراةِ لِغِلَظِها وثِقَلِها، فَرَفَعَ اللهُ الطُورَ عَلى رُءُوسِهِمْ مِقْدارَ عَسْكَرِهِمْ -وَكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ- وقِيلَ لَهُمْ: إنْ قَبِلْتُمُوها بِما فِيها، وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ خَرَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا مِن سُقُوطِهِ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْجُدُ إلى عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، ويَقُولُونَ هي السَجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ، وقُلْنا لَهُمْ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الكِتابِ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ وعَزْمٍ عَلى احْتِمالِ مَشاقِّهِ، وتَكالِيفِهِ ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، ولا تَنْسَوْهُ.

﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.

7:172Page 173

وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ أيْ: "و" اذْكُرْ " إذْ أخَذَ " ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿بَنِي آدَمَ﴾ والتَقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ومَعْنى أخْذِ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن ظُهُورِهِمْ: إخْراجُهم مِن أصْلابِ آبائِهِمْ ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ هَذا مِن بابِ التَمْثِيلِ، ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ نَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وشَهِدَتْ بِها عُقُولُهُمُ الَّتِي (p-٦١٧)رَكَّبَها فِيهِمْ، وجَعَلَها مُمَيِّزَةً بَيْنَ الهُدى والضَلالَةِ، فَكَأنَّهُ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وقَرَّرَهُمْ، وقالَ لَهُمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وكَأنَّهم قالُوا: بَلى، أنْتَ رَبُّنا، شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا، وأقْرَرْنا بِوَحْدانِيَّتِكَ.

﴿أنْ تَقُولُوا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الشاهِدَةِ عَلى صِحَّتِها العُقُولُ كَراهَةَ " أنَّ يَقُولُوا " ﴿يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ لَمْ نُنَبِّهْ عَلَيْهِ.

7:173Page 173

أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allāh before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ "أوْ" كَراهَةَ ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ، لِأنَّ نَصْبَ الأدِلَّةِ عَلى التَوْحِيدِ، وما نُبِّهُوا عَلَيْهِ قائِمٌ مَعَهُمْ، فَلا عُذْرَ لَهم في الإعْراضِ عَنْهُ، والِاقْتِداءِ بِالآباءِ، كَما لا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في الشِرْكِ وأدِلَّةُ التَوْحِيدِ مَنصُوبَةٌ لَهم ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: كانُوا السَبَبَ في شِرْكِنا لِتَأْسِيسِهِمُ الشِرْكَ، وتَرْكِهِ سُنَّةً لَنا.

7:174Page 173

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.1

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ التَفْصِيلِ البَلِيغِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لَهم ﴿وَلَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَنْ شِرْكِهِمْ نُفَصِّلُها.

إلى هَذا ذَهَبَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَفْسِيرِ، مِنهُمُ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ، والزَجّاجُ، والزَمَخْشَرِيُّ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ اللهَ تَعالى أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِ آدَمَ مِثْلَ الذَرِّ، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنَّهُ رَبُّهم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فَأجابُوهُ بِـ "بَلى". قالُوا: وهي الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللهُ الناسَ عَلَيْها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أخْرَجَ اللهُ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ، وأراهُ إيّاهم كَهَيْئَةِ الذَرِّ وأعْطاهم مِنَ العَقْلِ، وقالَ: هَؤُلاءِ ولَدُكَ، آخُذُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ يَعْبُدُونِي. قِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِفِ، وقِيلَ: بَعْدَ النُزُولِ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: في الجَنَّةِ، والحُجَّةُ لِلْأوَّلِينَ أنَّهُ قالَ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِن ظَهْرِ آدَمَ، ولِأنّا لا نَتَذَكَّرُ ذَلِكَ، فَأنّى يَصِيرُ حُجَّةً.

() ذُرِّيّاتِهِمْ) مَدَنِيٌّ، وبَصْرِيٌّ، وشامِيٌّ. (أنْ تَقُولُوا) (أوْ تَقُولُوا) أبُو عَمْرٍو.

7:175Page 173

وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥

And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى اليَهُودِ ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ هو عالِمٌ مِن (p-٦١٨)عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ أُوتِيَ عِلْمَ بَعْضِ كُتُبِ اللهِ،

﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ فَخَرَجَ مِنَ الآياتِ بِأنْ كَفَرَ بِها، ونَبَذَها وراءَ ظَهْرِهِ.

﴿فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ﴾ فَلَحِقَهُ الشَيْطانُ وأدْرَكَهُ، وصارَ قَرِينًا لَهُ.

﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ فَصارَ مِنَ الضالِّينَ الكافِرِينَ، رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، ومَن مَعَهُ، فَأبى. فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى فَعَلَ، وكانَ عِنْدَهُ اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ.

7:176Page 173

وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦

And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.

﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى مَنازِلِ الأبْرارِ مِنَ العُلَماءِ،

﴿بِها﴾ بِتِلْكَ الآياتِ ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مالَ إلى الدُنْيا، ورَغِبَ فِيها ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في إيثارِ الدُنْيا ولَذّاتِها عَلى الآخِرَةِ ونَعِيمِها ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: تَزْجُرْهُ، وتَطْرُدْهُ.

﴿يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ﴾ غَيْرَ مَطْرُودٍ ﴿يَلْهَثْ﴾ والمَعْنى: فَصِفَتُهُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الخِسَّةِ والضَعَةِ كَصِفَةِ الكَلْبِ في أخَسِّ أحْوالِهِ وأذَلِّها، وهي حالُ دَوامِ اللهْثِ بِهِ، سَواءٌ حُمِلَ عَلَيْهِ، أيْ: شُدَّ عَلَيْهِ، وهُيِّجَ، فَطُرِدَ، أوْ تُرِكَ غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَهُ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ سائِرَ الحَيَوانِ لا يَكُونُ مِنهُ اللهْثُ إلّا إذا حُرِّكَ، أمّا الكَلْبُ فَيَلْهَثُ في الحالَيْنِ، فَكانَ مُقْتَضى الكَلامِ أنْ يُقالَ: ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ فَحَطَطْناهُ، ووَضَعْنا مَنزِلَتَهُ، فَوُضِعَ هَذا التَمْثِيلُ مَوْضِعَ فَحَطَطْناهُ أبْلَغَ حَطٍّ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الشَرْطِيَّةِ: النَصْبُ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَمَثَلِ الكَلْبِ ذَلِيلًا دائِمَ الذِلَّةِ لاهِثًا في الحالَيْنِ، وقِيلَ: لَمّا دَعا بَلْعَمُ عَلى مُوسى خَرَجَ لِسانُهُ، فَوَقَعَ عَلى صَدْرِهِ، وجَعَلَ يَلْهَثُ كَما يَلْهَثُ الكَلْبُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: هو ضالٌّ، وُعِظَ أوْ تُرِكَ. وعَنْ عَطاءٍ: مَن عَلِمَ ولَمْ يَعْمَلْ فَهو كالكَلْبِ يَنْبَحُ إنْ طُرِدَ، أوْ تُرِكَ.

﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِنَ اليَهُودِ بَعْدَ أنْ قَرَءُوا نَعْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في التَوْراةِ، وذِكْرِ القُرْآنِ المُعْجِزِ وما فِيهِ، وبَشَّرُوا الناسَ بِاقْتِرابِ مَبْعَثِهِ ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ أيْ: قَصَصَ بَلْعَمِ الَّذِي هو نَحْوُ قَصَصِهِمْ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَحْذَرُونَ مِثْلَ عاقِبَتِهِ إذا سارُوا نَحْوَ سِيرَتِهِ.

(p-٦١٩)

7:177Page 173

سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: مَثَلُ القَوْمِ، فَحُذِفَ المُضافُ. وفاعِلُ "ساءَ" مُضْمَرٌ، أيْ: ساءَ المَثَلُ مَثَلًا، وانْتِصابُ مَثْلًا عَلى التَمْيِيزِ.

﴿وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا، فَيَدْخُلُ في حَيِّزِ الصِلَةِ، أيِ: الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَكْذِيبِ بِآياتِ اللهِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُنْقَطِعٌ عَنِ الصِلَةِ، أيْ: وما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم بِالتَكْذِيبِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ وخَصُّوا أنْفُسَهم بِالظُلْمِ لَمْ يَتَعَدَّ إلى غَيْرِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском