An-NasafiAl‑A'raf · 7:31–58

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:31–58

7:31Page 154

۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

O children of Adam, take your adornment [i.e., wear your clothing] at every masjid,1 and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.

﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ لِباسُ زِينَتِكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ كُلَّما صَلَّيْتُمْ، وقِيلَ: الزِينَةُ: المُشْطُ، والطِيبُ. والسُنَّةُ: أنْ يَأْخُذَ الرَجُلُ أحْسَنَ هَيْئاتِهِ لِلصَّلاةِ، لِأنَّ الصَلاةَ مُناجاةُ الرَبِّ، فَيُسْتَحَبُّ التَزَيُّنُ، والتَعَطُّرُ، كَما يَجِبُ التَسَتُّرُ، والتَطَهُّرُ.

﴿وَكُلُوا﴾ مِنَ اللَحْمِ، والدَسَمِ.

﴿واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ بِالشُرُوعِ في الحَرامِ، أوْ في مُجاوَزَةِ الشِبَعِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كُلُّ ما شِئْتَ، واشْرَبْ ما شِئْتَ، والبَسْ ما شِئْتَ، ما أخْطَأتْكَ خَصْلَتانِ: سَرَفٌ، ومَخْيَلَةٌ. وكانَ لِلرَّشِيدِ طَبِيبٌ نَصْرانِيٌّ حاذِقٌ، فَقالَ لِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقَدٍ: لَيْسَ في كِتابِكم مِن عِلْمِ الطِبِّ شَيْءٌ، والعِلْمُ عِلْمانِ عِلْمُ الأبْدانِ وعِلْمُ الأدْيانِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَدْ جَمَعَ اللهُ الطِبَّ كُلَّهُ في نِصْفِ آيَةٍ مِن كِتابِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ فَقالَ النَصْرانِيُّ: ولَمْ يُرْوَ عَنْ رَسُولِكم شَيْءٌ في الطِبِّ، فَقالَ: قَدْ جَمَعَ رَسُولُنا الطِبَّ في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ، وهي قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "المَعِدَةُ بَيْتُ الداءِ، والحِمْيَةُ رَأسُ كُلِّ دَواءٍ، وأعْطِ كُلَّ بَدَنٍ ما عَوَّدْتَهُ". » فَقالَ النَصْرانِيُّ: ما تَرَكَ كِتابُكم (p-٥٦٥)وَلا نَبِيُّكم لِجالِينُوسَ طِبًّا.

7:32Page 154

قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢

Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

ثُمَّ اسْتَفْهَمَ إنْكارًا عَلى مُحَرِّمِ الحَلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ﴾ مِنَ الثِيابِ، وكُلِّ ما يُتَجَمَّلُ بِهِ ﴿الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ أيْ: أصْلُها، يَعْنِي: القُطْنَ مِنَ الأرْضِ، والقَزَّ مِنَ الدُودِ ﴿والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ﴾ والمُسْتَلَذّاتِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ. وقِيلَ: كانُوا إذا أحْرَمُوا حَرَّمُوا الشاةَ، وما يَخْرُجُ مِن لَحْمِها، وشَحْمِها، ولِبَنْها،

﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا﴾ غَيْرُ خالِصَةٍ لَهُمْ، لِأنَّ المُشْرِكَيْنِ شُرَكاؤُهم فِيها ﴿خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لا يَشْرَكُهم فِيها أحَدٌ، ولَمْ يَقُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِغَيْرِهِمْ، لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّها خُلِقَتِ لِلَّذِينَ آمَنُوا عَلى طَرِيقِ الأصالَةِ، والكُفّارُ تَبَعٌ لَهم. (خالِصَةٌ) بِالرَفْعِ: نافِعٌ، فَهي مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ " لِلَّذِينِ آمَنُوا ". و" في الحَياةِ الدِنيا " ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ، أوْ "خالِصَةٌ" خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي خالِصَةٌ، وغَيْرُهُ نَصَبَها عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ، الَّذِي في الظَرْفِ، الَّذِي هو الخَبَرُ، أيْ: هي ثابِتَةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا في حالِ خُلُوصِها يَوْمَ القِيامَةِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ نُمَيِّزُ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ لاشَرِيكَ لَهُ.

7:33Page 154

قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."

﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ (رَبِّي): حَمْزَةُ، "الفَواحِشَ": ما تَفاحَشَ قُبْحُهُ، أيْ: تَزايَدَ ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ سِرَّها وعَلانِيَتَها ﴿والإثْمَ﴾ أيْ: شُرْبَ الخَمْرِ، أوْ كُلَّ ذَنْبِ،

﴿والبَغْيَ﴾ والظُلْمَ، والكِبْرَ.

﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالبَغْيِ، ومَحَلُّ ﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ حُجَّةً - النَصْبُ، كَأنَّهُ قالَ: حَرَّمَ الفَواحِشَ، وحَرَّمَ الشِرْكَ (يُنْزِلُ) بِالتَخْفِيفِ: مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ. وفِيهِ تَهَكُّمٌ، إذْ (p-٥٦٦)لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا عَلى أنْ يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأنْ تَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِ، وتَفْتَرُوا الكَذِبَ مِنَ التَحْرِيمِ، وغَيْرِهِ.

7:34Page 154

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ وقْتٌ مُعَيَّنٌ يَأْتِيهِمْ فِيهِ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللهِ، كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قُيِّدَ بِساعَةٍ، لِأنَّها أقَلَّ ما يُسْتَعْمَلُ في الإمْهالِ.

7:35Page 154

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هِيَ: إنِ الشَرْطِيَّةُ، ضُمَّتْ إلَيْها "ما" مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الشَرْطِ، لِأنَّ "ما" لِلشَّرْطِ، ولِذا أُلْزِمَتْ فِعْلَها النُونُ الثَقِيلَةُ، أوِ الخَفِيفَةُ ﴿رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ يَقْرَءُونَ عَلَيْكم كُتُبِي، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةٌ لِرُسُلٍ، وجَوابُ الشَرْطِ: ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ الشِرْكَ ﴿وَأصْلَحَ﴾ العَمَلَ مِنكم ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أصْلًا ( فَلا خَوْفَ ) يَعْقُوبُ.

7:36Page 154

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مِنكم ﴿بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ تَعَظَّمُوا عَنِ الإيمانِ بِها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

7:37Page 154

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ فَمَن أشْنَعُ ظُلْمًا ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ مِمَّنْ تَقَوَّلَ عَلى اللهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ، والأعْمارِ.

﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ مَلَكُ المَوْتِ، وأعْوانُهُ. و"حَتّى" غايَةٌ لِنَيْلِهِمْ نَصِيبَهُمْ، واسْتِيفائِهِمْ لَهُ، وهي "حَتّى" الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ هُنا الجُمْلَةُ الشَرْطِيَّةُ، وهي ﴿إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ (p-٥٦٧)﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَقْبِضُونَ أرْواحَهُمْ، وهو حالٌ مِنَ الرُسُلِ، أيْ: مُتَوَفِّيهِمْ، و"ما" في ﴿قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ في خَطِّ المُصْحَفِ مَوْصُولَةٌ بِأيْنَ، وحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، لِأنَّها مَوْصُولَةٌ، والمَعْنى: أيْنَ الآلِهَةُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ؟! ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ لِيَذُبُّوا عَنْكم ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ غابُوا عَنّا، فَلا نَراهم ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ اعْتَرَفُوا بِكُفْرِهِمْ بِلَفْظِ الشَهادَةِ، الَّتِي هي لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ.

7:38Page 155

قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨

[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."

﴿قالَ ادْخُلُوا﴾ أيْ: يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ﴿ادْخُلُوا﴾ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنِينَ في جُمْلَةِ أُمَمٍ مُصاحِبِينَ لَهم ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ مِن كُفّارِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿فِي النارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "ادْخُلُوا" ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ النارَ ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ شَكْلَها في الدِينِ، أيِ: الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها﴾ أصْلُهُ: تَدارَكُوا، أيْ: تَلاحَقُوا واجْتَمَعُوا في النارِ، فَأُبْدِلَتِ التاءُ دالًا، وسُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ مَنزِلَةً، وهي الأتْباعُ، والسِفْلَةُ ﴿لأُولاهُمْ﴾ مَنزِلَةً، وهي القادَةُ، والرُءُوسُ، ومَعْنى: "لِأُولاهُمْ" لِأجْلِ أُولاهُمْ، لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللهِ لا مَعَهم ﴿رَبَّنا﴾ يا رَبَّنا ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ مُضاعِفًا ﴿مِنَ النارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ لِلْقادَةِ بِالغَوايَةِ، والإغْواءِ، ولِلْأتْباعِ بِالكُفْرِ، والِاقْتِداءِ.

﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنكم مِنَ العَذابِ. (لا يَعْلَمُونَ) أبُو بَكْرٍ، أيْ: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقِ مِقْدارَ عَذابِ الفَرِيقِ الآخَرِ.

7:39Page 155

وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩

And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."

﴿وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ عَطَفُوا هَذا الكَلامَ عَلى قَوْلِ اللهِ تَعالى لِلسِّفْلَةِ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعْرافُ: ٣٨] أيْ: فَقَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وأنّا مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الضِعْفِ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما (p-٥٦٨)كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ بِكَسْبِكُمْ، وكُفْرِكم. وهو مِن قَوْلِ القادَةِ لِلسِّفْلَةِ، ولا وقْفَ عَلى "فَضْلٍ". أوْ مِن قَوْلِ اللهِ لَهم جَمِيعًا، والوَقْفُ عَلى "فَضْلٍ".

7:40Page 155

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠

Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَماءِ﴾ أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في صُعُودِ السَماءِ لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ، إذْ هي في السَماءِ. أوْ لا يَصْعَدُ لَهم عَمَلٌ صالِحٌ، ولا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ، أوْ لا تَصْعَدُ أرْواحُهم إذا ماتُوا، كَما تَصْعَدُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ إلى السَماءِ، وبِالتاءِ مَعَ التَخْفِيفِ: أبُو عَمْرٍو، وبِالياءِ مَعَهُ: حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

﴿وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ حَتّى يَدْخُلَ البَعِيرُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ، أيْ: لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، لِأنَّهُ عَلَّقَهُ بِما لا يَكُونُ، والخِياطُ والمَخِيطُ: ما يُخاطُ بِهِ، وهو الإبْرَةُ.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ الَّذِي وصَفْنا ﴿نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: الكافِرِينَ، بِدَلالَةِ التَكْذِيبِ بِآياتِ اللهِ، والِاسْتِكْبارِ عَنْها.

7:41Page 155

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.

﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ فِراشٌ ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ أغْطِيَةٌ، جَمْعُ غاشِيَةٍ.

﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ.

7:42Page 155

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢

But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ طاقَتَها. والتَكْلِيفُ: إلْزامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ، أيْ: مَشَقَّةٌ.

﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ الَّذِينَ و﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾

7:43Page 155

وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣

And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."

﴿وَنَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ حِقْدٍ كانَ بَيْنَهم في الدُنْيا، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهم إلّا التَوادُّ والتَعاطُفُ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إنّى لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُبَيْرُ، مِنهم.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ حالٌ مِن "هُمْ" في (p-٥٦٩)"صُدُورِهِمْ" والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ لِما هو وسِيلَةٌ إلى هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ، وهو الإيمانُ ﴿وَما كُنّا﴾ (ما كُنّا) بِغَيْرِ واوٍ شامِيٌّ، عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ﴿لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللهُ﴾ اللامُ لِتَوْكِيدِ النَفْيِ، أيْ: وما كانَ يَصِحُّ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللهِ، وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ فَكانَ لُطْفًا لَنا، وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ، فاهْتَدَيْنا، يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا بِما نالُوا، وإظْهارًا لِما اعْتَقَدُوا.

﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها، تَقْدِيرُهُ: ونُودُوا بِأنَّهُ تِلْكُمُ الجَنَّةُ، والهاءُ ضَمِيرُ الشَأْنِ، أوْ بِمَعْنى أيْ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ أعْطَيْتُمُوها، وهو حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، والعامِلُ فِيها ما فى "تِلْكَ" مِن مَعْنى الإشارَةِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سَمّاها مِيراثًا، لِأنَّها لا تُسْتَحَقُّ بِالعَمَلِ، بَلْ هي مَحْضُ فَضْلِ اللهِ وعْدِهِ عَلى الطاعاتِ، كالمِيراثِ مِنَ المَيِّتِ لَيْسَ بِعِوَضٍ عَنْ شَيْءٍ، بَلْ هو صِلَةٌ خالِصَةٌ. وقالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ المُعْتَزِلَةَ خالَفُوا اللهَ فِيما أخْبَرَ ونُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ وأهْلَ الجَنَّةِ والنارِ وإبْلِيسَ، لِأنَّهُ قالَ اللهُ تَعالى: " يُضِلُّ مَن يَشاء ويَهْدِي مَن يَشاءُ " [المُدَّثِّرُ: ٣١]. وقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هُودٌ: ٣٤]. وقالَ أهْلُ الجَنَّةِ: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللهُ﴾ وقالَ أهْلُ النارِ: ﴿لَوْ هَدانا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ [إبْراهِيمُ: ٢١] وقالَ إبْلِيسُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الأعْرافُ: ١٦].

7:44Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers

﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النارِ أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ. وكَذَلِكَ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ مِنَ الثَوابِ ﴿حَقًّا﴾ حالٌ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿حَقًّا﴾ وتَقْدِيرُهُ: وعَدَكم رَبُّكُمْ، فَحُذِفَ "كُمْ" لِدَلالَةِ ﴿وَعَدَنا رَبُّنا﴾ عَلَيْهِ، وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ شَماتَةً بِأصْحابِ النارِ، واعْتِرافًا بِنِعَمِ اللهِ تَعالى ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ وبِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ كانَ: (p-٥٧٠)عَلِيٌّ.

﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ نادى مُنادٍ، وهو مَلَكٌ يَسْمَعُ أهْلَ الجَنَّةِ والنارِ ﴿أنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ (أنَّ لَعْنَةَ) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

7:45Page 156

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ يَمْنَعُونَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دِينِهِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لَيَبْغُونَ، أيْ: ويَطْلُبُونَ لَها الِاعْوِجاجَ، والتَناقُضَ ﴿وَهم بِالآخِرَةِ﴾ بِالدارِ الآخِرَةِ ﴿كافِرُونَ﴾

7:46Page 156

وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦

And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

﴿وَبَيْنَهُما﴾ وبَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، أوْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.

﴿حِجابٌ﴾ وهو السُورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ [الحَدِيدُ: ١٣] ﴿وَعَلى الأعْرافِ﴾ عَلى أعْرافِ الحِجابِ، وهو لِلسُّورِ المَضْرُوبِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، وهي أعالِيهِ، جَمْعُ: عَرْفٍ، اسْتُعِيرَ مِن عَرْفِ الفَرَسِ، وعَرْفِ الدِيكِ.

﴿رِجالٌ﴾ مِن أفاضِلِ المُسْلِمِينَ، أوْ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ، لِاسْتِواءِ حَسَناتِهِمْ وسَيِّئاتِهِمْ، أوْ مَن لَمْ يَرْضَ عَنْهُ أحَدُ أبَوَيْهِ، أوْ أطْفالُ المُشْرِكِينَ.

﴿يَعْرِفُونَ كُلا﴾ مِن زُمْرَةِ السُعَداءِ والأشْقِياءِ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمْ، قِيلَ: سِيما المُؤْمِنِينَ: بَياضُ الوُجُوهِ ونَضارَتُها، وسِيما الكافِرِينَ: سَوادُ الوُجُوهِ، وزُرْقَةُ العُيُونِ.

﴿وَنادَوْا﴾ أيْ: أصْحابُ الأعْرافِ،

﴿أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أنَّهُ سَلامٌ، أوْ أيْ سَلامٌ. وهو تَهْنِئَةُ مِنهم لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ أيْ: أصْحابُ الأعْرافِ، ولا مَحَلَّ لَهُ، لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ ﴿وَهم يَطْمَعُونَ﴾ في دُخُولِها، أوْ لَهُ مَحَلٌّ، وهو صِفَةٌ لِرِجالٍ.

7:47Page 156

۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ أبْصارُ أصْحابِ الأعْرافِ، وفِيهِ أنَّ صارِفًا يَصْرِفُ أبْصارَهم لِيَنْظُرُوا فَيَسْتَعِيذُوا.

﴿تِلْقاءَ﴾ ظَرْفٌ، أيْ: ناحِيَةَ ﴿أصْحابِ النارِ﴾ ورَأوْا ما فِيهِ مِنَ العَذابِ ﴿قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ فاسْتَعاذُوا بِاللهِ، وفَزِعُوا إلى رَحْمَتِهِ ألّا يَجْعَلَهم مَعَهم.

(p-٥٧١)

7:48Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."

﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا﴾ مِن رُءُوسِ الكَفَرَةِ ﴿يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ المالُ، أوْ كَثْرَتُكم واجْتِماعُكم و"ما" نافِيَةٌ ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ واسْتِكْبارُكم عَلى الحَقِّ، وعَلى الناسِ. ثُمَّ يَقُولُونَ لَهُمْ:

7:49Page 156

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩

[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

﴿أهَؤُلاءِ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿الَّذِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: "أهَؤُلاءِ" هُمُ الَّذِينَ ﴿أقْسَمْتُمْ﴾ حَلَفْتُمْ في الدُنْيا، والمُشارُ إلَيْهِمْ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ كَصُهَيْبٍ، وسَلْمانَ، ونَحْوِهِما.

﴿لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ جَوابُ "أقْسَمْتُمْ" وهو داخِلٌ في صِلَةِ الَّذِينَ، تَقْدِيرُهُ: أقْسَمْتُمْ عَلَيْهِمْ بِألّا يَنالَهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ، أيْ: لا يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، يَحْتَقِرُونَهم لِفَقْرِهِمْ، فَيُقالُ لِأصْحابِ الأعْرافِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَظَرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ، وعَرَفُوهم بِسِيماهُمْ، وقالُوا ما قالُوا ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾

7:50Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers

﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ النارِ ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ الإفاضَةِ، أوْ أُرِيدَ "أوْ" ألْقُوا عَلَيْنا ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ مِنَ الطَعامِ والفاكِهَةِ، كَقَوْلِهِ:

عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا

أيْ: وسَقَيْتُها، وإنَّما سَألُوا ذَلِكَ مَعَ يَأْسِهِمْ عَنِ الإجابَةِ، لِأنَّ المُتَحَيِّرَ يَنْطِقُ بِما يُفِيدُ، وبِما لا يُفِيدُ.

﴿قالُوا إنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ هو تَحْرِيمُ مَنعٍ، كَما في ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ [القَصَصُ: ١٢]. وتَقِفُ هُنا إنْ رَفَعَتْ أوْ نَصَبَتْ ما بَعْدَهُ ذَمًّا، وإنْ جَرَرْتَهُ وصْفًا لِلْكافِرِينَ فَلا.

(p-٥٧٢)

7:51Page 156

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ فَحَرَّمُوا وأحَلُّوا ما شاءُوا، أوْ دِينَهُمْ: عِيدَهم.

﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ اغْتَرُّوا بِطُولِ البَقاءِ ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ نَتْرُكُهم في العَذابِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: كَنِسْيانِهِمْ وجُحُودِهِمْ.

7:52Page 157

وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ مَيَّزْنا حَلالَهُ، وحَرامَهُ، ومَواعِظَهُ، وقَصَصَهُ.

﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عالِمِينَ بِكَيْفِيَّةِ تَفْصِيلِ أحْكامِهِ،

﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ حالٌ مَنصُوبٌ ﴿فَصَّلْناهُ﴾ كَما أنَّ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعِهِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

7:53Page 157

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣

Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا تَأْوِيلَهُ﴾ إلّا عاقِبَةَ أمْرِهِ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ مِن تَبْيِينِ صِدْقِهِ، وظُهُورِ صِحَّةِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ تَرَكُوهُ، وأعْرَضُوا عَنْهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: تَبَيَّنَ، وصَحَّ أنَّهم جاءُوا بِالحَقِّ، فَأقَرُّوا حِينَ لا يَنْفَعُهم.

﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ قَبْلَها داخِلَةٍ مَعَها في حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ، أوْ هَلْ نُرَدُّ؟ ورافِعُهُ وُقُوعُهُ مَوْقِعًا يَصْلُحُ لِلِاسْمِ، كَقَوْلِكَ ابْتِداءً: هَلْ يَضْرِبُ زَيْدٌ؟ أوْ عَطْفٌ عَلى تَقْدِيرٍ: هَلْ يَشْفَعُ لَنا شافِعٌ، أوْ هَلْ نُرَدُّ؟ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ.

7:54Page 157

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤

Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.

﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أرادَ السَمَواتِ (p-٥٧٣)والأرْضَ وما بَيْنَهُما، وقَدْ فَصَّلَها في "حَمِ السَجْدَةِ" أيْ: مِنَ الأحَدِ إلى الجُمْعَةِ، لِاعْتِبارِ المَلائِكَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا، ولِلْإعْلامِ بالتَأنِّي في الأُمُورِ، ولِأنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ يَوْمًا، ولِأنَّ إنْشاءَ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ أدَلُّ عَلى عالِمٍ مُدَبِّرٍ مُرِيدٍ يُصَرِّفُهُ عَلى اخْتِيارِهِ، ويُجْرِيهِ عَلى مَشِيئَتِهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ اسْتَوْلى ﴿عَلى العَرْشِ﴾ أضافَ الِاسْتِيلاءَ إلى العَرْشِ، وإنْ كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُسْتَوْلِيًا عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، لِأنَّ العَرْشَ أعْظَمُها، وأعْلاها. وتَفْسِيرُ العَرْشِ بِالسَرِيرِ، والِاسْتِواءِ بالِاسْتِقْرارِ كَما تَقُولُهُ المُشَبِّهَةُ باطِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى كانَ قَبْلَ العَرْشِ ولا مَكانَ، وهو الآنُ كَما كانَ، لِأنَّ التَغَيُّرَ مِن صِفاتِ الأكْوانِ. والمَنقُولُ عَنِ الصادِقِ، والحَسَنِ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومالكٍ رَحِمَهُمُ اللهُ: أنَّ الِاسْتِواءَ مَعْلُومٌ، والتَكْيِيفَ فِيهِ مَجْهُولٌ، والإيمانَ بِهِ واجِبٌ، والجُحُودَ لَهُ كُفْرٌ، والسُؤالَ عَنْهُ بِدْعَةٌ ﴿يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ﴾ (يُغَشِّي) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ. أيْ: يُلْحِقُ اللَيْلَ بِالنَهارِ، والنَهارَ بِاللَيْلِ ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ حالٌ مِنَ اللَيْلِ، أيْ: سَرِيعًا. والطالِبُ: هو اللَيْلُ، كَأنَّهُ لِسُرْعَةِ مُضِيِّهِ يَطْلُبُ النَهارَ ﴿والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ﴾ أيْ: وخَلَقَ الشَمْسَ، والقَمَرَ، والنُجُومَ.

﴿مُسَخَّراتٍ﴾ حالٌ، أيْ: مُذَلَّلاتٍ. (والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ) شامِيٌّ، والشَمْسُ مُبْتَدَأٌ، والبَقِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها، والخَبَرُ ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ ﴿بِأمْرِهِ﴾ هو أمْرُ تَكْوِينٍ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَهُنَّ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ قالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ أيْ: هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ، ولَهُ الأمْرُ.

﴿تَبارَكَ اللهُ﴾ كَثُرَ خَيْرُهُ، أوْ دامَ بِرُّهُ، مِنَ البَرَكَةِ: النَماءِ، أوْ مِنَ البُرُوكِ: الثَباتُ، ومِنهُ البَرَكَةُ،

﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾

7:55Page 157

ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1

﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ نُصْبٌ عَلى الحالِ، أيْ: ذَوِي تَضَرُّعٍ وخُفْيَةٍ، والتَضَرُّعُ: تَفَعُّلٌ، مِنَ الضَراعَةِ، وهي الذُلُّ، أيْ: تَذَلُّلًا وتَمَلُّقًا، قالَ ﷺ: « "إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، إنَّهُ مَعَكم (p-٥٧٤)أيْنَما كُنْتُمْ". » عَنِ الحَسَنِ: بَيْنَ دَعْوَةِ السِرِّ والعَلانِيَةِ سَبْعُونَ ضِعْفًا ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ المُجاوِزِينَ ما أُمِرُوا بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الدُعاءِ وغَيْرِهِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: الرافِعِينَ أصْواتَهم بِالدُعاءِ، وعَنْهُ: الصِياحُ في الدُعاءِ مَكْرُوهٌ وبِدْعَةٌ. وقِيلَ: هو الإسْهابُ في الدُعاءِ. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُعاءِ، وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اللهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ". »

7:56Page 157

وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.

﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ أيْ: بِالمَعْصِيَةِ بَعْدَ الطاعَةِ، أوْ بِالشِرْكِ بَعْدَ التَوْحِيدِ، أوْ بِالظُلْمِ بَعْدَ العَدْلِ.

﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ حالانِ، أيْ: خائِفِينَ مِنَ الرَدِّ، طامِعِينَ في الإجابَةِ، أوْ مِنَ النِيرانِ وفي الجِنانِ، أوْ مِنَ الفِراقِ وفي التَلاقِ، أوْ مِن غَيْبِ العاقِبَةِ وفي ظاهِرِ الهِدايَةِ، أوْ مِنَ العَدْلِ، وفي الفَضْلِ ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ذُكِّرَ قَرِيبٌ عَلى تَأْوِيلِ الرَحْمَةِ بِالرَحِمِ، أوِ التَرَحُّمِ، أوْ لِأنَّهُ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: شَيْءٌ قَرِيبٌ، أوْ عَلى تَشْبِيهِهِ بِفَعِيلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ، [أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ الرَحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ]، أوْ لِلْإضافَةِ إلى المُذَكَّرِ.

7:57Page 157

وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ﴾ (الرِيحُ) مَكِّيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. (بُشْرًا) (نَشْرًا) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، مَصْدَرُ نَشَرَ. وانْتِصابُهُ إمّا لِأنَّ أرْسَلَ ونَشَأ مُتَقارِبانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَشَرَها نَشْرًا، وإمّا عَلى الحالِ، أيْ: مَنشُوراتٍ. (بُشُرًا) عاصِمٌ، تَخْفِيفُ بُشْرًا، جَمْعُ بَشِيرٍ، لِأنَّ الرِياحَ تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ. (نُشُرًا) شامِيٌّ، تَخْفِيفُ نُشْرٍ، (p-٥٧٥)كَرُسُلٍ ورُسْلٍ، وهو قِراءَةُ الباقِينَ، جَمْعُ نُشُورٍ، أيْ: ناشِرَةٌ لِلْمَطَرِ.

﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أمامَ نِعْمَتِهِ، وهو الغَيْثُ الَّذِي هو مِن أجَلِّ النِعَمِ ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾ حَمَلَتْ ورَفَعَتْ، واشْتِقاقُ الإقْلالِ مِنَ القِلَّةِ، لِأنَّ الرافِعَ المُطِيقَ يَرى ما يَرْفَعُهُ قَلِيلًا.

﴿سَحابًا ثِقالا﴾ بِالماءِ، جَمْعُ: سَحابَةٍ.

﴿سُقْناهُ﴾ الضَمِيرُ لِلسَّحابِ عَلى اللَفْظِ، ولَوْ حُمِلَ عَلى المَعْنى كالثِقالِ لَأنَّثَ، كَما لَوْ حَمَلَ الوَصْفَ عَلى اللَفْظِ لَقِيلَ ثَقِيلًا.

﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ لِأجْلِ بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ مَطَرٌ، ولِسَقْيِهِ. (مَيِّتٍ) مَدَنِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وحَفْصٌ.

﴿فَأنْـزَلْنا بِهِ الماءَ﴾ بِالسَحابِ، أوْ بِالسَوْقِ، وكَذَلِكَ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَمَراتِ كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ، وهو إخْراجُ الثَمَراتِ.

﴿نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَيُؤَدِّيكُمُ التَذَكُّرُ إلى الإيمانِ بِالبَعْثِ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الإخْراجَيْنِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إعادَةُ الشَيْءِ بَعْدَ إنْشائِهِ.

7:58Page 158

وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ﴾ الأرْضُ الطَيِّبَةُ التُرابِ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِتَيْسِيرِهِ، وهو مَوْضِعُ الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَخْرُجُ نَباتُهُ حَسَنًا وافِيًا، لِأنَّهُ واقِعٌ في مُقابَلَةِ "نَكِدًا" ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، أيْ: والبَلَدُ الخَبِيثُ.

﴿لا يَخْرُجُ﴾ أيْ: نَباتُهُ، فَحُذِفَ لِلِاكْتِفاءِ ﴿إلا نَكِدًا﴾ هو الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، وهَذا مَثَلٌ لِمَن يَنْجَعُ فِيهِ الوَعْظُ، وهو المُؤْمِنُ، ولِمَن لا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وهو الكافِرُ. وهَذا التَمْثِيلُ واقِعٌ عَلى أثَرِ مَثَلِ ذَلِكَ المَطَرِ، وإنْزالِهِ بِالبَلَدِ المَيِّتِ، وإخْراجِ الثَمَراتِ بِهِ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ.

﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ التَصَرُّفِ ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نُرَدِّدُها، ونُكَرِّرُها.

﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَةَ اللهِ -وَهُمُ المُؤْمِنُونَ- لِيَتَفَكَّرُوا فِيها، ويَعْتَبِرُوا بِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском