An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الجن
Al-Jinn
The Jinn · Meccan · 28 ayahs
72:1Page 572
قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed to me that a group of the jinn listened and said, 'Indeed, we have heard an amazing Qur’ān [i.e., recitation].
(p-٥٤٨)سُورَةُ "اَلْجِنِّ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿قُلْ﴾، يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ،
﴿أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ﴾، أنَّ اَلْأمْرَ والشَأْنَ، أجْمَعُوا عَلى فَتْحِ "أنَّهُ"، لِأنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ لِـ "أُوحِيَ"، و"أنْ لَوِ اسْتَقامُوا"، و"أنَّ المَساجِدَ"، لِلْعَطْفِ عَلى "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، فَـ "أنْ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، و"أنْ قَدْ أبْلَغُوا"، لِتَعَدِّي "يَعْلَمُ"، إلَيْها، وعَلى كَسْرِ ما بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ، وبَعْدَ القَوْلِ، نَحْوَ: "فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ"، و"قالُوا إنّا سَمِعْنا"، لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْكِيٌّ بَعْدَ القَوْلِ، واخْتَلَفُوا في فَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها مِن "أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا"، إلى "وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ"، فَفَتَحَها "شامِيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ "، عَطْفًا عَلى "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، أوْ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في "آمَنّا بِهِ"، تَقْدِيرُهُ: "وَصَدَّقْناهُ، وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا... "، إلى آخِرِها، وكَسَرَها غَيْرُهم عَطْفًا عَلى "إنّا سَمِعْنا"، وهم يَقِفُونَ عَلى أواخِرِ الآياتِ،
﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، جَماعَةٌ، مِنَ الثَلاثَةِ إلى العَشَرَةِ،
﴿مِنَ الجِنِّ﴾، جِنِّ نَصِيبِينَ،
﴿فَقالُوا﴾، لِقَوْمِهِمْ، حِينَ رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنَ اسْتِماعِ قِراءَةِ النَبِيِّ ﷺ في صَلاةِ الفَجْرِ،
﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، عَجِيبًا، بَدِيعًا، مَبايِنًا لِسائِرِ الكُتُبِ في حُسْنِ نَظْمِهِ، (p-٥٤٩)وَصِحَّةِ مَعانِيهِ، و"اَلْعَجَبُ": ما يَكُونُ خارِجًا عَنِ العادَةِ، وهو مَصْدَرٌ وضِعَ مَوْضِعَ "اَلْعَجِيبُ".
72:2Page 572
يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢
It guides to the right course, and we have believed in it. And we will never associate with our Lord anyone.
﴿يَهْدِي إلى الرُشْدِ﴾، يَدْعُو إلى الصَوابِ، أوْ إلى التَوْحِيدِ والإيمانِ،
﴿فَآمَنّا بِهِ﴾، بِالقُرْآنِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ بِهِ إيمانًا بِاللهِ، وبِوَحْدانِيَّتِهِ، وبَراءَةً مِنَ الشِرْكِ، قالُوا: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾، مِن خَلْقِهِ، وجازَ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "بِهِ"، لِلَّهِ (تَعالى)، لِأنَّ قَوْلَهُ: "بِرَبِّنا"، يُفَسِّرُهُ.
72:3Page 572
وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا ٣
And [it teaches] that exalted is the nobleness of our Lord; He has not taken a wife or a son
﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾، عَظَمَتُهُ، يُقالُ: "جَدَّ فُلانٌ في عَيْنِي"، أيْ: عَظُمَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ - أوْ أنَسٍ -: "كانَ الرَجُلُ إذا قَرَأ "اَلْبَقَرَةِ"، و"آلِ عِمْرانَ"، جَدَّ فِينا"، أيْ: عَظُمَ في عُيُونِنا،
﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً﴾، زَوْجَةً،
﴿وَلا ولَدًا﴾، كَما يَقُولُ كُفّارُ الجِنِّ، والإنْسِ.
72:4Page 572
وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤
And that our foolish one [i.e., Iblees]1 has been saying about Allāh an excessive transgression.
﴿وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾، جاهِلُنا، أوْ إبْلِيسُ - إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ سَفِيهٌ -،
﴿عَلى اللهِ شَطَطًا﴾، كُفْرًا، لِبُعْدِهِ عَنِ الصَوابِ، مِن "شَطَّتِ الدارُ"، أيْ: بَعُدَتْ، أوْ قَوْلًا يَجُوزُ فِيهِ عَنِ الحَقِّ، وهو نِسْبَةُ الصاحِبَةِ، والوَلَدِ إلَيْهِ، و"اَلشَّطَطُ": مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الظُلْمِ وغَيْرِهِ.
72:5Page 572
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥
And we had thought that mankind and the jinn would never speak about Allāh a lie.
﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللهِ كَذِبًا﴾، قَوْلًا كَذِبًا، أوْ مَكْذُوبًا فِيهِ، أوْ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، إذِ الكَذِبُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أيْ: كانَ في ظَنِّنا أنَّ أحَدًا لَنْ يَكْذِبَ عَلى اللهِ بِنِسْبَةِ الصاحِبَةِ والوَلَدِ إلَيْهِ، فَكُنّا نُصَدِّقُهم فِيما أضافُوا إلَيْهِ، حَتّى تَبَيَّنَ لَنا بِالقُرْآنِ كَذِبُهُمْ، كانَ الرَجُلُ مِنَ العَرَبِ إذا نَزَلَ بِمَخُوفٍ مِنَ الأرْضِ، قالَ: "أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن سُفَهاءِ قَوْمِهِ"، يُرِيدُ كَبِيرَ الجِنِّ، فَقالَ:
72:6Page 572
وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦
And there were men from mankind who sought refuge in men from the jinn, so they [only] increased them in burden [i.e., sin].
﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهُمْ﴾ أيْ: زادَ الإنْسُ الجِنَّ بِاسْتِعاذَتِهِمْ بِهِمْ،
﴿رَهَقًا﴾، طُغْيانًا، وسَفَهًا، وكِبْرًا، بِأنْ قالُوا: سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ، أوْ فَزادَ الجِنُّ الإنْسَ (p-٥٥٠)رَهَقًا، إثْمًا، لِاسْتِعاذَتِهِمْ بِهِمْ، وأصْلُ "اَلرَّهَقُ": غَشَيانُ المَحْظُورِ.
72:7Page 572
وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧
And they had thought, as you thought, that Allāh would never send anyone [as a messenger].
﴿وَأنَّهُمْ﴾، وأنَّ الجِنَّ،
﴿ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ﴾، يا أهْلَ مَكَّةَ،
﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أحَدًا﴾، بَعْدَ المَوْتِ، أيْ أنَّ الجِنَّ كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، كَإنْكارِكُمْ، ثُمَّ بِسَماعِ القُرْآنِ اهْتَدَوْا، وأقَرُّوا بِالبَعْثِ، فَهَلّا أقْرَرْتُمْ كَما أقَرُّوا.
72:8Page 572
وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨
And we have sought [to reach] the heaven but found it filled with powerful guards and burning flames.
﴿وَأنّا لَمَسْنا السَماءَ﴾، طَلَبْنا بُلُوغَ السَماءِ، واسْتِماعَ كَلامِ أهْلِها، و"اَللَّمْسُ": اَلْمَسُّ، فاسْتُعِيرَ لِلطَّلَبِ، لِأنَّ الماسَّ طالِبٌ، مُتَعَرِّفٌ،
﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾، جَمْعًا أقْوِياءَ مِنَ المَلائِكَةِ، يَحْرُسُونَ، جَمْعُ "حارِسٌ"، ونُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: "اَلْحَرَسُ": اِسْمٌ مُفْرَدٌ، في مَعْنى "اَلْحُرّاسُ"، كَـ "اَلْخَدَمُ"، في مَعْنى "اَلْخُدّامُ"، ولِذا وُصِفَ بِـ "شَدِيدًا"، ولَوْ نُظِرَ إلى مَعْناهُ لَقِيلَ: "شِدادًا"،
﴿وَشُهُبًا﴾، جَمْعُ "شِهابٌ"، أيْ: كَواكِبَ مُضِيئَةً.
72:9Page 572
وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩
And we used to sit therein in positions for hearing,1 but whoever listens now will find a burning flame lying in wait for him.
﴿وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾، مِنَ السَماءِ، قَبْلَ هَذا،
﴿مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾، لِاسْتِماعِ أخْبارِ السَماءِ، يَعْنِي: كُنّا نَجِدُ بَعْضَ السَماءِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ، والشُهُبِ، قَبْلَ المَبْعَثِ،
﴿فَمَن يَسْتَمِعِ﴾، يُرِدْ الِاسْتِماعَ،
﴿الآنَ﴾، بَعْدَ المَبْعَثِ،
﴿يَجِدْ لَهُ﴾، لِنَفْسِهِ،
﴿شِهابًا رَصَدًا﴾، صِفَةٌ لِـ "شِهابًا"، بِمَعْنى "اَلرّاصِدُ"، أيْ: يَجِدْ شِهابًا راصِدًا لَهُ، ولِأجْلِهِ، أوْ هو اسْمُ جَمْعٍ لِـ "اَلرّاصِدُ"، عَلى مَعْنى: "ذَوِي شِهابٍ راصِدِينَ بِالرَجْمِ"، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَرْجُمُونَهم بِالشُهُبِ، ويَمْنَعُونَهم مِنَ الِاسْتِماعِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: كانَ الرَجْمُ في الجاهِلِيَّةِ، ولَكِنَّ الشَياطِينَ كانَتْ تَسْتَرِقُ السَمْعَ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَمُنِعُوا مِنَ الِاسْتِراقِ أصْلًا بَعْدَ مَبْعَثِ النَبِيِّ - ﷺ.
72:10Page 572
وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠
And we do not know [therefore] whether evil is intended for those on earth or whether their Lord intends for them a right course.
﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ﴾، عَذابٌ،
﴿أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ﴾، بِعَدَمِ اسْتِراقِ السَمْعِ،
﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾، خَيْرًا، ورَحْمَةً.
72:11Page 572
وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١
And among us are the righteous, and among us are [others] not so; we were [of] divided ways.1
﴿وَأنّا مِنّا الصالِحُونَ﴾، اَلْأبْرارُ المُتَّقُونَ،
﴿وَمِنّا﴾، قَوْمٌ،
﴿دُونَ ذَلِكَ﴾، فَحَذَفَ (p-٥٥١)المَوْصُوفَ، وهُمُ المُقْتَصِدُونَ في الصَلاحِ، غَيْرُ الكامِلِينَ فِيهِ، أوْ أرادُوا "غَيْرَ الصالِحِينَ"،
﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾، بَيانٌ لِلْقِسْمَةِ المَذْكُورَةِ، أيْ: كُنّا ذَوِي مَذاهِبَ مُتَفَرِّقَةٍ، أوْ أدْيانٍ مُخْتَلِفَةٍ، و"اَلْقِدَدُ": جَمْعُ "قِدَّةٌ"، وهي القِطْعَةُ، مِن "قَدَدْتُ السَيْرَ"، أيْ: قَطَعْتُهُ.
72:12Page 572
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢
And we have become certain that we will never cause failure to Allāh upon earth, nor can we escape Him by flight.
﴿وَأنّا ظَنَنّا﴾ أيْقَنّا،
﴿أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ﴾، لَنْ نَفُوتَهُ،
﴿فِي الأرْضِ﴾، حالٌ، أيْ: لَنْ نُعْجِزَهُ كائِنِينَ في الأرْضِ، أيْنَما كُنّا فِيها،
﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾، مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: ولَنْ نُعْجِزَهُ هارِبِينَ مِنها إلى السَماءِ، وهَذِهِ صِفَةُ الجِنِّ، وما هم عَلَيْهِ مِن أحْوالِهِمْ، وعَقائِدِهِمْ.
72:13Page 572
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣
And when we heard the guidance [i.e., the Qur’ān], we believed in it. And whoever believes in his Lord will not fear deprivation or burden.1
﴿وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾، اَلْقُرْآنَ،
﴿آمَنّا بِهِ﴾، بِالقُرْآنِ، وبِاللهِ،
﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾، "فَهُوَ لا يَخافُ"، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ،
﴿بَخْسًا﴾، نَقْصًا مِن ثَوابِهِ،
﴿وَلا رَهَقًا﴾ أيْ: ولا تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ، مِن قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ مِنَ الإيمانِ.
72:14Page 573
وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤
And among us are Muslims [in submission to Allāh], and among us are the unjust.1 And whoever has become Muslim - those have sought out the right course.
﴿وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾، اَلْمُؤْمِنُونَ،
﴿وَمِنّا القاسِطُونَ﴾، اَلْكافِرُونَ، الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، "قَسَطَ": جارَ، و"أقْسَطَ": عَدَلَ،
﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، طَلَبُوا هُدًى، و"اَلتَّحَرِّي": طَلَبُ الأحْرى، أيْ: اَلْأوْلى.
72:15Page 573
وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥
But as for the unjust, they will be, for Hell, firewood.'
﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا﴾، في عِلْمِ اللهِ،
﴿لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، وقُودًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ الكافِرَ يُعَذَّبُ في النارِ، ويُتَوَقَّفُ في كَيْفِيَّةِ ثَوابِهِمْ.
72:16Page 573
وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦
And [Allāh revealed] that if they had remained straight on the way, We would have given them abundant rain [i.e., provision]
﴿وَأنْ﴾، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، يَعْنِي: "وَأنَّهُ"، وهي مِن جُمْلَةِ الوَحْيِ، أيْ: "أُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَأْنَ... "،
﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ أيْ: اَلْقاسِطُونَ،
﴿عَلى الطَرِيقَةِ﴾، طَرِيقَةِ الإسْلامِ،
﴿لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾، كَثِيرًا، والمَعْنى: لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِزْقَ، وذَكَرَ الماءَ الغَدَقَ، لِأنَّهُ سَبَبُ سَعَةِ الرِزْقِ.
72:17Page 573
لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧
So We might test them therein. And whoever turns away from the remembrance of his Lord1 He will put into arduous punishment.
(p-٥٥٢)﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾، لِنَخْتَبِرَهم فِيهِ، كَيْفَ يَشْكُرُونَ ما خُوِّلُوا مِنهُ،
﴿وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾، اَلْقُرْآنِ، أوِ التَوْحِيدِ، أوِ العِبادَةِ،
﴿يَسْلُكْهُ﴾، بِالياءِ، "عِراقِيٌّ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو ": يُدْخِلْهُ،
﴿عَذابًا صَعَدًا﴾، شاقًّا، مَصْدَرُ "صَعِدَ"، يُقالُ: "صَعِدَ صَعَدًا، وصُعُودًا، فَوَصَفَ بِهِ العَذابَ، لِأنَّهُ يَتَصَعَّدُ المُعَذَّبَ، أيْ: يَعْلُوهُ، ويَغْلِبُهُ، فَلا يُطِيقُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ (تَعالى) عَنْهُ - "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ ما تَصَعَّدَتْنِي خُطْبَةُ النِكاحِ"، أيْ: ما شَقَّ عَلَيَّ.
72:18Page 573
وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨
And [He revealed] that the masjids1 are for Allāh, so do not invoke2 with Allāh anyone.
﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾، مِن جُمْلَةِ المُوحى، أيْ: أُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ - أيْ: اَلْبُيُوتَ المَبْنِيَّةَ لِلصَّلاةِ فِيها - لِلَّهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: "وَلِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا... "، عَلى أنَّ اللامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "لا تَدْعُوا"، أيْ: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا﴾، في المَساجِدِ، لِأنَّها خالِصَةٌ لِلَّهِ، ولِعِبادَتِهِ، وقِيلَ: "اَلْمَساجِدُ": أعْضاءُ السُجُودِ: وهِيَ: اَلْجَبْهَةُ، واليَدانِ، والرُكْبَتانِ، والقَدَمانِ.
72:19Page 573
وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩
And that when the Servant [i.e., Prophet] of Allāh stood up supplicating Him, they almost became about him a compacted mass."1
﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾، مُحَمَّدٌ ﷺ، إلى الصَلاةِ، وتَقْدِيرُهُ: "وَأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهَ... "،
﴿يَدْعُوهُ﴾، يَعْبُدُهُ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ، ولَمْ يَقُلْ: "نَبِيُّ اللهِ"، أوْ "رَسُولُهُ"، لِأنَّهُ مِن أحَبِّ الأسْماءِ إلى النَبِيِّ ﷺ، ولِأنَّهُ لَمّا كانَ واقِعًا في كَلامِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ، جِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ التَواضُعُ، أوْ لِأنَّ عِبادَةَ عَبْدِ اللهِ لِلَّهِ، لَيْسَتْ بِمُسْتَبْعَدٍ حَتّى يَكُونُوا عَلَيْهِ لِبَدًا،
﴿كادُوا﴾، كادَ الجِنُّ،
﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، جَماعاتٍ، جَمْعُ "لُبْدَةٌ"، تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ، وإعْجابًا بِما تَلاهُ مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ.
72:20Page 573
قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٠
Say, [O Muḥammad], "I only invoke my Lord and do not associate with Him anyone."
﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾، وحْدَهُ، "قالَ"، "غَيْرُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ "،
﴿وَلا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾، في العِبادَةِ، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ، وتَزْدَحِمُونَ عَلَيَّ؟!
72:21Page 573
قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١
Say, "Indeed, I do not possess for you [the power of] harm or right direction."
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا﴾، مَضَرَّةً،
﴿وَلا رَشَدًا﴾، نَفْعًا، أوْ أرادَ بِالضُرِّ الغَيَّ، بِدَلِيلِ قِراءَةِ أُبَيٍّ: "غَيًّا ولا رَشَدًا"، يَعْنِي: "لا أسْتَطِيعُ أنْ أضُرَّكُمْ"، وأنْ أنْفَعَكُمْ، لِأنَّ الضارَّ والنافِعَ هو اللهُ.
72:22Page 573
قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ٢٢
Say, "Indeed, there will never protect me from Allāh anyone [if I should disobey], nor will I find in other than Him a refuge.
(p-٥٥٣)﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أحَدٌ﴾، لَنْ يَدْفَعَ عَنِّي عَذابَهُ أحَدٌ إنْ عَصَيْتُهُ، كَقَوْلِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣] ﴿وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، مُلْتَجَأً.
72:23Page 573
إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣
But [I have for you] only notification from Allāh, and His messages." And whoever disobeys Allāh and His Messenger - then indeed, for him is the fire of Hell; they will abide therein forever.
﴿إلا بَلاغًا مِنَ اللهِ﴾، اِسْتِثْناءٌ مِن "لا أمْلِكُ"، أيْ: لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا، إلّا بَلاغًا مِنَ اللهِ، و"قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي"، اِعْتِراضٌ، لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وبَيانِ عَجْزِهِ، وقِيلَ: "بَلاغًا"، بَدَلٌ مِن "مُلْتَحَدًا"، أيْ: لَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مَنجًى، إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنْهُ ما أرْسَلَنِي بِهِ، يَعْنِي: لا يُنْجِينِي إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللهِ ما أُرْسِلْتُ بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُنْجِينِي، وقالَ الفَرّاءُ: هَذا شَرْطٌ، وجَزاءٌ، ولَيْسَ بِاسْتِثْناءٍ، و"إنْ"، مُنْفَصِمَةٌ مِن "لا"، وتَقْدِيرُهُ: "إنْ لا أُبَلِّغْ بَلاغًا"، أيْ: "إنْ لَمْ أُبَلِّغْ لَمْ أجِدْ مِن دُونِهِ مُلْتَجَأً، ولا مُجِيرًا لِي"، كَقَوْلِكَ: "إنْ لا قِيامًا فَقُعُودًا"، و"اَلْبَلاغُ"، في هَذِهِ الوُجُوهِ، بِمَعْنى: اَلتَّبْلِيغُ،
﴿وَرِسالاتِهِ﴾، عَطْفٌ عَلى "بَلاغًا"، كَأنَّهُ قِيلَ: "لا أمْلِكُ لَكم إلّا التَبْلِيغَ، والرِسالاتِ"، أيْ: "إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللهِ، فَأقُولَ: قالَ اللهُ كَذا، ناسِبًا لِقَوْلِهِ إلَيْهِ، وأنْ أُبَلَّغَ رِسالَتَهُ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها، بِلا زِيادَةٍ ونُقْصانٍ"، و"مِن"، لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لِلتَّبْلِيغِ، لِأنَّهُ يُقالُ: "بَلَّغَ عَنْهُ"، إنَّما هي بِمَنزِلَةِ "مِن"، فِي: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة: ١]، أيْ: "بَلاغًا كائِنًا مِنَ اللهِ"،
﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ﴾، في تَرْكِ القَبُولِ لِما أنْزَلَ عَلى الرَسُولِ، لِأنَّهُ ذُكِرَ عَلى أثَرِ تَبْلِيغِ الرِسالَةِ،
﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾، وحَّدَ في قَوْلِهِ: "لَهُ"، وجَمَعَ في "خالِدِينَ"، لِلَفْظِ "مَن"، ومَعْناهُ.
72:24Page 573
حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا ٢٤
[The disbelievers continue] until, when they see that which they are promised, then they will know who is weaker in helpers and less in number.
﴿حَتّى﴾، يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ حَتّى ﴿إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾، مِنَ العَذابِ،
﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾، عِنْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ،
﴿مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾، أهُمْ، أمِ المُؤْمِنُونَ؟ أيْ: اَلْكافِرُ لا ناصِرَ لَهُ يَوْمَئِذٍ، والمُؤْمِنُ يَنْصُرُهُ اللهُ، ومَلائِكَتُهُ، وأنْبِياؤُهُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ.
72:25Page 573
قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا ٢٥
Say, "I do not know if what you are promised is near or if my Lord will grant for it a [long] period."
(p-٥٥٤)﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾، ما أدْرِي،
﴿أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾، مِنَ العَذابِ،
﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي﴾، وبِفَتْحِ الياءِ، "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو "،
﴿أمَدًا﴾، غايَةً بَعِيدَةً، يَعْنِي: إنَّكم تُعَذَّبُونَ قَطْعًا، ولَكِنْ لا أدْرِي أهُوَ حالٌّ، أمْ مُؤَجَّلٌ.
72:26Page 573
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦
[He is] Knower of the unseen, and He does not disclose His [knowledge of the] unseen to anyone
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾، هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ،
﴿فَلا يُظْهِرُ﴾، فَلا يُطْلِعُ،
﴿عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾، مِن خَلْقِهِ.
72:27Page 573
إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا ٢٧
Except whom He has approved of messengers, and indeed, He sends before him [i.e., each messenger] and behind him observers1
﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾، إلّا رَسُولًا قَدِ ارْتَضاهُ، لِعِلْمِ بَعْضِ الغَيْبِ، لِيَكُونَ إخْبارُهُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةً لَهُ، فَإنَّهُ يُطْلِعُهُ عَلى غَيْبِهِ ما شاءَ، و"مِن رَسُولٍ"، بَيانٌ لِمَنِ ارْتَضى، والوَلِيُّ إذا أخْبَرَ بِشَيْءٍ فَظَهَرَ، فَهو غَيْرُ جازِمٍ عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ أخْبَرَ بِناءً عَلى رُؤْياهُ، أوْ بِالفِراسَةِ، عَلى أنَّ كُلَّ كَرامَةٍ لِلْوَلِيِّ فَهي مُعْجِزَةٌ لِلرَّسُولِ، وذُكِرَ في التَأْوِيلاتِ: قالَ بَعْضُهُمْ: "فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةُ تَكْذِيبِ المُنَجِّمَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَصْدُقُ خَبَرُهُ، وكَذَلِكَ المُتَطَيِّبَةُ، يَعْرِفُونَ طَبائِعَ النَباتِ، وذا لا يُعْرَفُ بِالتَأمُّلِ، فَعُلِمَ بِأنَّهم وقَفُوا عَلى عِلْمِهِ مِن جِهَةِ رَسُولٍ انْقَطَعَ أثَرُهُ، وبَقِيَ عِلْمُهُ في الخَلْقِ،
﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ﴾، يُدْخِلُ،
﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، يَدَيِ الرَسُولِ،
﴿وَمِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ، يَحْفَظُونَهُ مِنَ الشَياطِينِ، ويَعْصِمُونَهُ مِن وساوِسِهِمْ، وتَخالِيطِهِمْ، حَتّى يُبَلَّغَ الوَحْيَ.
72:28Page 573
لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا ٢٨
That he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] may know1 that they have conveyed the messages of their Lord; and He has encompassed whatever is with them and has enumerated all things in number.
﴿لِيَعْلَمَ﴾، اَللَّهُ،
﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ أيْ: اَلرُّسُلُ،
﴿رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾، كامِلَةً، بِلا زِيادَةٍ، ولا نُقْصانٍ، إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، أيْ: لِيَعْلَمَ اللهُ ذَلِكَ مَوْجُودًا، حالَ وُجُودِهِ، كَما كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِهِ أنَّهُ يُوجَدُ، وحَّدَ الضَمِيرَ في "مِن بَيْنِ يَدَيْهِ"، لِلَفْظِ "مَن"، وجَمَعَ في "أبْلَغُوا"، لِمَعْناهُ،
﴿وَأحاطَ﴾، اَللَّهُ،
﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾، بِما عِنْدَ الرُسُلِ مِنَ العِلْمِ،
﴿وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾، مِنَ القَطْرِ، والرَمْلِ، ووَرَقِ الأشْجارِ، وزَبَدِ البِحارِ، فَكَيْفَ لا يُحِيطُ بِما عِنْدَ الرُسُلِ مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ؟! و"عَدَدًا"، حالٌ، أيْ: وعَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مَعْدُودًا، مَحْصُورًا، أوْ مَصْدَرٌ في مَعْنى "إحْصاءً".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences