An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
المدثر
Al-Muddaththir
The Cloaked One · Meccan · 56 ayahs
(p-٥٦١)سُورَةُ "اَلْمُدَّثِّرِ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
رَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: " «كُنْتُ عَلى جَبَلِ حِراءَ، فَنُودِيتُ: "يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ رَسُولُ اللهِ"، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي ويَسارِي، فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ إلى فَوْقِي، فَإذا هو قاعِدٌ عَلى عَرْشٍ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ - يَعْنِي المَلَكَ الَّذِي ناداهُ - فَرُعِبْتُ ورَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، دَثِّرُونِي"، فَدَثَّرَتْهُ خَدِيجَةُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، وقَرَأ: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾، » أيْ: اَلْمُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ، مِن "اَلدِّثارُ"، وهو كُلُّ ما كانَ مِنَ الثِيابِ فَوْقَ الشِعارِ، و"اَلشِّعارُ": اَلثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وأصْلُهُ: "اَلْمُتَدَثِّرُ"، فَأُدْغِمَ.
﴿قُمْ﴾، مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ، وتَصْمِيمٍ،
﴿فَأنْذِرْ﴾، فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِن عَذابِ اللهِ، إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، أوْ فافْعَلِ الإنْذارَ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ لَهُ بِأحَدٍ، وقِيلَ: سَمِعَ مِن قُرَيْشٍ ما كَرِهَهُ، فاغْتَمَّ، فَتَغَطّى بِثَوْبِهِ مُفَكِّرًا، كَما يَفْعَلُ المَغْمُومُ، فَقِيلَ لَهُ: يا أيُّها الصارِفُ أذى الكُفّارِ عَنْ نَفْسِكَ بِالدِثارِ، قُمْ فاشْتَغِلْ بِالإنْذارِ، وإنْ آذاكَ الفُجّارُ.
(p-٥٦٢)﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، واخْتَصَّ رَبَّكَ بِالتَكْبِيرِ، وهو التَعْظِيمُ، أيْ: لا تُكْبِرْ في عَيْنِكَ غَيْرَهُ، وقُلْ عِنْدَما يَعْرُوكَ مِن غَيْرِ اللهِ: "اَللَّهُ أكْبَرُ"، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "اَللَّهُ أكْبَرُ"، فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ، » وفَرِحَتْ، وأيْقَنَتْ أنَّهُ الوَحْيُ، وقَدْ يُحْمَلُ عَلى تَكْبِيرِ الصَلاةِ، ودَخَلَتِ الفاءُ بِمَعْنى الشَرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ.
﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾، بِالماءِ، عَنِ النَجاسَةِ، لِأنَّ الصَلاةَ لا تَصِحُّ إلّا بِها، وهي الأوْلى في غَيْرِ الصَلاةِ، أوْ فَقَصِّرْ، مُخالَفَةً لِلْعَرَبِ في تَطْوِيلِهِمُ الثِيابَ، وجَرِّهِمُ الذُيُولَ، إذْ لا يُؤْمَنُ مَعَهُ إصابَةُ النَجاسَةِ، أوْ طَهِّرْ نَفْسَكَ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الأفْعالِ، يُقالُ: "فُلانٌ طاهِرُ الثِيابِ"، إذا وصَفُوهُ بِالنَقاءِ مِنَ المَعايِبِ، و"فُلانٌ دَنِسُ الثِيابِ"، لِلْغادِرِ، ولِأنَّ مَن طَهَّرَ باطِنَهُ يَطْهُرُ ظاهِرُهُ ظاهِرًا.
﴿والرُجْزَ﴾، بِضَمِّ الراءِ، " يَعْقُوبُ وسَهْلٌ وحَفْصٌ "، وغَيْرُهم بِالكَسْرِ: اَلْعَذابَ، والمُرادُ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ،
﴿فاهْجُرْ﴾ أيْ: اُثْبُتْ عَلى هَجْرِهِ، لِأنَّهُ كانَ بَرِيئًا مِنهُ.
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، بِالرَفْعِ، وهو مَنصُوبُ المَحَلِّ عَلى الحالِ، أيْ: لا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا، رائِيًا لِما تُعْطِيهِ كَثِيرًا، أوْ طالِبًا أكْثَرَ مِمّا أعْطَيْتَ، فَإنَّكَ مَأْمُورٌ بِأجَلِّ الأخْلاقِ، وأشْرَفِ الآدابِ، وهو مِن "مَنَّ عَلَيْهِ"، إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَسْتَكْثِرْ"، بِالسُكُونِ، جَوابًا لِلنَّهْيِ.
﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾، ولِوَجْهِ اللهِ فاسْتَعْمِلِ الصَبْرَ عَلى أوامِرِهِ، ونَواهِيهِ، وكُلِّ مَصْبُورٍ عَلَيْهِ، ومَصْبُورٍ عَنْهُ.
﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾، نُفِخَ في الصُورِ، وهي النَفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: اَلثّانِيَةُ.
﴿فَذَلِكَ﴾، إشارَةٌ إلى وقْتِ النَقْرِ، وهو مُبْتَدَأٌ،
﴿يَوْمَئِذٍ﴾، مَرْفُوعُ المَحَلِّ، بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"،
﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، خَبَرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: "فَيَوْمُ النَقْرِ يَوْمٌ عَسِيرٌ"، والفاءُ في (p-٥٦٣)"فَإذا"، لِلتَّسْبِيبِ، وفي "فَذَلِكَ"، لِلْجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "اِصْبِرْ عَلى أذاهُمْ، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ عَسِيرٌ، يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهُمْ، وتَلْقى عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ"، والعامِلُ في "فَإذا"، ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَزاءُ، أيْ: "فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ عَسُرَ الأمْرُ".
﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: "غَيْرُ يَسِيرٍ"، لِيُؤْذِنَ بِأنَّهُ يَسِيرٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، أوْ عَسِيرٌ لا يُرْجى أنْ يَرْجِعَ يَسِيرًا، كَما يُرْجى تَيْسِيرُ العَسِيرِ مِن أُمُورِ الدُنْيا.
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ أيْ: كِلْهُ إلَيَّ، يَعْنِي الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وكانَ يُلَقَّبُ في قَوْمِهِ بِـ "اَلْوَحِيدُ"، و"مَن خَلَقْتُ"، مَعْطُوفٌ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ،
﴿وَحِيدًا﴾، حالٌ مِنَ الياءِ في "ذَرْنِي"، أيْ: ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ أمْرَهُ، أوْ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ"، أيْ: "خَلَقْتُهُ وحْدِي، لَمْ يَشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ"، أوْ مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، أوْ مِن "مَن"، أيْ: خَلَقْتُهُ مُنْفَرِدًا، بِلا أهْلٍ، ولا مالٍ، ثُمَّ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ.
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾، مَبْسُوطًا، كَثِيرًا، أوْ مَمْدُودًا بِالنَماءِ، وكانَ لَهُ الزَرْعُ، والضَرْعُ، والتِجارَةُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: "كانَ لَهُ مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ"، وعَنْهُ أنَّ لَهُ أرْضًا بِالطائِفِ، لا يَنْقَطِعُ ثَمَرُها.
﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ، لِغِناهم عَنِ السَفَرِ، وكانُوا عَشَرَةً، أسْلَمَ مِنهم خالِدٌ، وهِشامٌ، وعِمارَةُ.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾، وبَسَطْتُ لَهُ الجاهَ، والرِياسَةَ، فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ الجاهِ والمالِ، واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُنْيا.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾، اِسْتِبْعادٌ، واسْتِنْكارٌ لِطَمَعِهِ، وحِرْصِهِ، أيْ: يَرْجُو أنْ أزِيدَ في مالِهِ، ووَلَدِهِ، مِن غَيْرِ شُكْرٍ، وقالَ الحَسَنُ: "أنْ أزِيدَ": أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، فَأُوتِيَهُ مالًا ووَلَدًا، كَما قالَ: لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا.
74:16Page 575
كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ١٦
No! Indeed, he has been toward Our verses obstinate.
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ لَهُ، وقَطْعٌ لِرَجائِهِ، أيْ: لا يُجْمَعُ لَهُ بَعْدَ اليَوْمِ بَيْنَ الكُفْرِ والمَزِيدِ مِنَ النِعَمِ، فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِنَ المالِ والجاهِ، حَتّى هَلَكَ،
﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾، مُعانِدًا، جاحِدًا، وهو تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ، عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُزادُ؟! فَقِيلَ: "إنَّهُ جَحَدَ آياتِ المُنْعِمِ، وكَفَرَ بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ، والكافِرُ لا يَسْتَحِقُّ المَزِيدَ".
(p-٥٦٤)﴿سَأُرْهِقُهُ﴾، سَأُغَشِّيهِ،
﴿صَعُودًا﴾، عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعَدِ، وفي الحَدِيثِ: "اَلصَّعُودُ: جَبَلٌ مِن نارٍ، يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ، كَذَلِكَ أبَدًا".
﴿إنَّهُ فَكَّرَ﴾، تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ، كَأنَّ اللهَ (تَعالى) عاجَلَهُ بِالفَقْرِ، والذُلِّ، بَعْدَ الغِنى، والعِزِّ، لِعِنادِهِ، ويُعاقِبُهُ في الآخِرَةِ بِأشَدِّ العَذابِ، لِبُلُوغِهِ بِالعِنادِ غايَتَهُ، وتَسْمِيَتِهِ القُرْآنَ "سِحْرًا"، يَعْنِي أنَّهُ فَكَّرَ ماذا يَقُولُ في القُرْآنِ،
﴿وَقَدَّرَ﴾، في نَفْسِهِ ما يَقُولُهُ، وهَيَّأهُ.
﴿فَقُتِلَ﴾، لُعِنَ،
﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾، تَعْجِيبٌ مِن تَقْدِيرِهِ.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾، كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، و"ثُمَّ"، يُشْعِرُ بِأنَّ الدُعاءَ الثانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، في وُجُوهِ الناسِ، أوْ فِيما قَدَّرَ.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾، قَطَّبَ وجْهَهُ،
﴿وَبَسَرَ﴾، زادَ في التَقَبُّضِ والكُلُوحِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾، عَنِ الحَقِّ،
﴿واسْتَكْبَرَ﴾، عَنْهُ، أوْ عَنْ مَقامِهِ، وفي مَقالِهِ، "ثُمَّ نَظَرَ"، عَطْفٌ عَلى "فَكَّرَ وقَدَّرَ"، والدُعاءُ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما، وإيرادُ "ثُمَّ"، في المَعْطُوفاتِ لِبَيانِ أنَّ بَيْنَ الأفْعالِ المَعْطُوفَةِ تَراخِيًا.
74:24Page 576
فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ٢٤
And said, "This is not but magic imitated [from others].
﴿فَقالَ إنْ هَذا﴾، ما هَذا،
﴿إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، يُرْوى عَنِ السَحَرَةِ، رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ لَبَنِي مَخْزُومٍ: واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ، ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّ أعْلاهُ لِمُثْمِرٌ، وإنَّ أسْفَلَهُ لِمُغْدِقٌ، وإنَّهُ يَعْلُو وما يُعْلى، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ واللهِ الوَلِيدُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ - وهو ابْنُ أخِيهِ -: أنا أكْفِيكُمُوهُ، فَقَعَدَ إلَيْهِ حَزِينًا، وكَلَّمَهُ بِما أحْماهُ، فَقامَ الوَلِيدُ فَأتاهُمْ، فَقالَ: تَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يُخْنِقُ؟! وتَقُولُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ قَطُّ يَتَكَهَّنُ؟! وتَزْعُمُونَ أنَّهُ شاعِرٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَعاطى شِعْرًا قَطُّ؟! وتَزْعُمُونَ أنَّهُ كَذّابٌ، فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الكَذِبِ؟! فَقالُوا في كُلِّ ذَلِكَ: اَللَّهُمَّ لا، ثُمَّ قالُوا: فَما هُوَ؟! فَفَكَّرَ، فَقالَ: ما هو إلّا ساحِرٌ، أما رَأيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَجُلِ وأهْلِهِ، ووَلَدِهِ، ومَوالِيهِ؟! وما الَّذِي يَقُولُهُ إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ عَنْ مُسَيْلِمَةَ، وأهْلِ بابِلَ، فارْتَجَّ النادِي فَرَحًا، وتَفَرَّقُوا مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ، وذِكْرُ الفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَمّا خَطَرَتْ بِبالِهِ نَطَقَ بِها مِن غَيْرِ تَلَبُّثٍ.
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾، ولَمْ يَذْكُرِ العاطِفَ بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ، لِأنَّ الثانِيَةَ جَرَتْ مُجْرى التَوْكِيدِ لِلْأُولى.
﴿سَأُصْلِيهِ﴾، سَأُدْخِلُهُ، بَدَلٌ مِن "سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا"،
﴿سَقَرَ﴾، عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِلتَّعْرِيفِ والتَأْنِيثِ.
﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾، تَهْوِيلٌ لِشَأْنِها.
﴿لا تُبْقِي﴾ أيْ: هي لا تُبْقِي لَحْمًا،
﴿وَلا تَذَرُ﴾، عَظْمًا، أوْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يَبْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، ولا تَذْرُهُ هالِكًا، بَلْ يَعُودُ كَما كانَ.
﴿لَوّاحَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: "هِيَ لَوّاحَةٌ"،
﴿لِلْبَشَرِ﴾، جَمْعُ "بَشَرَةٌ"، وهي ظاهِرُ الجِلْدِ، أيْ: مُسَوِّدَةٌ لِلْجُلُودِ، ومُحْرِقَةٌ لَها.
﴿عَلَيْها﴾، عَلى سَقَرَ،
﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أيْ: يَلِي أمْرَها تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا، عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: صَفًّا، وقِيلَ: نَقِيبًا.
74:31Page 576
وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ٣١
And We have not made the keepers of the Fire except angels. And We have not made their number except as a trial for those who disbelieve - that those who were given the Scripture will be convinced and those who have believed will increase in faith and those who were given the Scripture and the believers will not doubt and that those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] and the disbelievers will say, "What does Allāh intend by this as an example?" Thus does Allāh send astray whom He wills and guide whom He wills. And none knows the soldiers of your Lord except Him. And it [i.e., mention of the Fire] is not but a reminder to humanity.
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ﴾ أيْ: خَزَنَتَها،
﴿إلا مَلائِكَةً﴾، لِأنَّهم خِلافُ جِنْسِ المُعَذَّبِينَ، فَلا تَأْخُذُهُمُ الرَأْفَةُ والرِقَّةُ، لِأنَّهم أشَدُّ الخَلْقِ بَأْسًا، فَلِلْواحِدِ مِنهم قُوَّةُ الثِقَلَيْنِ،
﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ﴾، تِسْعَةَ عَشَرَ،
﴿إلا فِتْنَةً﴾ أيْ: اِبْتِلاءً واخْتِبارًا،
﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ - لَمّا نَزَلَتْ " ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] " -: ما يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَأْخُذُوا واحِدًا مِنهُمْ، وأنْتُمُ الدُهْمُ؟! فَقالَ أبُو الأشَدِّ - وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ -: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ، فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً﴾ أيْ: وما جَعَلْناهم رِجالًا مِن جِنْسِكم يُطاقُونَ، وقالُوا في تَخْصِيصِ الخَزَنَةِ بِهَذا العَدَدِ - مَعَ أنَّهُ لا يُطْلَبُ في الأعْدادِ العِلَلُ -: إنَّ سِتَّةً مِنهم يَقُودُونَ الكَفَرَةَ إلى النارِ، وسِتَّةً يَسُوقُونَهُمْ، وسِتَّةً يَضْرِبُونَهم بِمَقامِعِ الحَدِيدِ، والآخَرُ خازِنُ جَهَنَّمَ، وهو مالِكٌ، وهو الأكْبَرُ، وقِيلَ: في سَقَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ دَرَكًا، وقَدْ سُلِّطَ عَلى كُلِّ دَرَكٍ مَلَكٌ، وقِيلَ: يُعَذَّبُ فِيها بِتِسْعَةَ عَشَرَ لَوْنًا مِنَ العَذابِ، وعَلى كُلِّ لَوْنٍ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، وقِيلَ: إنَّ جَهَنَّمَ تُحْفَظُ بِما تُحْفَظُ (p-٥٦٦)بِهِ الأرْضُ مِنَ الجِبالِ، وهي تِسْعَةَ عَشَرَ، وكانَ أصْلُها مِائَةً وتِسْعِينَ، إلّا أنَّ غَيْرَها يَنْشَعِبُ عَنْها،
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾، لِأنَّ عِدَّتَهم تِسْعَةَ عَشَرَ في الكِتابَيْنِ، فَإذا سَمِعُوا بِمِثْلِها في القُرْآنِ أيْقَنُوا أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللهِ،
﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، بِمُحَمَّدٍ، وهو عَطْفٌ عَلى "لِيَسْتَيْقِنَ"،
﴿إيمانًا﴾، لِتَصْدِيقِهِمْ بِذَلِكَ، كَما صَدَّقُوا سائِرَ ما أُنْزِلَ، أوْ: يَزْدادُوا يَقِينًا لِمُوافَقَةِ كِتابِهِمْ كِتابَ أُولَئِكَ،
﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾، هَذا عَطْفٌ أيْضًا، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِلِاسْتِيقانِ، وزِيادَةِ الإيمانِ، إذْ الِاسْتِيقانُ وازْدِيادُ الإيمانِ دالّانِ عَلى انْتِفاءِ الِارْتِيابِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى "لِيَسْتَيْقِنَ"، أيْضًا: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، نِفاقٌ،
﴿والكافِرُونَ﴾، والمُشْرِكُونَ، فَإنْ قُلْتَ: اَلنِّفاقُ ظَهَرَ في المَدِينَةِ، والسُورَةُ مَكِّيَّةٌ، قُلْتُ: مَعْناهُ: ولِيَقُولَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يَظْهَرُونَ في المُسْتَقْبَلِ بِالمَدِينَةِ، بَعْدَ الهِجْرَةِ، والكافِرُونَ بِمَكَّةَ،
﴿ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا﴾، وهَذا إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ، كَسائِرِ الإخْباراتِ بِالغُيُوبِ، وذا لا يُخالِفُ كَوْنَ السُورَةِ مَكِّيَّةً، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالمَرَضِ: اَلشَّكُّ، والِارْتِيابُ، لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانَ أكْثَرَهم شاكِّينَ، و"مَثَلًا"، تَمْيِيزٌ لِـ "هَذا"، أوْ حالٌ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، ولَمّا كانَ ذِكْرُ العَدَدِ في غايَةِ الغَرابَةِ، وأنَّ مِثْلَهُ حَقِيقٌ بِأنْ تَسِيرَ بِهِ الرُكْبانُ سَيْرَها بِالأمْثالِ، سُمِّيَ مَثَلًا، والمَعْنى: "أيَّ شَيْءٍ أرادَ اللهُ بِهَذا العَدَدِ العَجِيبِ؟! وأيَّ مَعْنًى أرادَ في أنْ جَعَلَ المَلائِكَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، لا عِشْرِينَ؟! وغَرَضُهم إنْكارُهُ أصْلًا، وأنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ لَما جاءَ بِهَذا العَدَدِ الناقِصِ،
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، اَلْكافُ نَصْبٌ، و"ذَلِكَ"، إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ، والهُدى، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ، والهُدى - يَعْنِي إضْلالَ المُنافِقِينَ، والمُشْرِكِينَ، حَتّى قالُوا ما قالُوا، وهُدى المُؤْمِنِينَ بِتَصْدِيقِهِ ورُؤْيَةِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ - يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وهو الَّذِي عَلِمَ مِنهُ اخْتِيارَ الضَلالِ،
﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾، وهو الَّذِي عَلِمَ مِنهُ اخْتِيارَ الِاهْتِداءِ، وفِيهِ دَلِيلُ خَلْقِ الأفْعالِ، ووَصْفِ اللهِ بِالهِدايَةِ، (p-٥٦٧)والإضْلالِ، ولَمّا قالَ أبُو جَهْلٍ - لَعَنَهُ اللهُ -: أما لِرَبِّ مُحَمَّدٍ أعْوانٌ إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ؟! نَزَلَ: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾، لِفَرْطِ كَثْرَتِها،
﴿إلا هُوَ﴾، فَلا يَعِزُّ عَلَيْهِ تَتْمِيمُ الخَزَنَةِ عِشْرِينَ، ولَكِنَّ لَهُ في هَذا العَدَدِ الخاصِّ حِكْمَةً لا تَعْلَمُونَها،
﴿وَما هِيَ﴾، مُتَّصِلٌ بِوَصْفِ "سَقَرَ"، و"هِيَ"، ضَمِيرُها، أيْ: وما سَقَرُ وصِفَتُها ﴿إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيْ: تَذْكِرَةً لِلْبَشَرِ، أوْ ضَمِيرُ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها.
﴿كَلا﴾، إنْكارٌ، بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرى، أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرى، لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ،
﴿والقَمَرِ﴾، أقْسَمَ بِهِ، لِعِظَمِ مَنافِعِهِ.
﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾، " نافِعٌ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ"، وغَيْرُهم "إذا دَبَرَ"، و"دَبَرَ"، بِمَعْنى "أدْبَرَ"، ومَعْناهُما: ولّى وذَهَبَ، وقِيلَ: "أدْبَرَ"، ولّى ومَضى، و"دَبَرَ": جاءَ بَعْدَ النَهارِ.
﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾، أضاءَ، وجَوابُ القَسَمِ:
74:35Page 576
إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ٣٥
Indeed, it [i.e., the Fire] is of the greatest [afflictions]
﴿إنَّها﴾، إنَّ "سَقَرَ"،
﴿لإحْدى الكُبَرِ﴾، هي جَمْعُ "اَلْكُبْرى"، أيْ: لَإحْدى البَلايا، أوِ الدَواهِي الكُبَرِ، ومَعْنى كَوْنِها إحْداهُنَّ أنَّها مِن بَيْنِهِنَّ واحِدَةٌ في العِظَمِ، لا نَظِيرَةَ لَها، كَما تَقُولُ: "هُوَ أحَدُ الرِجالِ"، و"هِيَ إحْدى النِساءِ".
﴿نَذِيرًا﴾، تَمْيِيزٌ مِن "إحْدى"، أيْ: إنَّها لَإحْدى الدَواهِي إنْذارًا، كَقَوْلِكَ: "هِيَ إحْدى النِساءِ عَفافًا"، وأبْدَلَ مِن ﴿لِلْبَشَرِ﴾
74:37Page 576
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ٣٧
To whoever wills among you to proceed1 or stay behind.
﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾، بِإعادَةِ الجارِّ،
﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾، إلى الخَيْرِ،
﴿أوْ يَتَأخَّرَ﴾، عَنْهُ، وعَنِ الزَجّاجِ: إلى ما أُمِرَ، أوْ عَمّا نُهِيَ.
74:38Page 576
كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ٣٨
Every soul, for what it has earned, will be retained1
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، هي لَيْسَتْ بِتَأْنِيثِ "رَهِينٌ"، في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، لِتَأْنِيثِ النَفْسِ، لِأنَّهُ لَوْ قَصَدْتَ الصِفَةَ لَقِيلَ: "رَهِينٌ"، لِأنَّ "فَعِيلًا"، بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، وإنَّما هي اسْمٌ بِمَعْنى "اَلرَّهْنُ"، كَـ "اَلشَّتِيمَةُ"، بِمَعْنى "اَلشَّتْمُ"، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهْنٌ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ رَهْنٌ بِكَسْبِها عِنْدَ اللهِ، غَيْرُ مَفْكُوكٍ.
﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ أيْ: أطْفالَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّهم لا أعْمالَ لَهم يُرْهَنُونَ بِها، أوْ إلّا المُسْلِمِينَ، فَإنَّهم فَكُّوا رِقابَهم بِالطاعَةِ، كَما يُخَلِّصُ الراهِنُ رَهْنَهُ بِأداءِ الحَقِّ.
74:40–41Page 576
فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ ٤٠
[Who will be] in gardens, questioning each other
عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤١
About the criminals,
(p-٥٦٨)﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ: هم في جَنّاتٍ لا يُكْتَنَهُ وصْفُها،
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾، يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْهُمْ، أوْ "يَتَساءَلُونَ"، غَيْرَهم عَنْهم.
﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أدْخَلَكم فِيها، ولا يُقالُ: لا يُطابِقُ قَوْلُهُ: "ما سَلَكَكُمْ"، وهو سُؤالٌ لِلْمُجْرِمِينَ، قَوْلَهُ: "يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ"، هو سُؤالٌ عَنْهُمْ، وإنَّما يُطابِقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ: "يَتَساءَلُونَ المُجْرِمِينَ: ما سَلَكَكُمْ؟"، لِأنَّ "ما سَلَكَكُمْ؟"، لَيْسَ بِبَيانٍ لِلتَّساؤُلِ عَنْهُمْ، وإنَّما هو حِكايَةُ قَوْلِ المَسئولِينَ عَنْهُمْ، لِأنَّ المَسئولِينَ يُلْقُونَ إلى السائِلِينَ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ المُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنا لَهُمْ: ما سَلَكَكم في سَقَرَ؟ قالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ، إلّا أنَّهُ اخْتَصَرَ، كَما هو نَهْجُ القُرْآنِ، وقِيلَ: "عَنْ"، زائِدَةٌ.
74:43Page 576
قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ٤٣
They will say, "We were not of those who prayed,
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ: لَمْ نَعْتَقِدْ فَرْضِيَّتَها.
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾، كَما يُطْعِمُ المُسْلِمُونَ.
74:45Page 576
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ ٤٥
And we used to enter into vain discourse with those who engaged [in it],
﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾، "اَلْخَوْضُ": اَلشُّرُوعُ في الباطِلِ، أيْ: نَقُولُ الباطِلَ، والزُورَ في آياتِ اللهِ.
﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِينِ﴾، اَلْحِسابِ والجَزاءِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾، اَلْمَوْتُ.
74:48Page 577
فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ٤٨
So there will not benefit them the intercession of [any] intercessors.
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشافِعِينَ﴾، مِنَ المَلائِكَةِ والنَبِيِّينَ والصالِحِينَ، لِأنَّها لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ، وفِيهِ دَلِيلُ ثُبُوتِ الشَفاعَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، في الحَدِيثِ: « "إنَّ مِن أُمَّتِي مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِشَفاعَتِهِ أكْثَرُ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ ».
74:49Page 577
فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ ٤٩
Then what is [the matter] with them that they are, from the reminder, turning away
﴿فَما لَهم عَنِ التَذْكِرَةِ﴾، عَنِ التَذْكِيرِ، وهو العِظَةُ، أيْ: اَلْقُرْآنِ،
﴿مُعْرِضِينَ﴾، مُوَلِّينَ، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ، نَحْوَ: "ما لَكَ قائِمًا".
﴿كَأنَّهم حُمُرٌ﴾ أيْ: حُمُرُ الوَحْشِ، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "مُعْرِضِينَ"،
﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾، شَدِيدَةُ النِفارِ، كَأنَّها تَطْلُبُ النِفارَ مِن نُفُوسِها، وبِفَتْحِ (p-٥٦٩)الفاءِ "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ"، أيْ: اِسْتَنْفَرَها غَيْرُها.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، حالٌ، و"قَدْ"، مَعَها مُقَدَّرَةٌ، و"اَلْقَسْوَرَةُ": اَلرُّماةُ، أوِ الأسَدُ، "فَعْلَةٌ"، مِن "اَلْقَسْرُ"، وهو القَهْرُ والغَلَبَةُ، شُبِّهُوا في إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ، واسْتِماعِ الذِكْرِ بِحُمُرٍ جَدَّتْ في نِفارِها.
74:52Page 577
بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ ٥٢
Rather, every person among them desires that he1 would be given scriptures spread about.2
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾، قَراطِيسَ تُنْشَرُ، وتُقْرَأُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: لَنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى تَأْتِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنّا بِكُتُبٍ مِنَ السَماءِ، عُنْوانُها: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، نُؤْمَرُ فِيها بِاتِّباعِكَ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وقِيلَ: قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا صَحِيفَةٌ فِيها بَراءَتُهُ وأمْنُهُ مِنَ النارِ.
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ لَهم عَنْ تِلْكَ الإرادَةِ، وزَجْرٌ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾، فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَذْكِرَةِ، لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُحُفِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences