An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
القيامة
Al-Qiyamah
The Resurrection · Meccan · 40 ayahs
(p-٥٧٠)سُورَةُ "اَلْقِيامَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: أُقْسِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: و"لا"، صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقَوْلِهِ:
فِي بِئْرِ لاحُورٍ سَرى وما شَعَرْ
وَكَقَوْلِهِ:
؎ تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ... وكادَ ضَمِيرُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وَعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وعَنِ الفَرّاءِ: "لا"، رَدٌّ لِإنْكارِ المُشْرِكِينَ البَعْثَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، ثُمَّ قِيلَ: "أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ"، وقِيلَ: أصْلُهُ: "لَأُقْسِمُ"، كَقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، عَلى أنَّ اللامَ لِلِابْتِداءِ، و"أُقْسِمُ"، خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: "لَأنا أُقْسِمُ"، ويُقَوِّيهِ أنَّهُ في الإمامِ بِغَيْرِ الألِفِ، ثُمَّ أُشْبِعَ، فَظَهَرَ مِنَ الإشْباعِ ألِفٌ، وهَذا اللامُ يَصْحَبُهُ نُونُ التَأْكِيدِ في الأغْلَبِ، وقَدْ يُفارِقُهُ.
75:2Page 577
وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢
And I swear by the reproaching soul1 [to the certainty of resurrection].
﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ﴾، اَلْجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ قَسَمٌ أخَرُ، عَنِ الحَسَنِ: "أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ"، وعَلى القَسَمِ صِفَةُ (p-٥٧١)مَدْحٍ، أيْ: اَلنَّفْسِ المُتَّقِيَةِ، الَّتِي تَلُومُ عَلى التَقْصِيرِ في التَقْوى، وقِيلَ: هي نَفْسُ آدَمَ، لَمْ تَزَلْ تَلُومُ عَلى فِعْلِها الَّتِي خَرَجَتْ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَتُبْعَثُنَّ، دَلِيلُهُ:
75:3Page 577
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣
Does man think that We will not assemble his bones?
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ أيْ: اَلْكافِرُ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ،
﴿ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾، بَعْدَ تَفَرُّقِها، ورُجُوعِها رُفاتًا مُخْتَلِطًا بِالتُرابِ.
75:4Page 577
بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤
Yes. [We are] Able [even] to proportion his fingertips.
﴿بَلى﴾، أوْجَبَتْ ما بَعْدَ النَفْيِ، أيْ: بَلى نَجْمَعُها،
﴿قادِرِينَ﴾، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "نَجْمَعَ"، أيْ: نَجْمَعُها قادِرِينَ عَلى جَمْعِها، وإعادَتِها كَما كانَتْ،
﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾، أصابِعَهُ، كَما كانَتْ في الدُنْيا، بِلا نُقْصانٍ وتَفاوُتٍ، مَعَ صِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ العِظامِ؟!
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾، عَطْفٌ عَلى "أيَحْسَبُ"، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ - مِثْلَهُ - اسْتِفْهامًا،
﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾، لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَمانِ.
﴿يَسْألُ أيّانَ﴾، مَتى،
﴿يَوْمُ القِيامَةِ﴾، سُؤالَ مُتَعَنِّتٍ، مُسْتَبْعِدٍ لِقِيامِ الساعَةِ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾، تَحَيَّرَ فَزَعًا، وبِفَتْحِ الراءِ "مَدَنِيٌّ"، شَخَصَ.
﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾، وذَهَبَ ضَوْؤُهُ، أوْ غابَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ﴾ [القصص: ٨١]، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ.
﴿وَجُمِعَ الشَمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في الطُلُوعِ مِنَ المَغْرِبِ، أوْ جُمِعا في ذَهابِ الضَوْءِ، أوْ يُجْمَعانِ فَيُقْذَفانِ في البَحْرِ، فَيَكُونُ نارَ اللهِ الكُبْرى.
75:10Page 577
يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠
Man will say on that Day, "Where is the [place of] escape?"
﴿يَقُولُ الإنْسانُ﴾، اَلْكافِرُ،
﴿يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾، هو مَصْدَرٌ، أيْ: اَلْفِرارُ مِنَ النارِ، أوِ المُؤْمِنُ أيْضًا مِنَ الهَوْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ الفاءِ، وهو يَحْتَمِلُ المَكانَ، والمَصْدَرَ.
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ،
﴿لا وزَرَ﴾، لا مَلْجَأ.
75:12Page 577
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢
To your Lord, that Day, is the [place of] permanence.
﴿إلى رَبِّكَ﴾، خاصَّةً،
﴿يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾، مُسْتَقَرُّ العِبادِ، أوْ مَوْضِعُ قَرارِهِمْ، مِن جَنَّةٍ، أوْ نارٍ، مُفَوَّضٌ ذَلِكَ لِمَشِيئَتِهِ، مَن شاءَ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النارَ.
75:13Page 577
يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣
Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ﴾، يُخْبَرُ،
﴿بِما قَدَّمَ﴾، مِن عَمَلٍ عَمِلَهُ،
﴿وَأخَّرَ﴾، ما لَمْ يَعْمَلْهُ.
75:14Page 577
بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤
Rather, man, against himself, will be a witness,1
(p-٥٧٢)﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، شاهِدٌ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَـ "عَلّامَةٌ"، أوْ أنَّثَهُ لِأنَّهُ أرادَ بِهِ جَوارِحَهُ، إذْ جَوارِحُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، أوْ هو حُجَّةٌ عَلى نَفْسِهِ، والبَصِيرَةُ: اَلْحُجَّةُ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤]، وتَقُولُ لِغَيْرِكَ: "أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ"، و"بَصِيرَةٌ"، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: "عَلى نَفْسِهِ"، تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "اَلْإنْسانُ"، كَقَوْلِكَ: "زَيْدٌ عَلى رَأْسِهِ عِمامَةٌ"، و"اَلْبَصِيرَةُ"، عَلى هَذا، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَلَكَ المُوَكَّلَ عَلَيْهِ.
﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾، أرْخى سُتُورَهُ، و"اَلْمِعْذارُ": اَلسِّتْرُ، وقِيلَ: ولَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ، ما قُبِلَتْ مِنهُ، فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ، و"اَلْمَعاذِيرُ"، لَيْسَ بِجَمْعِ "مَعْذِرَةٌ"، لِأنَّ جَمْعَها "مَعاذِرُ"، بَلْ هي اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُهُ: "اَلْمَناكِيرُ"، في "اَلْمُنْكَرُ".
75:16Page 577
لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦
Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾، بِالقُرْآنِ،
﴿لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، بِالقُرْآنِ، وكانَ ﷺ يَأْخُذُ في القِراءَةِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ، كَراهَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُ: لا تُحَرِّكْ لِسانَكَ بِقِراءَةِ الوَحْيِ، ما دامَ جِبْرِيلُ يَقْرَأُ، لِتَعْجَلَ بِهِ، لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ، ولِئَلّا يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ عَنِ العَجَلَةِ بِقَوْلِهِ:
75:17Page 577
إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧
Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾، في صَدْرِكَ،
﴿وَقُرْآنَهُ﴾، وإثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ، و"اَلْقُرْآنُ": اَلْقِراءَةُ، ونَحْوُهُ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]
75:18Page 577
فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨
So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ: قَرَأهُ عَلَيْكَ جِبْرِيلُ، فَجَعَلَ قِراءَةَ جِبْرِيلَ قِراءَتَهُ،
﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ: قِراءَتَهُ عَلَيْكَ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾، إذا أشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ.
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ عَنْ إنْكارِ البَعْثِ، أوْ رَدْعٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ العَجَلَةِ، وإنْكارٌ لَها عَلَيْهِ، وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ - لِأنَّكم خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ، وطُبِعْتُمْ عَلَيْهِ - تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن ثَمَّ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ، الدُنْيا، وشَهَواتِها.
﴿وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾، اَلدّارَ الآخِرَةَ، ونَعِيمَها، فَلا (p-٥٧٣)تَعْمَلُونَ لَها، والقِراءَةُ بِالتاءِ فِيهِما "مَدَنِيٌّ وكُوفِيٌّ".
﴿وُجُوهٌ﴾، هي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ،
﴿يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾، حَسَنَةٌ، ناعِمَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾، بِلا كَيْفِيَّةٍ، ولا وُجْهَةٍ، ولا ثُبُوتِ مَسافَةٍ، وحَمْلُ النَظَرِ عَلى الِانْتِظارِ لِأمْرِ رَبِّها، أوْ لِثَوابِهِ، لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ يُقالُ: "نَظَرْتُ فِيهِ"، أيْ: تَفَكَّرْتُ، و"نَظَرْتُهُ": اِنْتَظَرْتُهُ، ولا يُعَدّى بِـ "إلى"، إلّا بِمَعْنى "اَلرُّؤْيَةُ"، مَعَ أنَّهُ لا يَلِيقُ الِانْتِظارُ في دارِ القَرارِ.
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾، كالِحَةٌ شَدِيدَةُ العُبُوسَةِ، وهي وُجُوهُ الكُفّارِ.
75:25Page 578
تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥
Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.
﴿تَظُنُّ﴾، تَتَوَقَّعُ أنْ يُفْعَلَ بِها فِعْلٌ، هو في شِدَّتِهِ ﴿فاقِرَةٌ﴾، داهِيَةٌ تَقْصِمُ فَقارَ الظَهْرِ.
75:26Page 578
كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦
No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ عَنْ إيثارِ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اِرْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ، وتَنَبَّهُوا عَلى ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ، الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ العاجِلَةُ عَنْكُمْ، وتَنْتَقِلُونَ إلى الآجِلَةِ الَّتِي تَبْقَوْنَ فِيها مُخَلَّدِينَ،
﴿إذا بَلَغَتِ﴾ أيْ: الرُوحُ، وجازَ - وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ - لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلَيْها،
﴿التَراقِيَ﴾، اَلْعِظامَ المُكْتَنِفَةَ لِثُغْرَةِ النَحْرِ، عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، جَمْعُ "تَرْقُوَةٌ".
﴿وَقِيلَ مَن راقٍ﴾، يَقِفُ حَفْصٌ عَلى "مَن"، وُقَيْفَةً، أيْ: قالَ حاضِرُو المُحْتَضَرِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّكم يَرْقِيهِ مِمّا بِهِ؟ مِن "اَلرُّقْيَةُ"، مِن حَدِّ "ضَرَبَ"، أوْ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ: أيُّكم يَرْقى بِرُوحِهِ؟ أمَلائِكَةُ الرَحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟ مِن "اَلرُّقِيُّ"، مِن حَدِّ "عَلِمَ".
75:28Page 578
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨
And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation
﴿وَظَنَّ﴾ أيْقَنَ المُحْتَضَرُ،
﴿أنَّهُ الفِراقُ﴾، أنَّ هَذا الَّذِي نَزَلَ بِهِ هو فِراقُ الدُنْيا المَحْبُوبَةِ.
﴿والتَفَّتِ الساقُ بِالساقِ﴾، اِلْتَوَتْ ساقاهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: "هُما ساقاهُ حِينَ تُلَفّانِ في أكْفانِهِ"، وقِيلَ: شِدَّةُ فِراقِ الدُنْيا، بِشِدَّةِ إقْبالِ الآخِرَةِ، عَلى أنَّ الساقَ مَثَلٌ في الشِدَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - "هُما هَمّانِ: هَمُّ الأهْلِ والوَلَدِ، وهَمُّ القُدُومِ عَلى الواحِدِ الصَمَدِ".
75:30Page 578
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠
To your Lord, that Day, will be the procession.1
(p-٥٧٤)﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾، هو مَصْدَرُ "ساقَهُ"، أيْ: مَساقُ العِبادِ إلى حَيْثُ أمَرَ اللهُ، إمّا إلى الجَنَّةِ، أوْ إلى النارِ.
75:31Page 578
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١
And he [i.e., the disbeliever] had not believed, nor had he prayed.
﴿فَلا صَدَّقَ﴾، بِالرَسُولِ، والقُرْآنِ،
﴿وَلا صَلّى﴾، اَلْإنْسانُ، في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]
﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾، بِالقُرْآنِ،
﴿وَتَوَلّى﴾، عَنِ الإيمانِ، أوْ فَلا صَدَّقَ مالَهُ، يَعْنِي: فَلا زَكّاهُ.
75:33Page 578
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣
And then he went to his people, swaggering [in pride].
﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾، يَتَبَخْتَرُ، وأصْلُهُ "يَتَمَطَّطُ"، أيْ: يَتَمَدَّدُ، لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ، فَأُبْدِلَتِ الطاءُ ياءً، لِاجْتِماعِ ثَلاثَةِ أحْرُفٍ مُتَماثِلَةٍ.
﴿أوْلى لَكَ﴾، بِمَعْنى: "وَيْلٌ لَكَ"، وهو دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَلِيَهُ ما يَكْرَهُ،
﴿فَأوْلى﴾
﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾، كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَيْلٌ لَكَ، فَوَيْلٌ، ثُمَّ ويْلٌ لَكَ، فَوَيْلٌ"، وقِيلَ: ويْلٌ لَكَ يَوْمَ المَوْتِ، ووَيْلٌ لَكَ في القَبْرِ، ووَيْلٌ لَكَ حِينَ البَعْثِ، ووَيْلٌ لَكَ في النارِ.
75:36Page 578
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦
Does man think that he will be left neglected?1
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيَحْسَبُ الكافِرُ أنْ يُتْرَكَ مُهْمَلًا، لا يُؤْمَرُ، ولا يُنْهى، ولا يُبْعَثُ، ولا يُجازى.
75:37Page 578
أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ ٣٧
Had he not been a sperm from semen emitted?
﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾، بِالياءِ، " اِبْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ "، أيْ: يُراقُ المَنِيُّ في الرَحِمِ، وبِالتاءِ، يَعُودُ إلى النُطْقَةِ.
75:38Page 578
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨
Then he was a clinging clot, and [Allāh] created [his form] and proportioned [him]
﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أيْ: صارَ المَنِيُّ قِطْعَةَ دَمٍ جامِدٍ، بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا،
﴿فَخَلَقَ فَسَوّى﴾، فَخَلَقَ اللهُ مِنهُ بَشَرًا سَوِيًّا.
75:39Page 578
فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣٩
And made of him two mates, the male and the female.
﴿فَجَعَلَ مِنهُ﴾، مِنَ الإنْسانِ،
﴿الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ أيْ: مِنَ المَنِيِّ الصِنْفَيْنِ.
75:40Page 578
أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ ٤٠
Is not that [Creator] Able to give life to the dead?
(p-٥٧٥)﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، ألَيْسَ الفَعّالُ لِهَذِهِ الأشْياءِ بِقادِرٍ عَلى الإعادَةِ؟! «وَكانَ ﷺ إذا قَرَأها يَقُولُ: "سُبْحانَكَ، بَلى » ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences