An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
النازعات
An-Nazi'at
Those who drag forth · Meccan · 46 ayahs
79:1–5Page 583
وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١
By those [angels] who extract with violence1
وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢
And [by] those who remove with ease1
وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣
And [by] those who glide [as if] swimming1
فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤
And those who race each other in a race1
فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥
And those who arrange [each] matter,1
(p-٥٩٥)سُورَةُ "اَلنّازِعاتِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والنازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والناشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، لا وقْفَ إلى هُنا، ولَزِمَ هُنا، لِأنَّهُ لَوْ وصَلَ لَصارَ "يَوْمَ"، ظَرْفَ "اَلْمُدَبِّراتِ"، وقَدِ انْقَضى تَدْبِيرُ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أقْسَمَ - سُبْحانَهُ - بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الَّتِي تَنْزِعُ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ غَرْقًا، أيْ: إغْراقًا في النَزْعِ، أيْ: تَنْزِعُها مِن أقاصِي الأجْسادِ، مِن أنامِلِها، ومَواضِعِ أظْفارِها، وبِالطَوائِفِ الَّتِي تَنْشِطُها، أيْ: تُخْرِجُها، مِن "نَشَطَ الدَلْوَ مِنَ البِئْرِ"، إذا أخْرَجَها، وبِالطَوائِفِ الَّتِي تَسْبَحُ في مُضِيِّها، أيْ: تُسْرِعُ، فَتَسْبِقُ إلى ما أُمِرُوا بِهِ، فَتُدَبِّرُ أمْرًا مِن أُمُورِ العِبادِ، مِمّا يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ، أوْ دُنْياهُمْ، كَما رُسِمَ لَهُمْ، أوْ بِخَيْلِ الغُزاةِ الَّتِي تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا، تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها، لِأنَّها عِرابٌ، والَّتِي تَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ، مِن قَوْلِكَ: "ثَوْرٌ ناشِطٌ"، إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، والَّتِي تَسْبَحُ في جَرْيِها، فَتَسْبِقُ إلى الغايَةِ، فَتُدَبِّرُ أمْرَ الغَلَبَةِ والظَفَرِ، وإسْنادُ التَدْبِيرِ إلَيْها لِأنَّها مِن أسْبابِهِ، أوْ بِالنُجُومِ الَّتِي تَنْزِعُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وإغْراقُها في النَزْعِ أنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ كُلَّهُ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ، والَّتِي تَخْرُجُ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، والَّتِي تَسْبَحُ في الفَلَكِ (p-٥٩٦)مِنَ السَيّارَةِ، فَتَسْبِقُ، فَتُدَبِّرُ أمْرًا مِن عِلْمِ الحِسابِ، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، وهُوَ: "لَتُبْعَثُنَّ"، لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ القِيامَةِ.
79:6Page 583
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦
On the Day the blast [of the Horn] will convulse [creation],
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ﴾، تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَدِيدَةً، و"اَلرَّجْفُ": شِدَّةُ الحَرَكَةِ،
﴿الراجِفَةُ﴾، اَلنَّفْخَةُ الأُولى، وُصِفَتْ بِما يَحْدُثُ بِحُدُوثِها، لِأنَّها تَضْطَرِبُ بِها الأرْضُ حَتّى يَمُوتَ كُلُّ مَن عَلَيْها.
﴿تَتْبَعُها﴾، حالٌ عَنِ "اَلرّاجِفَةُ"،
﴿الرادِفَةُ﴾، اَلنَّفْخَةُ الثانِيَةُ، لِأنَّها تَرْدُفُ الأُولى، وبَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، والأُولى تُمِيتُ الخَلْقَ، والثانِيَةُ تُحْيِيهِمْ.
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ﴾، قُلُوبُ مُنْكِرِي البَعْثِ،
﴿واجِفَةٌ﴾، مُضْطَرِبَةٌ، مِن "اَلْوَجِيفُ"، وهو الوَجِيبُ، وانْتِصابُ "يَوْمَ تَرْجُفُ"، بِما دَلَّ عَلَيْهِ "قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ"، أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجَفَتِ القُلُوبُ، وارْتِفاعُ "قُلُوبٌ"، بِالِابْتِداءِ، و"واجِفَةٌ"، صِفَتُها.
﴿أبْصارُها﴾ أيْ: أبْصارُ أصْحابِها،
﴿خاشِعَةٌ﴾، ذَلِيلَةٌ، لِهَوْلِ ما تَرى، خَبَرُها:
79:10Page 583
يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠
They are [presently] saying, "Will we indeed be returned to [our] former state [of life]?
﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ: مُنْكِرُو البَعْثِ في الدُنْيا، اسْتِهْزاءً وإنْكارًا لِلْبَعْثِ،
﴿أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾، اِسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ: أنُرَدُّ بَعْدَ مَوْتِنا إلى أوَّلِ الأمْرِ، فَنَعُودُ أحْياءً كَما كُنّا، و"اَلْحافِرَةُ": اَلْحالَةُ الأُولى، يُقالُ لِمَن كانَ في أمْرٍ فَخَرَجَ مِنهُ، ثُمَّ عادَ إلَيْهِ: "رَجَعَ إلى حافِرَتِهِ"، أيْ: إلى حالَتِهِ الأُولى، ويُقالُ: "اَلنَّقْدُ عِنْدَ الحافِرَةِ"، أيْ: عِنْدَ الحالَةِ الأُولى، وهي الصَفْقَةُ، أنْكَرُوا البَعْثَ، ثُمَّ زادُوا اسْتِبْعادًا، فَقالُوا:
﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾، بالِيَةً، ناخِرَةً، "كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ "، و"فَعِلٌ"، أبْلَغُ مِن "فاعِلٌ"، يُقالُ: نَخِرَ العَظْمُ، فَهو نَخِرٌ، وناخِرٌ"، والمَعْنى أنُرَدُّ إلى الحَياةِ بَعْدَ أنْ صِرْنا عِظامًا بالِيَةً، و"إذا"، مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، وهو "نُبْعَثُ".
79:12Page 583
قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢
They say, "That, then, would be a losing return."1
﴿قالُوا﴾ أيْ: مُنْكِرُو البَعْثِ،
﴿تِلْكَ﴾، رَجْعَتُنا،
﴿إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾، رَجْعَةٌ ذاتُ خُسْرانٍ، أوْ خاسِرٌ أصْحابُها، والمَعْنى أنَّها إنْ صَحَّتْ، وبُعِثْنا، فَنَحْنُ إذًا خاسِرُونَ، لِتَكْذِيبِنا بِها، وهَذا اسْتِهْزاءٌ مِنهم.
(p-٥٩٧)﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَحْسَبُوا تِلْكَ الكَرَّةَ صَعْبَةً عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإنَّها سَهْلَةٌ هَيِّنَةٌ في قُدْرَتِهِ، فَما هي إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ، يُرِيدُ النَفْخَةَ الثانِيَةَ، مِن قَوْلِهِمْ: "زَجَرَ البَعِيرَ"، إذا صاحَ عَلَيْهِ.
79:14Page 583
فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤
And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.
﴿فَإذا هم بِالساهِرَةِ﴾، فَإذا هم أحْياءٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ، بَعْدَما كانُوا أمْواتًا في جَوْفِها، وقِيلَ: "اَلسّاهِرَةُ": أرْضٌ بِعَيْنِها بِالشامِ، إلى جَنْبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أوْ أرْضُ مَكَّةَ، أوْ جَهَنَّمُ.
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾، اِسْتِفْهامٌ، يَتَضَمَّنُ التَنْبِيهَ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يَجِبُ، والتَشْرِيفُ لِلْمُخاطَبِ بِهِ.
79:16Page 584
إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦
When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,
﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ﴾، حِينَ ناداهُ،
﴿بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾، اَلْمُبارَكِ المُطَهَّرِ،
﴿طُوًى﴾، اِسْمُهُ.
79:17Page 584
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧
"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾، عَلى إرادَةِ القَوْلِ،
﴿إنَّهُ طَغى﴾، تَجاوَزَ الحَدَّ في الكُفْرِ والفَسادِ.
79:18Page 584
فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨
And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself
﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾، هَلْ لَكَ مَيْلٌ إلى أنْ تَتَطَهَّرَ مِنَ الشِرْكِ، والعِصْيانِ، بِالطاعَةِ، والإيمانِ، وبِتَشْدِيدِ الزايِ "حِجازِيٌّ".
79:19Page 584
وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩
And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"
﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾، وأُرْشِدَكَ إلى مَعْرِفَةِ اللهِ، بِذِكْرِ صِفاتِهِ، فَتَعْرِفَهُ،
﴿فَتَخْشى﴾، لِأنَّ الخَشْيَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ، قالَ اللهُ (تَعالى): ﴿إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، أيْ: اَلْعُلَماءُ بِهِ، وعَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ: "اِعْرَفِ اللهَ، فَمَن عَرَفَ اللهَ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَعْصِيَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ"، فالخَشْيَةُ مِلاكُ الأمْرِ، مَن خَشِيَ اللهَ أتى مِنهُ كُلُّ خَيْرٍ، ومَن أمِنَ اجْتَرَأ عَلى كُلِّ شَرٍّ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ"، » بَدَأ مُخاطَبَتَهُ بِالِاسْتِفْهامِ، الَّذِي مَعْناهُ العَرْضُ، كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِضَيْفِهِ: "هَلْ لَكَ أنْ تَنْزِلَ بِنا"، وأرْدَفَهُ الكَلامَ الرَقِيقَ، لِيَسْتَدْعِيَهُ بِاللُطْفِ في القَوْلِ، ويَسْتَنْزِلَهُ بِالمُداراةِ عَنْ عُتُوِّهِ، كَما أُمِرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]
(p-٥٩٨)﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ أيْ: فَذَهَبَ، فَأرى مُوسى فِرْعَوْنَ العَصا، أوِ العَصا واليَدَ البَيْضاءَ، لِأنَّهُما في حُكْمِ آيَةٍ واحِدَةٍ.
﴿فَكَذَّبَ﴾، فِرْعَوْنُ بِمُوسى والآيَةِ الكُبْرى، وسَمّاهُما "ساحِرًا"، و"سِحْرًا"،
﴿وَعَصى﴾، اَللَّهَ (تَعالى).
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾، تَوَلّى عَنْ مُوسى،
﴿يَسْعى﴾، يَجْتَهِدُ في مُكايَدَتِهِ، أوْ لَمّا رَأى الثُعْبانَ أدْبَرَ مَرْعُوبًا، يُسْرِعُ في مِشْيَتِهِ، وكانَ طَيّاشًا خَفِيفًا.
﴿فَحَشَرَ﴾، فَجَمَعَ السَحَرَةَ، وجُنْدَهُ،
﴿فَنادى﴾، في المَقامِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ مَعَهُ.
﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾، لا رَبَّ فَوْقِي، وكانَتْ لَهم أصْنامٌ يَعْبُدُونَها.
79:25Page 584
فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥
So Allāh seized him in exemplary punishment for the last and the first [transgression].1.
﴿فَأخَذَهُ اللهُ نَكالَ الآخِرَةِ﴾، عاقَبَهُ اللهُ عُقُوبَةَ الآخِرَةِ، و"اَلنَّكالُ"، بِمَعْنى: "اَلتَّنْكِيلُ"، كَـ "اَلسَّلامُ"، بِمَعْنى "اَلتَّسْلِيمُ"، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ "أخَذَ"، بِمَعْنى "نَكَّلَ"، كَأنَّهُ قِيلَ: "نَكَّلَ اللهُ بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ"، أيْ: اَلْإحْراقَ،
﴿والأُولى﴾ أيْ: اَلْإغْراقَ، أوْ نَكالَ كَلِمَتَيْهِ: اَلْآخِرَةِ، وهِيَ: "أنا رَبُّكُمُ الأعْلى"، والأُولى، وهِيَ: "ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي"، وبَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، أوْ ثَلاثُونَ، أوْ عِشْرُونَ.
79:26Page 584
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦
Indeed in that is a lesson [i.e., warning] for whoever would fear [Allāh].
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾، اَلْمَذْكُورِ،
﴿لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾، اَللَّهَ.
79:27Page 584
ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧
Are you a more difficult creation or is the heaven? He [i.e., Allāh] constructed it.
﴿أأنْتُمْ﴾، يا مُنْكِرِي البَعْثِ،
﴿أشَدُّ خَلْقًا﴾، أصْعَبُ خَلْقًا وإنْشاءً،
﴿أمِ السَماءُ﴾، مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: "أمِ السَماءُ أشَدُّ خَلْقًا"، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ خَلَقَها، فَقالَ: ﴿بَناها﴾ أيْ: اَللَّهُ، ثُمَّ بَيَّنَ البِناءَ، فَقالَ:
﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾، أعْلى سَقْفَها، وقِيلَ: جَعَلَ مِقْدارَ ذَهابِها في سَمْتِ العُلُوِّ رَفِيعًا، مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ،
﴿فَسَوّاها﴾، فَعَدَّلَها مُسْتَوِيَةً، بِلا شُقُوقٍ ولا فُطُورٍ.
79:29Page 584
وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩
And He darkened its night and extracted its brightness.1
﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها﴾، أظْلَمَهُ،
﴿وَأخْرَجَ ضُحاها﴾، أبْرَزَ ضَوْءَ شَمْسِها، وأُضِيفَ اللَيْلُ والشَمْسُ إلى السَماءِ، لِأنَّ اللَيْلَ ظُلْمَتُها، والشَمْسَ سِراجُها.
﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾، بَسَطَها، وكانَتْ مَخْلُوقَةً غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، (p-٥٩٩)فَدُحِيَتْ مِن مَكَّةَ، بَعْدَ خَلْقِ السَماءِ بِألْفَيْ عامٍ، ثُمَّ فَسَّرَ البَسْطَ، فَقالَ:
79:31Page 584
أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١
He extracted from it its water and its pasture,
﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها﴾، بِتَفْجِيرِ العُيُونِ،
﴿وَمَرْعاها﴾، كَلَأها، ولِذا لَمْ يَدْخُلِ العاطِفُ عَلى "أخْرَجَ"، أوْ "أخْرَجَ"، حالٌ، بِإضْمارِ "وَقَدْ".
﴿والجِبالَ أرْساها﴾، أثْبَتَها، وانْتِصابُ "اَلْأرْضَ"، و"اَلْجِبالَ"، بِإضْمارِ "دَحا"، و"أرْسى"، عَلى شَرِيطَةِ التَفْسِيرِ.
79:33Page 584
مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٣
As enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.
﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾، فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكُمْ، ولِأنْعامِكم.
79:34Page 584
فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤
But when there comes the greatest Overwhelming Calamity1 -
﴿فَإذا جاءَتِ الطامَّةُ الكُبْرى﴾، اَلدّاهِيَةُ العُظْمى، الَّتِي تَطِمُّ عَلى الدَواهِي، أيْ: تَعْلُو، وتَغْلِبُ، وهي النَفْخَةُ الثانِيَةُ، أوِ الساعَةُ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النارِ إلى النارِ.
79:35Page 584
يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥
The Day when man will remember that for which he strove,
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾، بَدَلٌ مِن "إذا جاءَتْ"، أيْ: إذا رَأى أعْمالَهُ مُدَوَّنَةً في كِتابِهِ، تَذَكَّرَها، وكانَ قَدْ نَسِيَها،
﴿ما سَعى﴾، "ما"، مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: سَعْيَهُ، أوْ مَوْصُولَةٌ.
79:36Page 584
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦
And Hellfire will be exposed for [all] those who see -
﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾، وأُظْهِرَتْ،
﴿لِمَن يَرى﴾، لِكُلِّ راءٍ، لِظُهُورِها ظُهُورًا بَيِّنًا.
﴿فَأمّا﴾ جَوابُ "فَإذا"، أيْ: إذا جاءَتِ الطامَّةُ، فَإنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ،
﴿مَن طَغى﴾، جاوَزَ الحَدَّ، فَكَفَرَ.
﴿وَآثَرَ الحَياةَ الدُنْيا﴾، عَلى الآخِرَةِ، بِاتِّباعِ الشَهَواتِ.
﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾، مَأْواهُ، والألِفُ واللامُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ، وهَذا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ، "هِيَ المَأْوى لَهُ".
79:40Page 584
وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠
But as for he who feared the position of his Lord1 and prevented the soul from [unlawful] inclination,
﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: عَلِمَ أنَّ لَهُ مَقامًا يَوْمَ القِيامَةِ لِحِسابِ رَبِّهِ،
﴿وَنَهى النَفْسَ﴾، اَلْأمارَةَ بِالسُوءِ،
﴿عَنِ الهَوى﴾، اَلْمُرْدِي، أيْ: زَجَرَها عَنِ اتِّباعِ الشَهَواتِ، وقِيلَ: هو الرَجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ مَقامَهُ لِلْحِسابِ فَيَتْرُكُها، (p-٦٠٠)وَ"اَلْهَوى": مَيْلُ النَفْسِ إلى شَهَواتِها.
﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ أيْ: اَلْمَرْجِعُ.
79:42Page 584
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا ٤٢
They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾، مَتى إرْساؤُها؟ أيْ: إقامَتُها، يَعْنِي مَتى يُقِيمُها اللهُ (تَعالى) ويُثْبِتُها؟
﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾، في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ مِن أنْ تَذْكُرَ وقْتَها لَهُمْ، وتُعْلِمَهم بِهِ، أيْ: ما أنْتَ مِن ذِكْراها لَهُمْ، وتَبْيِينِ وقْتِها، في شَيْءٍ، كَقَوْلِكَ: "لَيْسَ فُلانٌ مِنَ العِلْمِ في شَيْءٍ"، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ الساعَةَ، ويَسْألُ عَنْها، حَتّى نَزَلَتْ، » فَهو عَلى هَذا تَعَجُّبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ لَها، أيْ: إنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها، فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها، وتَسْألُ عَنْها.
﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾، مُنْتَهى عِلْمِها مَتى تَكُونُ، لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ، أوْ "فِيمَ"، إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ عَنْها، أيْ: فِيمَ هَذا السُؤالُ؟ ثُمَّ قالَ: "أنْتَ مِن ذِكْراها"، أيْ: إرْسالُكَ، وأنْتَ آخِرُ الأنْبِياءِ، عَلامَةٌ مِن عَلاماتِها، فَلا مَعْنى لِسُؤالِهِمْ عَنْها، ولا يَبْعُدُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذا عَلى "فِيمَ"، وقِيلَ: "أنْتَ مِن ذِكْراها"، مُتَّصِلٌ بِالسُؤالِ، أيْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الساعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات: ٤٢] ويَقُولُونَ: أيْنَ أنْتَ مِن ذِكْراها؟! ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: "إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها".
﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ أيْ: لَمْ تُبْعَثْ لِتُعْلِمَهم بِوَقْتِ الساعَةِ، وإنَّما بُعِثْتَ لِتُنْذِرَ مِن أهْوالِها مَن يَخافُ شَدائِدَها، "مُنْذِرٌ"، مُنَوَّنٌ، " يَزِيدُ وعَيّاشٌ ".
79:46Page 584
كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا ٤٦
It will be, on the Day they see it,1 as though they had not remained [in the world] except for an afternoon or a morning thereof.
﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها﴾ أيْ: اَلسّاعَةَ،
﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾، في الدُنْيا،
﴿إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ أيْ: ضُحى العَشِيَّةِ، اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُنْيا لِما عايَنُوا مِنَ الهَوْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣]، وإنَّما صَحَّتْ إضافَةُ الضُحى إلى العَشِيَّةِ، لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَهُما، لِاجْتِماعِهِما في نَهارٍ واحِدٍ، والمُرادُ أنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ لَمْ تَبْلُغْ يَوْمًا كامِلًا، ولَكِنْ أحَدَ طَرَفَيِ النَهارِ، عَشِيَّتَهُ، أوْ ضُحاهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences