An-NasafiAl‑Anfal · 8:1–25

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

الأنفال

Al-Anfal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

8:1Page 177

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١

They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.

(p-٦٢٩)سُورَةُ الأنْفالِ

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَسُولِ﴾ النَفْلُ: الغَنِيمَةُ، لِأنَّها مِن فَضْلِ اللهِ، وعَطائِهِ، والأنْفالُ: الغَنائِمُ، ولَقَدْ وقَعَ اخْتِلافٌ بَيْنَ المُسَلِّينَ في غَنائِمِ بَدْرٍ وفي قِسْمَتِها، فَسَألُوا رَسُولَ اللهِ: كَيْفَ نُقَسِّمُ؟ ولِمَنِ الحُكْمُ في قِسْمَتِها لِلْمُهاجِرِينَ، أمْ لِلْأنْصارِ، أمْ لَهم جَمِيعًا؟ فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: هي لِرَسُولِ اللهِ، وهو الحاكِمُ فِيها خاصَّةً، يَحْكُمُ فِيها ما يَشاءُ، لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرُهُ فِيها حُكْمٌ. ومَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ ذِكْرِ اللهِ والرَسُولِ: أنَّ حُكْمَها مُخْتَصٌّ بِاللهِ ورَسُولِهِ، يَأْمُرُ اللهُ بِقِسْمَتِها عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، ويَمْتَثِلُ الرَسُولُ أمْرَ اللهِ فِيها، ولَيْسَ الأمْرُ في قِسْمَتِها مُفَوَّضًا إلى رَأْيِ أحَدٍ ﴿فاتَّقُوا اللهَ﴾ في الِاخْتِلافِ والتَخاصُمِ، وكُونُوا مُتَآخِينَ في اللهِ ﴿وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أحْوالَ بَيْنِكُمْ، يَعْنِي: ما بَيْنَكم مِنَ الأحْوالِ حَتّى تَكُونَ أحْوالَ أُلْفَةٍ، ومَحَبَّةٍ، واتِّفاقٍ. وقالَ الزَجّاجُ: مَعْنى "ذاتَ بَيْنِكُمْ": حَقِيقَةَ وصْلِكم. والبَيْنُ: الوَصْلُ، أيْ: فاتَّقُوا اللهَ، وكُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى ما أمَرَ اللهُ ورَسُولُهُ بِهِ. قالَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: نَزَلَتْ فِينا يا مَعْشَرَ أصْحابِ بَدْرٍ حِينَ اخْتَلَفْنا في النَفْلِ، وساءَتْ فِيهِ أخْلاقُنا، فَنَزَعَهُ اللهُ مِن أيْدِينا، فَجَعَلَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَسَّمَهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَلى السَواءِ ﴿وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ في الغَنائِمِ، وغَيْرِها.

﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كامِلِي الإيمانِ.

(p-٦٣٠)

8:2Page 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ إنَّما الكامِلُو الإيمانِ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَزِعَتْ لِذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ، وتَهَيُّبًا مِن جَلالِهِ، وعِزِّهِ، وسُلْطانِهِ.

﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيِ: القُرْآنُ.

﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ ازْدادُوا بِها يَقِينًا وطُمَأْنِينَةً، لِأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ أقْوى لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وأثْبَتُ لِقَدَمِهِ، أوْ زادَتْهم إيمانًا بِتِلْكَ الآياتِ، لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِأحْكامِها قَبْلُ ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يَعْتَمِدُونَ، ولا يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلى غَيْرِ رَبِّهِمْ، لا يَخْشَوْنَ، ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ.

8:3Page 177

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ جَمَعَ بَيْنَ أعْمالِ القُلُوبِ مِنَ الوَجَلِ، والإخْلاصِ، والتَوَكُّلِ، وبَيْنَ أعْمالِ الجَوارِحِ مِنَ الصَلاةِ، والصَدَقَةِ.

8:4Page 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ إيمانًا حَقًّا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ كَقَوْلِكَ: هو عَبْدُ اللهِ حَقًّا، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: أمُؤْمِنٌ أنْتَ؟ قالَ: إنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، والجَنَّةِ، والنارِ، والبَعْثِ، والحِسابِ، فَأنا مُؤْمِنٌ. وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةُ، فَلا أدْرى أمِنهم أمْ لا؟! وعَنِ الثَوْرِيِّ: مَن زَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللهِ حَقًّا، ثُمَّ لَمْ يَشْهَدُ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ آمَنَ بِنِصْفِ الآيَةِ، أيْ: كَما لا يَقْطَعُ بِأنَّهُ مِن أهْلِ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ حَقًّا، فَلا يَقْطَعُ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ حَقًّا، وبِهَذا يَتَشَبَّثُ مَن يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللهُ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ لا يَقُولُ ذَلِكَ. وقالَ لِقَتادَةَ: لِمَ تَسْتَثْنِي في إيمانِكَ؟ قالَ: اتِّباعًا لِإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ﴾ [الشُعَراءُ: ٨٢] فَقالَ لَهُ: هَلّا اقْتَدَيْتَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى﴾ [البَقَرَةُ: ٢٦٠]. وعَنْ إبْراهِيمَ التَيْمِيِّ: قُلْ أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا، فَإنْ صَدْقْتَ اثْبُتْ عَلَيْهِ، وإنْ كَذَبْتَ فَكُفْرُكَ أشَدُّ مِن كَذِبِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٦٣١)رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: مَن لَمْ يَكُنْ مُنافِقًا فَهو مُؤْمِنٌ حَقًّا، وقَدِ احْتَجَّ عَبْدُ اللهِ عَلى أحْمَدَ فَقالَ: أيٍشٍ اسْمُكَ؟ فَقالَ: أحْمَدُ. فَقالَ: أتَقُولُ أنا أحْمَدُ حَقًّا، أوْ أنا أحْمَدُ إنْ شاءَ اللهُ؟ فَقالَ: أنا أحْمَدُ حَقًّا، فَقالَ: حَيْثُ سَمّاكَ والِداكَ لا تَسْتَثْنِي، وقَدْ سَمّاكَ اللهُ في القُرْآنِ مُؤْمِنًا تَسْتَثْنِي؟! ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ مَراتِبُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ.

﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ﴾ وتَجاوُزٌ لِسَيِّئاتِهِمْ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ صافٍ عَنْ كَدِّ الِاكْتِسابِ، وخَوْفِ الحِسابِ.

8:5Page 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

الكافُ في ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ في مَحَلِّ النَصْبِ، عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ. والتَقْدِيرُ: قُلِ الأنْفالُ اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَسُولِ، وثَبَتَتْ مَعَ كَراهِتِهِمْ ثَباتًا مِثْلَ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ، وهم كارِهُونَ ﴿مِن بَيْتِكَ﴾ يُرِيدُ: بَيْتَهُ بِالمَدِينَةِ، أوِ المَدِينَةَ نَفْسَها، لِأنَّها مُهاجَرُهُ ومَسْكَنُهُ، فَهي في اخْتِصاصِها بِهِ كاخْتِصاصِ البَيْتِ لِساكِنِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ إخْراجُها مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ، والصَوابِ ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أخْرَجَكَ في حالِ كَراهَتِكَ، وذَلِكَ: «أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشامِ فِيها تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا، مِنهم أبُو سُفْيانَ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ النَبِيَّ ﷺ، فَأخْبَرَ أصْحابَهُ، فَأعْجَبَهم تَلَقِّي العِيرِ لِكَثْرَةِ الخَيْرِ، وقِلَّةِ القَوْمِ، فَلَمّا خَرَجُوا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ بِجَمِيعِ أهْلِ مَكَّةَ، وهو النَفِيرُ في المَثَلِ السائِرِ: لا في العِيرِ، ولا في النَفِيرِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ العِيرَ أخَذَتْ طَرِيقَ الساحِلِ، ونَجَتْ، فَأبى، وسارَ بِمَن مَعَهُ إلى بَدْرٍ، وهو ماءٌ كانَتِ العَرَبُ تَجْتَمِعُ فِيهِ لِسُوقِهِمْ يَوْمًا في السَنَةِ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللهَ وعَدَكم إحْدى الطائِفَتَيْنِ إمّا العِيرَ وإمّا قُرَيْشًا، فاسْتَشارَ النَبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ، وقالَ: "العِيرُ أحَبُّ إلَيْكم أمِ النَفِيرُ؟" قالُوا: بَلِ العِيرُ أحَبُّ إلَيْنا مِن لِقاءِ العَدُوِّ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ رَدَّدَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: "إنَّ العِيرَ قَدْ مَضَتْ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وهَذا أبُو جَهْلٍ قَدْ أقْبَلَ". فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، عَلَيْكَ بِالعِيرِ، ودَعِ العَدُوَّ، فَقامَ عِنْدَ غَضَبِ النَبِيِّ ﷺ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما فَأحْسَنا، ثُمَّ قامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ (p-٦٣٢)فَقالَ: انْظُرْ أمْرَكَ فامْضِ، فَواللهِ، لَوْ سِرْتَ إلى عَدَنَ أبْيَنَ ما تَخَلَّفَ عَنْكَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ قالَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو: امْضِ لِما أمَرَكَ اللهُ، فَإنّا مَعَكَ حَيْثُ أحْبَبْتَ، لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائِدَةُ:٢٤] ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا، إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، ما دامَتْ عَيْنٌ مِنّا تَطْرُفُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: امْضِ يا رَسُولَ اللهِ لِما أرَدْتَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ، ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللهِ، فَفَرِحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ونَشَّطَهُ قَوْلُ سَعْدٍ، ثُمَّ قالَ: "سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللهِ، وأبْشِرُوا فَإنَّ اللهَ وعَدَنِي إحْدى الطائِفَتَيْنِ. واللهِ، لَكَأنِّي الآنَ أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ". » وكانَتِ الكَراهَةُ مِن بَعْضِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُحْتَمَلُ أنَّهم مُنافِقُونَ كَرِهُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَراهَةَ طَبْعٍ، لِأنَّهم غَيْرُ مُتَأهِّبِينَ لَهُ.

8:6Page 177

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ الحَقُّ الَّذِي جادَلُوا فِيهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ: تَلَقِّي النَفِيرِ لِإيثارِهِمْ عَلَيْهِ تَلَقِّي العِيرِ ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ بَعْدَ إعْلامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأنَّهم يُنْصَرُونَ، وجِدالُهُمْ: قَوْلُهم ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ، وهَلّا قُلْتَ: لَنا لِنَسْتَعِدَّ، وذَلِكَ لِكَراهَتِهِمُ القِتالَ.

﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ شَبَّهَ حالَهم في فَرْطِ فَزَعِهِمْ وهم يُسارُ بِهِمْ إلى الظَفَرِ والغَنِيمَةِ بِحالِ مَن يُعْتَلُ إلى القَتْلِ، ويُساقُ عَلى الصَغارِ إلى المَوْتِ، وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِهِ، ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها، وقِيلَ: كانَ خَوْفُهم لِقِلَّةِ العَدَدِ، وأنَّهم كانُوا رَجّالَةً، وما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ.

8:7Page 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطائِفَتَيْنِ﴾ "إذْ" مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، و"إحْدى" (p-٦٣٣)مَفْعُولٌ ثانٍ ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إحْدى الطائِفَتَيْنِ﴾ وهُما: العِيرُ، والنَفِيرُ، والتَقْدِيرُ: وإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ أنَّ إحْدى الطائِفَتَيْنِ لَكم ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أيِ: العِيرَ، وذاتُ الشَوْكَةِ: ذاتُ السِلاحِ، والشَوْكَةُ كانَتْ في النَفِيرِ لِعَدَدِهِمْ وعُدَّتِهِمْ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ أنْ تَكُونَ لَكُمُ العِيرُ، لِأنَّها الطائِفَةُ الَّتِي لا سِلاحَ لَها، ولا تُرِيدُونَ الطائِفَةَ الأُخْرى ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ: يُثْبِتَهُ، ويُعْلِيَهُ.

﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَوْكَةِ، وبِما أمَرَ المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ وبِما قَضى مِن قَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ.

﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ آخِرَهُمْ، والدابِرُ: الآخِرُ، فاعِلٌ، مِن: دَبَرَ، إذا أدْبَرَ، وقَطْعُ الدابِرِ: عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، يَعْنِي: أنَّكم تُرِيدُونَ الفائِدَةَ العاجِلَةَ، وسَفْسافَ الأُمُورِ، واللهُ تَعالى يُرِيدُ مَعالِيَ الأُمُورِ، ونُصْرَةَ الحَقِّ، وعُلُوَّ الكَلِمَةِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ المُرادَيْنِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ لَكُمُ الطائِفَةَ ذاتَ الشَوْكَةِ، وكَسَرَ قُوَّتَهم بِضَعْفِكُمْ، وأعَزَّكُمْ، وأذَلَّهم.

8:8Page 177

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَقْطَعَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ﴿وَيُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ، والمُقَدَّرُ مُتَأخِّرٌ لِيُفِيدَ الِاخْتِصاصَ، أيْ: ما فَعَلَهُ إلّا لَهُما، وهو إثْباتُ الإسْلامِ وإظْهارُهُ، وإبْطالُ الكُفْرِ ومَحْقُهُ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرارٍ، لِأنَّ الأوَّلَ تَمْيِيزٌ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، وهَذا بَيانٌ لِمُرادِهِ فِيما فَعَلَ مِنِ اخْتِيارِ ذاتِ الشَوْكَةِ عَلى غَيْرِها لَهُمْ، ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ.

8:9Page 178

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن " إذْ يَعِدُكُمُ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ واسْتِغاثَتُهم أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القِتالِ طَفِقُوا يَدْعُونَ اللهَ، يَقُولُونَ: أيْ رَبَّنا انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ، يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ أغِثْنا، وهي طَلَبُ الغَوْثِ، وهُوَ: التَخَلُّصُ مِنَ المَكْرُوهِ.

﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ فَأجابَ، وأصْلُ ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ بِأنِّي مُمِدُّكُمْ، فَحَذَفَ الجارَّ، وسَلَّطَ عَلَيْهِ "اسْتَجابَ" (p-٦٣٤)فَنَصَبَ مَحَلَّهُ ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (مُرْدَفِينَ) مَدَنِيٌّ، غَيْرُهُ بِكَسْرِ الدالِ، فالكَسْرُ عَلى أنَّهم أرْدَفُوا غَيْرَهُمْ، والفَتْحُ عَلى أنَّهُ أرْدَفَ كُلُّ مَلَكٍ مَلَكًا آخَرَ، يُقالُ: رَدَفَهُ: إذا تَبِعَهُ، وأرْدَفْتُهُ إيّاهُ: إذا أتْبَعْتَهُ.

8:10Page 178

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾ أيِ: الإمْدادَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ ﴿إلا بُشْرى﴾ إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَصْرِ ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ يَعْنِي: أنَّكُمُ اسْتَغَثْتُمْ، وتَضَرَّعْتُمْ لِقِلَّتِكُمْ، فَكانَ الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ بِشارَةً لَكم بِالنَصْرِ، وتَسْكِينًا مِنكُمْ، ورَبْطًا عَلى قُلُوبِكم ﴿وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ﴾ أيْ: ولا تَحْسَبُوا النَصْرَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَإنَّ الناصِرَ هو اللهُ لَكم ولِلْمَلائِكَةِ. أوْ ﴿وَما النَصْرُ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللهِ﴾ والمَنصُورُ مَن نَصَرَهُ اللهُ.

واخْتُلِفَ في قِتالِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقِيلَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في خَمْسِمِائَةِ مَلَكٍ عَلى المَيْمَنَةِ، وفِيها أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ومِيكائِيلُ في خَمْسِمِائَةٍ عَلى المَيْسَرَةِ وفِيها: عَلِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في صُورَةِ الرِجالِ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ بِيضٌ، وعَمائِمُ بِيضٌ، قَدْ أرْخَوْا أذْنابَها بَيْنَ أكْتافِهِمْ، فَقاتَلَتْ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ: مِن أيْنَ كانَ يَأْتِينا الضَرْبُ ولا نَرى الشَخْصَ؟ قالَ: مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ، قالَ: فَهم غَلَبُونا لا أنْتُمْ، وقِيلَ: لَمْ يُقاتِلُوا، وإنَّما كانُوا يُكَثِّرُونَ السَوادَ، ويُثَبِّتُونَ المُؤْمِنِينَ، وإلّا فَمَلَكٌ واحِدٌ كافٍ في إهْلاكِ أهْلِ الدُنْيا.

﴿إنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ بِنْصِرِ أوْلِيائِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ بِقَهْرِ أعْدائِهِ.

8:11Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكُمُ ". أوْ مَنصُوبٌ بِالنَصْرِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ، (يُغْشِيكُمْ) مَدَنِيٌّ،

﴿النُعاسَ﴾ النَوْمَ، والفاعِلُ هو اللهُ عَلى القِراءَتَيْنِ (يَغْشاكُمُ النُعاسُ) مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو.

﴿أمَنَةً﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: إذْ تَنْعَسُونَ أمَنَةً، بِمَعْنى: أمْنًا، أيْ: لِأمْنِكم. أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: فَأمِنتُمْ أمَنَةً، فالنَوْمُ يُزِيحُ الرُعْبَ، ويُرِيحُ النَفْسَ ﴿مِنهُ﴾ صِفَةٌ لَها، أيْ: أمَنَةً حاصِلَةً لَكم مِنَ اللهِ (وَيُنْزِلُ) بِالتَخْفِيفِ: مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، وبِالتَشْدِيدِ غَيْرُهم ﴿عَلَيْكم مِنَ (p-٦٣٥)السَماءِ ماءً﴾ مَطَرًا ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ بِالماءِ مِنَ الحَدَثِ، والجَنابَةِ.

﴿وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَيْطانِ﴾ وسْوَسَتَهُ إلَيْهِمْ، وتَخْوِيفَهُ إيّاهم مِنَ العَطَشِ، أوِ الجَنابَةَ مِنَ الِاحْتِلامِ، لِأنَّهُ مِنَ الشَيْطانِ، وقَدْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ: أنْ لا نُصْرَةَ مَعَ الجَنابَةِ.

﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِالصَبْرِ ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ أيْ: بِالماءِ، إذِ الأقْدامُ كانَتْ تَسُوخُ في الرَمْلِ، أوْ بِالرَبْطِ، لِأنَّ القَلْبَ إذا تَمَكَّنَ فِيهِ الصَبْرُ يُثَبِّتُ القَدَمَ في مَواطِنِ القِتالِ.

8:12Page 178

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1

﴿إذْ يُوحِي﴾ بَدَلٌ ثالِثٌ مِن " إذْ يَعِدُكُمُ " أوْ مَنصُوبٌ بِـ "يُثَبِّتَ" ﴿رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالنَصْرِ ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالبُشْرى، كانَ المَلَكُ يَسِيرُ أمامَ الصَفِّ في صُورَةِ رَجُلٍ ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللهَ ناصِرُكم ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ﴾ هو امْتِلاءُ القَلْبِ مِنَ الخَوْفِ. و(الرُعُبَ) شامِيٌّ، وعَلِيٌّ.

﴿فاضْرِبُوا﴾ أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِلْمَلائِكَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قاتَلُوا ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيْ: أعالِيَ الأعْناقِ، الَّتِي هي المَذابِحُ تَطْيِيرًا لِلرُّءُوسِ، أوْ أرادَ الرُءُوسَ، لِأنَّها فَوْقَ الأعْناقِ، يَعْنِي: ضَرْبَ الهامِ ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ هي الأصابِعُ، يُرِيدُ: الأطْرافَ، والمَعْنى: فاضْرِبُوا المَقاتِلَ والشَوى، لِأنَّ الضَرْبَ إمّا أنْ يَقَعَ عَلى مَقْتَلٍ، أوْ غَيْرِ مَقْتَلٍ، فَأمَرَهم أنْ يَجْمَعُوا عَلَيْهِمُ النَوْعَيْنِ.

8:13–14Page 178

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.

ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما أصابَهم مِنَ الضَرْبِ، والقَتْلِ، والعِقابِ العاجِلِ، وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ العِقابُ وقَعَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ، أيْ: مُخالَفَتِهِمْ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَقِّ، لِأنَّ كِلا المُتَعادِيَيْنِ في شَقٍّ خِلافِ شَقِّ صاحِبِهِ، وكَذا المُعاداةُ والمُخاصَمَةُ، لِأنَّ هَذا في (p-٦٣٦)عَدْوَةٍ وخُصْمٍ، أيْ: جانِبٍ، وذاكَ في عَدْوَةٍ وخُصْمٍ ﴿وَمَن يُشاقِقِ اللهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والكافُ في "ذَلِكَ" لِخِطابِ الرَسُولِ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، وفي "ذَلِكُمْ" لِلْكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ومَحَلُّهُ: الرَفْعُ عَلى "ذَلِكُمْ" العِقابُ، أوِ العِقابُ.

﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ والواوُ في ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النارِ﴾ بِمَعْنى مَعَ، أيْ: ذُوقُوا هَذا العَذابَ العاجِلَ مَعَ الآجِلِ الَّذِي لَكَمَ في الآخِرَةِ، فَوُضِعَ الظاهِرُ مَوْضِعَ الضَمِيرِ.

8:15Page 178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ حالٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والزَحْفُ: الجَيْشُ الَّذِي يُرى لِكَثْرَتِهِ كَأنَّهُ يَزْحَفُ، أيْ: يَدِبُّ دَبِيبًا، مِن زَحْفِ الصَبِيِّ: إذا دَبَّ عَلى اسْتِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ فَلا تَنْصَرِفُوا عَنْهم مُنْهَزِمِينَ، أيْ: إذا لَقِيتُمُوهم لِلْقِتالِ، وهم كَثِيرٌ، وأنْتُمْ قَلِيلٌ، فَلا تَفِرُّوا، فَضْلًا أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ، أوْ تُساوُوهُمْ، أوْ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: إذا لَقِيتُمُوهم مُتَزاحِفِينَ هم وأنْتُمْ.

8:16Page 178

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا﴾ مائِلًا ﴿لِقِتالٍ﴾ وهو الكَرُّ بَعْدَ الفَرِّ، يُخَيِّلُ عَدُوَّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ، وهو مِن خُدَعِ الحَرْبِ.

﴿أوْ مُتَحَيِّزًا﴾ مُنْضَمًّا ﴿إلى فِئَةٍ﴾ إلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ سِوى الفِئَةِ الَّتِي هو فِيها، وهُما حالانِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "يُوَلِّهِمْ" ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ووَزْنُ مُتَحَيِّزٍ مُتَفَيْعِلٌ لا مُتَفَعِّلٌ، لِأنَّهُ مَن حازَ يَحُوزُ، فَبِناءُ مُتَفَعِّلٍ مِنهُ مُتَحَوِّزٌ.

8:17Page 179

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

وَلَمّا كَسَرُوا أهْلَ مَكَّةَ، وقَتَلُوا، وأسَرُوا، وكانَ القاتِلُ مِنهم يَقُولُ تَفاخُرًا: قَتَلْتُ وأسَرْتُ، قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ والفاءُ جَوابٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ، فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهم ﴿وَلَكِنَّ (p-٦٣٧)اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ ولَمّا قالَ جِبْرِيلُ للنَّبِيِّ ﷺ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنِهِ، فانْهَزَمُوا، قِيلَ: ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى﴾ يَعْنِي: أنَّ الرَمْيَةَ الَّتِي رَمَيْتَها أنْتَ لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها لَما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ أثَرُ رَمْيِ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، وفي الآيَةِ بَيانُ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُضافٌ إلَيْهِ كَسْبًا، وإلى اللهِ تَعالى خَلْقًا، لا كَما تَقُولُ الجَبْرِيَّةَ والمُعْتَزِلَةُ، لِأنَّهُ أثْبَتَ الفِعْلَ مِنَ العَبْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ ثُمَّ نَفاهُ عَنْهُ وأثْبَتَهُ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ رَمى﴾ ﴿وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ (وَلَكِنِ اللهُ رَمى ) بِتَخْفِيفِ (لَكِنْ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولِيُعْطِيَهم ﴿مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ عَطاءً جَمِيلًا. والمَعْنى: ولِلْإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ فَعَلَ ما فَعَلَ، وما فَعَلَ إلّا لِذَلِكَ.

﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِدُعائِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ.

8:18Page 179

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَفْعُ، أيِ: المُرادُ ذَلِكم ﴿وَأنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "ذَلِكُمْ" أيِ: المُرادُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ، وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ (مُوَهِّنُ كَيْدِ) شامِيٌّ، وكُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ. (مُوهِنُ كَيْدِ) حَفْصٌ. (مُوَهِّنٌ كَيْدَ) غَيْرُهم.

8:19Page 179

إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩

If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَصْرُ عَلَيْكم. وهو خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّهم حِينَ أرادُوا أنْ يَنْفِرُوا تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وقالُوا: اللهُمَّ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ عَلى حَقٍّ فانْصُرْهُ، وإنْ كُنّا عَلى الحَقِّ فانْصُرْنا. وقِيلَ: " إنْ تَسْتَفْتِحُوا " خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، و" إنْ تَنْتَهُوا " لِلْكافِرِينَ،

﴿وَإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَنْ عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿فَهُوَ﴾ أيِ: الِانْتِهاءُ.

﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (p-٦٣٨)وَأسْلَمُ ﴿وَإنْ تَعُودُوا﴾ لِمُحارَبَتِهِ ﴿نَعُدْ﴾ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكم ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ جَمْعُكم ﴿شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ﴾ عَدَدًا (وَأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ) بِالفَتْحِ: مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ، وحَفْصٌ. أيْ: ولِأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِالنَصْرِ كانَ ذَلِكَ، وبِالكَسْرِ غَيْرُهُمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ ( واللهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ).

8:20Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠

O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِأنَّ المَعْنى: وأطِيعُوا رَسُولَ اللهِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التَوْبَةُ: ٦٢] ولِأنَّ طاعَةَ الرَسُولِ وطاعَةَ اللهِ شَيْءٌ واحِدٌ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ [النِساءُ: ٨٠] فَكانَ رُجُوعُ الضَمِيرِ إلى أحَدِهِما كَرُجُوعِهِ إلَيْهِما، كَقَوْلِكَ: الإحْسانُ والإجْمالُ لا يَنْفَعُ في فُلانٍ. أوْ يَرْجِعُ الضَمِيرُ إلى الأمْرِ بِالطاعَةِ، أيْ: ولا تَوَلَّوْا عَنْ هَذا الأمْرِ وأمْثالِهِ. وأصْلُهُ: ولا تَتَوَلَّوْا، فَحَذَفَ إحْدى التاءَيْنِ تَخْفِيفًا ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَهُ. أوْ ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا تُخالِفُوهُ ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أيْ: تُصَدِّقُونَ، لِأنَّكم مُؤْمِنُونَ، لَسْتُمْ كالصُمِّ المُكَذِّبِينَ مِنَ الكَفَرَةِ.

8:21Page 179

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ أيِ: ادَّعَوُا السَماعَ، وهُمُ المُنافِقُونَ، وأهْلُ الكِتابِ ﴿وَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمُصَدِّقِينَ، فَكَأنَّهم غَيْرُ سامِعِينَ، والمَعْنى: أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ، والنُبُوَّةِ، فَإذا تَوَلَّيْتُمْ عَنْ طاعَةِ الرَسُولِ في بَعْضِ الأُمُورِ، مِن قِسْمَةِ الغَنائِمِ، وغَيْرِها، أشْبَهَ سَماعُكم سَماعَ مَن لا يُؤْمِنُ، ثُمَّ قالَ:

8:22Page 179

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].

﴿إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الصُمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: إنَّ شَرَّ مَن يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ البَهائِمُ وإنَّ شَرَّ البَهائِمِ الَّذِينَ هم صُمٌّ عَنِ الحَقِّ لا يَعْقِلُونَهُ، جَعَلَهم مِن جِنْسِ البَهائِمِ، ثُمَّ جَعَلَهم شَرَّها، لِأنَّهم عانَدُوا بَعْدَ الفَهْمِ، وكابَرُوا بَعْدَ العَقْلِ.

(p-٦٣٩)

8:23Page 179

وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ﴾ في هَؤُلاءِ الصُمِّ البُكْمِ ﴿خَيْرًا﴾ صِدْقًا، ورَغْبَةً ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ لَجَعَلَهم سامِعِينَ حْتى يَسْمَعُوا سَماعَ المُصَدِّقِينَ ﴿وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ عَنْهُ، أيْ: ولَوْ أسْمَعُهُمْ، وصَدَقُوا، لارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يَسْتَقِيمُوا.

﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ عَنِ الإيمانِ.

8:24Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ وحَّدَ الضَمِيرَ أيْضًا، كَما وحَّدَهُ فِيما قَبْلَهُ، لِأنَّ اسْتِجابَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وسَلَّمَ كاسْتِجابَتِهِ. والمُرادُ بِالِاسْتِجابَةِ: الطاعَةُ، والِامْتِثالُ، وبِالدَعْوَةِ: البَعْثُ، والتَحْرِيضُ ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مِن عُلُومِ الدِياناتِ والشَرائِعِ، لِأنَّ العِلْمَ حَياةٌ، كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ، قالَ الشاعِرُ:

؎ لا تُعْجِبَنَّ الجَهُولَ حُلَّتُهُ ∗∗∗ فَذاكَ مَيْتٌ وثَوْبُهُ كَفَنُ

أوْ لِمُجاهِدَةِ الكُفّارِ، لِأنَّهم لَوْ رَفَضُوها لَغَلَبُوهُمْ، وقَتَلُوهم. أوْ لِلشَّهادَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١٦٩] ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ أيْ: يُمِيتُهُ، فَتَفُوتُهُ الفُرْصَةُ الَّتِي هو واجِدُها، وهِيَ: التَمَكُّنُ مِن إخْلاصِ القَلْبِ، فاغْتَنِمُوا هَذِهِ الفُرْصَةَ، وأخْلِصُوا قُلُوبَكم لِطاعَةِ اللهِ ورَسُولِهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَمَنّاهُ بِقَلْبِهِ مِن طُولِ الحَياةِ، فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ.

﴿وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ، فَيُثِيبُكم عَلى حَسَبِ سَلامَةِ القُلُوبِ، وإخْلاصِ الطاعَةِ.

8:25Page 179

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ عَذابًا ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ هو جَوابٌ لِلْأمْرِ، أيْ: إنْ أصابَتْكم لا تُصِبِ الظالِمِينَ مِنكم خاصَّةً، ولَكِنَّها تَعُمُّكُمْ، وجازَ أنْ تَدْخُلَ النُونُ المُؤَكِّدَةُ في جَوابِ الأمْرِ، لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النَهْيِ، كَما إذا قُلْتَ: انْزِلْ عَنِ الدابَّةِ لا تَطْرَحْكَ، وجازَ: لا تَطْرَحَنَّكَ. و"مِن" في "مِنكُمْ" لِلتَّبْعِيضِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ إذا عاقَبَ.

(p-٦٤٠)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском