An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:26–49
8:26Page 180
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦
And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.
﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ، أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ كَوْنِكم أقِلَّةً أذِلَّةً ﴿مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ﴾ أرْضِ مَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، تَسْتَضْعِفُكم قُرَيْشٌ ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ الناسُ﴾ لِأنَّ الناسَ كانُوا لَهم أعْداءً مُضادِّينَ ﴿فَآواكُمْ﴾ إلى المَدِينَةِ ﴿وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ، وبِإمْدادِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ﴾ مِنَ الغَنائِمِ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَكم ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِعَمَ.
8:27Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧
O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ﴾ بِأنْ تُعْطُوا فَرائِضَهُ ﴿والرَسُولَ﴾ بِألا تَسْتَنُّوا بِهِ ﴿وَتَخُونُوا﴾ جَزْمٌ عَطْفٌ عَلى ﴿لا تَخُونُوا﴾ أيْ: ولا تَخُونُوا ﴿أماناتِكُمْ﴾ فِيما بَيْنَكم بِألّا تَحْفَظُوها ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تَبِعَةَ ذَلِكَ، ووَبالَهُ، أوْ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّكم تَخُونُونَ، يَعْنِي: أنَّ الخِيانَةَ تُوجَدُ مِنكم عَنْ تَعَمُّدٍ، لا عَنْ سَهْوٍ، أوْ وأنْتُمْ عُلَماءُ تَعْلَمُونَ حُسْنَ الحَسَنِ، وقُبْحَ القَبِيحِ. ومَعْنى الخَوْنِ: النَقْصُ، كَما أنَّ مَعْنى الوَفاءِ: التَمامُ، ومِنهُ: تَخَوَّنَهُ: إذا انْتَقَصَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَجُلَ في شَيْءٍ، فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُقْصانَ فِيهِ.
8:28Page 180
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨
And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.
﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: سَبَبُ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ، والعَذابُ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللهِ لِيَبْلُوَكم كَيْفَ تُحافِظُونَ فِيهِمْ عَلى حُدُودِهِ ﴿وَأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَعَلَيْكم أنْ تَحْرِصُوا عَلى طَلَبِ ذَلِكَ، وتَزْهَدُوا في الدُنْيا، ولا تَحْرِصُوا عَلى جَمْعِ المالِ وحُبِّ الوَلَدِ.
8:29Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩
O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ نَصْرًا، لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ وبَيْنَ الكُفْرِ، بِإذْلالِ حِزْبِهِ، والإسْلامِ بِإعْزازِ أهْلِهِ، أوْ بَيانًا وظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكُمْ، ويَبُثُّ صِيتَكم وآثارَكم في أقْطارِ الأرْضِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَطَعَ الفُرْقانُ، (p-٦٤١)أيْ: طَلَعَ الفَجْرُ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُبُهاتِ، وشَرْحًا لِلصُّدُورِ، أوْ تَفْرِقَةً بَيْنِكم وبَيْنَ غَيْرِكم مِن أهْلِ الأدْيانِ، وفَضْلًا ومِزْيَةً في الدُنْيا والآخِرَةِ ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيِ: الصَغائِرَ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذُنُوبَكُمْ، أيِ: الكَبائِرَ ﴿واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ عَلى عِبادِهِ.
8:30Page 180
وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠
And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.
﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ ذَكَّرَهُ مَكْرَ قُرَيْشٍ بِهِ حِينَ كانَ بِمَكَّةَ، لِيَشْكُرَ نِعْمَةَ اللهِ في نَجاتِهِ مِن مَكْرِهِمْ، واسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُونَ بِكَ، وذَلِكَ «أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أسْلَمَتِ الأنْصارُ فَرِقُوا أنْ يَتَفاقَمَ أمْرُهُ، فاجْتَمَعُوا في دارِ النَدْوَةِ مُتَشاوِرِينَ في أمْرِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ، وقالَ: أنا شَيْخٌ مَن نَجْدٍ دَخَلْتُ مَكَّةَ، فَسَمِعْتُ بِاجْتِماعِكُمْ، فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكُمْ، ولَنْ تَعْدِمُوا مِنِّي رَأْيًا ونُصْحًا. فَقالَ أبُو البُخْتُرِيِّ: رَأْيِي أنْ تَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ، وتَشُدُّوا وثاقَهُ، وتَسُدُّوا بابَهُ غَيْرَ كُوَّةٍ، تُلْقُونَ إلَيْهِ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنها، وتَتَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَقالَ إبْلِيسُ: بِئْسَ الرَأْيُ، يَأْتِيكم مِن يُقاتِلُكم مِن قَوْمِهِ، ويُخَلِّصُهُ مِن أيْدِيكُمْ، فَقالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو: رَأْيِي أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلٍ، وتُخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكُمْ، فَلا يَضُرُّكم ما صَنَعَ، واسْتَرَحْتُمْ، فَقالَ إبْلِيسُ: بِئْسَ الرَأْيُ، يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكم ويُقاتِلُكم بِهِمْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ -لَعَنَهُ اللهُ-: أنا أرى أنْ تَأْخُذُوا مِن كُلِّ بَطْنٍ غُلامًا، وتُعْطُوهُ سَيْفًا فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَيَتَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، فَإذا طَلَبُوا العَقْلَ عَقَلْناهُ، واسْتَرَحْنا. فَقالَ اللَعِينُ: صَدَقَ هَذا الفَتى، هو أجْوَدُكم رَأْيًا، فَتَفَرَّقُوا عَلى رَأيِ أبِي جَهْلٍ مُجْتَمِعِينَ عَلى قَتْلِهِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وأمَرَهُ ألّا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ، وأذِنَ لَهُ اللهُ في الهِجْرَةِ، فَأمَرَ عَلِيًّا، فَنامَ في مَضْجَعِهِ، وقالَ لَهُ: "اتَّشِحْ بِبُرْدَتِي، فَإنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ أمْرٌ تَكْرَهُهُ". وباتُوا مُتَرَصِّدِينَ، فَلَمّا أصْبَحُوا ثارُوا إلى مَضْجَعِهِ، (p-٦٤٢)فَأبْصَرُوا عَلَيًّا، فَبُهِتُوا، وخَيَّبَ اللهُ سَعْيَهُمْ، واقْتَفَوْا أثَرَهُ، فَأبْطَلَ اللهُ مَكْرَهم. »﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ لِيَحْبِسُوكَ، ويُوثِقُوكَ ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ بِسُيُوفِهِمْ ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مِن مَكَّةَ ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ ويُخْفُونَ المَكائِدَ لَهُ ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ ويُخْفِي اللهُ ما أعَدَّ لَهم حَتّى يَأْتِيَهم بَغْتَةً ﴿واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ: مَكْرُهُ أنْفَذُ مِن مَكْرِ غَيْرِهِ، وأبْلَغُ تَأْثِيرًا.
8:31Page 180
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١
And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."
كانَ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ، ويَذْكُرُ أخْبارَ القُرُونِ الماضِيَةِ في قَراءَتِهِ، فَقالَ النَضْرُ بْنُ الحارِثِ: لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ مِثْلَ هَذا، وهو الَّذِي جاءَ مِن بِلادِ فارِسَ بِنُسْخَةِ حَدِيثِ رُسْتُمَ، وأحادِيثِ العَجَمِ، فَنَزَلَ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ: القُرْآنُ،
﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ وهَذا صَلَفٌ مِنهُ، ووَقاحَةٌ، لِأنَّهم دُعُوا إلى أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِن مِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَلَمْ يَأْتُوا بِهِ.
8:32Page 180
وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢
And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."
﴿وَإذْ قالُوا اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ ﴿هُوَ الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ "هَذا" اسْمُ كانَ، و"هُوَ" فَصْلٌ، و"الحَقَّ" خَبَرُ كانَ، رُوِيَ: «أنَّ النَضْرَ لَمّا قالَ: (إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ) قالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "وَيْلَكَ هَذا كَلامُ اللهِ". فَرَفَعَ النَضْرُ رَأسَهُ إلى السَماءِ، وقالَ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ﴾ » أيْ: إنْ كانَ القُرْآنُ هو الحَقَّ، فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِالسِجِّيلِ، كَما فَعَلْتَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ بِنَوْعٍ آخَرَ مِن جِنْسِ العَذابِ الألِيمِ، فَقُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. وعَنْ مُعاوِيَةَ: أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ، حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً. قالَ: أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ، قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو (p-٦٤٣)الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ﴾ ولَمْ يَقُولُوا: إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ فاهْدِنا لَهُ.
8:33Page 180
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣
But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ اللامُ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، والدَلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم وأنْتَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وسُنَّتُهُ ألّا يُعَذِّبَ قَوْمًا عَذابَ اسْتِئْصالٍ، ما دامَ نَبِيُّهم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم مُرْصَدُونَ بِالعَذابِ إذا هاجَرَ عَنْهم ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ هو في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: نَفْيُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهُمْ، أيْ: ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويَسْتَغْفِرُ مِنَ الكُفْرِ لَما عَذَّبَهُمْ، أوْ مَعْناهُ: وما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وفِيهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ، وهُمُ المُسْلِمُونَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ.
8:34Page 181
وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤
But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.
﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ أيْ: وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ، وهو مُعَذِّبُهم إذا فارَقْتَهُمْ، وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ،
﴿وَهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وكَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وحالُهُمْ: أنَّهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما صَدُّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. وإخْراجُهم رَسُولَ اللهِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَدِّ، وكانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ، فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ، ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ. فَقِيلَ: ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ وما اسْتَحَقُّوا مَعَ إشْراكِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِلدِّينِ أنْ يَكُونُوا وُلاةَ أمْرِ الحَرَمِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: الضَمِيرانِ راجِعانِ إلى اللهِ،
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ. كَأنَّهُ اسْتَثْنى مَن كانَ يَعْلَمُ وهو يُعانِدُ. أوْ أرادَ بِالأكْثَرِ الجَمِيعَ، كَما يُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ.
8:35Page 181
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥
And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].
﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً﴾ صَفِيرًا كَصَوْتِ المُكّاءِ، وهو طائِرٌ مَلِيحُ الصَوْتِ. وهو فُعالٌ، مِن مَكا يَمْكُو، إذا صَفَّرَ ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ وتَصْفِيقًا، تَفْعِلَةٌ مِنَ الصَدى. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وهم (p-٦٤٤)مُشَبِّكُونَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ، يُصَفِّرُونَ فِيها، ويُصَفِّقُونَ. وكانُوا يَفْعَلُونَ نَحْوَ ذَلِكَ إذا قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ في صِلاتِهِ، يُخَلِّطُونَ عَلَيْهِ.
﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ عَذابَ القَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ،
﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِكم.
8:36Page 181
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦
Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.
وَنَزَلَ في المَطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جُزُرٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: كانَ غَرَضُهم في الإنْفاقِ الصَدَّ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو سَبِيلُ اللهِ ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ ثُمَّ تَكُونُ عاقِبَةُ إنْفاقِها نَدَمًا وحَسْرَةً، فَكَأنَّ ذاتَها تَصِيرُ نَدَمًا، وتَنْقَلِبُ حَسْرَةً ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ آخِرَ الأمْرِ. وهو مِن دَلائِلِ النُبُوَّةِ، لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَكانَ كَما أخْبَرَ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والكافِرُونَ مِنهم ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ، وحَسُنَ إسْلامُهُ.
8:37Page 181
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧
[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.
واللامُ في ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ﴾ الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ ﴿مِنَ الطَيِّبِ﴾ أيْ: مِنَ الفَرِيقِ الطَيِّبِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُحْشَرُونَ". (لِيُمَيِّزَ): حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ﴾ الفَرِيقَ الخَبِيثَ ﴿بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ فَيَجْمَعَهُ ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ أيِ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ،
﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الخَبِيثِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أنْفُسَهُمْ، وأمْوالَهم.
8:38Page 181
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَمًّا هم عَلَيْهِ مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وقِتالِهِ، بِالدُخُولِ في الإسْلامِ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ لَهم مِنَ العَداوَةِ ﴿وَإنْ يَعُودُوا﴾ لِقِتالِهِ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ بِالإهْلاكِ في الدُنْيا والعَذابِ في العُقْبى.
(p-٦٤٥)أوْ مَعْناهُ: أنَّ الكُفّارَ إذا انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ، وأسْلَمُوا، غُفِرَ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. وبِهِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ في أنَّ المُرْتَدَّ إذا أسْلَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضاءُ العِباداتِ المَتْرُوكَةِ.
8:39Page 181
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩
And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.
﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ إلى ألّا يُوجَدَ فِيهِمْ شِرْكٌ قَطُّ ﴿وَيَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ويَضْمَحِلَّ عَنْهم كُلُّ دِينٍ باطِلٍ، ويَبْقى فِيهِمْ دِينُ الإسْلامِ وحْدَهُ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ، وأسْلَمُوا ﴿فَإنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يُثِيبُهم عَلى إسْلامِهِمْ.
8:40Page 181
وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠
But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.
﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ، ولَمْ يَنْتَهُوا ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكُمْ، ومُعِينُكُمْ، فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ، ونُصْرَتِهِ ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ لا يُضَيِّعُ مَن تَوَلّاهُ ﴿وَنِعْمَ النَصِيرُ﴾ لا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ.
8:41Page 182
۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.
﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، ولا يَجُوزُ أنْ يُكْتَبَ إلّا مَفْصُولًا إذْ لَوْ كُتِبَ مَوْصُولًا، لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ ما كافَّةً. وغَنِمْتُمْ صِلَتُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: الَّذِي غَنِمْتُمُوهُ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانُهُ. قِيلَ: حَتّى الخَيْطِ والمِخْيَطِ ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ والفاءُ إنَّما دَخَلَتْ لِما في "الَّذِي" مِن مَعْنى المُجازاةِ. وأنَّ وما عَمِلَتْ فِيهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، تَقْدِيرُهُ: فالحُكْمُ: أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهَ ﴿وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ﴾ فالخُمُسُ كانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِرَسُولِ اللهِ، وسَهْمٌ لَذَوِي قَرابَتِهِ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وبَنِي نَوْفَلٍ -اسْتَحَقُّوهُ حِينَئِذٍ بِالنُصْرَةِ لِقِصَّةِ عُثْمانَ وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ- وثَلاثَةُ أسْهُمٍ لِلْيَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَبِيلِ. وأمّا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَهْمُهُ ساقِطٌ بِمَوْتِهِ، وكَذَلِكَ سَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وإنَّما يُعْطَوْنَ لِفَقْرِهِمْ، ولا يُعْطى أغْنِياؤُهم. فَيُقْسَمُ عَلى اليَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَبِيلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ (p-٦٤٦)عَلى سِتَّةٍ: لِلَّهِ والرَسُولِ سَهْمانِ، وسَهْمٌ لِأقارِبِهِ حَتّى قُبِضَ، فَأجْرى أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الخُمُسَ عَلى ثَلاثَةٍ، وكَذا عُمَرُ ومَن بَعْدَهُ مِنَ الخُلَفاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم ومَعْنى لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ: لِرَسُولِ اللهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التَوْبَةُ: ٦٢] ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ﴾ فاعْمَلُوا بِهِ، وارْضَوْا بِهَذِهِ القِسْمَةِ، فالإيمانُ يُوجِبُ الرِضا بِالحُكْمِ، والعَمَلَ بِالعِلْمِ ﴿وَما أنْـزَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "بِاللهِ" أيْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ﴾ وبِالمُنَزَّلِ ﴿عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ الفَرِيقانِ مِنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، والمُرادُ: ما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ والمَلائِكَةِ والفَتْحِ يَوْمَئِذٍ، وهو بَدَلٌ مِن يَوْمَ الفُرْقانِ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْصُرَ القَلِيلَ عَلى الكَثِيرِ، كَما فَعَلَ بِكم يَوْمَ بَدْرٍ.
8:42Page 182
إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢
[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
﴿إذْ أنْتُمْ﴾ إذْ أنْتُمْ بَدَلٌ مِن يَوْمَ الفُرْقانِ، أوِ التَقْدِيرُ: اذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ ﴿بِالعُدْوَةِ﴾ شَطُّ الوادِي، وبِالكَسْرِ فِيهِما: مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو ﴿الدُنْيا﴾ القُرْبى إلى جِهَةِ المَدِينَةِ، تَأْنِيثُ الأدْنى ﴿وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ البُعْدى عَنِ المَدِينَةِ، تَأْنِيثُ الأقْصى. وكِلْتاهُما فُعْلى مَن بَناتِ الواوِ، والقِياسُ قَلْبُ الواوِ ياءً، كالعُلْيا تَأْنِيثُ الأعْلى، وأمّا القُصْوى فَكالقَوْدِ في مَجِيئِهِ عَلى الأصْلِ.
﴿والرَكْبُ﴾ أيِ: العِيرُ، وهو جَمْعُ راكِبٍ في المَعْنى.
﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، أيْ: مَكانًا أسْفَلَ مِن مَكانِكم. يَعْنِي: في أسْفَلِ الوادِي بِثَلاثَةِ أمْيالٍ، وهو مَرْفُوعُ المَحَلِّ، لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ﴾ أنْتُمْ، وأهْلُ مَكَّةَ، وتَواضَعْتُمْ بَيْنَكم عَلى مَوْعِدٍ تَلْتَقُونَ فِيهِ لِلْقِتالِ ﴿لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ لَخالَفَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَثَبَّطَكم قِلَّتُكم وكَثْرَتُهم عَنِ الوَفاءِ بِالمَوْعِدِ، وثَبَّطَهم ما في قُلُوبِهِمْ مِن تَهَيُّبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. فَلَمْ يَتَّفِقْ لَكم مِنَ التَلاقِي ما وفَّقَهُ (p-٦٤٧)اللهُ، وسَبَّبَ لَهُ "وَلَكِنْ" جَمَعَ بَيْنَكم بِلا مِيعادٍ ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ مِن إعْزازِ دِينِهِ، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، واللامُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ، وهو نَصْرُ أوْلِيائِهِ وقَهْرُ أعْدائِهِ دَبَّرَ ذَلِكَ. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: القَضاءُ يَحْتَمِلُ الحُكْمَ، أيْ: لِيَحْكُمَ ما قَدْ عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ كائِنًا، أوْ لِيُتِمَّ أمْرًا كانَ قَدْ أرادَهُ -وَما أرادَ كَوْنَهُ فَهو مَفْعُولٌ لا مَحالَةَ- وهو عِزُّ الإسْلامِ وأهْلُهُ، وذُلُّ الكُفْرِ وحِزْبِهِ، ويَتَعَلَّقُ بِـ "يَقْضِيَ" ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (حَيِيَ) نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو. فالإدْغامُ لِالتِقاءِ المِثْلَيْنِ، والإظْهارُ، لِأنَّ حَرَكَةَ الثانِي غَيْرُ لازِمَةٍ، لِأنَّكَ تَقُولُ في المُسْتَقْبَلِ: يَحْيا، والإدْغامُ أكْثَرُ، اسْتُعِيرَ الهَلاكُ والحَياةُ لِلْكُفْرِ والإسْلامِ، أيْ: لِيَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ لا عَنْ مُخالَجَةِ شُبْهَةٍ، حَتّى لا يَبْقى لَهُ عَلى اللهِ حُجَّةٌ، ويَصْدُرُ إسْلامُ مَن أسْلَمَ أيْضًا عَنْ يَقِينٍ وعِلْمٍ بِأنَّهُ دِينُ الحَقِّ، الَّذِي يَجِبُ الدُخُولُ فِيهِ، والتَمَسُّكُ بِهِ. وذَلِكَ أنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ الَّتِي مَن كَفَرَ بَعْدَها كانَ مُكابِرًا لِنَفْسِهِ، مُغالِطًا لَها، ولِهَذا ذَكَرَ فِيها مَراكِزَ الفَرِيقَيْنِ، وأنَّ العِيرَ كانَتْ أسْفَلَ مِنهُمْ، مَعَ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ كُلَّهُ مُشاهَدَةً، لِيَعْلَمَ الخَلْقُ: أنَّ النَصْرَ والغَلَبَةَ لا تَكُونُ بِالكَثْرَةِ والأسْبابِ، بَلْ بِاللهِ تَعالى، وذَلِكَ: أنَّ العُدْوَةَ القُصْوى، الَّتِي أناخَ بِها المُشْرِكُونَ، كانَ فِيها الماءُ، وكانَتْ أرْضًا لا بَأْسَ بِها، ولا ماءَ بِالعُدْوَةِ الدُنْيا وهي خَبارٌ تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ، ولا يُمْشى فِيها إلّا بِتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، وكانَ العِيرَ وراءَ ظُهُورِ العَدُوِّ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعِدَّتِهِمْ، وقِلَّةِ المُسْلِمِينَ، وضَعْفِهِمْ، ثُمَّ كانَ ما كانَ ﴿وَإنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ، وبِإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ.
8:43Page 182
إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣
[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (p-٦٤٨)﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يَعْلَمُ المَصالِحَ، إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ ﴿فِي مَنامِكَ قَلِيلا﴾ أيْ: في رُؤْياكَ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أراهُ إيّاهم في رُؤْياهُ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَشْجِيعًا لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ ﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ لَجَبُنْتُمْ، وهِبْتُمُ الإقْدامَ،
﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أمْرِ القِتالِ، وتَرَدَّدْتُمْ بَيْنَ الثَباتِ، والفِرارِ ﴿وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾ عَصَمَ، وأنْعَمَ بِالسَلامَةِ مِنَ الفَشَلِ، والتَنازُعِ، والِاخْتِلافِ.
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها مِنَ الجَراءَةِ، والجُبْنِ، والصَبْرِ، والجَزَعِ.
8:44Page 182
وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤
And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.
﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الضَمِيرانِ مَفْعُولانِ، أيْ: يُبَصِّرُكم إيّاهم ﴿إذِ التَقَيْتُمْ﴾ وقْتَ اللِقاءِ ﴿فِي أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ تَصْدِيقًا لِرُؤْيا رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولِيُعايِنُوا ما أخْبَرَهم بِهِ، فَيَزْدادَ يَقِينُهُمْ، ويَجِدُّوا، ويَثْبُتُوا، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا، حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: أتَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ: أراهم مِائَةً، وكانُوا ألْفًا﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنَّما هم أكْلَةُ جَزُورٍ. قِيلَ: قَدْ قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ اللِقاءِ، ثُمَّ كَثَّرَهم فِيها بَعْدَهُ، لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ قِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، ثُمَّ تَفْجَأُهُمُ الكَثْرَةُ فَيُبْهَتُوا، ويَهابُوا. ويَجُوزُ أنْ يُبَصَّرُوا الكَثِيرَ قَلِيلًا، بِأنْ يَسْتُرَ اللهُ بَعْضَهم بِساتِرٍ، أوْ يُحْدِثُ في عُيُونِهِمْ ما يَسْتَقِلُّونَ بِهِ الكَثِيرَ، كَما أُحْدِثَ في أعْيُنِ الحُولِ ما يَرَوْنَ بِهِ الواحِدَ اثْنَيْنِ، قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: إنَّ الأحْوَلَ يَرى الواحِدَ اثْنَيْنِ، وكانَ بَيْنَ يَدَيْهِ دِيكٌ واحِدٌ، فَقالَ: ما لِي لا أرى هَذَيْنِ الدِيكَيْنِ أرْبَعَةً؟! ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَيَحْكُمُ فِيها بِما يُرِيدُ. (تَرْجِعُ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.
8:45Page 182
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥
O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ إذا حارَبْتُمْ جَماعَةً مِنَ الكُفّارِ، (p-٦٤٩)وَتَرَكَ وصْفَها، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا يَلْقَوْنَ إلّا الكُفّارَ، واللِقاءُ: اسْمٌ غالِبٌ لِلْقِتالِ.
﴿فاثْبُتُوا﴾ لِقِتالِهِمْ، ولا تَفِرُّوا.
﴿واذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ في مَواطِنِ الحَرْبِ مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ، مُسْتَنْصِرِينَ بِهِ، داعِينَ لَهُ عَلى عَدُوِّكُمْ، اللهُمَّ اخْذُلْهُمْ، اللهُمَّ اقْطَعْ دابِرَهم.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَظْفَرُونَ بِمُرادِكُمْ، مِنَ النُصْرَةِ والمَثُوبَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَلى العَبْدِ ألّا يَفْتُرَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ أشْغَلَ ما يَكُونُ قَلْبًا، وأكْثَرَ ما يَكُونُ هَمًّا، وأنْ تَكُونَ نَفْسُهُ مُجْتَمِعَةً لِذَلِكَ، وإنْ كانَتْ مُتَوَزِّعَةً عَنْ غَيْرِهِ.
8:46Page 183
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦
And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.
﴿وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأمْرِ بِالجِهادِ، والثَباتِ مَعَ العَدُوِّ، وغَيْرِهِما ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ فَتَجْبُنُوا، وهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أيْ: دَوْلَتُكُمْ، يُقالُ: هَبَّتْ رِياحُ فُلانٍ: إذا دالَتْ لَهُ الدَوْلَةُ، ونَفَذَ أمْرُهُ، شُبِّهَتْ في نُفُوذِ أمْرِها، وتَمْشِيَتِهِ بِالرِبْحِ وهُبُوبِها. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَصْرٌ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللهُ، وفي الحَدِيثِ: « "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُورِ". »﴿واصْبِرُوا﴾ في القِتالِ مَعَ العَدُوِّ وغَيْرِهِ ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ﴾ أيْ: مُعِينُهُمْ، وحافِظُهم.
8:47Page 183
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧
And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.
﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ الناسِ﴾ هم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ نَفَرُوا لِحَمِيَّةِ العِيرِ، فَأتاهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ: أنِ ارْجِعُوا فَقَدْ سَلِمَتْ عِيرُكُمْ، فَأبى أبُو جَهْلٍ، وقالَ: حَتّى نَقْدُمَ بَدْرًا، ونَشْرَبَ بِها الخُمُورَ، ونَنْحَرَ الجَزُورَ، وتَعْزِفَ عَلَيْنا القِيانُ، ونُطْعِمَ بِها العَرَبَ، فَذَلِكَ بَطَرُهم. ورِياؤُهُمُ الناسَ: بِإطْعامِهِمْ، فَوافَوْها فَسُقُوا كُؤُوسَ المَنايا مَكانَ الخَمْرِ، وناحَتْ عَلَيْهِمُ النَوائِحُ مَكانَ القِيانِ، فَنَهاهم أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم بَطِرِينَ، طَرِبِينَ، مُرائِينَ بِأعْمالِهِمْ، وأنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ التَقْوى، والكَآبَةِ، والحُزْنِ مِن خَشْيَةِ اللهِ، (p-٦٥٠)مُخْلِصِينَ أعْمالَهم لِلَّهِ، والبَطَرُ: أنْ تَشْغَلَهُ كَثْرَةُ النِعْمَةِ عَنْ شُكْرِها،
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دِينِ اللهِ ﴿واللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ عالِمٌ، وهو وعِيدٌ.
8:48Page 183
وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨
And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."
﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ الناسِ﴾ واذْكُرْ " إذْ زُيِّنَ لَهُمُ الشَيْطان أعْمالهمْ " الَّتِي عَمِلُوها في مُعاداةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ووَسْوَسَ إلَيْهِمْ: أنَّهم لا يُغْلَبُونَ، و"غالِبَ" مَبْنِيٌّ، نَحْوُ: لا رَجُلَ. و"لَكُمْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ "لا" تَقْدِيرُهُ: لا غالِبَ كائِنٌ لَكم.
﴿وَإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مُجِيرٌ لَكُمْ، أوْهَمَهم أنَّ طاعَةَ الشَيْطانِ مِمّا يُجِيرُهم ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ فَلَمّا تَلاقى الفَرِيقانِ ﴿نَكَصَ﴾ الشَيْطانُ هارِبًا ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعَ القَهْقَرى ﴿وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: رَجَعْتُ عَمّا ضَمِنتُ لَكم مِنَ الأمانِ، رُوِيَ: أنَّ إبْلِيسَ تَمَثَّلَ لَهم في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ، في جُنْدٍ مِنَ الشَيْطانِ، مَعَهُ رايَةٌ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ نَكَصَ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالَةِ؟ فَقالَ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ أيِ: المَلائِكَةَ، وانْهَزَمُوا، فَلَمّا بَلَغُوا مَكَّةَ قالُوا: هَزَمَ الناسَ سُراقَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُراقَةَ، فَقالَ: واللهِ ما شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكُمْ، فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَيْطانُ ﴿إنِّي أخافُ اللهَ﴾ أيْ: عُقُوبَتَهُ ﴿واللهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾
8:49Page 183
إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩
[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
اذْكُرُوا ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ بِالمَدِينَةِ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هو مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ، أوْ أُرِيدَ: والَّذِينَ هم عَلى حَرْفٍ، لَيْسُوا بِثابِتِي الأقْدامِ في الإسْلامِ،
﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ يَعْنُونَ: أنَّ المُسْلِمِينَ اغْتَرُّوا بِدِينِهِمْ، فَخَرَجُوا وهم ثَلَثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ ألْفٍ، ثُمَّ قالَ جَوابًا لَهُمْ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾ يَكِلْ إلَيْهِ أمْرَهُ ﴿فَإنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ، يُسَلِّطُ القَلِيلَ الضَعِيفَ عَلى الكَثِيرِ القَوِيِّ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُسَوِّي بَيْنَ ولِيِّهِ وعَدُوِّهِ.
(p-٦٥١)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences