An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الأعلى
Al-A'la
The Most High · Meccan · 19 ayahs
(p-٦٣٠)سُورَةُ "اَلْأعْلى"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، نَزِّهْ ذاتَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والِاسْمُ صِلَةٌ، وذَلِكَ بِأنْ يُفَسَّرَ "اَلْأعْلى"، بِمَعْنى "اَلْعُلُوُّ"، اَلَّذِي هو القَهْرُ والِاقْتِدارُ، لا بِمَعْنى العُلُوِّ في المَكانِ، وقِيلَ: قُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وفي الحَدِيثِ، لَمّا نَزَلَتْ، قالَ ﷺ: « "اِجْعَلُوها في سُجُودِكم » ".
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَفاوِتًا غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، ولَكِنْ عَلى إحْكامٍ واتِّساقٍ، ودَلالَةٍ عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ حَكِيمٍ، أوْ سَوّاهُ عَلى ما فِيهِ مَنفَعَتُهُ ومَصْلَحَتُهُ.
﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ أيْ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ، وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ، أوْ فَهَدى وأضَلَّ، ولَكِنْ حَذَفَ "وَأضَلَّ"، اِكْتِفاءً، كَقَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨]، "قَدَرَ"، "عَلِيٌّ".
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾، أنْبَتَ ما تَرْعاهُ الدَوابُّ.
(p-٦٣١)﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾، يابِسًا هَشِيمًا،
﴿أحْوى﴾ أسْوَدَ، فَـ "أحْوى"، صِفَةٌ لِـ "غُثاءً".
87:6Page 591
سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦
We will make you recite, [O Muḥammad], and you will not forget,
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾، سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ حَتّى لا تَنْساهُ.
87:7Page 591
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧
Except what Allāh should will. Indeed, He knows what is declared and what is hidden.
﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾، أنْ يَنْسَخَهُ، وهَذا بِشارَةٌ مِنَ اللهِ لِنَبِيِّهِ أنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِ الوَحْيَ، حَتّى لا يَنْفَلِتَ مِنهُ شَيْءٌ، إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ عَنْ حِفْظِهِ، بِرَفْعِ حُكْمِهِ وتِلاوَتِهِ، وسَألَ ابْنُ كَيْسانَ النَحْوِيُّ جُنَيْدًا عَنْهُ، فَقالَ: "فَلا تَنْسى العَمَلَ بِهِ"، فَقالَ: مِثْلُكَ يُصَدَّرُ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: "فَلا تَنْسى"، عَلى النَهْيِ، والألِفُ مَزِيدَةٌ لِلْفاصِلَةِ، كَقَوْلِهِ: "اَلسَّبِيلا"، أيْ: فَلا تُغْفِلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ، فَتَنْساهُ، إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ، بِرَفْعِ تِلاوَتِهِ،
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ أيْ: إنَّكَ تَجْهَرُ بِالقِراءَةِ، مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ، مَخافَةَ التَفَلُّتِ، واللهُ يَعْلَمُ جَهْرَكَ مَعَهُ، وما في نَفْسِكَ مِمّا يَدْعُوكَ إلى الجَهْرِ، أوْ ما تَقْرَأُ في نَفْسِكَ مَخافَةَ النِسْيانِ، أوْ يَعْلَمُ ما أسْرَرْتُمْ، وما أعْلَنْتُمْ، مِن أقْوالِكُمْ، وأفْعالِكُمْ، وما ظَهَرَ، وما بَطَنَ مِن أحْوالِكم.
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾، مَعْطُوفٌ عَلى "سَنُقْرِئُكَ"، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى"، اِعْتِراضٌ، ومَعْناهُ: ونُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، يَعْنِي حِفْظَ الوَحْيِ، وقِيلَ: لِلشَّرِيعَةِ السَمْحَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ الشَرائِعِ، أوْ نُوَفِّقُكَ لِعَمَلِ الجَنَّةِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾، عِظْ بِالقُرْآنِ،
﴿إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى﴾، جَوابُ "إنْ"، مَدْلُولُ قَوْلِهِ: "فَذَكِّرْ"، قِيلَ: ظاهِرُهُ شَرْطٌ، ومَعْناهُ اسْتِبْعادٌ لِتَأْثِيرِ الذِكْرى فِيهِمْ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِالتَذْكِيرِ عَلى الإطْلاقِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِالنَفْعِ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾، سَيَتَّعِظُ، ويَقْبَلُ التَذْكِرَةَ،
﴿مَن يَخْشى﴾، اَللَّهَ، وسُوءَ العاقِبَةِ.
﴿وَيَتَجَنَّبُها﴾، ويَتَباعَدُ عَنِ الذِكْرى، فَلا يَقْبَلُها،
﴿الأشْقى﴾، اَلْكافِرُ، أوِ الَّذِي هو أشْقى الكَفَرَةِ، لِتَوَغُّلِهِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
87:12Page 591
ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ١٢
[He] who will [enter and] burn in the greatest Fire,
(p-٦٣٢)﴿الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى﴾، يَدْخُلُ نارَ جَهَنَّمَ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾، فَيَسْتَرِيحَ مِنَ العَذابِ،
﴿وَلا يَحْيا﴾، حَياةً يَتَلَذَّذُ بِها، وقِيلَ: "ثُمَّ"، لِأنَّ التَرَجُّحَ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ أفْظَعُ مِنَ الصَلْيِ، فَهو مُتَراخٍ عَنْهُ في مَراتِبِ الشِدَّةِ.
﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، نالَ الفَوْزَ،
﴿مَن تَزَكّى﴾، تَطَهَّرَ مِنَ الشِرْكِ، أوْ تَطَهَّرَ لِلصَّلاةِ، أوْ أدّى الزَكاةَ، "تَفَعَّلَ"، مِن "اَلزَّكاةُ"، كَـ "تَصَدَّقَ"، مِن "اَلصَّدَقَةُ".
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾، وكَبَّرَ لِلِافْتِتاحِ،
﴿فَصَلّى﴾، اَلْخَمْسَ، وبِهِ يُحْتَجُّ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، وعَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الصَلاةِ، لِأنَّ الصَلاةَ عُطِفَتْ عَلَيْها، وهو يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وعَلى أنَّ الِافْتِتاحَ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "ذَكَرَ مَعادَهُ ووُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فَصَلّى لَهُ"، وعَنِ الضَحّاكِ: "وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى، فَصَلّى صَلاةَ العِيدِ".
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُنْيا﴾، عَلى الآخِرَةِ، فَلا تَفْعَلُونَ ما بِهِ تُفْلِحُونَ، والمُخاطَبُ بِهِ الكافِرُونَ، دَلِيلُهُ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو: "يُؤْثِرُونَ"، بِالياءِ.
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾، أفْضَلُ في نَفْسِها، وأدْوَمُ.
﴿إنَّ هَذا لَفي الصُحُفِ الأُولى﴾ "هَذا"، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: "قَدْ أفْلَحَ"، إلى "أبْقى"، أيْ: إنَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ وارِدٌ في تِلْكَ الصُحُفِ، أوْ إلى ما في السُورَةِ كُلِّها، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ قِراءَةِ القُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَلاةِ، لِأنَّهُ جَعَلَهُ مَذْكُورًا في تِلْكَ الصُحُفِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها بِهَذا النَظْمِ، وبِهَذِهِ اللُغَةِ.
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾، بَدَلٌ مِن "اَلصُّحُفِ الأُولى"، وفي الأثَرِ: "وَفِي صُحُفِ إبْراهِيمَ: يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَكُونَ حافِظًا لِلِسانِهِ، عارِفًا بِزَمانِهِ، مُقْبِلًا عَلى شَأْنِهِ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences