An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الفجر
Al-Fajr
The Dawn · Meccan · 30 ayahs
(p-٦٣٧)سُورَةُ "اَلْفَجْرِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿والفَجْرِ﴾، أقْسَمَ بِالفَجْرِ، وهو الصُبْحُ، كَقَوْلِهِ: ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤]، أوْ بِصَلاةِ الفَجْرِ.
﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾، عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، أوِ العَشْرِ الأُوَلِ مِنَ المُحَرَّمِ، أوِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وإنَّما نُكِّرَتْ لِزِيادَةِ فَضِيلَتِها.
﴿والشَفْعِ والوَتْرِ﴾، شَفْعِ كُلِّ الأشْياءِ، ووَتْرِها، أوْ شَفْعِ هَذِهِ اللَيالِي ووَتْرِها، أوْ شَفْعِ الصَلاةِ ووَتْرِها، أوْ يَوْمِ النَحْرِ، لِأنَّهُ اليَوْمُ العاشِرُ، ويَوْمِ عَرَفَةَ، لِأنَّهُ التاسِعُ، أوِ الخَلْقِ والخالِقِ، "والوِتَرِ"، " حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، وبِفَتْحِ الواوِ غَيْرُهُما، وهُما لُغَتانِ، فالفَتْحُ حِجازِيٌّ، والكَسْرُ تَمِيمِيٌّ، وبَعْدَما أقْسَمَ بِاللَيالِي المَخْصُوصَةِ، أقْسَمَ بِاللَيالِي عَلى العُمُومِ، فَقالَ:
﴿واللَيْلِ﴾، وقِيلَ: أُرِيدَ لَيْلَةَ القَدْرِ،
﴿إذا يَسْرِ﴾، إذا يَمْضِي، وياءُ "يَسْرِ"، تُحْذَفُ في الدَرْجِ، اكْتِفاءً عَنْها بِالكَسْرَةِ، وسَألَ واحِدٌ الأخْفَشَ عَنْ سُقُوطِ الياءِ، فَقالَ: "لا، حَتّى تَخْدِمَنِي سَنَةً"، فَسَألَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، فَقالَ: "اَللَّيْلُ لا يَسْرِي، وإنَّما يُسْرى فِيهِ، (p-٦٣٨)فَلَمّا عَدَلَ عَنْ مَعْناهُ، عَدَلَ عَنْ لَفْظِهِ، مُوافَقَةً"، وقِيلَ: مَعْنى "يَسْرِي": يُسْرى فِيهِ، كَما يُقالُ: "لَيْلٌ نائِمٌ"، أيْ: يُنامُ فِيهِ.
89:5Page 593
هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥
Is there [not] in [all] that an oath [sufficient] for one of perception?1
﴿هَلْ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما أقْسَمْتُ بِهِ، مِن هَذَهِ الأشْياءِ،
﴿قَسَمٌ﴾ أيْ: مُقْسَمٌ بِهِ،
﴿لِذِي حِجْرٍ﴾، عَقْلٍ، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يَحْجُرُ عَنِ التَهافُتِ فِيما لا يَنْبَغِي، كَما سُمِّيَ "عَقْلًا"، و"نُهْيَةً"، لِأنَّهُ يَعْقِلُ، ويَنْهى، يُرِيدُ: هَلْ يَحِقُّ عِنْدَهُ أنْ يُعَظَّمَ بِالإقْسامِ بِها؟ أوْ هَلْ في إقْسامِي بِها إقْسامٌ لِذِي حِجْرٍ،؟! أيْ: هَلْ هو قَسَمٌ عَظِيمٌ يُؤَكَّدُ بِمِثْلِهِ المُقْسَمُ عَلَيْهِ؟! أوْ هَلْ في القَسَمِ بِهَذِهِ الأشْياءِ قَسَمٌ مُقْنِعٌ لِذِي عَقْلٍ ولُبٍّ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وهو قَوْلُهُ: "لَيُعَذِّبَنَّ"، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "ألَمْ تَرَ"، إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] "، ثُمَّ ذَكَرَ تَعْذِيبَ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُسُلَ، فَقالَ:
89:6–7Page 593
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦
Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -
إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ يا مُحَمَّدُ عِلْمًا يُوازِي العِيانَ في الإيقانِ؟ وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، قِيلَ: لِعَقِبِ عادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ: "عادٌ"، كَما يُقالُ لِبَنِي هاشِمٍ: "هاشِمٌ"، ثُمَّ قِيلَ لِلْأوَّلِينَ مِنهُمْ: " عادٌ الأُولى "، و" إرَمُ "، تَسْمِيَةٌ لَهم بِاسْمِ جَدِّهِمْ، ولِمَن بَعْدَهُمْ: "عادٌ الأخِيرَةُ"، فَـ " إرَمَ"، عَطْفُ بَيانٍ لِـ " عادٍ "، وإيذانٌ بِأنَّهم عادٌ الأُولى القَدِيمَةُ، وقِيلَ: " إرَمُ "، بَلْدَتُهُمْ، وأرْضُهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ: "بِعادِ إرَمَ"، عَلى الإضافَةِ، وتَقْدِيرُهُ: " بِعادٍ أهْلِ إرَمَ "، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ولَمْ تَنْصَرِفْ، قَبِيلَةً كانَتْ أوْ أرْضًا، لِلتَّعْرِيفِ والتَأْنِيثِ، و"ذاتِ العِمادِ"، إذا كانَتْ صِفَةً لِلْقَبِيلَةِ، فالمَعْنى أنَّهم كانُوا بَدَوِيِّينَ، أهْلَ عُمَدٍ، أوْ طِوالَ الأجْسامِ، عَلى تَشْبِيهِ قُدُودِهِمْ بِالأعْمِدَةِ، وإنْ كانَتْ صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، فالمَعْنى أنَّها ذاتُ أساطِينَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِعادٍ ابْنانِ: " شَدّادٌ"، و" شَدِيدٌ"، فَمَلَكا، وقَهَرا، ثُمَّ ماتَ "شَدِيدٌ"، وخَلُصَ الأمْرُ لِشَدّادٍ، فَمَلَكَ الدُنْيا، ودانَتْ لَهُ مُلُوكُها، فَسَمِعَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ، فَقالَ: أبْنِي مِثْلَها، فَبَنى إرَمَ في بَعْضِ صَحارِي عَدَنَ، في ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ، قُصُورُها مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ، وأساطِينُها مِنَ الزَبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الأشْجارِ والأنْهارِ، ولَمّا تَمَّ (p-٦٣٩)بِناؤُها سارَ إلَيْها بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمّا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَماءِ، فَهَلَكُوا، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قِلابَةَ أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْها، فَحَمَلَ ما قَدِرَ عَلَيْهِ مِمّا ثَمَّ، وبَلَغَ خَبَرُهُ مُعاوِيَةَ، فاسْتَحْضَرَهُ، فَقَصَّ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إلى كَعْبٍ، فَسَألَهُ: فَقالَ: هي إرَمُ ذاتُ العِمادِ، وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ، أحْمَرُ، أشْقَرُ، قَصِيرٌ، عَلى حاجِبِهِ خالٌ، وعَلى عَقِبِهِ خالٌ، يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ قِلابَةَ، فَقالَ: هَذا واللهِ ذَلِكَ الرَجُلُ.
89:8Page 593
ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨
The likes of whom had never been created in the land?
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ أيْ: مِثْلُ عادٍ، في قُوَّتِهِمْ، وطُولِ قامَتِهِمْ، كانَ طُولُ الرَجُلِ مِنهم أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ، أوْ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَةِ شَدّادٍ في جَمِيعِ بِلادِ الدُنْيا.
89:9Page 593
وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩
And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?
﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَخْرَ﴾، قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ، واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا، قِيلَ: أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُخُورَ ثَمُودُ، وبَنَوْا ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ، كُلُّها مِنَ الحِجارَةِ،
﴿بِالوادِ﴾، بِوادِي القُرى.
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ أيْ: ذِي الجُنُودِ الكَثِيرَةِ، وكانَتْ لَهم مَضارِبُ كَثِيرَةٌ يَضْرِبُونَها إذا نَزَلُوا، وقِيلَ: كانَ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ الناسَ بِها، كَما فَعَلَ بِآسِيَةَ.
﴿الَّذِينَ﴾، في مَحَلِّ النَصْبِ، عَلى الذَمِّ، أوِ الرَفْعِ، عَلى "هُمُ الَّذِينَ"، أوِ الجَرِّ، عَلى وصْفِ المَذْكُورِينَ " عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ"، طَغَوْا في البِلادِ تَجاوَزُوا الحَدَّ.
﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾، بِالكُفْرِ، والقَتْلِ، والظُلْمِ.
89:13Page 593
فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣
So your Lord poured upon them a scourge of punishment.
(p-٦٤٠)﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾، مَجازٌ عَنْ إيقاعِ العَذابِ بِهِمْ، عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ إذِ الصَبُّ يُشْعِرُ بِالدَوامِ، والسَوْطُ بِزِيادَةِ الإيلامِ، أيْ: عُذِّبُوا عَذابًا مُؤْلِمًا دائِمًا.
﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾، وهو المَكانُ الَّذِي يُتَرَقَّبُ فِيهِ الرَصَدُ، "مِفْعالٌ"، مِن "رَصَدَهُ"، وهَذا مَثَلٌ لِإرْصادِهِ العِبادَ، وأنَّهم لا يَفُوتُونَهُ، وأنَّهُ عالِمٌ بِما يَصْدُرُ مِنهُمْ، وحافِظُهُ، فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
89:15–16Page 593
فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥
And as for man, when his Lord tries him and [thus] is generous to him and favors him, he says, "My Lord has honored me."1
وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦
But when He tries him and restricts his provision, he says, "My Lord has humiliated me."
﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ﴿وَأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ أيْ: ضَيَّقَ عَلَيْهِ، وجَعَلَهُ بِمِقْدارِ بُلْغَتِهِ، "فَقَدَّرَ"، "شامِيٌّ ويَزِيدُ"،
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ أيْ: اَلْواجِبُ لِمَن رَبُّهُ بِالمِرْصادِ أنْ يَسْعى لِلْعاقِبَةِ، ولا تُهِمُّهُ العاجِلَةُ، وهو قَدْ عَكَسَ، فَإنَّهُ إذا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ بِالنِعْمَةِ، والسَعَةِ، لِيَشْكُرَ، قالَ: رَبِّي أكْرَمَنِي، أيْ: فَضَّلَنِي بِما أعْطانِي، فَيَرى الإكْرامَ في كَثْرَةِ الحَظِّ مِنَ الدُنْيا، وإذا امْتَحَنَهُ بِالفَقْرِ، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ لِيَصْبِرَ، قالَ: رَبِّي أهانَنِي، فَيَرى الهَوانَ في قِلَّةِ الحَظِّ مِنَ الدُنْيا، لِأنَّهُ لا تُهِمُّهُ إلّا العاجِلَةُ، وما تُلِذُّهُ وتُنَعِّمُهُ فِيها، فَرَدَّ عَلَيْهِ زَعْمَهُ بِقَوْلِهِ:
﴿كَلا﴾ أيْ: لَيْسَ الإكْرامُ والإهانَةُ في كَثْرَةِ المالِ، وقِلَّتِهِ، بَلِ الإكْرامُ في تَوْفِيقِ الطاعَةِ، والإهانَةُ في الخِذْلانِ، وقَوْلُهُ (تَعالى): "فَيَقُولُ"، خَبَرُ المُبْتَدَإ، الَّذِي هو "اَلْإنْسانُ"، ودُخُولُ الفاءِ، لِما في "أمّا"، مِن مَعْنى الشَرْطِ، والظَرْفُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ، في تَقْدِيرِ التَأْخِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: "فَأمّا الإنْسانُ فَقائِلٌ رَبِّي أكْرَمَنِي وقْتَ الِابْتِلاءِ"، وكَذا "فَيَقُولُ"، اَلثّانِي، خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: "وَأمّا هو إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ"، وسَمّى كِلا الأمْرَيْنِ - مِن بَسْطِ الرِزْقِ، وتَقْدِيرِهِ - ابْتِلاءً، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما اخْتِبارٌ لِلْعَبْدِ، فَإذا بَسَطَ لَهُ فَقَدِ اخْتَبَرَ حالَهُ، أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ، وإذا قَدَرَ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَبَرَ حالَهُ أيَصْبِرُ أمْ يَجْزَعُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وإنَّما أنْكَرَ قَوْلَهُ: "رَبِّي أكْرَمَنِ"، مَعَ أنَّهُ أثْبَتَهُ بِقَوْلِهِ: "فَأكْرَمَهُ"، لِأنَّهُ قالَهُ عَلى قَصْدِ خِلافِ (p-٦٤١)ما صَحَّحَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وأثْبَتَهُ، وهو قَصْدُهُ أنَّ اللهَ أعْطاهُ ما أعْطاهُ إكْرامًا لَهُ، لِاسْتِحْقاقِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وإنَّما أعْطاهُ اللهُ (تَعالى) ابْتِلاءً مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ مِنهُ،
﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾
89:18Page 593
وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨
And you do not encourage one another to feed the poor.
﴿وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: بَلْ هُناكَ شَرٌّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو أنَّ اللهَ يُكْرِمُهم بِالغِنى فَلا يُؤَدُّونَ ما يَلْزَمُهم فِيهِ مِن إكْرامِ اليَتِيمِ بِالمَبَرَّةِ، وحَضِّ أهْلِهِ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.
89:19Page 593
وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩
And you consume inheritance, devouring [it] altogether,1
﴿وَتَأْكُلُونَ التُراثَ﴾ أيْ: اَلْمِيراثَ،
﴿أكْلا لَمًّا﴾، ذا لَمٍّ، وهو الجَمْعُ بَيْنَ الحَلالِ، والحَرامِ، وكانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِساءَ، ولا الصِبْيانَ، ويَأْكُلُونَ تُراثَهم مَعَ تُراثِهِمْ.
﴿وَتُحِبُّونَ المالَ﴾، يُقالُ: "حَبَّهُ"، و"أحَبَّهُ"، بِمَعْنًى،
﴿حُبًّا جَمًّا﴾، كَثِيرًا، شَدِيدًا، مَعَ الحِرْصِ، ومَنعِ الحُقُوقِ، "رَبِّيَ"، "حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو "، "يُكْرِمُونَ"، "وَلا يَحُضُّونَ"، "وَيَأْكُلُونَ"، "وَيُحِبُّونَ"، "بَصْرِيٌّ".
89:21Page 593
كـَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١
No! When the earth has been leveled - pounded and crushed
﴿كَلا﴾، رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وإنْكارٌ لِفِعْلِهِمْ، ثُمَّ أتى بِالوَعِيدِ، وذَكَرَ تَحَسُّرَهم عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ حِينَ لا تَنْفَعُ الحَسْرَةُ، فَقالَ: ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ﴾، إذا زُلْزِلَتْ،
﴿دَكًّا دَكًّا﴾، دَكًّا بِعْدَ دَكٍّ، أيْ: كُرِّرَ عَلَيْها الدَكُّ، حَتّى عادَتْ هَباءً مُنْبَثًّا.
89:22Page 593
وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢
And your Lord has come1 and the angels, rank upon rank,
﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾، تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ، وتَبْيِينِ آثارِ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَإنَّ واحِدًا مِنَ المُلُوكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، ظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ، وخَواصِّهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "أمْرُهُ وقَضاؤُهُ"،
﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أيْ: يَنْزِلُ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ، مُحْدِقِينَ بِالجِنِّ، والإنْسِ.
89:23Page 593
وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣
And brought [within view], that Day, is Hell - that Day, man will remember, but how [i.e., what good] to him will be the remembrance?
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، قِيلَ: إنَّها بُرِّزَتْ لِأهْلِها، كَقَوْلِهِ: ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١]، وقِيلَ: هو مُجْرًى عَلى حَقِيقَتِهِ، فَفي الحَدِيثِ: « "يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ، مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها"، »﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ،
﴿وَأنّى لَهُ الذِكْرى﴾، ومِن (p-٦٤٢)أيْنَ لَهُ مَنفَعَةُ الذِكْرى؟!
89:24Page 594
يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤
He will say, "Oh, I wish I had sent ahead [some good] for my life."1
﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾، هَذِهِ، وهي حَياةُ الآخِرَةِ، أيْ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ الأعْمالَ الصالِحَةَ في الحَياةِ الفانِيَةِ، لِحَياتِي الباقِيَةِ.
89:25Page 594
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥
So on that Day, none will punish [as severely] as His punishment,
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ أيْ: لا يَتَوَلّى عَذابَ اللهِ أحَدٌ، لِأنَّ الأمْرَ لِلَّهِ وحْدَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
89:26Page 594
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦
And none will bind [as severely] as His binding [of the evildoers].
﴿وَلا يُوثِقُ﴾، بِالسَلاسِلِ والأغْلالِ،
﴿وَثاقَهُ أحَدٌ﴾، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: "لا يُعَذِّبُ أحَدٌ أحَدًا كَعَذابِ اللهِ ولا يُوثِقُ أحَدٌ أحَدًا كَوِثاقِ اللهِ"، "لا يُعَذَّبُ"، "وَلا يُوثَقُ"، "عَلِيٌّ"، وهي قِراءَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ورَجَعَ إلَيْها أبُو عَمْرٍو في آخِرِ عُمْرِهِ، والضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ المَوْصُوفِ، وهو الكافِرُ، وقِيلَ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، أيْ: لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ، ولا يُوثَقُ بِالسَلاسِلِ مِثْلَ وِثاقِهِ، لِتَناهِيهِ في كُفْرِهِ وعِنادِهِ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِ:
89:27Page 594
يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧
[To the righteous it will be said], "O reassured soul,
﴿يا أيَّتُها النَفْسُ﴾، إكْرامًا لَهُ، كَما كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -، أوْ يَكُونُ عَلى لِسانِ مَلَكٍ،
﴿المُطْمَئِنَّةُ﴾، اَلْآمِنَةُ، الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، وهي النَفْسُ المُؤْمِنَةُ، أوِ المُطْمَئِنَّةُ إلى الحَقِّ، الَّتِي سَكَّنَها ثَلْجُ اليَقِينِ، فَلا يُخالِجُها شَكٌّ، ويَشْهَدُ لِلتَّفْسِيرِ الأوَّلِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: "يا أيَّتُها النَفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ"، وإنَّما يُقالُ لَها عِنْدَ المَوْتِ، أوْ عِنْدَ البَعْثِ، أوْ عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ:
89:28Page 594
ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨
Return to your Lord, well-pleased and pleasing [to Him],
﴿ارْجِعِي إلى﴾، مَوْعِدِ ﴿رَبِّكِ﴾، أوْ ثَوابِ رَبِّكِ،
﴿راضِيَةً﴾، مِنَ اللهِ، بِما أُوتِيَتْ،
﴿مَرْضِيَّةً﴾، عِنْدَ اللهِ بِما عَمِلَتْ.
﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾، في جُمْلَةِ عِبادِي الصالِحِينَ، فانْتَظِمِي في سِلْكِهِمْ.
﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾، مَعَهُمْ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أيْ: مَعَ عِبادِي"، وبَيْنَ عِبادِي"، أيْ: خَواصِّي، كَما قالَ: ﴿وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وقِيلَ: اَلنَّفْسُ: اَلرُّوحُ، ومَعْناهُ: فادْخُلِي في أجْسادِ عِبادِي، لِقِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُ -: "فِي جَسَدِ عَبْدِي"، ولَمّا ماتَ ابْنُ عَبّاسٍ بِالطائِفِ، جاءَ طائِرٌ لَمْ يُرَ عَلى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ في نَعْشِهِ، فَلَمّا دُفِنَ تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى شَفِيرِ القَبْرِ، ولَمْ يُدْرَ مَن تَلاها، قِيلَ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: في خُبَيْبٍ الَّذِي صَلَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ في المُؤْمِنِينَ، إذِ العِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَفْظِ، لا لِخُصُوصِ السَبَبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences