An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:102–121
9:102Page 203
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢
And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿وَآخَرُونَ﴾ أيْ: قَوْمٌ آخَرُونَ سِوى المَذْكُورِينَ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: لَمْ يَعْتَذِرُوا مِن تَخَلُّفِهِمْ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةُ كَغَيْرِهِمْ، ولَكِنِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم بِئْسَ ما فَعَلُوا نادِمِينَ، وكانُوا عَشْرَةً: «فَسَبْعَةٌ مِنهم لَمّا بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ أوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ -وَكانَتْ عادَتَهُ كُلَّما قَدِمَ مَن سَفَرٍ- فَرَآهم مُوثَقِينَ، فَسَألَ عَنْهُمْ، فَذَكَرُوا لَهُ: أنَّهم أقْسَمُوا ألّا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّهُمْ، فَقالَ: "وَأنا أُقْسِمُ ألّا أحُلُّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ". فَنَزَلَتْ، فَأطْلَقَهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها، وطَهِّرْنا. فَقالَ: "ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا". فَنَزَلَ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ »﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا﴾ خُرُوجًا إلى الجِهادِ ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ تَخَلُّفًا عَنْهُ، أوِ التَوْبَةَ، والإثْمَ. وهو مِن قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشاءَ شاةً ودِرْهَمًا، أيْ: شاةً بِدِرْهَمٍ، فالواوُ بِمَعْنى الباءِ، لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، والباءَ لِلْإلْصاقِ، فَيَتَناسَبانِ. أوِ المَعْنى: خَلْطُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَبَنَ، تُرِيدُ: خَلَطْتُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِصاحِبِهِ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَبَنِ، لِأنَّكَ جَعَلْتَ الماءَ مَخْلُوطًا واللَبَنَ مَخْلُوطًا بِهِ، وإذا قُلْتَهُ بِالواوِ فَقَدْ جَعَلْتَ الماءَ واللَبَنَ مَخْلُوطَيْنِ ومَخْلُوطًا بِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَبَنِ، واللَبَنَ بِالماءِ ﴿عَسى اللهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ تَوْبَتَهُمْ، لِأنَّهُ ذَكَرَ اعْتِرافَهم بِذُنُوبِهِمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى التَوْبَةِ.
9:103Page 203
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣
Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِمْ، وقِيلَ: هي الزَكاةُ (p-٧٠٧)﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ عَنِ الذُنُوبِ، وهو صِفَةٌ لِصَدَقَةً، والتاءُ لِلْخِطابِ، أوْ لِغَيْبَةِ المُؤَنَّثِ، والتاءُ فِي: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ لِلْخِطابِ لا مَحالَةَ ﴿بِها﴾ بِالصَدَقَةِ، والتَزْكِيَةِ مُبالَغَةً في التَطْهِيرِ، وزِيادَةً فِيهِ، أوْ بِمَعْنى الإنْماءِ، والبَرَكَةِ في المالِ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُعاءِ لَهُمْ، وتَرَحَّمْ. والسُنَّةُ أنْ يَدْعُوَ المُصَدِّقُ لِصاحِبِ الصَدَقَةِ إذا أخَذَها ﴿إنَّ صَلاتَكَ﴾ (صَلَواتِكَ) كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، قِيلَ: الصَلاةُ أكْثَرُ مِنَ الصَلَواتِ، لِأنَّها لِلْجِنْسِ.
﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ يَسْكُنُونَ إلَيْهِ، وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِأنَّ اللهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ ﴿واللهُ سَمِيعٌ﴾ لِدُعائِكَ، أوْ سَمِيعٌ لِاعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ودُعائِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ النَدَمِ والغَمِّ لِما فَرَطَ مِنهم.
9:104Page 203
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤
Do they not know that it is Allāh who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allāh who is the Accepting of Repentance,1 the Merciful?
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ المُرادُ: المَتُوبُ عَلَيْهِمْ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا قَبْلَ أنْ يُتابَ عَلَيْهِمْ، وتُقْبَلَ صَدَقاتُهم.
﴿أنَّ اللهَ هو يَقْبَلُ التَوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ إذا صَحَّتْ ﴿وَيَأْخُذُ الصَدَقاتِ﴾ ويَقْبَلُها إذا صارَتْ عَنْ خُلُوصِ النِيَّةِ، وهو لِلتَّخْصِيصِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، إنَّما اللهُ هو الَّذِي يَقْبَلُ التَوْبَةَ، ويَرُدُّها، فاقْصِدُوهُ بِها، ووَجِّهُوها إلَيْهِ.
﴿وَأنَّ اللهَ هو التَوّابُ﴾ كَثِيرُ قَبُولِ التَوْبَةِ ﴿الرَحِيمُ﴾ يَعْفُو الحَوْبَةَ.
9:105Page 203
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."
﴿وَقُلِ﴾ لِهَؤُلاءِ التائِبِينَ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: فَإنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، عَلى اللهِ وعِبادِهِ، كَما رَأيْتُمْ، وتَبَيَّنَ لَكُمْ، أوْ غَيْرِ التائِبِينَ تَرْغِيبًا لَهم في التَوْبَةِ. فَقَدْ رُوِيَ: أنَّهُ لَمّا تِيبَ عَلَيْهِمْ قالَ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا كانُوا بِالأمْسِ مَعَنا لا يُكَلَّمُونَ، ولا يُجالَسُونَ، [فَما لَهُمْ]؟ فَنَزَلَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَيَرى اللهُ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، وتَحْذِيرٌ مِن عاقِبَةِ الإصْرارِ، والذُهُولِ عَنِ التَوْبَةِ.
﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ (p-٧٠٨)ما يَغِيبُ عَنِ الناسِ ﴿والشَهادَةِ﴾ ما يُشاهِدُونَهُ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَنْبِئَةَ تَذْكِيرٍ، ومُجازاةٍ عَلَيْهِ.
9:106Page 203
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦
And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
١٠٦ (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللهِ) بِغَيْرِ هَمْزٍ: مَدَنِيٌّ، وكُوفِيُّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، (مُرْجَئُونَ) غَيْرُهُمْ، مِن أرْجَيْتُهُ، وأرْجَأْتُهُ: إذا أخَّرْتَهُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ، أيْ: وآخَرُونَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ مَوْقُوفُونَ إلى أنْ يَظْهَرَ أمْرُ اللهِ فِيهِمْ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ أصَرُّوا، ولَمْ يَتُوبُوا ﴿وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا، وهم ثَلاثَةٌ، كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ. والضابِطُ: مَكَّةُ، تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِرَجائِهِمْ ﴿حَكِيمٌ﴾ في إرْجائِهِمْ، و"إمّا" لِلشَّكِّ، وهو راجِعٌ إلى العِبادِ، أيْ: خافُوا عَلَيْهِمُ العَذابَ، وارْجُوا لَهُمُ الرَحْمَةَ. ورُوِيَ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أمَرَ أصْحابَهُ ألّا يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، ولا يُكَلِّمُوهُمْ، ولَمْ يَفْعَلُوا كَما فَعَلَ ذَلِكَ الفَرِيقُ مِن شَدِّ أنْفُسِهِمْ عَلى السَوارِي، وإظْهارِ الجَزَعِ والغَمِّ، فَلَمّا عَلِمُوا أنَّ أحَدًا لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللهِ، وأخْلَصُوا نِيّاتِهِمْ، ونَصَحَتْ تَوْبَتُهُمْ، فَرَحِمَهُمُ اللهُ.
9:107Page 204
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧
And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ تَقْدِيرُهُ: "و" " مِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا " (الَّذِينَ) بِغَيْرِ واوٍ: مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: جازَيْناهم. رُوِيَ «أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لَمّا بَنَوْا مَسْجِدَ قُباءَ بَعَثُوا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهُمْ، فَأتاهُمْ، فَصَلّى فِيهِ، فَحَسَدَتْهم إخْوانُهم بَنُو غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، وقالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا، ونُرْسِلُ إلى رَسُولِ اللهِ يُصَلِّي فِيهِ، ويُصَلِّي فِيهِ (p-٧٠٩)أبُو عامِرٍ الراهِبُ إذْ قَدِمَ مِنَ الشامِ -وَهُوَ الَّذِي قالَ لِرَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ أُحُدٍ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُ إلى يَوْمِ حُنَيْنَ- فَبَنَوْا مَسْجِدًا إلى جَنْبِ مَسْجِدِ قُباءَ، وقالُوا للنَّبِيِّ ﷺ: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ. فَقالَ: "إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ، وإذا قَدِمْنا مِن تَبُوكَ إنْ شاءَ اللهُ صَلَّيْنا فِيهِ". فَلَمّا قَفَلَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألُوهُ إتْيانَ المَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ لِوَحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ،وَمَعْنِ بْنِ عَدِيٍّ وغَيْرِهِما: "انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ، وأحْرِقُوهُ" فَفَعَلَ، وأمَرَ أنْ يُتَّخَذَ مَكانَهُ كُناسَةٌ تُلْقى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ، » وماتَ أبُو عامِرٍ بِالشامِ ﴿ضِرارًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، وكَذا ما بَعْدَهُ، أيْ: مُضارَّةً لِإخْوانِهِمْ أصْحابِ مَسْجِدِ قُباءَ ﴿وَكُفْرًا﴾ وتَقْوِيَةً لِلنِّفاقِ ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ مُجْتَمَعِينَ في مَسْجِدِ قُباءَ، فَأرادُوا أنْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، وتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ﴿وَإرْصادًا لِمَن﴾ وإعْدادًا لِأجْلِ مَن ﴿حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ وهو الراهِبُ، أعَدُّوهُ لَهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، ويَظْهَرَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ. وقِيلَ: كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ مُباهاةً، أوْ رِياءً، أوْ سُمْعَةً، أوْ لِغَرَضٍ سِوى ابْتِغاءِ وجْهِ اللهِ، أوْ بِمالٍ غَيْرِ طَيِّبٍ، فَهو لاحِقٌ بِمَسْجِدِ الضِرارِ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "حارَبَ" أيْ: مِن قَبْلِ بِناءِ هَذا المَسْجِدِ، يَعْنِي: يَوْمَ الخَنْدَقِ ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ كاذِبِينَ ﴿إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى﴾ ما أرَدْنا بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، وهي الصَلاةُ، وذِكْرُ اللهِ، والتَوْسِعَةُ عَلى المُصَلِّينَ ﴿واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمْ.
9:108Page 204
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨
Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.
﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ لِلصَّلاةِ ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَقْوى﴾ اللامُ لِلِابْتِداءِ، و"أُسِّسَ" نَعْتٌ لَهُ، وهو مَسْجِدُ قُباءَ، أسَّسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وصَلّى (p-٧١٠)فِيهِ أيّامَ مَقامِهِ بِقُباءَ، أوْ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِ وُجُودِهِ، قِيلَ: القِياسُ فِيهِ "مُذْ"، لِأنَّهُ الغايَةُ في الزَمانِ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ في المَكانِ، والجَوابُ: أنَّ "مِن" عامٌّ في الزَمانِ والمَكانِ ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ مُصَلِّيًا ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ قِيلَ: «لَمّا نَزَلَتْ مَشى رَسُولُ اللهِ ﷺ، ومَعَهُ المُهاجِرُونَ، حَتّى وقَفُوا عَلى بابِ مَسْجِدِ قُباءَ، فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ، فَقالَ: "أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ"؟ فَسَكَتَ القَوْمُ. ثُمَّ أعادَها فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّهم لَمُؤْمِنُونَ، وأنا مَعَهم. فَقالَ ﷺ: "أتَرْضَوْنَ بِالقَضاءِ؟". قالُوا: نَعَمْ، قالَ: "أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ؟" قالُوا: نَعَمْ. قالَ: "أتَشْكُرُونَ في الرَخاءِ؟" قالُوا: نَعَمْ. قالَ ﷺ: "مُؤْمِنُونَ أنْتُمْ ورَبِّ الكَعْبَةِ". فَجَلَسَ، ثُمَّ قالَ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أثْنى عَلَيْكُمْ، فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ عِنْدَ الوُضُوءِ وعِنْدَ الغائِطِ؟" قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، نُتْبِعُ الغائِطَ الأحْجارَ الثَلاثَةَ، ثُمَّ نُتْبِعُ الأحْجارَ الماءَ، فَتَلا النَبِيُّ ﷺ: ﴿رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ » قِيلَ: هو عامٌّ في التَطَهُّرِ عَنِ النَجاساتِ كُلِّها، وقِيلَ: هو التَطَهُّرُ مِنَ الذُنُوبِ بِالتَوْبَةِ، ومَعْنى مَحَبَّتِهِمْ لِلتَّطَهُّرِ: أنَّهم يُؤْثِرُونَهُ، ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ حِرْصَ المُحِبِّ لِلشَّيْءِ. ومَعْنى مَحَبَّةِ اللهِ إيّاهُمْ: أنَّهُ يَرْضى عَنْهُمْ، ويُحْسِنُ إلَيْهِمْ كَما يَفْعَلُ المُحِبِّ بِمَحْبُوبِهِ.
9:109Page 204
أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩
Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ وضَعَ أساسَ ما يَبْنِيهِ ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ هَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ، وجَوابُهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لِوُضُوحِهِ. والمَعْنى: ﴿أفَمَن أسَّسَ﴾ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ مُحْكَمَةٍ، وهِيَ: تَقْوى اللهِ ورِضْوانُهُ ﴿خَيْرٌ أمْ مَن﴾ أسَّسَهُ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ (p-٧١١)القَواعِدِ، وهو الباطِلُ والنِفاقُ، الَّذِي مَثَلُهُ مَثَلُ شَفا جُرُفٍ هارٍ في قِلَّةِ الثَباتِ، والِاسْتِمْساكِ. وُضِعَ شَفا الجُرُفِ في مُقابَلَةِ التَقْوى، لِأنَّهُ جُعِلَ مَجازًا عَمّا يُنافِي التَقْوى، والشَفا: الحَرْفُ، والشَفِيرُ. وجُرُفُ الوادِي: جانِبُهُ الَّذِي يَتَحَفَّرُ أصْلُهُ بِالماءِ، وتَجْرُفُهُ السُيُولُ، فَيَبْقى واهِيًا. والهارِ: الهائِرُ، وهو المُتَصَدِّعُ، الَّذِي أشَفى عَلى التَهَدُّمِ، والسُقُوطِ، ووَزْنُهُ فَعْلٌ قَصُرَ عَنْ فاعِلٍ، كَخَلْفٍ مِن خالِفٍ. وألِفُهُ لَيْسَ بِألِفِ فاعِلٍ، وإنَّما هي عَيْنُهُ، وأصْلُهُ: هَوْرٌ، فَقُلِبَتْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها، وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ولا تَرى أبْلَغَ مِن هَذا الكَلامِ، ولا أدَلَّ عَلى حَقِيقَةِ الباطِلِ، وكُنْهِ أمْرِهِ. ( أفَمِن أُسِّسَ بُنْيانُهُ ) (أمَّنْ أُسِّسَ بُنْيانُهُ) شامِيٌّ، ونافِعٌ. (جُرْفٍ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، ويَحْيى. (هارٍ) بِالإمالَةِ: أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ في رِوايَةٍ، يَحْيى،
﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ فَطاحَ بِهِ الباطِلُ في نارِ جَهَنَّمَ، ولَمّا جَعَلَ الجُرْفَ الهائِرَ مَجازًا عَنِ الباطِلِ، رَشَّحَ المَجازَ، فَجِيءَ بِلَفْظِ الِانْهِيارِ الَّذِي هو لِلْجُرْفِ، ولُيَتَصَوَّرَ أنَّ المُبْطِلَ كَأنَّهُ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرْفٍ هارٍ مِن أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ، فانْهارَ بِهِ ذَلِكَ الجُرْفُ، فَهَوى في قَعْرِها، قالَ جابِرٌ: رَأيْتُ الدُخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِرارِ حِينَ انْهارَ ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ لا يُوَفِّقُهم لِلْخَيْرِ، عُقُوبَةً لَهم عَلى نِفاقِهِمْ.
9:110Page 204
لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠
Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ لا يَزالُ هَدْمُهُ سَبَبَ شَكٍّ ونِفاقٍ زائِدٍ عَلى شَكِّهِمْ ونِفاقِهِمْ، لِما غاظَهم مِن ذَلِكَ، وعَظُمَ عَلَيْهِمْ (إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، أيْ: تَتَقَطَّعُ. غَيْرُهم "تُقَطَّعُ" أيْ: إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهم قِطَعًا، وتُفَرَّقَ أجْزاءً، فَحِينَئِذٍ يَسْلَوْنَ عَنْهُ. وأمّا ما دامَتْ سالِمَةً مُجْتَمِعَةً، فالرِيبَةُ باقِيَةٌ فِيها، مُتَمَكِّنَةٌ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ التَقَطُّعِ تَصْوِيرًا لِحالِ زَوالِ الرِيبَةِ عَنْها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ حَقِيقَةُ تَقْطِيعِها، وما هو كائِنٌ مِنهُ بِقَتْلِهِمْ، أوْ في القُبُورِ،أوْ في النارِ، أوْ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا، وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِعَزائِمِهِمْ ﴿حَكِيمٌ﴾ في جَزاءِ جَرائِمِهِمْ.
(p-٧١٢)
9:111Page 204
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١
Indeed, Allāh has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allāh, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur’ān. And who is truer to his covenant than Allāh? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.
﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ مَثَّلَ اللهُ إثابَتَهم بِالجَنَّةِ عَلى بَذْلِهِمْ أنْفُسَهم وأمْوالَهم في سَبِيلِهِ، بِالشِراءِ. ورُوِيَ: تاجَرَهم فَأغْلى لَهُمُ الثَمَنَ. وعَنِ الحَسَنِ: أنْفُسًا هو خَلَقَها، وأمْوالًا هو رَزَقَها. ومَرَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أعْرابِيٌّ وهو يَقْرَؤُها، فَقالَ: بَيْعٌ واللهِ مُرْبِحٌ، لا نُقِيلُهُ، ولا نَسْتَقِيلُهُ. فَخَرَجَ إلى الغَزْوِ، واسْتُشْهِدَ ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ بَيانُ مَحَلِّ التَسْلِيمِ ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ أيْ: تارَةً يَقْتُلُونَ العَدُوَّ، وطَوْرًا يَقْتُلُهُمُ العَدُوُّ (فَيُقْتَلُونَ ويَقْتُلُونَ): حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مَصْدَرٌ، أيْ: وعَدَهم بِذَلِكَ وعْدًا ﴿حَقًّا﴾ صِفَتُهُ، أخْبَرَ أنَّ هَذا الوَعْدَ الَّذِي وعَدَهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ وعْدٌ ثابِتٌ، قَدْ أثْبَتَهُ.
﴿فِي التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهْلَ كُلِّ مِلَّةٍ أُمِرُوا بِالقِتالِ، ووُعِدُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ لِأنَّ إخْلافَ المِيعادِ قَبِيحٌ، لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ الكَرِيمُ مِنّا، فَكَيْفَ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ؟! ولا نَرى تَرْغِيبًا في الجِهادِ أحْسَنَ مِنهُ، وأبْلَغَ ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافْرَحُوا غايَةَ الفَرَحِ، فَإنَّكم تَبِيعُونَ فانِيًا بِباقٍ،
﴿وَذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ قالَ الصادِقُ: لَيْسَ لِأبْدانِكم ثَمَنٌ إلّا الجَنَّةَ، فَلا تَبِيعُوها إلّا بِها.
9:112Page 205
ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢
[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allāh], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allāh. And give good tidings to the believers.
﴿التائِبُونَ﴾ رَفْعٌ عَلى المَدْحِ، أيْ: هُمُ التائِبُونَ، يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿العابِدُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ عَبَدُوا اللهَ وحْدَهُ، وأخْلَصُوا لَهُ العِبادَةَ. وما بَعْدُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيِ: التائِبُونَ مِنَ الكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، الجامِعُونَ لِهَذِهِ الخِصالِ. وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ الَّذِينَ تابُوا مِنَ (p-٧١٣)الشِرْكِ، وتَبَرَّءُوا مِنَ النِفاقِ ﴿الحامِدُونَ﴾ عَلى نِعْمَةِ الإسْلامِ ﴿السائِحُونَ﴾ الصائِمُونَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: « "سِياحَةُ أُمَّتِي الصِيامُ"، » أوْ طَلَبَةُ العِلْمِ، لِأنَّهم يَسِيحُونَ في الأرْضِ، يَطْلُبُونَهُ في مَظانِّهِ، أوِ السائِرُونَ في الأرْضِ لِلِاعْتِبارِ ﴿الراكِعُونَ الساجِدُونَ﴾ المُحافِظُونَ عَلى الصَلَواتِ ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالإيمانِ، والمَعْرِفَةِ، والطاعَةِ ﴿والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِرْكِ، والمَعاصِي. ودَخَلَتِ الواوُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ السَبْعَةَ عَقْدٌ تامٌّ، أوْ لِلتَّضادِّ بَيْنَ الأمْرِ، والنَهْيِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التَحْرِيمُ: ٥] ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، أوْ مَعالِمِ الشَرْعِ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِفاتِ.
9:113Page 205
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣
It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.
هَمَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِي طالِبٍ، فَنَزَلَ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ أيْ: ما صَحَّ لَهُ الِاسْتِغْفارُ في حُكْمِ اللهِ، وحِكْمَتِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهم أنَّهم ماتُوا عَلى الشِرْكِ. ثُمَّ ذَكَرَ عُذْرَ إبْراهِيمَ، فَقالَ:
9:114Page 205
وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤
And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to him [i.e., Abraham] that he [i.e., the father] was an enemy to Allāh, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.
﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ أيْ: وعَدَ أبُوهُ إيّاهُ أنْ يُسْلِمَ، أوْ هو وعَدَ أباهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [المُمْتَحِنَةُ: ٤] دَلِيلُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ ﴿وَعَدَها إيّاهُ﴾ ومَعْنى اسْتِغْفارِهِ: سُؤالُهُ المَغْفِرَةَ لَهُ بَعْدَ ما أسْلَمَ، أوْ سُؤالُهُ إعْطاءَ الإسْلامِ الَّذِي بِهِ يُغْفَرُ لَهُ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ﴾ مِن جِهَةِ الوَحْيِ ﴿لَهُ﴾ لِإبْراهِيمَ ﴿أنَّهُ﴾ أنَّ أباهُ ﴿عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ يَمُوتُ كافِرًا، وانْقَطَعَ رَجاؤُهُ عَنْهُ.
﴿تَبَرَّأ مِنهُ﴾ وقَطَعَ اسْتِغْفارَهُ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ (p-٧١٤)لأوّاهٌ﴾ وهو المُتَأوِّهُ شَفَقًا وفَرَقًا. ومَعْناهُ: أنَّهُ لِفَرْطِ تَرَحُّمِهِ ورِقَّتِهِ كانَ يَتَعَطَّفُ عَلى أبِيهِ الكافِرِ ﴿حَلِيمٌ﴾ هو الصَبُورُ عَلى البَلاءِ، الصَفُوحُ عَنِ الأذى، لِأنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ لِأبِيهِ، وهو يَقُولُ: لَأرْجُمَنَّكَ.
9:115Page 205
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥
And Allāh would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allāh is Knowing of all things.
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ أيْ: ما أمَرَ اللهُ بِاتِّقائِهِ واجْتِنابِهِ كالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وغَيْرِهِ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ مَحْظُورٌ، لا يُؤاخِذُ بِهِ عِبادَهُ، الَّذِينَ هَداهم لِلْإسْلامِ، ولا يَخْذُلُهم إلّا إذا قَدِمُوا عَلَيْهِ بَعْدَ بَيانِ حَظْرِهِ، وعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ واجِبُ الِامْتِثالِ. وأمّا قَبْلَ العِلْمِ والبَيانِ فَلا. وهَذا بَيانٌ لِعُذْرِ مَن خافَ المُؤاخَذَةَ بِالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ. والمُرادُ بِـ "ما يَتَّقُونَ" ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ لِلنَّهْيِ، فَأمّا ما يُعْلَمُ بِالعَقْلِ فَغَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلى التَوْقِيفِ ﴿أنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
9:116–117Page 205
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦
Indeed, to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allāh any protector or any helper.
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧
Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.
﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلى النَبِيِّ﴾ أيْ: تابَ اللهُ عَلَيْهِ مِن إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ في التَخَلُّفِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَفا اللهُ عَنْكَ﴾ [التَوْبَةُ: ٤٣] ﴿والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ فِيهِ بَعْثٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَوْبَةِ، وأنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلى التَوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، حَتّى النَبِيِّ ﷺ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. ومَعْناهُ: في وقْتِها. والساعَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الزَمانِ المُطْلَقِ. وكانُوا في عُسْرَةٍ مِنَ الظَهْرِ يَعْتَقِبُ العَشْرَةُ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ، ومِنَ الزادِ تَزَوَّدُوا التَمْرَ المُدَوَّدَ، والشَعِيرَ المُسَوَّسَ، والإهالَةَ الزَنِخَةَ، وبَلَغَتْ بِهِمُ الشِدَّةُ (p-٧١٥)حَتّى اقْتَسَمَ التَمْرَةَ اثْنانِ، ورُبَّما مَصَّها الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ، ومِنَ الماءِ حَتّى نَحَرُوا الإبِلَ، وعَصَرُوا كَرِشَها وشَرِبُوهُ، في شِدَّةِ زَمانٍ مِن حَمّارَةِ القَيْظِ، ومِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ عَنِ الثَباتِ عَلى الإيمانِ، أوْ عَنِ اتِّباعِ الرَسُولِ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، والخُرُوجِ مَعَهُ. وفي "كادَ" ضَمِيرُ الشَأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ النَصْبِ، وهو كَقَوْلِهِمْ: لَيْسَ خَلَقَ اللهُ مِثْلَهُ أيْ: لَيْسَ الشَأْنُ خَلَقَ اللهُ مِثْلَهُ. (يَزِيغُ) حَمْزَةُ، وحَفْصٌ.
﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
9:118Page 206
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨
And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
﴿وَعَلى الثَلاثَةِ﴾ أيْ: "وَ" تابَ " عَلى الثَلاثَةِ " وهو عَطْفٌ عَلى النَبِيِّ ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عَنِ الغَزْوِ ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ بِرُحْبِها، أيْ: مَعَ سَعَتِها، وهو مَثَلٌ لِلْحَيْرَةِ في أمْرِهِمْ، كَأنَّهم لا يَجِدُونَ فِيها مَكانًا يُقِرُّونَ فِيهِ قَلَقًا وجَزَعًا.
﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: قُلُوبُهم لا يَسَعُها أُنْسٌ ولا سُرُورٌ، لِأنَّها خَرَجَتْ مِن فَرْطِ الوَحْشِيَّةِ والغَمِّ ﴿وَظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ﴾ وعَلِمُوا أنْ لا مَلْجَأ مَن سُخْطِ اللهِ إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ بَعْدَ خَمْسِينَ يَوْمًا ﴿لِيَتُوبُوا﴾ لِيَكُونُوا مِن جُمْلَةِ التَوّابِينَ ﴿إنَّ اللهَ هو التَوّابُ الرَحِيمُ﴾ عَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ أنَّهُ قالَ: التَوْبَةُ النَصُوحُ: أنْ تَضِيقَ عَلى التائِبِ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وتَضِيقَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ كَتَوْبَةِ هَؤُلاءِ الثَلاثَةِ.
9:119Page 206
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩
O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾ في إيمانِهِمْ دُونَ (p-٧١٦)المُنافِقِينَ، أوْ مَعَ الَّذِينَ لَمْ يَتَخَلَّفُوا، أوْ مَعَ الَّذِينَ صَدَقُوا في دِينِ اللهِ نِيَّةً، وقَوْلًا، وعَمَلًا. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنِ الإجْماعَ حُجَّةٌ، لِأنَّهُ أمَرَ بِالكَوْنِ مَعَ الصادِقِينَ، فَلَزِمَ قَبُولُ قَوْلِهِمْ.
9:120Page 206
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠
It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.
﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ المُرادُ بِهَذا النَفْيِ: النَهْيُ. وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ -وَإنِ اسْتَوى كُلُّ الناسِ في ذَلِكَ-، لِقُرْبِهِمْ مِنهُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِمْ خُرُوجُهُ.
﴿وَلا يَرْغَبُوا﴾ ولا أنْ يَضِنُّوا ﴿بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ عَمّا يُصِيبُ نَفْسَهُ، أيْ: لا يَخْتارُوا إبْقاءَ أنْفُسِهِمْ عَلى نَفْسِهِ في الشَدائِدِ، بَلْ أُمِرُوا بِأنْ يَصْحَبُوهُ في البَأْساءِ والضَرّاءِ، ويُلْقُوا أنْفُسَهم بَيْنَ يَدَيْهِ في كُلِّ شَدِيدَةٍ ﴿ذَلِكَ﴾ النَهْيُ عَنِ التَخَلُّفِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ عَطَشٌ ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ تَعَبٌ ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ مَجاعَةٌ ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في الجِهادِ ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ ولا يَدُوسُونَ مَكانًا مِن أمْكِنَةِ الكُفّارِ بِحَوافِرِ خُيُولِهِمْ، وأخْفافِ رَواحِلِهِمْ وأرْجُلِهِمْ.
﴿يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ يُغْضِبُهُمْ، ويَضِيقُ صُدُورُهم.
﴿وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ ولا يُصِيبُونَ مِنهم إصابَةً بِقَتْلٍ، أوْ أسْرٍ، أوْ جُرْحٍ، أوْ كَسْرٍ، أوْ هَزِيمَةٍ.
﴿إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: لِكُلِّ رَوْعَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ حَسَنَةٍ. يُقالُ: نالَ مِنهُ: إذا رَزَأهُ، ونَقَصَهُ. وهو عامٌّ في كُلِّ ما يَسُوءُهم. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن قَصَدَ خَيْرًا كانَ سَعْيُهُ فِيهِ مَشْكُورًا مِن قِيامٍ، وقُعُودٍ، ومَشْيٍ، وكَلامٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وعَلى أنَّ المَدَدَ يُشارِكُ الجَيْشَ في الغَنِيمَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، لِأنَّ وطْءَ دِيارِهِمْ مِمّا يَغِيظُهم. وقَدْ أسْهَمَ النَبِيُّ ﷺ لِابْنَيْ عامِرٍ، وقَدْ قَدِما بَعْدَ تَقَضِّي الحَرْبِ. والمَوْطِئُ: إمّا مَصْدَرٌ كالمَوْرِدِ، وإمّا مَكانٌ، فَإنْ كانَ مَكانًا (p-٧١٧)فَمَعْنى " يَغِيظُ الكُفّارَ يغيطهم وطْؤُهُ " إنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ أيْ: أنَّهم مُحْسِنُونَ، واللهُ لا يُبْطِلُ ثَوابَهم.
9:121Page 206
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١
Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.
﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ في سَبِيلِ اللهِ ﴿صَغِيرَةً﴾ ولَوْ تَمْرَةً ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾ مِثْلَ ما أنْفَقَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في جَيْشِ العُسْرَةِ ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ أيْ: أرْضًا في ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ. وهو كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَنفَذًا لِلسَّيْلِ وهو في الأصْلِ فاعِلٌ، مِن ودى إذا سالَ. ومِنهُ: الوَدْيُ. وقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ بِمَعْنى الأرْضِ،
﴿إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ مِنَ الإنْفاقِ، وقَطْعِ الوادِي.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكُتِبَ، أيْ: أُثْبِتَ في صَحائِفِهِمْ لِأجْلِ الجَزاءِ ﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يَجْزِيهِمْ عَلى كُلِّ واحِدٍ جَزاءَ أحْسَنِ عَمَلٍ كانَ لَهُمْ، فَيَلْحَقُ ما دُونَهُ بِهِ تَوْفِيرًا لِأجْرِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences