An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:122–129
9:122Page 206
۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢
And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn [i.e., advise] their people when they return to them that they might be cautious.
﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ الَّلامُ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، أيْ: أنَّ نَفِيرَ الكافَّةِ عَنْ أوْطانِهِمْ لِطَلَبِ العِلْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِلْإفْضاءِ إلى المَفْسَدَةِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ فَحِينَ لَمْ يَكُنْ نَفِيرُ الكافَّةِ فَهَلّا نَفَرَ ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ أيْ: مِن كُلِّ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ جَماعَةٌ قَلِيلَةٌ مِنهُمْ، يَكْفُونَهُمُ النَفِيرَ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ﴾ لِيَتَكَلَّفُوا الفَقاهَةَ فِيهِ، ويَتَجَشَّمُوا المَشاقَّ في تَحْصِيلِها ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ ولِيَجْعَلُوا مَرْمى هِمَّتِهِمْ في التَفَقُّهِ إنْذارَ قَوْمِهِمْ وإرْشادَهم ﴿إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ دُونَ الأعْراضِ الخَسِيسَةِ مِنَ التَصَدُّرِ، والتَرَؤُّسِ، والتَشَبُّهِ بِالظَلَمَةِ في المَراكِبِ والمَلابِسِ ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ ما يَجِبُ اجْتِنابُهُ. وقِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا بَعَثَ بَعْثًا بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، بَعْدَ ما أُنْزِلَ في المُتَخَلِّفِينَ مِنَ الآياتِ الشِدادِ، اسْتَبَقَ المُؤْمِنُونَ عَنْ آخِرِهِمْ إلى النَفِيرِ، وانْقَطَعُوا جَمِيعًا عَنِ التَفَقُّهِ في الدِينِ، فَأُمِرُوا أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ إلى الجِهادِ، ويَبْقى سائِرُهم يَتَفَقَّهُونَ، حَتّى لا يَنْقَطِعُوا عَنِ التَفَقُّهِ الَّذِي هو الجِهادُ الأكْبَرُ، إذِ الجِهادُ بِالحِجاجِ أعْظَمُ أثَرًا مِنَ الجِهادِ (p-٧١٨)بِالنِضالِ، والضَمِيرُ في "لِيَتَفَقَّهُوا" لِلْفِرَقِ الباقِيَةِ بَعْدَ الطَوائِفِ النافِرَةِ مِن بَيْنِهِمْ.
﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ ولِيُنْذِرَ الفِرَقُ الباقِيَةُ قَوْمَهُمُ النافِرِينَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، بِما حَصَّلُوا في أيّامِ غَيْبَتِهِمْ مِنَ العُلُومِ، وعَلى الأوَّلِ الضَمِيرُ لِلطّائِفَةِ النافِرَةِ إلى المَدِينَةِ لِلتَّفَقُّهِ.
9:123Page 207
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣
O you who have believed, fight against those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allāh is with the righteous.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ يَقْرُبُونَ مِنكم ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ القِتالُ واجِبٌ مَعَ جَمِيعِ الكَفَرَةِ قَرِيبِهِمْ وبِعِيدِهِمْ، ولَكِنَّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ أوْجَبُ. وقَدْ حارَبَ النَبِيُّ ﷺ قَوْمَهُ، ثُمَّ غَيْرَهم مِن عَرَبِ الحِجازِ، ثُمَّ الشامِ، والشامُ أقْرَبُ إلى المَدِينَةِ مِنَ العِراقِ وغَيْرِهِ. وهَكَذا المَفْرُوضُ عَلى أهْلِ كُلِّ ناحِيَةٍ أنْ يُقاتِلُوا مَن ولِيَهم ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ شِدَّةً، وعُنْفًا في المَقالِ، قَبْلَ القِتالِ.
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِالنُصْرَةِ، والغَلَبَةِ.
9:124Page 207
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤
And whenever a sūrah is revealed, there are among them [i.e., the hypocrites] those who say, "Which of you has this increased in faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.
﴿وَإذا ما أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ "ما" صِلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ ﴿فَمِنهُمْ﴾ فَمِنَ المُنافِقِينَ ﴿مَن يَقُولُ﴾ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُورَةُ ﴿إيمانًا﴾ إنْكارًا، واسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ. و"أيُّكُمْ": مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وقِيلَ:
9:125Page 207
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥
But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil.1 And they will have died while they are disbelievers.
﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ، ونِفاقٌ. فَهو فَسادٌ يَحْتاجُ إلى عِلاجٍ، كالفَسادِ في البَدَنِ.
﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ كَفَرُوا مَضْمُومًا إلى كُفْرِهِمْ ﴿وَماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ هو إخْبارٌ عَنْ إصْرارِهِمْ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ.
9:126Page 207
أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?
﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ يَعْنِي: المُنافِقِينَ. وبِالتاءِ: حَمْزَةُ، خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ يُبْتَلَوْنَ بِالقَحْطِ، والمَرَضِ، وغَيْرِهِما ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ عَنْ نِفاقِهِمْ ﴿وَلا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ لا يَعْتَبِرُونَ. أوْ (p-٧١٩)بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿لا يَتُوبُونَ﴾ بِما يَرَوْنَ مِن دَوْلَةِ الإسْلامِ،
﴿وَلا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ بِما يَقَعُ بِهِمْ مِنَ الِاصْطِدامِ.
9:127Page 207
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٢٧
And whenever a sūrah is revealed, they look at each other, [as if saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allāh has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.
﴿وَإذا ما أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ تَغامَزُوا بِالعُيُونِ إنْكارًا لِلْوَحْيِ، وسُخْرِيَةً بِهِ، قائِلِينَ: ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُسْلِمِينَ لِنَنْصَرِفَ،فَإنّا لا نَصِبِرُ عَلى اسْتِماعِهِ، ويَغْلِبُنا الضَحِكُ، فَنَخافُ الِافْتِضاحَ بَيْنَهُمْ، أوْ إذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ في عَيْبِ المُنافِقِينَ أشارَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ: ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ إنْ قُمْتُمْ مِن حَضْرَتِهِ ﷺ ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عَنْ حَضْرَةِ النَبِيِّ ﷺ مَخافَةَ الفَضِيحَةِ ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يَتَدَبَّرُونَ حَتّى يَفْقَهُوا.
9:128Page 207
لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٢٨
There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you [i.e., your guidance] and to the believers is kind and merciful.
﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكُمْ، ومَن نَسَبِكُمْ، عَرَبِيٌّ، قُرَشِيٌّ مِثْلُكم.
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ شَدِيدٌ عَلَيْهِ شاقٌّ -لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنكُمْ- عَنَتُكُمْ، ولِقاؤُكُمُ المَكْرُوهَ، فَهو يَخافُ عَلَيْكُمُ الوُقُوعَ في العَذابِ ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى إيمانِكم ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قِيلَ: لَمْ يَجْمَعِ اللهُ اسْمَيْنِ مِن أسْمائِهِ لِأحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
9:129Page 207
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ١٢٩
But if they turn away, [O Muḥammad], say, "Sufficient for me is Allāh; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِكَ، وناصَبُوكَ ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ فاسْتَعِنْ بِاللهِ، وفَوِّضْ إلَيْهِ أُمُورَكَ، فَهو كافِيكَ مَعَرَّتَهُمْ، وناصِرُكَ عَلَيْهِمْ.
﴿لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْهِ ﴿وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ﴾ هو أعْظَمُ خَلْقِ اللهِ، خُلِقَ مَطافًا لِأهْلِ السَماءِ، وقِبْلَةً لِلدُّعاءِ ﴿العَظِيمِ﴾ بِالجَرِّ. وقُرِئَ بِالرَفْعِ عَلى نَعْتِ الرَبِّ جَلَّ وعَزَّ. عَنْ أُبَيٍّ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] الآيَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences