An-NasafiAt‑Tawbah · 9:1–24

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

التوبة

At-Tawbah

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

9:1Page 187

بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١

[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1

(p-٦٦١)سُورَةُ التَوْبَةِ

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

لَها أسْماءٌ: بَراءَةٌ، التَوْبَةُ، المُقَشْقِشَةُ، المُبَعْثِرَةُ، المُشَرِّدَةُ، المُخْزِيَةُ، الفاضِحَةُ، المُثِيرَةُ، الحافِرَةُ، المُنَكِّلَةُ، المُدَمْدِمَةُ، لِأنَّ فِيها التَوْبَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهي تُقَشْقِشُ مِنَ النِفاقِ، أيْ: تُبْرِئُ مِنهُ، وتُبَعْثِرُ عَنْ أسْرارِ المُنافِقِينَ، وتَبْحَثُ عَنْها، وتُثِيرُها، وتَحْفِرُ عَنْها، وتَفْضَحُهُمْ، وتُنَكِّلُهُمْ، وتُشَرِّدُهُمْ، وتُخْزِيهِمْ، وتُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ.

وَفِي تَرْكِ التَسْمِيَةِ في ابْتِدائِها أقْوالٌ: فَعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: أنَّ بِسْمِ اللهِ أمانٌ، وبَراءَةٌ نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأمانِ. وعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ أوْ آيَةٌ، قالَ: اجْعَلُوها في المَوْضِعِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ كَذا وكَذا، وتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أيْنَ نَضَعُها، وكانَتْ قِصَّتُها تُشْبِهُ قِصَّةَ الأنْفالِ، لِأنَّ فِيها ذِكْرَ العُهُودِ، وفي بَراءَةٍ نَبْذُ العُهُودِ، فَلِذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما، وكانَتا تُدْعَيانِ: القَرِينَتَيْنِ، وتُعَدّانِ السابِعَةَ مِنَ الطِوالِ، وهي سَبْعٌ. وقِيلَ: اخْتَلَفَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الأنْفالُ وبَراءَةٌ سُورَةٌ واحِدَةٌ، نَزَلَتْ في القِتالِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هُما سُورَتانِ، فَتُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَتانِ، وتُرِكَتْ بِسْمِ اللهِ، لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ.

(p-٦٦٢)﴿بَراءَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ "بَراءَةٌ" ﴿مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، ولَيْسَ بِصِلَةٍ، كَما في قَوْلِكَ: بَرِئْتَ مِنَ الدِينِ، أيْ: هَذِهِ بَراءَةٌ واصِلَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، كَما تَقُولُ: كِتابٌ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ لِتَخْصِيصِها بِصِفَتِها، والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ في الدارِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِنَ العَهْدِ الَّذِي عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ مَنبُوذٌ إلَيْهِمْ.

9:2Page 187

فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.

﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ فَسِيرُوا في الأرْضِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والسَيْحُ: السَيْرُ عَلى مَهَلٍ. رُوِيَ: أنَّهم عاهَدُوا المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، فَنَكَثُوا إلّا ناسًا مِنهُمْ، وهم بَنُو ضَمْرَةَ، وبَنُو كِنانَةَ، فَنَبَذَ العَهْدَ إلى الناكِثِينَ، وأُمِرُوا أنْ يَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ آمِنِينَ أيْنَ شاءُوا، ولا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، وهي الأشْهُرُ الحُرُمُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التَوْبَةُ: ٥] وذَلِكَ لِصِيانَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ مِنَ القَتْلِ والقِتالِ فِيها، وكانَ نُزُولُها سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وفَتْحُ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمانٍ، وكانَ الأمِيرُ فِيها عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، «وَأمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أبا بَكْرٍ عَلى مَوْسِمٍ سَنَةَ تِسْعٍ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا راكِبَ العَضْباءِ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: "لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي" فَلَمّا دَنا عَلِيٌّ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُغاءَ فَوَقَفَ، وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ؟ قالَ: مَأْمُورٌ. فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ، وقامَ عَلِيٌّ يَوْمَ النَحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: يا أيُّها الناسُ، إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللهِ إلَيْكُمْ، فَقالُوا: بِماذا؟ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ، أوْ أرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ قالَ: أُمِرْتُ بِأرْبَعٍ، ألّا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: يا عَلِيُّ، أبْلِغِ ابْنَ عَمِّكَ أنّا قَدْ نَبَذْنا العَهْدَ وراءَ ظُهُورِنا، وأنَّهُ (p-٦٦٣)لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ إلّا طَعْنٌ بِالرِماحِ، وضَرْبٌ بِالسُيُوفِ، » والأشْهُرُ الأرْبَعَةُ: شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، أوْ عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وصَفَرُ، وشَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلُ، وعَشْرٌ مِن رَبِيعِ الآخِرِ، وكانَتْ حُرُمًا، لِأنَّهم أُومِنُوا فِيها، وحُرِّمَ قَتْلُهم وقِتالُهُمْ، أوْ عَلى التَغْلِيبِ، لِأنَّ ذا الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ مِنها، والجُمْهُورُ عَلى إباحَةِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، وأنَّ ذَلِكَ قَدْ نُسِخَ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم ﴿وَأنَّ اللهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ مُذِلُّهم في الدُنْيا بِالقَتْلِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ.

9:3Page 187

وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣

And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

﴿وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ﴾ ارْتِفاعُهُ كارْتِفاعِ "بَراءَةٌ" عَلى الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها. والأذانُ بِمَعْنى الإيذانِ، وهو الإعْلامُ، كَما أنَّ الأمانُ والعَطاءُ بِمَعْنى الإيمانِ والإعْطاءِ، والفَرْقُ بَيْنَ الجُمْلَةِ الأُولى والثانِيَةِ: أنَّ الأوْلى إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ، والثانِيَةَ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِالَّذِينِ عُوهِدُوا مِنَ المُشْرِكِينَ، وعُلِّقَ الأذانُ بِالناسِ، لِأنَّ البَراءَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمُعاهَدِينَ والناكِثِينَ مِنهُمْ، وأمّا الأذانُ فَعامٌّ لِجَمِيعِ الناسِ، مَن عاهَدَ، ومَن لَمْ يُعاهَدْ، ومَن نَكَثَ مِنَ المُعاهَدِينَ، ومَن لَمْ يَنْكُثْ ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ يَوْمَ عَرَفَةَ، لِأنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ، أوْ يَوْمَ النَحْرِ، لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ مِنَ الطَوافِ، والنَحْرِ، والحَلْقِ، والرَمْيِ، ووَصْفُ الحَجِّ بِالأكْبَرِ، لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى: الحَجُّ الأصْغَرُ.

﴿أنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: بِأنَّ اللهَ، حُذِفَتْ صِلَةُ الأذانِ تَخْفِيفًا ﴿وَرَسُولِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى المَنَوِيِّ في "بَرِيءٌ"، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، وحُذِفَ الخَبَرُ، أيْ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ، وقُرِئَ بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ، والجَرِّ عَلى الجِوارِ، أوْ عَلى القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: لَعَمْرُكَ. وحُكِيَ: أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَؤُها، فَقالَ: إنْ كانَ اللهُ بَرِيئًا مِن رَسُولِهِ فَأنا مِنهُ بَرِيءٌ، فَلَبَّبَهُ الرَجُلُ إلى عُمَرَ، فَحَكى الأعْرابِيُّ قِراءَتَهُ، فَعِنْدَها أمَرَ عُمَرُ بِتَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ،

﴿فَهُوَ﴾ أيِ: التَوْبَةُ (p-٦٦٤)﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿وَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنِ التَوْبَةِ، أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَوَلِّي والإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ،

﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ غَيْرُ سابِقِينَ اللهَ، ولا فائِتِينَ أخْذَهُ وعِقابَهُ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَكانَ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ، بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ.

9:4Page 187

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ والمَعْنى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فَقُولُوا لَهُمْ: سِيحُوا إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ مِن شُرُوطِ العَهْدِ، أيْ: وفَوْا بِالعَهْدِ ولَمْ يَنْقُضُوهُ، وقُرِئَ: (لَمْ يَنْقُضُوكُمْ) أيْ: عَهْدَكُمْ، وهو ألْيَقُ، لَكِنَّ المَشْهُورَةَ أبْلَغُ، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ التَمامِ ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ ولَمْ يُعاوِنُوا عَلَيْكم عَدُوًّا ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ فَأدُّوهُ إلَيْهِمْ تامًّا كامِلًا ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تَمامِ مُدَّتِهِمْ، والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في الناكِثِينَ: لَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، ولا تُجْرُوهم مُجْراهم ولا تَجْعَلُوا الوَفِيَّ كالغادِرِ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: أنَّ قَضِيَّةَ التَقْوى ألّا يُسَوِّيَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، فاتَّقُوا اللهَ في ذَلِكَ.

9:5Page 187

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿فَإذا انْسَلَخَ﴾ مَضى، أوْ خَرَجَ ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الَّتِي أُبِيحَ فِيها لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ الَّذِينَ نَقَضُوكُمْ، وظاهَرُوا عَلَيْكم ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأْسِرُوهم. والأخْذُ: الأسْرُ ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ وقَيِّدُوهُمْ، وامْنَعُوهم مِنَ التَصَرُّفِ في البِلادِ ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ تَرْصُدُونَهم بِهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَرْفِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ ﴿وَأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فَأطْلِقُوا عَنْهم بَعْدَ الأسْرِ (p-٦٦٥)والحَصْرِ، أوْ فَكُفُّوا عَنْهُمْ، ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ بِسِتْرِ الكُفْرِ، والغَدْرِ بِالإسْلامِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِرَفْعِ القَتْلِ قَبْلَ الأداءِ بِالِالتِزامِ.

9:6Page 187

وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ "أحَدٌ" مُرْتَفِعٌ بِفِعْلِ شَرْطٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ، أيْ: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ اسْتَجارَكَ، والمَعْنى: وإنْ جاءَكَ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأشْهُرِ لا عَهْدَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، واسْتَأْمَنَكَ لِيَسْمَعَ ما تَدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَوْحِيدِ والقُرْآنِ، فَأمِّنْهُ ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿مَأْمَنَهُ﴾ دارَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَأْمَنَ لا يُؤْذى، ولَيْسَ لَهُ الإقامَةُ في دارِنا، ويُمَكَّنُ مِنَ العَوْدِ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ بِالإجارَةِ في قَوْلِهِ:" فَأجِرْهُ" ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ ما الإسْلامُ، وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُو إلَيْهِ،؟ فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا، أوْ يَفْهَمُوا الحَقَّ.

9:7Page 188

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ "كَيْفَ" اسْتِفْهامٌ في مَعْنى الِاسْتِنْكارِ، أيْ: مُسْتَنْكَرٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ، فَلا تَطْمَعُوا في ذَلِكَ، ولا تُحَدِّثُوا بِهِ نُفُوسَكُمْ، ولا تُفَكِّرُوا في قَتْلِهِمْ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ﴿عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ ولَمْ يَظْهَرْ مِنهم نَكْثٌ كَبَنِي كِنانَةَ، وبُنِيَ ضَمْرَةَ، فَتَرَبَّصُوا أمْرَهُمْ، ولا تُقاتِلُوهم.

﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ ولَمْ يَظْهَرْ مِنهم نَكْثٌ، أيْ: فَما أقامُوا عَلى وفاءِ العَهْدِ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عَلى الوَفاءِ، و"ما" شَرْطِيَّةٌ، أيْ: فَإنِ ﴿اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: أنَّ التَرَبُّصَ بِهِمْ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ.

(p-٦٦٦)

9:8Page 188

كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ تَكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ "وَ" حالُهم أنَّهم ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَظْفَرُوا بِكم بَعْدَ ما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الأيْمانِ والمَواثِيقِ،

﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا﴾ لا يُراعُوا حِلْفًا، ولا قَرابَةً ﴿وَلا ذِمَّةً﴾ عَهْدًا ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ بِالوَعْدِ بِالإيمانِ، والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ في وصْفِ حالِهِمْ مِن مُخالَفَةِ الظاهِرِ الباطِنَ، مُقَرِّرٌ لِاسْتِبْعادِ الثَباتِ مِنهم عَلى العَهْدِ ﴿وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ الإيمانَ، والوَفاءَ بِالعَهْدِ ﴿وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ناقِضُونَ العَهْدَ، أوْ مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ، لا مُرُوءَةَ تَمْنَعُهم عَنِ الكَذِبِ، ولا شَمائِلَ تَرْدَعُهم عَنِ النَكْثِ، كَما يُوجَدُ ذَلِكَ في بَعْضِ الكَفَرَةِ مِنَ التَفادِي عَنْهُما.

9:9Page 188

ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩

They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

﴿اشْتَرَوْا﴾ اسْتَبْدَلُوا ﴿بِآياتِ اللهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا، وهو اتِّباعُ الأهْواءِ والشَهَواتِ ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَعَدَلُوا عَنْهُ، وصَرَفُوا غَيْرَهم ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الصَنِيعُ صَنِيعُهم.

9:10Page 188

لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ "وَلا" تَكْرارٌ، لِأنَّ الأوَّلَ عَلى الخُصُوصِ حَيْثُ قالَ: "فِيكُمْ"، والثانِي عَلى العُمُومِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ المُجاوِزُونَ الغايَةَ في الظُلْمِ، والشِرارَةِ.

9:11Page 188

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١

But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ ﴿وَأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ فَإخْوانُكُمْ﴾ فَهم إخْوانُكُمْ، عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ ﴿فِي الدِينِ﴾ لا في النَسَبِ ﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ﴾ ونُبَيِّنُها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يَفْهَمُونَ فَيَتَفَكَّرُونَ فِيها، وهَذا اعْتِراضٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ مَن تَأمَّلَ تَفْصِيلَها، فَهو العالِمُ تَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُشْرِكِينَ المُعاهَدِينَ، وعَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها.

(p-٦٦٧)

9:12Page 188

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أيْ: نَقَضُوا العُهُودَ المُؤَكَّدَةَ بِالأيْمانِ ﴿وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ وعابُوهُ ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ فَقاتِلُوهُمْ، فَوَضَعَ ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ مَوْضِعَ ضَمِيرِ "هُمْ" وهَمَ رُؤَساءُ الشِرْكِ، أوْ زُعَماءُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِ الرَسُولِ، وقالُوا: إذا طَعَنَ الذِمِّيُّ في دِينِ الإسْلامِ طَعْنًا ظاهِرًا جازَ قَتْلُهُ، لِأنَّ العَهْدَ مَعْقُودٌ مَعَهُ عَلى ألّا يَطْعَنَ، فَإذا طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ، وخَرَجَ مِنَ الذِمَّةِ. (أئِمَّةَ) بِهَمْزَتَيْنِ: كُوفِيٌّ، وشامِيٌّ. الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ. أصْلُها: أأْمِمَةٌ، لِأنَّها جَمْعُ إمامٍ، كَعِمادٍ وأعْمِدَةٍ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ الأُولى إلى الهَمْزَةِ الساكِنَةِ، وأُدْغِمَتْ في المِيمِ الأُخْرى، فَمَن حَقَّقَ الهَمْزَتَيْنِ أخْرَجَهُما عَلى الأصْلِ، ومَن قَلَبَ الثانِيَةَ ياءً فَلِكَسْرَتِها ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ وإنَّما أثْبَتَ لَهُمُ الإيمانَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ لِأنَّهُ أرادَ أيْمانَهُمُ الَّتِي أظْهَرُوها، ثُمَّ قالَ: ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ. وهو دَلِيلٌ لَنا عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا تَكُونُ يَمِينًا، ومَعْناهُ عِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: أنَّهم لا يُوفُونَ بِها، لِأنَّ يَمِينَهم يَمِينٌ عِنْدَهُ حَيْثُ وصَفَها بِالنَكْثِ، (لا أيْمانَ): شامِيٌّ، أيْ: لا إسْلامَ.

﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أيْ: لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمُ انْتِهاءَهم عَمّا هم عَلَيْهِ بَعْدَ ما وُجِدَ مِنهم مَنِ العَظائِمِ، وهَذا مِن غايَةِ كَرَمِهِ عَلى المُسِيءِ.

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

ثُمَّ حَرَّضَ عَلى القِتالِ فَقالَ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الَّتِي حَلَفُوها في المُعاهَدَةِ ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَسُولِ﴾ مِن مَكَّةَ ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بِالقِتالِ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهُمْ؟! ونَجَهَمُ بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ، وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الحَضَّ عَلَيْها مِن نَكْثِ العَهْدِ، وإخْراجِ الرَسُولِ، والبَدْءِ بِالقِتالِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ (p-٦٦٨)﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ تَوْبِيخٌ عَلى الخَشْيَةِ مِنهم ﴿فاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ بِأنْ تَخْشَوْهُ، فَقاتِلُوا أعْداءَهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فاخْشَوْهُ، أيْ: إنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الكامِلِ ألّا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ، ولا يُبالِيَ بِمَن سِواهُ.

9:14Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

وَلَمّا وبَّخَهُمُ اللهُ عَلى تَرْكِ القِتالِ جَرَّدَ لَهُمُ الأمْرَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ ووَعَدَهُمُ النَصْرَ لِيُثَبِّتَ قُلُوبَهُمْ، وتَصِحَّ نِيّاتُهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ قَتْلًا ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ أسْرًا ﴿وَيَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ يُغَلِّبْكم عَلَيْهِمْ ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ طائِفَةٌ مِنهُمْ، وهم خُزاعَةُ عَيْبَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

9:15Page 189

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥

And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِما لَقُوا مِنهم مَنِ المَكْرُوهِ، وقَدْ حَصَّلَ اللهُ هَذِهِ المَواعِيدَ كُلَّها، فَكانَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ، وإخْبارٌ بِأنَّ بَعْضَ أهْلِ مَكَّةَ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ أيْضًا، فَقَدْ أسْلَمَ ناسٌ مِنهُمْ، كَأبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وهي تَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ قَوْلَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى شاءَ أنْ يَتُوبَ عَلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ، لَكِنَّهم لا يَتُوبُونَ بِاخْتِيارِهِمْ ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ، كَما يَعْلَمُ ما قَدْ كانَ ﴿حَكِيمٌ﴾ في قَبُولِ التَوْبَةِ.

9:16Page 189

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦

Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ فِيها لِلتَّوْبِيخِ عَلى وُجُودِ الحُسْبانِ، أيْ: لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخُلَّصُ مِنكُمْ، وهُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ لِوَجْهِ اللهِ ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً مِنَ الَّذِينَ يُضادُّونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، ولَمّا: مَعْناها التَوَقُّعُ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى أنْ تَبَيُّنَ ذَلِكَ (p-٦٦٩)مُتَوَقَّعٌ كائِنٌ، وأنَّ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا دِينَهم لِلَّهِ يُمَيِّزُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُخْلِصِينَ.

﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿جاهَدُوا﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ الصِلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا يَعْلَمِ اللهُ المُجاهِدِينَ مِنكم والمُخْلِصِينَ، غَيْرَ المُتَّخِذِينَ ولِيجَةً مِن دُونِ اللهِ، والمُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ: نَفِيُ المَعْلُومِ، كَقَوْلِكَ: ما عَلِمَ اللهُ مِنِّي ما قِيلَ فِيَّ، تُرِيدُ: ما وجَدَ ذَلِكَ مِنِّي. والمَعْنى: أحَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا بِلا مُجاهَدَةٍ، ولا بَراءَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

9:17Page 189

مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهُمْ، وما اسْتَقامَ ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ (مَسْجِدَ اللهِ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ. يَعْنِي: المَسْجِدَ الحَرامَ، وإنَّما جُمِعَ في القِراءَةِ بِالجَمْعِ، لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ، ولِأنَّ كُلَّ بُقْعَةٍ مِنهُ مَسْجِدٌ، أوْ أُرِيدَ جِنْسُ المَساجِدِ، وإذا لَمْ يُصْلِحُوا، لِأنْ يَعْمُرُوا جِنْسَها دَخَلَ تَحْتَ ذَلِكَ ألّا يَعْمُرُوا المَسْجِدَ الحَرامَ، الَّذِي هو صَدْرُ الجِنْسِ، وهو آكَدُ، إذْ طَرِيقُهُ طَرِيقُ الكِنايَةِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ كُتُبَ اللهِ، فَإنَّهُ أنْفى لِقِراءَتِهِ القُرْآنَ مِن تَصْرِيحِكَ بِذَلِكَ ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ بِاعْتِرافِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، وهو حالٌ مِنَ الواوِ في "يَعْمُرُوا". والمَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَضادَّيْنِ عِمارَةِ مُتَعَبَّداتِ اللهِ، مَعَ الكُفْرِ بِاللهِ وبِعِبادَتِهِ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النارِ هم خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ.

9:18Page 189

إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨

The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ﴾ عِمارَتُها: رَمُّ ما اسْتُرِمَّ مِنها، وقَمُّها، وتَنْظِيفُها، وتَنْوِيرُها بِالمَصابِيحِ، وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ المَساجِدُ مِن أحادِيثِ الدُنْيا، لِأنَّها بُنِيَتْ لِلْعِبادَةِ والذِكْرِ، ومِنَ الذِكْرِ: دَرْسُ العِلْمِ ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِالرَسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا عُلِمَ أنَّ الإيمانَ بِاللهِ قَرِينَتُهُ الإيمانُ بِالرَسُولِ، لِاقْتِرانِهِما في الأذانِ، والإقامَةِ،وَكَلِمَةِ الشَهادَةِ، وغَيْرِها. أوْ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ﴾ وفي (p-٦٧٠)قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إلا اللهَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الإخْلاصِ، والمُرادُ: الخَشْيَةُ في أبْوابِ الدِينِ، بِألا يَخْتارَ عَلى رِضا اللهِ رِضا غَيْرِهِ لِتَوَقُّعِ مَخُوفٍ، إذِ المُؤْمِنُ قَدْ يَخْشى المَحاذِيرَ، ولا يَتَمالَكُ ألّا يَخْشاها، وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ، ويَرْجُونَها، فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهم ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ تَبْعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَنْ مَواقِفِ الِاهْتِداءِ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ في الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ، لِأنَّ عَسى كَلِمَةُ إطْماعٍ، والمَعْنى: إنَّما تَسْتَقِيمُ عِمارَةُ هَؤُلاءِ، وتَكُونُ مُعْتَدًّا بِها عِنْدَ اللهِ دُونَ مَن سِواهم.

9:19Page 189

۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ السِقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ مِن: سَقى، وعَمَرَ، كالصِيانَةِ والوِقايَةِ. ولا بُدَّ مِن مُضافٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ، وقِيلَ: المَصْدَرُ بِمَعْنى الفاعِلِ، يُصَدِّقُهُ قِراءَةُ ابْنِ الزُبَيْرِ: (سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ)، والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ بِالمُؤْمِنِينَ، وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِأعْمالِهِمُ المُثْبَتَةِ، وأنْ يُسَوّى بَيْنَهُمْ، وجَعَلَ تَسْوِيَتَهم ظُلْمًا بَعْدَ ظُلْمِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّهم وضَعُوا المَدْحَ والفَخْرَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِما، نَزَلَتْ جَوابًا لِقَوْلِ العَبّاسِ حِينَ أُسِرَ، فَطَفِقَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُوَبِّخُهُ بِقِتالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَطِيعَةِ الرَحِمِ: تَذْكُرُ مَساوِيَنا وتَدَعُ مَحاسِنَنا؟ فَقِيلَ: أوَ لَكم مَحاسِنُ؟ فَقالَ: نَعْمُرُ المَسْجِدَ، ونَسَقِي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ، وقِيلَ: افْتَخَرَ العَبّاسُ بِالسِقايَةِ، وشَيْبَةُ بِالعِمارَةِ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالإسْلامِ والجِهادِ، فَصَدَّقَ اللهُ تَعالى عَلِيًّا.

9:20Page 189

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أُولَئِكَ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾ مِن أهْلِ السِقايَةِ، والعِمارَةِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ لا أنْتُمُ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ دُونَهم.

(p-٦٧١)

9:21Page 190

يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ (يَبْشُرُهُمْ) حَمْزَةُ،

﴿بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ﴾ تَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ لِوُقُوعِهِ وراءَ صِفَةِ الواصِفِ، وتَعْرِيفِ المُعَرَّفِ: ﴿لَهم فِيها﴾ في الجَنّاتِ ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ.

9:22Page 190

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يَنْقَطِعُ.

9:23Page 190

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

لَمّا أمَرَ اللهُ النَبِيَّ ﷺ بِالهِجْرَةِ جَعَلَ الرَجُلَ يَقُولُ لِابْنِهِ، ولِأخِيهِ، ولِقَرابَتِهِ: إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالهِجْرَةِ، فَمِنهم مَن يُسْرِعُ إلى ذَلِكَ، ويُعْجِبُهُ، ومِنهم مَن تَتَعَلَّقُ بِهِ زَوْجَتُهُ أوْ ولَدُهُ، فَيَقُولُ: تَدَعُنا بِلا شَيْءٍ فَنَضِيعُ، فَيَجْلِسُ مَعَهُمْ، ويَدَعُ الهِجْرَةَ، فَنَزَلَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ أيْ: آثَرُوهُ، واخْتارُوهُ.

﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكُمْ﴾ أيْ: ومَن يَتَوَلَّ الكافِرِينَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾

9:24Page 190

قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤

Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أقارِبُكُمْ، (وَعَشِيراتُكُمْ) أبُو بَكْرٍ ﴿وَأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ اكْتَسَبْتُمُوها ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ فَواتَ وقْتِ نِفاقِها،

﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ﴾ وهو عَذابٌ عاجِلٌ، أوْ عِقابٌ آجِلٌ، أوْ فَتْحُ مَكَّةَ.

﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ والآيَةُ تَنْعِي عَلى الناسِ ما هم عَلَيْهِ مِن رَخاوَةِ عَقْدِ الدِينِ، واضْطِرابِ حَبَلِ اليَقِينِ، إذْ لا تَجِدُ عِنْدَ أوْرَعِ الناسِ ما يُسْتَحَبُّ لَهُ دِينُهُ عَلى الآباءِ، والأبْناءِ، والأمْوالِ، والحُظُوظِ.

(p-٦٧٢)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском