An-NasafiAt‑Tawbah · 9:47–73

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:47–73

9:47Page 194

لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكُمْ﴾ بِخُرُوجِهِمْ مَعَكم ﴿إلا خَبالا﴾ إلّا فَسادًا وشَرًّا، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، لِأنَّ المَعْنى: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا، والِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِن غَيْرِ جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، كَقَوْلِكَ: ما زادُوكم خَيْرًا إلّا خَبالًا، والمُسْتَثْنى مِنهُ في هَذا الكَلامِ غَيْرُ مَذْكُورٍ. وإذا لَمْ يُذْكَرْ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الشَيْءِ، فَكانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، لِأنَّ الخَبالَ بَعْضُهُ ﴿وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ ولَسَعَوْا بَيْنَكم بِالتَضْرِيبِ، والنَمائِمِ، وإفْسادِ ذاتِ البَيْنِ، يُقالُ: وضَعَ البَعِيرُ وضْعًا: إذا أسْرَعَ، وأوْضَعْتُهُ أنا، والمَعْنى: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَهم بَيْنَكُمْ، والمُرادُ: الإسْراعُ بِالنَمائِمِ، لِأنَّ الراكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. وخُطَّ في المُصْحَفِ ﴿وَلأوْضَعُوا﴾ بِزِيادَةِ الألِفِ، لِأنَّ الفَتْحَةَ كانَتْ تُكْتَبُ ألِفًا قَبْلَ الخَطِّ العَرَبِيِّ، والخَطُّ العَرَبِيُّ اخْتُرِعَ قَرِيبًا مِن نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَقِيَ مِن تِلْكَ الألِفِ أثَرٌ في الطِباعِ، فَكَتَبُوا صُورَةَ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحَها ألِفًا أُخْرى، ونَحْوُهُ: ﴿أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ [النَمْلُ: ٢١] ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ فِي: " أوُضِعُوا " ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِأنْ يُوقِعُوا الخِلافَ فِيما بَيْنَكُمْ، ويُفْسِدُوا نِيّاتِكم في مَغْزاكم.

﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكُمْ، فَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ بِالمُنافِقِينَ.

9:48Page 195

لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨

They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾ بِصَدِّ الناسِ، أوْ بِأنْ يَفْتِكُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، أوْ بِالرُجُوعِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكائِدَ، ودَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ وهو تَأْيِيدُكَ، ونَصْرُكَ.

﴿وَظَهَرَ أمْرُ اللهِ﴾ وغَلَبَ دِينُهُ، وعَلا شَرْعُهُ ﴿وَهم كارِهُونَ﴾ أيْ: عَلى رَغْمٍ مِنهم.

9:49Page 195

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ ولا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ -وَهِيَ الإثْمُ- بِألّا تَأْذَنَ لِي، فَإنِّي إنْ تَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ أثِمْتُ، أوْ لا تُلْقِنِي في (p-٦٨٥)الهَلَكَةِ، فَإنِّي إذا خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي، وقِيلَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ المُنافِقُ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُسْتَهْتِرٌ بِالنِساءِ، فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ [بَنِي] الأصْفَرِ، يَعْنِي: نِساءَ الرُومِ، ولَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي، فاتْرُكْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي: أنَّ الفِتْنَةَ هي الَّتِي سَقَطُوا فِيها، وهي فِتْنَةُ التَخَلُّفِ.

﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ الآنَ، لِأنَّ أسْبابَ الإحاطَةِ مَعَهُمْ، أوْ هي تُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

9:50Page 195

إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.

﴿إنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِ الغَزَواتِ ﴿حَسَنَةٌ﴾ ظَفَرٌ، وغَنِيمَةٌ.

﴿تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ نَكْبَةٌ، وشِدَّةٌ في بَعْضِها، نَحْوُ ما جَرى يَوْمَ أُحُدٍ.

﴿يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ الَّذِي نَحْنُ مُتَّسِمُونَ بِهِ مِنَ الحَذَرِ، والتَيَقُّظِ، والعَمَلِ بِالحَزْمِ.

﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ ما وقَعَ ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ مَقامِ التَحَدُّثِ بِذَلِكَ إلى أهالِيهِمْ ﴿وَهم فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ.

9:51Page 195

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١

Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ أيْ: قَضى مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيِ: الَّذِي يَتَوَلّانا، ونَتَوَلّاهُ ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ وحَقُّ المُؤْمِنِينَ ألّا يَتَوَكَّلُوا عَلى غَيْرِ اللهِ.

9:52Page 195

قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢

Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنا ﴿إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ وهُما النُصْرَةُ، والشَهادَةُ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى السُوأيَيْنِ، إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ وهو قارِعَةٌ مِنَ السَماءِ، كَما نَزَلَتْ عَلى عادٍ، وثَمُودَ. "أوْ" بِعَذابٍ ﴿بِأيْدِينا﴾ وهو القَتْلُ عَلى الكُفْرِ.

﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بِنا ما ذَكَرْنا (p-٦٨٦)﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ما هو عاقِبَتُكم.

9:53Page 195

قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ في وُجُوهِ البِرِّ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ طائِعِينَ، أوْ مَكْرُوهِينَ نَصْبٌ عَلى الحالِ. (كُرْهًا) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. وهو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ، ومَعْناهُ: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كُرْهًا، ونَحْوُهُ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التَوْبَةُ: ٨٠]. وقَوْلُهُ:

؎ أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ

أيْ: لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرَتْ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، ولا نَلُومُكِ أسَأْتِ إلَيْنا أوْ أحْسَنْتِ، وقَدْ جازَ عَكْسُهُ في قَوْلِكَ: رَحِمَ اللهُ زَيْدًا، ومَعْنى عَدَمِ القَبُولِ: أنَّهُ ﷺ يَرُدُّها عَلَيْهِمْ، ولا يَقْبَلُها، أوْ لا يُثِيبُها اللهُ، وقَوْلُهُ: "طَوْعًا" أيْ: مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ. و"كُرْهًا" أيْ: مُلْزَمِينَ. وسُمِّيَ الإلْزامُ إكْراهًا، لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَكانَ إلْزامُهُمُ الإنْفاقَ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ ﴿إنَّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِرَدِّ إنْفاقِهِمْ ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَمَرِّدِينَ، عاتِينَ.

9:54Page 195

وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

﴿وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ وبِالياءِ: حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ.

﴿إلا أنَّهم كَفَرُوا﴾ "أنَّهُمْ" فاعِلُ مَنَعَ، و"هُمْ" و﴿أنْ تُقْبَلَ﴾ مَفْعُولاهُ، أيْ: وما مَنَعَهم قَبُولَ نَفَقاتِهِمْ إلّا كُفْرُهم ﴿بِاللهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ جَمْعُ كَسْلانَ ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ لِأنَّهم لا يُرِيدُونَ بِهِما وجْهَ اللهِ تَعالى. وصَفَهم بِالطَوْعِ في قَوْلِهِ: ﴿طَوْعًا﴾ وسَلَبَهُ عَنْهم هاهُنا، لِأنَّ المُرادَ بِطَوْعِهِمْ: أنَّهم يَبْذُلُونَهُ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ مِن رُؤَسائِهِمْ، وما طَوْعُهم ذَلِكَ إلّا عَنْ كَراهَةٍ واضْطِرارٍ، لا عَنْ رَغْبَةٍ واخْتِيارٍ.

9:55Page 196

فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥

So let not their wealth or their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُنْيا﴾ الإعْجابُ بِالشَيْءِ: أنْ تُسَرَّ بِهِ سُرُورَ راضٍ بِهِ مُتَعَجِّبٍ مِن حُسْنِهِ، والمَعْنى: (p-٦٨٧)فَلا تَسْتَحْسِنْ ما أُوتُوا مِن زِينَةِ الدُنْيا، فَإنَّ اللهَ إنَّما أعْطاهم ما أعْطاهم لِيُعَذِّبَهم بِالمَصائِبِ فِيها، أوْ بِالإنْفاقِ مِنهُ في أبْوابِ الخَيْرِ، وهم كارِهُونَ لَهُ، أوْ بِنَهْبِ أمْوالِهِمْ، وسَبْيِ أوْلادِهِمْ، أوْ بِجَمْعِها، وحِفْظِها، وحُبِّها، والبُخْلِ بِها، والخَوْفِ عَلَيْها، وكُلُّ هَذا عَذابٌ.

﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ وتَخْرُجُ أرْواحُهُمْ، وأصْلُ الزُهُوقِ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالأصْلَحِ، لِأنَّهُ أخْبَرَ: أنَّ إعْطاءَ الأمْوالِ والأوْلادِ لَهم لِلتَّعْذِيبِ والأمانَةِ عَلى الكُفْرِ، وعَلى إرادَةِ اللهِ تَعالى المَعاصِيَ، لِأنَّ إرادَةَ العَذابِ بِإرادَةِ ما يُعَذَّبُ عَلَيْهِ، وكَذا إرادَةُ الإماتَةِ عَلى الكُفْرِ.

9:56Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ لِمَن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ ﴿وَما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يَخافُونَ القَتْلَ وما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ تَقِيَّةً.

9:57Page 196

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ مَكانًا يَلْجَئُونَ إلَيْهِ مُتَحَصِّنِينَ، مِن رَأْسِ جَبَلٍ، أوْ قَلْعَةٍ، أوْ جَزِيرَةٍ.

﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ أوْ غِيرانًا ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ أوْ نَفَقًا يَنْدَسُّونَ فِيهِ، وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُخُولِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ لَأقْبَلُوا نَحْوَهُ ﴿وَهم يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِنَ الفَرَسِ الجُمُوحِ.

9:58Page 196

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

﴿وَمِنهُمْ﴾ ومِنَ المُنافِقِينَ ﴿مَن يَلْمِزُكَ في الصَدَقاتِ﴾ يَعِيبُكَ في قِسْمَةِ الصَدَقاتِ، ويَطْعَنُ عَلَيْكَ،

﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ "إذا" لِلْمُفاجَأةِ، أيْ: وإنْ لَمْ يُعْطُوا مِنها فاجَئُوا السُخْطَ، وصَفَهم بِأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم لِأنْفُسِهِمْ لا لِلدِّينِ، وما فِيهِ صَلاحٌ أهْلِهِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ اسْتَعْطَفَ قُلُوبَ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَئِذَ بِتَوْفِيرِ الغَنائِمِ عَلَيْهِمْ، فَضَجِرَ المُنافِقُونَ مِنهُ.

(p-٦٨٨)

9:59Page 196

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩

If only they had been satisfied with what Allāh and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allāh; Allāh will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allāh,"1 [it would have been better for them].

﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللهُ سَيُؤْتِينا اللهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللهِ راغِبُونَ﴾ جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا﴾ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ، والمَعْنى: ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا﴾ ما أصابَهم بِهِ الرَسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ، وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وإنْ قَلَّ نَصِيبُهم "وَقالُوا" كَفانا فَضْلُ اللهِ وصُنْعُهُ، و"حَسْبُنا" ما قُسِمَ لَنا، سَيَرْزُقُنا غَنِيمَةً أُخْرى، فَيُؤْتِينا رَسُولُ اللهِ ﷺ أكْثَرَ مِمّا آتانا اليَوْمَ ﴿إنّا إلى اللهِ﴾ في أنْ يُغَنِّمَنا فَضْلَهُ "لَراغِبُونَ". ثُمَّ بَيَّنَ مَواضِعَها الَّتِي تُوضَعُ فِيها، فَقالَ:

9:60Page 196

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦٠

Zakāh expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed for it1 and for bringing hearts together [for Islām] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allāh and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allāh. And Allāh is Knowing and Wise.

﴿إنَّما الصَدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ قَصْرُ جِنْسِ الصَدَقاتِ عَلى الأصْنافِ المَعْدُودَةِ، أيْ: هي مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، لا تَتَجاوَزُ إلى غَيْرِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما هي لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، كَقَوْلِكَ: إنَّما الخِلافَةُ لِقُرَيْشٍ، تُرِيدُ: لا تَتَعَدّاهُمْ، ولا تَكُونُ لِغَيْرِهِمْ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تُصْرَفُ إلى الأصْنافِ كُلِّها، وأنْ تُصْرَفَ إلى بَعْضِها كَما هو مَذْهَبُنا. وعَنْ حُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِما مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ أنَّهم قالُوا: في أيِّ صِنْفٍ مِنها وضَعْتَها أجْزَأكَ. وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: لا بُدَّ مِن صَرْفِها إلى الأصْنافِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ثُمَّ الفَقِيرُ: الَّذِي لا يَسْألُ، لِأنَّ عِنْدَهُ ما يَكْفِيهِ لِلْحالِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْألُ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ شَيْئًا، فَهو أضْعَفُ حالًا مِنهُ، وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ عَلى العَكْسِ.

﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ هُمُ السُعاةُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ عَلى الإسْلامِ، أشْرافٌ مِنَ العَرَبِ، كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَألَّفُهم عَلى أنْ يُسْلِمُوا، وقَوْمٌ مِنهم أسْلَمُوا، فَيُعْطِيهِمْ تَقْرِيرًا لَهم عَلى الإسْلامِ ﴿وَفِي الرِقابِ﴾ وهُمُ المُكاتَبُونَ يُعانُونَ مِنها ﴿والغارِمِينَ﴾ الَّذِينَ رَكِبَتْهُمُ الدُيُونُ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فُقَراءُ الغُزاةِ، أوِ الحَجِيجِ المُنْقَطَعِ بِهِمْ ﴿وابْنِ السَبِيلِ﴾ المُسافِرُ المُنْقَطِعُ عَنْ مالِهِ، وعَدَلَ عَنِ اللامِ إلى "فِي" في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهم أرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ التَصَدُّقِ عَلَيْهِمْ (p-٦٨٩)مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، لِأنَّ في لِلْوِعاءِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ تُوضَعَ فِيها الصَدَقاتُ، ويُجْعَلُوا مَظِنَّةً لَها، وتَكْرِيرُ "فِي" في قَوْلِهِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ وابْنِ السَبِيلِ﴾ فِيهِ فَضْلٌ وتَرْجِيحٌ لِهَذَيْنِ عَلى الرِقابِ والغارِمِينَ، وإنَّما وقَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَضاعِيفِ ذِكْرِ المُنافِقِينَ، لِيَدُلَّ بِكَوْنِ هَذِهِ الأصْنافِ مَصارِفَ الصَدَقاتِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ، عَلى أنَّهم لَيْسُوا مِنهم حَسْمًا لِأطْماعِهِمْ، وإشْعارًا بِأنَّهم بُعَداءُ عَنْها وعَنْ مَصارِفِها، فَما لَهم وما لَها، وما سَلَّطَهم عَلى التَكَلُّمِ فِيها ولَمْزِ قاسِمِها، وسَهْمُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم سَقَطَ بِإجْماعِ الصَحابَةِ في صَدْرِ خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لِأنَّ اللهَ أعَزَّ الإسْلامَ، وأغْنى عَنْهُمْ، والحُكْمُ مَتى ثَبَتَ مَعْقُولًا لِمَعْنًى خاصٍّ يَرْتَفِعُ، ويَنْتَهِي بِذَهابِ ذَلِكَ المَعْنى.

﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ في مَعْنى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما الصَدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ مَعْناهُ: فَرَضَ اللهُ الصَدَقاتِ لَهم ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِالمَصْلَحَةِ،

﴿حَكِيمٌ﴾ في القِسْمَةِ.

9:61Page 196

وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear."1 Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allāh and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allāh - for them is a painful punishment.

﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الأُذُنُ: الرَجُلُ الَّذِي يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسْمَعُ، ويَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ أحَدٍ، سُمِّيَ بِالجارِجَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَماعِ، كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، وإيذاؤُهم لَهُ: هو قَوْلُهم فِيهِ، هو أُذُنٌ. قَصَدُوا بِهِ المَذَمَّةَ، وأنَّهُ مِن أهْلِ سَلامَةِ القُلُوبِ والغِرَّةِ، فَفَسَّرَهُ اللهُ تَعالى بِما هو مَدْحٌ لَهُ، وثَناءٌ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ كَقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ، تُرِيدُ: الجَوْدَةَ والصَلاحَ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ، هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ، وفِيما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ بِأنَّهُ ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ لِما قامَ عِنْدَهُ مِنَ الأدِلَّةِ ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويَقْبَلُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وعُدِّيَ فِعْلُ الإيمانِ بِالباءِ إلى اللهِ، لِأنَّهُ قُصِدَ بِهِ التَصْدِيقُ بِاللهِ الَّذِي هو ضِدُّ الكُفْرِ بِهِ، وإلى المُؤْمِنِينَ بِاللامِ، لِأنَّهُ قُصِدَ السَماعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يُسَلِّمَ لَهم ما يَقُولُونَهُ، ويُصَدِّقُهُ لِكَوْنِهِمْ صادِقِينَ عِنْدَهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يُوسُفُ: ١٧] كَيْفَ يَنْبُو عَنِ الباءِ؟! ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بِالعَطْفِ عَلى (p-٦٩٠)(أُذُنٌ). (وَرَحْمَةٍ): حَمْزَةُ، عَطْفٌ عَلى "خَيْرٍ" أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ، وأُذُنُ رَحْمَةٍ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُما، ولا يَقْبَلُهُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ أيْ: "وَ" هو " رَحِمة لِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم " أيْ: أظْهَرُوا الإيمانَ أيُّها المُنافِقُونَ حَيْثُ يَقْبَلُ إيمانَكُمُ الظاهِرَ، ولا يَكْشِفُ أسْرارَكُمْ، ولا يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، أوْ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ اسْتَنْقَذَهم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ويَشْفَعُ لَهم في الآخِرَةِ بِإيمانِهِمْ في الدُنْيا ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الدارَيْنِ.

9:62Page 197

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢

They swear by Allāh to you [Muslims] to satisfy you. But Allāh and His Messenger are more worthy for them to satisfy,1 if they were to be believers.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ وكانَ المُنافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِالمَطاعِنِ، أوْ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ يَأْتُونَهم فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ، ويُؤَكِّدُونَ مَعاذِيرَهم بِالحَلِفِ لِيَعْذُرُوهُمْ، ويَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كَما تَزْعُمُونَ، فَأحَقُّ مَن أرْضَيْتُمُ اللهُ ورَسُولُهُ بِالطاعَةِ والوِفاقِ، وإنَّما وحَّدَ الضَمِيرَ، لِأنَّهُ لا تَفاوُتَ بَيْنَ رِضا اللهِ ورِضا رَسُولِ اللهِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: إحْسانُ زَيْدٍ وإجْمالُهُ نَعَشَنِي. أوْ واللهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ.

9:63Page 197

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣

Do they not know that whoever opposes Allāh and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ﴾ أنَّ الأمْرَ والشَأْنَ ﴿مَن يُحادِدِ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ يُجاوِزِ الحَدَّ بِالخِلافِ، وهي مُفاعَلَةٌ، مِنَ الحَدِّ، كالمُشاقَّةِ مِنَ الشَقِّ،

﴿فَأنَّ لَهُ﴾ عَلى حَذْفِ الخَبَرِ، أيْ: فَحَقَّ أنَّ لَهُ ﴿نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾

9:64Page 197

يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤

The hypocrites are apprehensive lest a sūrah be revealed about them, informing them of1 what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allāh will expose that which you fear."

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، أيْ: لِيَحْذَرِ المُنافِقُونَ ﴿أنْ تُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ (تَنْزِلَ) بِالتَخْفِيفِ: مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ.

﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والنِفاقِ، والضَمائِرُ لِلْمُنافِقِينَ، لِأنَّ السُورَةَ إذا نَزَلَتْ في مَعْناهُمْ، فَهي نازِلَةٌ عَلَيْهِمْ، دَلِيلُهُ ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أوِ الأوَّلانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والثالِثُ لِلْمُنافِقِينَ، وصَحَّ ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْنى يَقُودُ إلَيْهِ ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أمْرُ تَهْدِيدٍ ﴿إنَّ (p-٦٩١)اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ مُظْهِرٌ ما كُنْتُمْ تَحْذَرُونَهُ، أيْ: تَحْذَرُونَ إظْهارَهُ مِن نِفاقِكُمْ، وكانُوا يَحْذَرُونَ أنْ يَفْضَحَهُمُ اللهُ بِالوَحْيِ فِيهِمْ، وفي اسْتِهْزائِهِمْ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: ودِدْتُ أنِّي قُدِّمْتُ فَجُلِدْتُ مِائَةً وأنَّهُ لا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا.

9:65Page 197

وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allāh and His verses and His Messenger that you were mocking?"

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ «بَيْنا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ورَكْبٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالُوا: انْظُرُوا إلى هَذا الرَجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشامِ وحُصُونَها، هَيْهاتَ هَيْهاتَ! فَأطْلَعَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ. فَقالَ: "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَكْبَ" فَأتاهُمْ، فَقالَ: "قُلْتُمْ كَذا وكَذا" فَقالُوا: يا نَّبِيَّ اللهِ، لا واللهِ ما كُنّا في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ، ولا مِن أمْرِ أصْحابِكَ، ولَكِنْ كُنّا في شَيْءٍ مِمّا يَخُوضُ فِيهِ الرَكْبُ لِيُقَصِّرَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ السَفَرَ، » أيْ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ وقُلْتَ لَهُمْ: لِمَ قُلْتُمْ ذَلِكَ؟ لَقالُوا: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ،

﴿أبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ لَمْ يَعْبَأْ بِاعْتِذارِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، فَجُعِلُوا كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِاسْتِهْزائِهِمْ، وبِأنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهِمْ، حَتّى وُبِّخُوا بِإخْطائِهِمْ مَوْقِعَ الِاسْتِهْزاءِ، حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ يَلِي حَرْفَ التَقْرِيرِ، وذَلِكَ إنَّما يَسْتَقِيمُ بَعْدَ ثُبُوتِ الِاسْتِهْزاءِ.

9:66Page 197

لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦

Make no excuse; you have disbelieved [i.e., rejected faith] after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ لا تَشْتَغِلُوا بِاعْتِذاراتِكُمُ الكاذِبَةِ، فَإنَّها لا تَنْفَعُكم بَعْدَ ظُهُورِ سِرِّكم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ قَدْ أظْهَرْتُمْ كُفْرَكم بِاسْتِهْزائِكم ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ بِتَوْبَتِهِمْ، وإخْلاصِهِمُ الإيمانَ بَعْدَ النِفاقِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِفاقِ، غَيْرَ تائِبِينَ مِنهُ. (إنْ يُعْفَ) (تُعَذِّبْ طائِفَةٌ) غَيْرُ عاصِمٍ.

9:67Page 197

ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands.1 They have forgotten Allāh, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الرِجالُ المُنافِقُونَ كانُوا ثَلَثَمِائَةٍ، والنِساءُ (p-٦٩٢)المُنافِقاتُ مِائَةً وسَبْعِينَ ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ:كَأنَّهم نَفْسٌ واحِدَةٌ، وفِيهِ نَفْيٌ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وتَكْذِيبُهم في قَوْلِهِمْ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما هم مِنكُمْ﴾ وصَفَهم بِما يَدُلُّ عَلى مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ بِالكُفْرِ، والعِصْيانِ.

﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ عَنِ الطاعَةِ، والإيمانِ ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ شُحًّا بِالمَبارِّ، والصَدَقاتِ، والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ.

﴿نَسُوا اللهَ﴾ تَرَكُوا أمْرَهُ، أوْ أغْفَلُوا ذِكْرَهُ ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فَتَرَكَهم مَن رَحْمَتِهِ، وفَضْلِهِ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ، الَّذِي هو التَمَرُّدُ في الكُفْرِ، والِانْسِلاخُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. وكَفى المُسْلِمَ زاجِرًا أنْ يُلِمَّ بِما يُكْسِبُهُ هَذا الِاسْمُ الفاحِشُ، الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ حِينَ بالَغَ في ذَمِّهِمْ.

9:68Page 197

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨

Allāh has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allāh has cursed them, and for them is an enduring punishment.

﴿وَعَدَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ فِيها ﴿هِيَ﴾ أيِ: النارُ ﴿حَسْبُهُمْ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ عَذابِها، وأنَّهُ بِحَيْثُ لا يُزادُ عَلَيْهِ ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ وأهانَهم مَعَ التَعْذِيبِ، وجَعَلَهم مَذْمُومِينَ، مُلْحَقِينَ بِالشَياطِينِ المَلاعِينِ.

﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ مَعَهم في العاجِلِ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِفاقِ، والظاهِرِ المُخالِفِ لِلْباطِنِ خَوْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِنَ الفَضِيحَةِ، ونُزُولِ العَذابِ إنِ اطُّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ.

9:69Page 198

كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

الكافُ في ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ مَحَلُّها رَفْعٌ، أيْ: أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. أوْ نَصْبٌ عَلى: (p-٦٩٣)فَعَلْتُمْ مِثْلَ فِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، وهو أنَّكُمُ اسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، أيْ: تَلَذَّذُوا بِمَلاذِّ الدُنْيا، والخَلاقُ: النَصِيبُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخَلْقِ، وهو التَقْدِيرُ، أيْ: ما خُلِقَ لِلْإنْسانِ، بِمَعْنى: قُدِّرَ مِن خَيْرٍ.

﴿وَخُضْتُمْ﴾ في الباطِلِ ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا، أوْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوهُ، والخَوْضُ: الدُخُولُ في الباطِلِ واللهْوِ، وإنَّما قَدَّمَ ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ مُغْنٍ عَنْهُ، لِيَذُمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُنْيا، والتِهائِهِمْ بِشَهَواتِهِمُ الفانِيَةِ عَنِ النَظَرِ في العاقِبَةِ، وطَلَبِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، ثُمَّ يُشَبِّهَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ المُخاطَبِينَ بِحالِهِمْ ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: ٢٧] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ نَبَأ مَن قَبْلَهم فَقالَ:

9:70Page 198

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ هو بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" ﴿وَعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ وأهْلِ مَدْيَنَ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ، وائْتِفاكُهُنَّ: انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ عَنِ الخَيْرِ إلى الشَرِّ ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فَما صَحَّ مِنهُ أنْ يَظْلِمَهم بِإهْلاكِهِمْ، لِأنَّهُ حَكِيمٌ، فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ جُرْمٍ.

﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الرُسُلِ.

9:71Page 198

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في التَناصُرِ، والتَراحُمِ،

﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالطاعَةِ والإيمانِ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِرْكِ، والعِصْيانِ ﴿وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ ويُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ (p-٦٩٤)اللهَ﴾ السِينُ مُفِيدَةٌ وُجُودَ الرَحْمَةِ لا مَحالَةَ، فَهي تُؤَكِّدُ الوَعْدَ، كَما تُؤَكِّدُ الوَعِيدَ فِي: سَأنْتَقِمُ مِنكَ يَوْمًا ﴿إنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قادِرٌ عَلَيْهِ، فَهو يَقْدِرُ عَلى الثَوابِ والعِقابِ ﴿حَكِيمٌ﴾ واضِعٌ كُلًّا مَوْضِعَهُ.

9:72Page 198

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢

Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.

﴿وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ يَطِيبُ فِيها العَيْشُ، وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: قُصُورًا مِنَ اللُؤْلُؤِ، والياقُوتِ الأحْمَرِ، والزَبَرْجَدِ.

﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ هو عَلَمٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَحْمَنُ﴾ [مَرْيَمُ: ٦١]. وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الَّذِي والَّتِي وُضِعا لِوَصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، وهي مَدِينَةٌ في الجَنَّةِ ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾ وشَيْءٌ مِن رِضْوانِ اللهِ ﴿أكْبَرُ﴾ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأنَّ رِضاهُ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ، وسَعادَةٍ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما وعَدَ، أوْ إلى الرِضْوانِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما يُعِدُّهُ الناسُ فَوْزًا.

9:73Page 199

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

﴿يا أيُّها النَبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ بِالسَيْفِ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِالحُجَّةِ ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في الجِهادَيْنِ جَمِيعًا، ولا تُحابِهِمْ، وكُلُّ مَن وُقِفَ مِنهُ عَلى فَسادٍ في العَقِيدَةِ، فَهَذا الحُكْمُ ثابِتٌ فِيهِ يُجاهَدُ بِالحُجَّةِ، وتُسْتَعْمَلُ مَعَهُ الغِلْظَةُ ما أمْكَنَ مِنها ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ جَهَنَّمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском