An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
البلد
Al-Balad
The City · Meccan · 20 ayahs
(p-٦٤٣)سُورَةُ "اَلْبَلَدِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾، أقْسَمَ - سُبْحانَهُ - بِالبَلَدِ الحَرامِ، وبِما بَعْدَهُ، عَلى أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَغْمُورًا في مُكابَدَةِ المَشاقِّ، واعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ، والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ:
90:2Page 594
وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٢
And you, [O Muḥammad], are free of restriction in this city –
﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ أيْ: ومِنَ المُكابَدَةِ أنَّ مِثْلَكَ - عَلى عِظَمِ حُرْمَتِكَ - يُسْتَحَلُّ بِهَذا البَلَدِ، يَعْنِي مَكَّةَ، كَما يُسْتَحَلُّ الصَيْدُ في غَيْرِ الحَرَمِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ: "يُحَرِّمُونَ أنْ يَقْتُلُوا بِها صَيْدًا، ويَسْتَحِلُّونَ إخْراجَكَ، وقَتْلَكَ"، وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وبَعْثٌ عَلى احْتِمالِ ما كانَ يُكابِدُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ في عَداوَتِهِ، أوْ سَلّى رَسُولَ اللهِ بِالقَسَمِ بِبَلَدِهِ، عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو مِن مُقاساةِ الشَدائِدِ، واعْتَرَضَ بِأنْ وعَدَهُ فَتْحَ مَكَّةَ، تَتْمِيمًا لِلتَّسْلِيَةِ، والتَنْفِيسِ عَنْهُ، فَقالَ: " ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ "، أيْ: وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، تَصْنَعُ فِيهِ ما تُرِيدُهُ، مِنَ القَتْلِ، والأسْرِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ (تَعالى) فَتَحَ عَلَيْهِ مَكَّةَ، وأحَلَّها لَهُ، وما فُتِحَتْ عَلى أحَدٍ قَبْلَهُ، ولا أُحِلَّتْ لَهُ، فَأحَلَّ ما شاءَ، وحَرَّمَ ما شاءَ، قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، ومِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ، وغَيْرَهُما، وحَرَّمَ دارَ (p-٦٤٤)أبِي سُفْيانَ، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: "وَأنْتَ حِلٌّ"، في الِاسْتِقْبالِ، قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وكَفاكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لِلِاسْتِقْبالِ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وأيْنَ الهِجْرَةُ مِن وقْتِ نُزُولِها؟! فَما بالُ الفَتْحِ؟!
﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾، هُما آدَمُ ووَلَدُهُ، أوْ كُلُّ والِدٍ ووَلَدِهِ، أوْ إبْراهِيمُ ووَلَدُهُ، و"ما"، بِمَعْنى "مَن"، أوْ بِمَعْنى "اَلَّذِي".
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾، جَوابُ القَسَمِ،
﴿فِي كَبَدٍ﴾، مَشَقَّةٍ، يُكابِدُ مَصائِبَ الدُنْيا، وشَدائِدَ الآخِرَةِ، وعَنْ ذِي النُونِ: "لَمْ يَزَلْ مَرْبُوطًا بِحَبْلِ القَضاءِ، مَدْعُوًّا إلى الِائْتِمارِ والِانْتِهاءِ".
90:5Page 594
أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ ٥
Does he think that never will anyone overcome him?
والضَمِيرُ في ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾، لِبَعْضِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ - يُكابِدُ مِنهم ما يُكابِدُ، ثُمَّ قِيلَ: هو أبُو الأشَدِّ، وقِيلَ: اَلْوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والمَعْنى: أيَظُنُّ هَذا الصِنْدِيدُ القَوِيُّ في قَوْمِهِ، المُتَضَعِّفِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أنْ لَنْ تَقُومَ قِيامَةٌ، ولَنْ يَقْدِرَ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ؟! ثُمَّ ذَكَرَ ما يَقُولُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأنَّهُ.
﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ أيْ: كَثِيرًا، جَمْعُ "لُبْدَةٌ"، وهو ما تَلَبَّدَ، أيْ: كَثُرَ واجْتَمَعَ، يُرِيدُ كَثْرَةَ ما أنْفَقَهُ فِيما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَها مَكارِمَ، ومَعالِيَ.
﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾، حِينَ كانَ يُنْفِقُ ما يُنْفِقُ رِياءً وافْتِخارًا، يَعْنِي أنَّ اللهَ (تَعالى) كانَ يَراهُ، وكانَ عَلَيْهِ رَقِيبًا، ثُمَّ ذَكَرَ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، فَقالَ:
﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يُبْصِرُ بِهِما المَرْئِيّاتِ؟!
﴿وَلِسانًا﴾، يُعَبِّرُ بِهِ عَمّا في ضَمِيرِهِ،
﴿وَشَفَتَيْنِ﴾، يَسْتُرُ بِهِما ثَغْرَهُ، ويَسْتَعِينُ بِهِما عَلى النُطْقِ، والأكْلِ، والشُرْبِ، والنَفْخِ.
﴿وَهَدَيْناهُ النَجْدَيْنِ﴾، طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَرِّ، المُفْضِيَيْنِ إلى الجَنَّةِ، والنارِ، وقِيلَ: اَلثَّدْيَيْنِ،
90:11–17Page 594
فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ ١١
But he has not broken through the difficult pass.1
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ ١٢
And what can make you know what is [breaking through] the difficult pass?
فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣
It is the freeing of a slave
أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ ١٤
Or feeding on a day of severe hunger
يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ ١٥
An orphan of near relationship
أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ ١٦
Or a needy person in misery
ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ ١٧
And then being among those who believed and advised one another to patience and advised one another to compassion.
﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ (p-٦٤٥)ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يَعْنِي: فَلَمْ يَشْكُرْ تِلْكَ الأيادِي، والنِعَمَ، بِالأعْمالِ الصالِحَةِ، مِن فَكِّ الرِقابِ، أوْ إطْعامِ اليَتامى، والمَساكِينِ، ثُمَّ بِالإيمانِ الَّذِي هو أصْلُ كُلِّ طاعَةٍ، وأساسُ كُلِّ خَيْرٍ، بَلْ غَمَطَ النِعَمَ، وكَفَرَ بِالمُنْعِمِ، والمَعْنى أنَّ الإنْفاقَ عَلى هَذا الوَجْهِ مَرْضِيٌّ، نافِعٌ عِنْدَ اللهِ، لا أنْ يُهْلِكَ مالَهُ لُبَدًا في الرِياءِ، والفَخارِ، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ "لا"، مَعَ الماضِي، إلّا مُكَرَّرَةً، وإنَّما لَمْ تُكَرَّرْ في الكَلامِ الأفْصَحِ، لِأنَّهُ لَمّا فَسَّرَ اقْتِحامَ العَقَبَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، صارَ كَأنَّهُ أعادَ "لا"، ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَقْدِيرُهُ: "فَلا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا، ولا آمَنَ"، و"اَلِاقْتِحامُ": اَلدُّخُولُ والمُجاوَزَةُ بِشِدَّةٍ ومَشَقَّةٍ، و"اَلْقُحْمَةُ": اَلشِّدَّةُ، فَجَعَلَ الصالِحَةَ عَقَبَةً، وعَمَلَها اقْتِحامًا لَها، لِما في ذَلِكَ مِن مُعاناةِ المَشَقَّةِ، ومُجاهَدَةِ النَفْسِ، وعَنِ الحَسَنِ: "عَقَبَةٌ واللهِ شَدِيدَةٌ، مُجاهَدَةُ الإنْسانِ نَفْسَهُ وهَواهُ أوْ عَدُوَّهُ الشَيْطانَ"، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "ما العَقَبَةُ": ما اقْتِحامُها، ومَعْناهُ أنَّكَ لَمْ تَدْرِ كُنْهَ صُعُوبَتِها عَلى النَفْسِ، وكُنْهَ ثَوابِها عِنْدَ اللهِ، و"فَكُّ الرَقَبَةِ": تَخْلِيصُها مِنَ الرِقِّ، أوِ الإعانَةُ في مالِ الكِتابَةِ، "فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ"، "مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو وعَلِيٌّ "، عَلى الإبْدالِ مِن "اِقْتَحَمَ العَقَبَةَ"، وقَوْلُهُ: " ﴿وَما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ "، اِعْتِراضٌ، غَيْرُهُمْ: "فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ"، عَلى: "اِقْتِحامُها فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ"، و"اَلْمَسْغَبَةُ": اَلْمَجاعَةُ، و"اَلْمَقْرَبَةُ": القَرابَةُ، و"اَلْمَتْرَبَةُ": اَلْفَقْرُ، "مَفْعَلاتٌ"، مِن "سَغَبَ"، إذا جاعَ، و"قَرُبَ"، في النَسَبِ، يُقالُ: "فُلانٌ ذُو قَرابَتِي"، و"ذُو مَقْرَبَتِي"، و"تَرِبَ"، إذا افْتَقَرَ، ومَعْناهُ: اِلْتَصَقَ بِالتُرابِ، فَيَكُونُ مَأْواهُ المَزابِلَ، ووَصَفَ اليَوْمَ بِـ "ذِي مَسْغَبَةٍ"، كَقَوْلِهِمْ: "هَمٌّ ناصِبٌ"، أيْ: "ذُو نَصَبٍ"، ومَعْنى "ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا"، أيْ: داوَمَ عَلى الإيمانِ، وقِيلَ: "ثُمَّ"، بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: إنَّما جاءَ بِـ "ثُمَّ"، لِتَراخِي الإيمانِ وتَباعُدِهِ في الرُتْبَةِ والفَضِيلَةِ عَنِ العِتْقِ، والصَدَقَةِ، لا في الوَقْتِ، إذِ الإيمانُ هو السابِقُ عَلى غَيْرِهِ، ولا يَثْبُتُ عَمَلٌ صالِحٌ إلّا بِهِ،
﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾، عَنِ المَعاصِي، وعَلى الطاعاتِ والمِحَنِ الَّتِي يُبْتَلى بِها المُؤْمِنُ،
﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾، بِالتَراحُمِ فِيما بَيْنَهم.
(p-٦٤٦)﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ: اَلْمَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِفاتِ مِن أصْحابِ اليَمِينِ.
90:19Page 594
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ١٩
But they who disbelieved in Our signs - those are the companions of the left.1
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾، بِالقُرْآنِ، أوْ بِدَلائِلِنا،
﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾، أصْحابُ الشِمالِ، و"اَلْمَيْمَنَةُ"، و"اَلْمَشْأمَةُ": اَلْيَمِينُ، والشِمالُ، أوِ اليُمْنُ، والشُؤْمُ، أيْ: المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، والمَشائِيمُ عَلَيْهِنَّ.
عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ، وبِالهَمْزَةِ، " أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ "، أيْ: مُطْبِقَةٌ، مِن "أوْصَدْتُ البابَ"، و"آصَدْتُهُ"، إذا أطْبَقْتُهُ وأغْلَقْتُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences